"أما قبل ، إلى حبيب عبدالرب سروري، صديق كتابة ، حيث التقينا ذات يوم في مهرجان الرواية العربية، في الرقة " سوريا " 2-5 كانون الأول 2005 "
سؤال عالق
أي عقْد قرَان قائم بين الحياة والرواية، أو الرواية والحياة؟ الحياة التي نكون فيها، وتغمرنا بمؤثراتها الموسوعية، وننتمي إليها دون أي تأكيد زعْم بالبقاء الدائم فيها.في النظر إلى هاتين المفردتين: الحياة في عموميتها، في طبيعتها، وفي الذي أُلصِق بها خارجاً بقوى لم تخترها الحياة، أو تؤخَذ موافقتها، ولا بأي شكل، أي : المؤثر الإنساني، كما في الرواية التي تتكلم لغتنا، دون أن تكُوننا تماماً، أو ننتسب إليها حرفياً، ودون أي إمكانية تأكيد، بالمقابل، على أن الذي جسّدها باسمها، لا مهرب لنا من اعتبارها لسان حال لنا، دون تمييز، فيما بيننا، على صعيد التمثيل.
ذلك شأن كتابيّ، في الرواية تحديداً. كتّابها هم الذين يختلفون فيما بينهم، في إبرازها وصفاً وقيمة ورمزاً وأداء مهمة في الواقع الذي خرجوا منه، أو عاشوا فيه، أو استمدوا منه " نطافها ".
لا أكثر من وشائج القربى، على قدْر اختلاف المواقع في بنية الكتابة، ونوعية الكتابة الروائية، ومرجعياتها الأسلوبية بالمقابل، أي المدارس التي تشكل أبويات فاعلة في تسمية كل منها، وأهميتها، إنما على وجه العموم، فإن مجرد وضع اسم " رواية " تكون جميعها مشمولة به .
من الواقع وإليه، وما في الحالتين، من تكوين رؤية كشفية واختلاف بين وجود واقع يعنينا في مجموعنا، وواقع ما أن نسميه، وفي كل لحظة، حتى يحصل التمايز، محدّداً نوعية المودع فيها، وفي هذا الإجراء الذي لا يتوقف زماناً ومكاناً، تمْثُل أمام ناظرينا شخصية الكاتب بأدواتها .
خبير المهلوماتية والعالم الرياضي، الباحث والكاتب الروائي اليمني المعروف حبيب عبدالرب سروري " تولد 1956..." والمقيم في فرنسا منذ عقود عدة من السنين، له بصمة كتابة، وحضور روائي، استساغ عنواناً لكتابه الذي يقدَّم سيرة ذاتياً، من خلال كتاباته، عن الرواية بقرابة دزينة عناوين لها، فرنسية وعربية،وهو( الرواية مدرسة الحياة ) منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2023، في" 224 " صفحة من القطع الوسط. تُرى كيف يُرى ككاتب حياة وكتابة روائية ؟
هل الرواية مدرسة الحياة حقاً؟
طُلِبَ منه أن يقدّم كتاباً للجهة الناشرة لعمله هذا،يتضمن معلومات تضيء صلاته بالرواية، وما ضمّنه رواياته من أفكار وتصورات، من جماليات أثر لمَعان مؤثرة، ونمذجة شخصيات لهذا الغرض، ما كان لحياته من دور في تكوين عالَم رواية يتوقف عليه تميّزاً، وكيف نفث روحه التخييلية في رواياته، لتظهر عوالم متداخلة، عوالم مجتمعات يصل فيها الماضي بالحاضر والغد.
فكان هذا العنوان اللافت والمحرّض على سؤال لا يؤجَّل، وهو: كيف تكون الرواية مدرسة الحياة، بإطلاقها هكذا؟ أي ليس هكذا: الرواية مدرسة حياتية، أو حياة كذلك! كما لو أن الحياة تعرَف من خلالها، وليس العكس، كما لو أن الواقع مجهول الاسم خارجاً معلومه داخلاً باسمها.
أليس من جنوح في التوصيف في عنونة كهذه، أم جاء ذلك تلبية لحاجة نفسية ملحة نافذة الأثر؟
يمكن المضي مع القائل بهذا الشأن( يمكن للنوع الروائي أن يستوعب كل شيء، ويحتوي على كل شيء. كل شيء يمكن أن يدخل ويندمج هناك، كما هو الحال في متجر التحف القديم الذي يدخله رافائيل دي فالنتين في جِلْد الحزْن La peau de chagrin، وهي غرفة مزدحمة حيث تتعايش أشياء متباينة من جميع الاتجاهات: جلد الثعبان، والسلع المستعملة، والأشياء القديمة، والكنوز الفارسية والمصرية. هذه هي الصورة القوية التي يقدمها جاك رانسيير لوصف نوع الرواية في مقالته "الكلمة الصامتة". في هذا العمل، الذي يتناول، على حد تعبيره، "تناقضات الأدب"، يجعل الناقد من الرواية جنسًا بلا جنس، أو بتعبير أدق، "جنس ما هو بلا جنس" من حيث أن هذا النوع محروم من "طبيعة خيالية محددة.) " 1 "
ذلك واردٌ لحظة النظر في المساحة الشاسعة التي تنبسط وهي، في ازدياد، للرواية، كما هو المقروء فيها وباسمها راهناً، وكما هو التشدد على فرادتها مقارنة بشقيقاتها في عالم الكتابة الأدبية. إنما مع أي مصادقة على استثنائية الرواية بالنسبة للحياة، لا يعني تقديمها على الحياة، كما لو أنها وجِدت، ثمة التحقت بها تلك، أو كان الواقع لاحقاً عليها. والواقع هو المرجع عملياً.
لهذا، فإنه ( قبل أن نتحدث عن رواية، يجب أن نتحدث عن الحياة: ما نتلقاه، ما نعيشه، ما نعطيه. ..وفقا لمبدأ الحركة "الفيزيوفيزيائية" (الطاقة)، ومبدأ النشاط (البيولوجيا) الذي يتوافق مع البيئة. تتدخل الرواية من حياتنا الحلمية، والتي تشير إلى إمكانية الاختيار بين عدة طرق للعيش.
- بعكس السؤال: "هل الرواية حياة؟"، نعلم أن العديد من الكُتّاب يجمعون العناصر يومًا بعد يوم للكتابة، ويلاحظون باستمرار: الأخبار، السلوكيات، سمات الشخصية، المواقف، وما إلى ذلك. بطريقة متناثرة ومجزأة، تكمن حياة الجميع في الروايات. من بلزاك إلى جاي دي كارز، لا يصف الكاتب العالم محبوسًا في مكتبه. بالنسبة لهم، كان العالم رواية.) " 2 "
أن يعطى اعتبار استراتيجي ميتاحيوي للرواية في ضوء تعاطيها واقعاً من جهة الكاتب ومن يقرّر بمكانة خاصة كهذه، فهذا شأن آخر، من شئون مؤالفات الذات الكاتبة .
كما لو أن الصورة النصفية للكاتب، وهي لا تخفي ابتسامة لافتة، تصادق على صواب تعبير كهذا، وبثقة قائمة، تتشكل في ضوء المسطور في الكتاب، من أوله إلى آخره .
وما يعزز رباط الألفة البينية، ما يتخلل الاقتباسات الثلاثة، بدورها في الاستهلال، وهي تجلو ظلال الرواية التي تبز ظلال فنون الأدب الأخرى، وحتى في مضمار العلوم التطبيقية، كما هو الممكن تبيّنه في مناخات روايات له، استناداً إلى تخصصه المعلوماتي- الرياضي بجلاء. اقتباسات من رموز الأدب الروائي والنقدي عن مآثر الرواية وتمثيلاتها الحياتية، بلسان إيميل زولا، وقدرة الرواية على مكاشفة الوجود، بلسان ميلان كونديرا، وخطورة الأسلوب كدور في إظهار الرواية نجاحاً أو فشلاً، بلسان الكاتبة والشاعرة الروسية- الفرنسية إيلزا تريولي.
ولعل الاقتباس المتعلق بالأسلوب أرجىء ليكون له مقامه، لأن الاقتباسين الأولين خُصَّت به مكانة الرواية والدور الفعال لها في الحياة، ولأن الأسلوب رافعة حيوية متنفذة في بنية الكتابة.
وفي الحالة الأخيرة، يظهر ان الاقتباسين السالفين داخلان في " ذمة " الثالث، فهو الذي تكون له الكلمة الفصْل في منح الرواية طلاقة عابرة للزمن، أو وضعية إعاقة في عملية بنائها. وهو ما يذكّرنا بقائل في هذا المنحى، توكيداً على الجاري ذكره ووصفه ( يصبح الأسلوب هو الإنسان كله، لأنه يرسم ما يحدث في داخلنا. إنه تقليد يحركه الكلام، لأنه التعبير الحي إلى حد ما عما يحدث في الروح. نحن متأثرون بشدة، أسلوبنا متسارع. عندما نشعر بالألم، فإنه يسحب نفسه ببطء، كما لو كنا أقل طلبًا للتعبير، لرسم بضربة فرشاة الحزن الذي يطغى علينا، من العودة مائة مرة إلى الخط الذي جرحنا.) " 3 "
أما إذا وسّعنا دائرة القول في جملة الاقتباسات، وتحرّي الفعل المؤثر والصامت في طرحها، فربما نسمع، وبصفاء، صوتاً داخلياً للكاتب نفسه، وتعزيزاً لما يمكن أن يعرَف به رواية وأسلوباً.
ذلك ما يتضح في المقدمة، بناء على تقدير، على ثغرات قائمة، تصورها الكاتب، وارتأى أنه بدخوله في هذا المحك، وقدم كتابه، كما هو مطلوب منه، فلأن هناك حاجة عملية(.. أدركت سريعاً بأن مشروعاً كهذا سيقدّم للقراء والباحثين، اليوم وغداً، ذخيرة معرفية ثريّة، ويلقي أضواء ثاقبة، متعددة المصادر والألوان، نحتاجها جميعاً لرؤية واقع الرواية العربية ونواقصها واتجاهات تطورها...ص13).
وجرّاء تقدير ذاتي، يخص حمولة ثقافية متراكمة( تراكمت لدي هكذا عصارة تجارب روائية سابقة، بجانب تجربة جديدة طازجة، للإجابة على أسئلة محاوِر " أنا الرواية " ورافدها.ص14).
لماذا الرواية مدرسة الحياة، إذاً؟
هكذا يأتي عنوان الفصل الأول، بفضائه الواسع، محمَّلاً بسؤال ينفتح على تفاسير وتأويلات، منبعها روح الكاتب، بتنوع مؤثراتها الاجتماعية، النفسية، السياسية، التاريخية والوظيفية، وحيث إن الرواية التي، كما يظهر، أودعها رصيد تجاربه، وتأملاته، وقد تلمَّس في رأسماله المنشور روائياً مرتجىً ومؤمَّلاً، لا بل " حصاناً " لا يكبو، يحمَّل صهوته تخيلاته، ويطلقه إلى الغد.
هو هكذا يكون التقابل والتقدير: على قدْر الشعور بالأهمية لشيء، لموضوع، لأمر ما، يكون رهان المعنى، وبالتالي، يكون تحديد مساحة الحركة، والتاريخ الخفي والعلني لما يشغل الذهن. ومن نطاق التفاعلات الاجتماعية التي يعيش الإنسان سيرورة مخاضاتها التاريخية، وهو يمد في عمر الرواية، دافعاً بها إلى الأبعد مما يُسميها( لذلك طوال تاريخ نوعنا الإنساني( هوموسابيان)، برزت الرواية بأشكالها البدائية أو القديمة الأولى، عبلار الحكي، القصص، الأساطير، الملاحم..ص 15)، ليذكّر بما هو معروف، بتاريخ الرواية الحديثة( في عصر النهضة( مع رابليه في القرن 16، وسرفانتيس في القرن 17) متحررة لغوياً من سلطة الملاحم والنظْم الشعري، مستوعبة تطوراته وتعقيداته الجديدة، وهمومه الدنيوية بعيداً عن المقدس..)، وما يجعلها في الواجهة على صعيد التمثيل الرمزي للواقع مثل العلم وأكثر( السبب! للرواية، أولاً، ملكة جوهرية، تجعلها، في رأيي، بمقامهما تماماً: التخييل. ص16).
وما يشدد على إبقائها في الواجهة راهناً ومستقبلاً، عدا المتردد عن " هضم " الرواية الحديثة للتجارب الإنسانية المتنوعة( منفتحة على كل المعارف الإنسانية، تستمد أنوارها من الفلسفة والعلْم، من التاريخ والعلوم الاجتماعية، من علوم الطبيعة الإنسانية..ص18).
هناك ما هو جار ٍ النظر فيه، ما هو مشروع، وما يتطلب التروي، جهة هذا اليقين المرفَق كعلامة فارقة بالرواية، هذه الثقة المرفوعة بشفافيتها تأكيداً على استثنائيتها، ودون تأنّ، في حيازة ما هو مستجد، ما هو معلوم في حقول مختلفة، ومدى النجاح في عمل" كاسحة حقل المحظورات "، وأنها بالطريقة هذه، عابرة للحدود، وتسييدها على فنون المعارف الأدبية بامتياز .
تغدو الرواية من جهة التعريف خارج نطاقه، فما يكون مستغرقاً لكل شيء، لا يعود في الإمكان تحديد القوة الفعلية التي تصيّره هكذا، ولا الدخول في حسابات الزمان والمكان، إنما الافتتان بذلك الاستهواء الذي يمنح الكاتب شعوراً بالنشوة، وتعدياً بالمقابل على مفهوم الاسم: الرواية. وفي الوقت نفسه، يكون كل شيء مندرجاً في لائحة اعتبارات مسجَّلة، ومؤرشفة وحتى مبرمجة، وبحزام أمان، وتاريخ الرواية لا يأتي في طريق معبَّد، ويُرى من خلاله دون " وقوع حوادث ".
لهذا، فـ( إن الصعوبة في تحديد أصل النوع الروائي لا تتعلق فقط بحقيقة أن تحديد أصول الرواية يتطلب تعريفًا مسبقًا للنوع، ولكن أيضًا بملاحظة أن موضوع المعرفة الذي هو الرواية يتم بناؤه بطرق مختلفة وفقًا للفترة التاريخية والإيديولوجية والنهج النظري والبيانات الثقافية المحفوظة وأن معايير تعريف هذا الموضوع يتم إسقاطها بعد ذلك على إنتاجات الماضي.) " 4 "
أشير هنا إلى سريان فعل اليوتوبيا في النظرة إلى الرواية بالطريقة تلك، كما لو أنها لا تشهد في حياتها المسجَّلة انتكاسات، انقطاعات، ظاهرة تراجع في القيمة والرواج، وحتى الكساد في سوقها، من من منظور سوسيولوجي، أنها لا تتعرض لعاهات، أو تشوهات، وأحكام نقدية ضدها. كما في الحديث عن موت متنوع: للأدب، أو للنقد، أو الرواية، أو الشعر، والفلسفة...إلخ
من هنا( إذا كان للرواية أن تستمر في الولادة من جديد، فسوف يتعين علينا أن نخترعها بشكل جدي باعتبارها حالة المؤلف الميت. قد نتساءل بعد ذلك عما إذا كان الروائي قد تم استبداله بتعديل تلقائي للكلمات العشوائية فقط للحفاظ على الفولكلور: دور الفنان، وتثمين طموحه الفردي، وتخمير الفردية التي تقترب من الكوميديا، والخيال الذاتي...) " 5 "
ذلك من شأنه إضاءة المسافات الفاصلة بين قول وآخر، أو حديث موصول تعليقاً برواية، وآخر، أو ما يكون في مقام الشهادة هنا، وهذه لها خاصيتها في التعبير عن الرواية كمفهوم ثقافي، جرى تنويره علمياً، وكمفهوم اجتماعي، ومحاط بملابسات، وفي ظروف أسهمت في بلورة أفكار معينة في واعية هذا الكاتب أو ذاك، وكاتبنا " سروري " هنا، تحديداً، لحظة أخذ موقعه الاجتماعي في الحسبان، وكونه البعيد عن وطنه، والمأهول بمناخاته الكارثية ومحيطه السياسي والنفسي والثقافي، وما هو متاح له هنا، على صعيد القول، والمأمول من الرواية في مجتمع مشهود له بالانفتاح، وهو يمزج بين ما هو أدبي، تذوقي، وإبداعي ذاتي،ة وما هو علمي" عصبي "، وحصاد هذه " الخلطة: الهجنة العلمية الأدبية طبعاً "،وهو يقول مطمئِناً إلى ما يرتاح إليه وفي ضوء تجاربه الشخصية ومرجعياتها المختلفة( وحده الفن، والرواية على وجه الخصوص، من يمتلك عدسات في السقف والظهر والأرجل وداخل تلافيف الدماغ، من يرى اللامرئي ويصغي للأحاسيس الدفينة، من يسيطر على المشهد بكامله، يخلّده..ص20) . وهو يلفت نظر قارئه إلى واقع عملي، إلى ورشة تعنيه تصل لديه ما بين النظري والعملي أبعد من حدود اليمن وفرنسا عينهما، كما هو الممكن تبيّن ذلك في صفحات تترى من الكتاب ". ينظر مثلاً، حديثه عن إسهاماته. ص21".
ولادات وإفادات مرفقة
في الحديث عن الولادات الخاصة به، ثمة كشف حسابيّ، لكنه ليس مجرداً. والظاهر أنه دقيق في تحديد الزمان والمكان، وملؤهما مشاعر وأحاسيس، ملؤهما ذكريات وانطباعات وحيوات، وفي كل ولادة، إفادة بالمترتب عليها، وتحرك بالتي تليها، مع فارق أن الأولى وحدها تستحق أن تكون ولادة قائمة بذاتها: ولادة طبيعية، تخص سنة التولد ( 1956، ص23)، والثانية ، تحول في المكان ودخول في زمان مغاير هندسياً،، أي سفره إلى فرنسا للدراسة: الهندسة الكهربائية ( 1976. ص 29)، والثالثة، مباشرة كتابة روايته الأولى : المملكة المغدورة( 1992، ص 35)، والرابعة، تخص مرحلة التقاعد، ليصبح بروفيسوراً، ويتسع أفق حياته في تنقلاته، بدءاً من ( 1 آذار 1923، ص 39). هكذا يكون الإنسان : نقلات وارتحالات وتحولات، ومعايشات حيوات.
ويظهر أنه، وما عرِف به من مضاء عزيمة وإرادة نفسية متماسكة، مع نظيرتها المعرفية، كان يقترب أكثر فأكثر من تلك الشخصية المفهومية التي تمنحه اعتباراً ثقافياً في وجهيه العلمي: التطبيقي، والأدبي الإبداعي الروائي إجمالاً، كما يعلِمنا في مسيرته الحياتية .
وما في الاختلاف الزماني الفاصل من اعتبار آخر، بين الولادة الأولى والثانية، الثانية والثالثة" 16 سنة "، وبين الثالثة والرابعة، ما يعادل المسافة الزمنية في الأوليين.
كل ولادة لها مخيالها النفسي، وسيستامها الثقافي، وهاجسها المعرفي كذلك.
العلم في الصغر، كالنقش في الحجر، هكذا تفصح تربيته في الصغر عائلياً( في صغري، وبفضل بيئتي العائلية، أحببت حفظ الشّعر، ثم كتابته. كنا نمارس لعبة " السجال الشعري " أسبوعياً في العائلة، مساء كل خميس، وكانت لحظات ممتعة..ص 23) . لهذا كان شغفه الشعري مبكراً.
ليكون انتقاله إلى فرنسا تحدياً، في عالم مختلف مناخاً ولغة( كانت مغامرة وتحدياً رهيبين فعلاً. ص 29).
وما يلفت النظر، هو أن خياره في أن يكون طالب علم: الرياضيات الحديثة، ويتقدم في اختصاصه، وهو يوجهه نحو مركز وظيفي، ويستجيب لميل معرفي علمي لديه، في التعامل مع المجردات، بعالمها الفضائي الواسع، والهندسة الفراغية والعالم اللامحدود والافتراضي، تجاوب مع كونه أصبح هبَة الأدب: الرواية، كما لو أن الرواية كخيار ذاتي موصول بموهبة محوَّلة، من حقل الشعر إلى حقل الرواية، ولأن فيها تحدياً، وهي في لاتناهي عالمها، وقدراتها على احتواء كل ما هو موجود في الوجود، أي أن تكون " أم المعارف، والأدب تحديداً" مقابل الرياضيات " أم العلوم " كما هو معروف عنها، وما للرواية من حسية وقابلية انتعاش بالتخييل العوالمي.
أن تأتي كل ولادة في إشارة معلومة، ففي ذلك فعل تصويب لظروفها الزمانية والمكانية، وإجراء صائب بالمقابل، للتعرف على الشخصية، شخصية الكاتب وكيفية تكوّنها، كيف ارتسمت علاقاتها مع العالمين: الداخلي والخارجي، وفي ضوء العنوان نفسه. إذ من السهل القول هنا، عن أن ذاته تعرَف بمكوّنها العائلي في الولادة الأولى، وتعرِف بتعريضها لمؤثرات الخارج وتجليها، في الثانية، ومن ثم لمؤثرات يبدأ الإبداعي مصحوباً بتلك الخبرات الثقافية المحيطية، في الثالثة، وقد استعد للاسم المنتظَر: الروائي، وللذات التي تقترب من صورتها الشخصية، بأكثر من معنى، في الرابعة، وهي الصورة التي اكتسبت حضوراً جعلها مغايرة لما كانت عليه سابقاً.
إشاراته إلى فتنة الرواية في تكوينه النفسي، عبَّرت عن عطش من هذا النوع، عن توق إلى المغايرة، حيث الولادة في مفهومها انسلاخ من وضعية معينة، نفسية واجتماعية، وتعميد روحي، للدخول في وضعية أخرى، وثمة إضافة تفاعلية. حيث الطفل الذي كان ، نما وامتزج بالتالي عليه وهكذا في مختلف الصيرورات، والرواية ظهرت أكثر كفاءة وقدرة على بناء المنتظَر فيه، وفي الرواية المرتكزة إلى السيرة الذاتية فعل المرغوب فيه في الراغب والمشدّد عليه، كما لو أنه يترجم الذات الفعلية وكيف أظهرت استعداداً لتكون ذات كاتب، وها هي تعيد دورة الذين قرأ لهم من الكتاب في سيَرهم الذاتية روائياً، وليتسع الخزين القرائي( وجدت نفسي، يوماً بعد يوم، أنهل، مسحوراً مفتوناً، من قراءة الروايات المعاصرة، غالباً والكلاسيكية أحياناً، الفرنسية أو الأجنبية المترجمة إلى الفرنسية. ثراؤها المتواصل والمتطور، المنفتح على جديد الحياة سنوياً، أدهشني أكثر فأكثر.ص33).
إنها طقوسيات المسارة، بمعنى، ومن ذاته وبذاته. وعلى وقْع هذا المعطى المستدام قراءة وكتابة، يأتي تقديره للرواية وكيل المديح لها. كما لو أن خصوبة الروح التي تميَّز بها في هذا المجال، متعلقة بإرادة باحثة عن " هواها " الخاص والمشروع، في أن يكون الكاتب الجديرَ باسمين يعنيانه: وظيفياً، من خلال النجاح في عمله، وإبداعياً، ليكون لافت أنظار في مجتمع مختلف.
الآخر، هو قِبلة الكاتب، بوصلة اهتداء إلى تلك المكانة التي تترجم فيه رغبته في أن يكون ما يجب أن يكون عليه اسماً من نوع آخر، ولم يجر كل ذلك دون مقابل، دون جهود مطلوبة، وبدءاً من روايته " المملكة المغدورة " وذلك الرهان الذي أيقظ فيه قدرات خفية، وفيها من التخييل ما يحفّز فيه سواها( وجدت حينها نوعاً من التكامل والتناغم والانسجام مع الذات والعالم، بشكل أو بآخر، تفجرت فيّ بعد ذلك رغبة خوض أول مشروع كتابة سردية بالعربية مباشرة: " همسات حرّى من مملكة الموتى". سبع قصص قصيرة ، طويلة جداً في الحقيقة، لعلها كانت فعلاً مشاريع روايات مستقبلية أكثر مما هي قصص قصيرة بالمعنى التقليدي للكلمة، ستجد ظلالها وامتداداتها أحياناً، على نحو ما، في معظم رواياتي لاحقاً. ص 35).
هذا الكلام يوجز حقيقة حياة شخصية وتوزعها بين انتمائها الزماني- المكاني": اليمني " وتكوينها الزماني- المكاني الفرنسي وأبعد، وذلك الانتثار للأثر " الكتابي " والحضور الشخصي: الفردي، أو فردانية الذات القائمة والمعتبَرة في مجتمع يسهم في ذلك. حقيقة تتمثل في الآتي: إن هذا التركيز على الرواية، وما له صلة بالإبداع المرفَق، حال القصصي، إنما الروائي في الدرجة الأولى، يضيء مغزى الصورة التي تكون مطلوبة قراءة في ثقافة الآخر، حيث الرواية أضمن وأيقن في تنوير قدرات الذات، وتحويل ما هو معنَّى، ما يصل الكاتب بماضيه، بمجتمعه، بما كان يوجعه، ويضيّق عليه الخناق، في مجتمع حاضر، واليوم أكثر بفجائعه، وفي ضوء الإقامة الفرنسية والجنسية الفرنسية المكتسَبة، تكون الرواية معبّرة عن هذه المناخات، لها أرضية اثنوغرافية، أو أنتروبولوجية، تلفت أنظار من ينتمون إلى مجتمعات أخرى، كما هو الممكن تميّزه في حقيقة هذا الأقبال على جنس الرواية وتناميها، والرهان عليها في أوربا، وفرنسا بالذات، لها يتأتى حديث الكاتب، وكيل مديحه للرواية، بينما حديثه عن كونه مختصاً بالرياضيات أو عالم الكمبيوتر ومجتمعه، والثقافة التطبيقية ذات الصلة، فرغم إشارته إليها، إلا أنها جاءا عابرة مقارنة بالحديث عن الرواية، لسبب بسيط، كما هو الممكن إبرازه، وهو أن الأوربي عموماً، والفرنسي خصوصاً، لا يحتاج لمن يفصّل في العلّمي أو التنظيري، أو البحثي الأكاديمي، ليس لوجود مانع محلي، اجتماعي أو ما شابه، وإنما لحاجة ذلك إلى قدرات من نوع آخر. لهذا، نشهد ندرة أسماء من هذا النوع، ليكون مركز الثقل، لدواع ثقافية خاصة، في الرواية. الرواية تمنح كاتبها الكثير مما يصبو إليه، كما يظهر، و( في أفضل أحوالها، ستكون الرواية بمثابة انطلاقة، واستعارة للنظريات والتجديدات التي طرأت على لحظتها التاريخية. التساؤل حول الفردية والتقدم في الوقت نفسه. في ذروتها، على الأقل في الشكل الذي نعرفه ونناضل من أجل التغلب عليه، تصل الرواية إلى أقصى نقطة في اللحظة من خلال جانبها غير المناسب، ورفضها المخيف للتقدم التكنولوجي أو الاجتماعي الذي تسجل هزاته.) " 6 "
وضع الكاتب في فرنسا، وما أفصح عنه في هذا الصدد، ذكَّرني بكاتب ، مجايله،إنما في مسار ثقافي آخر، هو هاشم صالح، الذي عرِف بـ" مترجم محمد أركون " المفكر الكبير، وما قاله اعترافاً عن نفسه، في كتاب صدر له قبل عقدين من الزمن تقريباً " 7 "، وفيه الكثير مما يضيء مفارقات الذات الشخصية بين أن تكون في بيئتها التي شهدت ولادتها، وهي في بؤسها، وبيئتها التي ذات شهرتها فيها، وهي في تمايزها واعتدادها بنفسها
إن ما أورده من اقتباسات، يشهد في المحتوى على مثل هذا الكشف العلائقي( لماذا هذا الهوس بالحفر، بالتعرية، بالفضيحة؟ لأن الأرض العربية الإسلامية عطشى للحقيقة. ص 13 .
...سوف أقولها بكل صراحة ومن دون لف أو دوران: لو لم تتح لي الفرصة للقدوم إلى أوربا قبل أكثر من ربع قرن لكنت قد عشت ومت من دون أن أفهم شيئاً. تجربة أوروبا كانت حاسمة لعدة أسباب. أولها أنها تتيح لك أن تبتعد عن نفسك وبيئتك الأولى ومحيطك..وثانيها هي أنها تتيح لك أن تتقن لغة أوروبية حديثة ملأى بالمراجع في شتى أنواع الاختصاصات والعلوم..وثالثها هو أن الابتعاد عن الذات يجعلك تفهم نفسك على نحو أفضل... وأخيراً فهناك سبب أساسي يشرط كل الأسباب السابقة: حرية التفكير والتعبير، حرية الفهم والتنفس الثقافي إذا جاز القول.ص40 .
...إن التدين المسيحي الشائع في أوروبا هو نوع آخر مختلف تماماً. فقد اخترقته الأفكار العلمية والفلسفية الحديثة إلى حد أنه فقد كل الطابع القمعي أو الإرهابي لتدين القرون الوسطى.ص 41.
...أوروبا هي أكبر مختبر حضاري في التاريخ. فما حصل فيها طوال الأربعمائة سنة الماضية يوازي كل ما حصل في تاريخ البشرية منذ أن وجدت حتى الآن . ص 43 ...إلخ ).
هذه الفردانية المكونة حصيلة هذه الإقامة المختلفة، والمجتمع المخنلف بكل ما فيه واقعاً.
والعالم الذي انفتح له، كما هو المقروء في ظل الولادة الرابعة، يعزز ذلك، في فرنسا وخارجها، وما يتكلمه، في سياق هذه العلاقة، في حسرة شاهدة على ذلك، يعمّق أثر القول( هكذا أرى الأمور الآن، من وحي جدوى وفعالية وإلهام وإنتاجات الأشهر الأولى من ولادتي الرابعة .
آه، لو بدأ المرء حياته من الولادة الرابعة مباشرة. ص40).
هوذا يجبّ ما قبله، لوجود جرح كبير، كاو ٍ وثاو في صميم الروح بالتأكيد، في ماض يلاحقه وهو موصول بحاضره، أو وهو يتحكم في حاضره، ولا يدعه وشأنه بصداه ومداه الموجعين.
في الرواية، معها، عنها
أستطيع القول هنا، أن جملة الفصول " من الثالث إلى السابع"، تلتقي في نقطة همّ مكثفة واحدة، تجلوها مفردة واحدة: الرواية . لقد شهد ولادته الفعلية في الرواية، واستثمر قدراته التي تُعتبَر مواد بناء نفسية وشخصية ، في عالم الانهمام بالرواية، وتنوعت أحاديثه في الشأن الثقافي: الأدبي عموماً، والروائي خصوصاً، في امتدادات مختلفة، في بؤرة الرواية، وحتى ما جاء تعبيراً عن علاقات ثقافية وفكرية، في عالم الراهن: الميديا والتقنيات الحديثة، والإنسان الرقمي، والكتاب الرقمي، والنظرية التي أحيلت إلى خانة الفرضية، وهواجس المستقبل شرقاً وغرباً، وكل ما جرت تسميته على ماضيه العربي والإسلامي" أي الديني " ومخاوفه في هذا المعترك الصعب والمخيف، ورهاناته وملؤه ثقة بذات لها نسب اعتباري،فرنسي في الصميم، للرواية باعها الطويل والاستثنائي في رسم معالم الشخصية، وحتى ملحق الكتاب نفسه.
ما يخص موضوع البوح، ليس بوحاً، إنما مخاض حياة، حياة تتشكل كما هي النطفة، كما هي البذرة، وتنتظر أوانها، لتظهر، لتكبر، لتتبرعم، ولتثمر. وكما هي خاصية الجذمور" الريزوم " بالمفهوم الديلوزي، لتشهد نبتة ذات قدرات، وهي تخرج لصيقة بنبتة أخرى، بشجرة أخرى، وقد علَت وبانت للناظر، كما لو أنها وليدة ذاتها، والمؤثرات قائمة لمن يعيش حيوية الانفتاح على العالم( في تجربتي الشخصية لم أحتج يوماً، حتى الآن، للبحث عن موضوع لرواياتي: ثمة دوماً مواضيع تشدني بضراوة، تعتمل في رأسي( تشتعل في الحقيقة)، منذ زمن طويل غالباً، لا أختارها بقرار إرادي، تفرض نفسها عادة حسب السياق الزمني. ص 46).
لكنه سياق مشبع بملء ثقافي، برصيد متنوع، هو نهْله من ثقافات متنوعة، بأكثر من لغة. وحيث إن العفوية في الكتابة، حصيلة هذا التفاعل المستمر، وما لذلك من تأثير في الجسد ومرونته.
وليس تقليلاً من جهود سروري، وعطاءاته الإبداعية، إن اختصرت هذه المساحة من الكتاب، بالطريقة السالفة، وانا أشير إلى أنه ظهر كثيراً، في هيئة من يتولى التعريف بحقيقة ما يكتب، وكيف يكتب، ومن أين يكون مصدر استلهامه، وكيف يجب النظر إلى نصوصه، في تنوع موضوعها، إنما في وحدة العالم ذي الطبقات، الهيئات، الشخصيات، وتمثيلاتها القاعية وغيرها، ليكون الآخر لنفسه ولقارئه، الآخر: القارىء الوصّاف والمشخص لكونه روائياً، ومن منطلق ربما مجاز له، وهو يجد نفسه في وضع كهذا، تجاوباً مع المطلوب منه في " أنا الرواية ".
يمتزج في أقواله، مشاهداته، تعقباته، تحرياته الثقافية، انشغالاته، تقويماته لأحداث عصره، اعترافاته الضمنية وردود أفعاله عما يجري في يمنـ:ـه، وخارجاً، صلته بنفسه كإنسان عربي، ودينه كمسلم، وجغرافيته وصفتها الجهوية، كشرقي.. اعتبارات قائمة ومؤثرة، ومعاناته كإنسان على وجه العموم، وما يعتمل في نفسه من مشاعر وأحاسيس وهواجس ومخاوف، ليكون ذلك الكائن المختلف، المثقف نفسه، وهو حاضر مسكون بأوجاع كوكبه، وفي وسط يراعي ذلك( أتابع باهتمام وشغف يومياتمشاريع غزو الفضاء، وأقرأ ، بقلق حقيقي، تقارير الأوضاع البيئية لكوكبنا المسكين. ص 50).
ما يجب عليه أن ينتبه إليه وملؤه وعي كوكبي في ضوء المعيش اليومي( هل يمكن للإنسان المقيم في بيئة سماوية مستديمة، بعيداً عن الجاذبية الأرضية، أن يضاجع ويجامع وينجب، ويتكاثر؟!. ص 52) . إنها مخاوف، استبصارات ومتابعات للجاري، كما يفصح عن ذلك، منبهاً إلى محتوى روايته الحادية عشرة " نزوح " والتي أشير إليها بأنها ( قيد الطبع. ص49).
إضاءات واقتباس فقرات لتعزيز ما ينبّه إليه، كما في روايته" المملكة المغدورة":
( عبث ينخر المدينة، ويجوس خلال شوارعها، ويحاصرها من كل الجهات، ويتحكم بكل شيء فيها، وينتشر في كل مكان. ص 56) .
لكل رواية ظروفها وملابساتها، أو أوجاع مخاضها المختلفة، كما في حديثه عن روايته الثانية" دملان "( بدأت بكتابة دملان في 2002، بعد أن توحدت اليمن بأكثر من عشر سنوات، وبعد حرب أهلية بين شماله وجنوبه. كانت جذور خراب اليمن ، ورؤيتها في إطار عالمي. ص62).
للتخييل حضور نافذ في بنية رواياته، وفي رهانه على كتابة الرواية، كما في حديثه عنه روايته هذه( رواية تخييلية في الأساس..ص63).
لا شك أن الحديث عن التخييل يعادل الحديث عن الحرية المكتسبة، عن تلك السوية الروحية لقدرات الذات، وشعورها بفرادتها، وهي في عالم صاخب، لتكون لها رؤية ورؤيا معاً، وأن الخيال الممنوع، الخيال الذي يعمّد ويدشن كل كتابة إبداعية، موصول بمدى نفاذ فعل التخييل في مأثرة الإبداع، والصعود بالعالم القائم، وقد تنمذج بمقاييس مختلفة تماماً في النص.
ذلك يصلنا بتلك الدراسات التي جعلت للخيال مكانة واعتباراً في حقول الثقافة المختلفة.
على الأقل، وأنا أوضّح ما تقدم بالآتي:
( إن الأطروحة الأكثر عمومية التي ترتبط بها النقطة التي أود توضيحها هي أن الخيال يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، أو على الأقل للوضوح والفهم، وهو ما يتجنب إلى حد كبير الصعوبات التي تواجهها الفلسفة في علاقتها بالمشاكل التي هي، بعد كل شيء، قابلة للمقارنة.
..بالنظر إلى الغالبية العظمى من الأعمال الروائية التي تشكل جزءًا من تقاليدنا، قد يميل المرء إلى إقامة علاقة وثيقة - مفاهيمية وتاريخية - بين موارد الرواية والمجال الواسع لـ "الداخلية"، أي الأفكار والإرادات والنوايا والرغبات والتوقعات والعواطف من كل الأنواع التي يحتضنها هذا المفهوم. يبدو أن الروائي، أكثر من أي كاتب آخر (شاعر، كاتب مقال، كاتب مسرحي)، قد استولى على امتياز دخول حصن الذات المنيع المفترض، إلى ما يحتويه من أكثر ما هو حميمي. وإذا استعرنا من ويليام جيمس أحد المفاهيم التي غذت خيال بعض الروائيين، يمكننا القول إن الرواية هي هذه الآلية الفريدة التي تجعل "تيار الفكر (الوعي)" شفافًا لنا بشكل عجيب، من خلال منحنا إمكانية الوصول إلى ما مثله جيمس على أنه شخصي لا يمكن اختزاله، ولا يمكن الوصول إليه لكل واحد منا إلا في سرية تجاربنا وأفكارنا..) " 8 "
وما يضفي على هذا القول الشاهد والوارد بمضاء عزيمته :
( إن ما يعتبر "تخيلاً" تاريخيًا قابل للتحول تمامًا مثل مفهوم ما يتم تقديمه في شكل "حقيقي" و"واقعي". إن كلا المفهومين يشكل مجالاً يتعين فيه إعادة تعريف العلاقة والقيمة بين الأكاذيب والحقيقة، وبين المظهر والواقع، وبين الخيال والخبرة، وبين الشعر والتاريخ، بشكل مستمر. ورغم أنه لم يعد من الممكن اليوم اعتبار الخيال والحقيقة مفهومين ثنائيين1، فإن هذا لا يعني أن الفرق بين الفئتين قد تم إلغاؤه. ويبقى أن نتساءل كيف يتم تأكيد ذلك في كل حالة، وما هي الآثار التي قد يخلفها ذلك على جماليات الحداثة.
"الرواية هي قصة متخيلة ومكتوبة بطريقة غير مقيدة، ولكن لا يمكن إثباتها بشكل قاطع أنها لم تحدث على كوكبنا الأرضي...) " 9 "
وفي كل حديث عن الرواية، يكون الخيال ومؤثّره: التخيل، أو التخييل بدقة حاضراً بعدته وعتاده الرمزيين، والفاعلين في كل ورشة كتابة، أو فضاء متحول كتابي وإبداعي موصول به.
في تناوله لموضوع روايته الخامسة والعزيزة على قلبه كثيراً، وعلى تفكيره أكثر، نظراً لصلة الموضوع بما هو ثقافي وعلمي وتاريخي له مسرحه المجتمعي المفتوح في الغرب" تقرير الهدهد " والشخصية الفاعلة والرئيسة شخصية رهين المحبسين" أبو العلاء المعرّي " المعري الشهير بمأثرته " رسالة الغفران " وتلك الفلتات والإشراقات التي عرِف بها عن الإنسان وحقيقته. ومن خلال الاهتمام غربياً بصاحب " أصل الأنواع " : داروين، والمعري له حضوره هنا، ولكنه مهمش كثيراً، وحتى لا يشار إليه، كما يرى( اندلعت شرارة كتابة الرواية في نهاية 2009: كانت سنة مهمة جداً في تاريخ العلاقة بين العلم والظلمات. شهدت احتفالات ضخمة في فرنسا، وفي كل دول العالم المتقدمة معرفياً، بمناسبة مرور 150 سنة على كتاب داروين: " أصل الأنواع"، و200 سنة على ميلاده. احتفالات ثقافية ثرية جداً..).
ليقول معلقاً ومنوهاً إلى حقيقة تاريخية:
( كل فيلسوف، آت من أغوار الماضي، كان قد قال كلمة صغيرة جداً، لها علاقة استباقية حدسية بنظرية داروين، تمَّ رفعه إلى عليين في ذلك العام، فيما أبو العلاء لا مكان له بينهم، هو الذي كان أقربهم لروح ونظرية داروين!. ص 69).
شهادة جارحة ومقلقة، إنما تسمي مشكلتها، وتثير أكثر من سؤال في ضوئها، وهي في أن هذا المشار إليه، والذي أعطيَ مكانة روائية في " تقرير الهدهد" إذا كان متنحى، مغيَّباً في ظلمات الذاكرة القائمة، والتاريخ اليقظ، بين أهله، والذين يمثّلون مجتمع الكاتب، خلاف الآخر الذي ينتمي إلى مجتمع منفتح على نفسه، بكل أبعادها الثقافية. وهذا يشمل الكاتب نفسه، لحظة ربطه بمجتمعه، وما هو عليه مكانة واعتعباراً.ومربما كان الأهم في بنية قول كهذا، هو هذا الممكن تلمسه في نطاق أحاديث من هذا النوع، لحظطة ربط بين اسم له ماضيه البعيد نسبياً، ويعرَّف به نابغة، وفريد عصره، عربي- إسلامي، وآخر، غربي، بمفهومه المعتاد، والسعي إلى إظهار فضيلة الريادية للأول، وربط اللاحق به، كما لو أنه عارض تاريخي، وما في إجراء كهذا، من شعور بالمظلومية التاريخية، والتلويح بما هو مغيَّب، مع فارق في المعطى العلمي ودقته.
رواية " تقرير الهدهد " مكاشفة إبداعية لتاريخ كان، وولواقع قائم، وحيث إن الرواية أعطيت مهمة الكشف عما هو خفي( باختصار: ينطلق المشروع الهندسي للرواية من سرد رحلة عكسية( من السماء إلى الأرض) لرحلة " رواية الغفران"، في رسالة الغفران( أحد أروع الإبداعات السردية الإنسانية تخييلاً وذكاء، للشاعر العبقري نفسه..ص71).
هناك ما يبقي الذاكرة التاريخية نشطة، ولعبة الكلمات قائمة بمتقابلاتها، عندما يكون تركيز التفكير في موضوع ما، جرّاء محفّز فكري من خارجه، ليكون تركيزه على موضوعه على تماس مباشر بذلك المحفّز، كما لو أن المحفّز هو عرّاب الذاكرة والموضوع المطروح في مقال أو نص معين، حال الكاتب في الذي أثاره في جملة رواياته، على هذا الصعيد: ما يخص المعري، جاء جرّاء التفكير في خلفية الاحتفالات الأوربية بداروين، كمثال حي .
يذكّرني هذا المثال بمثال سالف، يخص حديث الكاتب الكبير عبدالفتاح كيليطو، المعروف بكتابه عن المعري" متاهات القول "، وربطه بدانتي صاحب " الكوميديا الإلهيه " وكيف أن الأخير الذي جاء بعده بقرون عدة، هو الذي أيقظ تاريخاً من خلاله، بالنسبة إلى المعري، صاحب " رسالة الغفران"، وفي موضع آخر( ينبغي أن نفهم من ذلك أن قراءة الرسالة مشروطة وموجهة، ومعكرة من غير شك، فالمعرفة التي لدينا عن الكوميديا الإلهية: إننا نقرأ المعري وأعيننا على دانتي، نبحث عن دانتي في كتاب المعري. وهكذا فقد استفاد هذا الأخير من التقريب مع الشاعر الإيطالي. بهذا المعنى فإن دانتي قد خدم الرسالة، وأتاح لها فرصة الوجود بأن جعلها مرئية، فهو على هذا النحو مؤلفها، ىأو المشارك في التأليف على الأقل. ) " 10 "
دون ذلك يستحيل علينا" علي هنا" فهم أي حديث عما يخص صنعة الرواية، وما يحيط بها من مناخات، ومن تعقيدات، و خفايا، وحتى على صعيد المستجدات التي أكسبت الرواية علامات فارقة جديدة في تمثيل ما هو مختلف، وما هو متنوع في عالمها، وفي راهننا.
وما يتردد حول أشكال الحياة المختلفة، لا ينفصل عن تلك الدراسات الميدانية والمخبرية حيث الغرب مقرها ومستقرها، بقائمة العلوم الفضائية الفلكية والتشريحية والفيزيائية والرياضية، سعياً إلى اكتشاف الخفي والمجهول باستمرار، وما يعطي العلم المحرر من التحفظات قوته النافذة، وأنا أورد التالي:
(من بين كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان عن الكون، فإن السؤال المتعلق بإمكانية وجود شكل من أشكال الحياة، وخاصة حضارة خارج كوكب الأرض، هو على الأرجح الأكثر إثارة للاهتمام. لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال اليوم، ولكننا نستطيع أن نتخيل آثاره على الجنس البشري ومستقبله في الكون.
في العصور القديمة، كانت كلمة "العالم" تتوافق مع صورة أرسطو للكون: الأرض في المركز، محاطة بالقمر والشمس والكواكب والنجوم البعيدة. تشير تعدد العوالم إلى وجود العديد من هذه الأكوان، مستقلة تمامًا ومستقلة، مع وجود الأرض "المأهولة" في مركز كل منها.
في بداية القرن العشرين، تم إثراء النقاش حول تعدد العوالم بالحجج المستوحاة من علم الأحياء. وكان ألفريد راسل والاس، المؤسس المشارك مع شارل داروين لنظرية التطور، أول من استخدم هذا النوع من الحجج ضد فكرة وجود شكل آخر من أشكال الحياة الذكية في الكون. في طبعة عام 1905 من كتابه "مكان الإنسان في الطبيعة"، لاحظ والاس أن الإنسان نتج عن سلسلة من الأحداث الفريدة وغير المتوقعة في السلسلة الطويلة من التطور.) " 11 "
ربما كان كاتبنا سروري يقدّر مثل هذا التلازم بين ما يثار من موضوعات، وحتى عبر شرايين روائية، في جسد إبداعي، وما يستجد في الغرب، وهو ينتقل من فقرة إلى أخرى، هي لبنات عمران كتابه، التفاصيل التي يعتبرها مطلوبة، لتكون صورة المشيَّد واضحة المعالم .
وما لمفهوم الخيال العلمي واستثماررأسماله الحيوي والميتاواقعي المباشر في سردياتنا الإبداعية الروائية، من مأثرة تاريخية وحضارية، في منحاه الثقافي المختلف غربياً، أي ما يبقينا آخذينه تقديراً في مصاف الفكر الحر والنيّر، والفرص المتاحة له على أعلى مستوى، حيثي العلم بكل مقدراته النظرية والعملية مطرح لـ" الخدمة " وعلامة الأبستمولوجيا التي تحمل بصمته، ومنذ أكثر من قرن، وتقبّله للإضافات على صعد مختلفة إذ:
( في بداية هذا القرن، يشهد الخيال العلمي انتعاشًا واضحًا في الأدب، حتى وإن لم يكن ذلك واضحًا دائمًا. وبشكل عام، فقد اكتسب أرضية في مختلف مجالات الخيال. كانت موجودة في القصص المصورة منذ نهاية ثلاثينيات القرن العشرين،، وأصبحت جزءًا مهمًا منها منذ انفجار الإبداع في الستينيات والسبعينيات.
وحتى دون ذكر ألعاب الفيديو والمسلسلات، فإن الخيال العلمي حاضر بقوة في فنون السرد البصري. وقد يبدو هذا أقل وضوحًا في الأدب الذي لا يتمتع بنفس الوسائل المذهلة للتمثيل. ومع ذلك، فإن الخيال العلمي الأدبي يكتسب أهمية من خلال حركة ثلاثية. أولاً، يقدم النص إمكانيات محددة لطرح التساؤل حول الفجوة بين المظهر والحقيقة، والأقوال والأفعال، والخطاب السائد والواقع الفعال.
من الواضح أن الخيال العلمي يجعلنا نفكر أكثر فأكثر عندما نقرأ نصوصًا تستخدم أسلوب الأوبرا الفضائية لدفع النهاية إلى بُعد كوني. في ثلاثية "مشكلة الجسد الثلاثة" (2008-2010)، يمتد سرد الكاتب الأسترالي غريغ إيعان على مدى مليارات السنين والسنوات الضوئية، في روايته "الشتات" (1997)، والكاتب الصيني ليو سيكسين. إن حقيقة أن نهاية الكون بالنسبة لهم ليست كاملة، كما هو الحال في روايات ما بعد نهاية العالم، كافية لإظهار قدر معين من التفاؤل. يتناول كتاب الشتات أيضًا موضوع التطور البشري، من خلال الإنسان الرقمي - الفصول الأولى، التي تحكي عن الولادة الرقمية، صعبة - نحن نتطور في منتصف نموذج غائب - ولكنها مثيرة للإعجاب. كما تم العثور هناك أيضًا على ثقوب دودية بحجم الجسيمات الأولية، أو عواقب انفجارات أشعة غاما. وتستند مشكلة الأجسام الثلاثة إلى الفيزياء الفلكية، مع النجوم الثلاثية، فضلاً عن التشابك الكمي، وهي نظرية وجدت كمحرك سردي في كتاب العزلة لغريغ إيغان وكتاب الرجل الذي أنهى التاريخ لكين ليو. في هذه الرواية القصيرة، يسمح لنا التشابك الكمي بالعودة لمراقبة الماضي، وبالتالي قد يقدم أدلة، في هذه الحالة، على جرائم الحرب اليابانية في الصين خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن، كما هو الحال في القصة القصيرة "التعاطف البيزنطي"التي تتناول الأقليات العرقية المضطهدة وأعمال المساعدات الإنسانية، فإن الشهادة المباشرة لا تكفي للتغلب على انعدام الثقة.) " 12 "
وأضيف هنا جانب الاهتمام بالبيئة ومكانة الإنسان فيها، وتلك التهديدات المناخية، وكيف يجري التعامل معها غربياً وشرقياً، ومن نكون وما يجب أن نكون عليه عقلاً ونفساً:
( لسنا كائنات حية بل أشخاص: ما له قيمة كبيرة ليس الحياة بحد ذاتها، بل "حياة واحدة فقط، لأنها حياة شخص، أيا كان، وأينما كان". إن استنتاج وولف، الذي نتبناه، هو أن السياسة البيئية السليمة "لا ينبغي أن تهدف إلى جعلنا متوحشين أو تشجيرنا، ولا إلى الدفاع عن طبيعة بدائية خيالية في المناطق المدارية الشاسعة، بل ينبغي أن تساهم في الحد من الظلم الاجتماعي والعالمي، الحاضر والمستقبل". إن فكرة التحرر الحقيقية تأتي بهذا الثمن. إن تهدئة العلاقات بين الكائنات الحية لا يتطلب إقناعنا بأننا حيوانات مثل الآخرين، بل يتطلب "وجود علم وجود جيد للطبيعة وعلم إنسان جيد") " 13 "
وأضيف هنا ما له علاقة بما نتباهى به، جهة علومنا التليدة، بأدبياتها المختلفة، ومعرفتنا لها من خلال الاخرين في الغرب، وما يجري استقراؤه وتقصي أبعاده من خلال كتابه، كهذا المثال:
( تعتبر ملحمة جلجامش حاضرة بقوة في تأريخ الأدب الخيالي، وخاصة في الأعمال المخصصة للخيال العلمي والأنواع ذات الصلة. وفي كتاب بيير فيرسينس، وهو من أبرز علماء الموسوعات، خصص له عمودًا ونصفًا. "في الواقع،" يجادل المؤلف، "تقف ملحمة جلجامش في بداية كل الأدب باعتبارها بذرة التخمينات، سواء كانت غير عقلانية أو عقلانية، ولهذا السبب الأخير تستحق أن تُدرج في مجالنا."
لقد جعلنا خورخي لويس بورخيس نفهم منذ زمن طويل أن كل شيء قد قيل وكتب منذ زمن طويل، ولكننا نستطيع أن نبدأ من جديد إلى أجل غير مسمى ونعيد كتابة دون كيخوت مراراً وتكراراً. فلماذا لا نعيد إنتاج جلجامش؟ لقد اجتمعت أحدث أطراف الخيال البشري، الخيال العلمي والخيال العلمي، مرة واحدة، لتحيي بذلك أقدم قصة في الوجود، وهي الأولى التي تتحدث عن رجل وليس عن آلهة. فهل نجد هذه الحقيقة غريبة، أو على العكس من ذلك مطمئنة؟ على أية حال، فهي علامة مثالية لمرور الزمن من خلال معاناة الحالة الإنسانية. في يوم من الأيام، وبشكل حتمي، كان من المقرر أن يقع مؤلف معاصر في غرام البطل السومري إلى درجة إهداء نسخته الخاصة من الأسطورة إليه: وكان هذا أحد أعظم المؤلفين، روبيرت سيلفربيرغ.) " 14"
ومؤكد أنني في هذا السردية الثقافية لا أعلِم كاتبنا بما يعلَم به، وإنما ما يمكن قوله في سياق كتابه وتناوله لموضوع الرواية، وما يجري تنسيبه إلى عالمها من موضوعات مختلفة ماضياً وحاضراً طبعاً، وما يجدر النظر فيه، على صعيد الوصل بين موضوعات أو الفصل في سواها وتمايزها، وما يمكن للقارىء الذي يعتبَر شريكاً محل اعتبار لما هو مسطور هنا وهناك، في حوار مفترض.
ولا شك أن تناوله للشخصيات يأتي في سياق الانشغال بعالم الرواية، وكيف يمكنها أن تبني مجتمعها،من خلال مضاعفة الاهتمام بالشخصيات التي تكون موازين قواها وشهود عيانها في نفي أو تأكيد نص روائي معتبَر، ولا يخفي الكاتب تقديره لذلك، وبطريقته التي تصله بطبيعة ثقافته واختصاصه وتعويله على الأداء النافع لمفردات كهذه( باختصار رمزي: المعالم الأولى لشخصيات الرواية أشبه بجيناتها التي تحدد مداميكها المعمارية الأولى. تبدو الشخصيات " مسيَّرة" في هذه المرحلة التأسيسية، ثم تتحول " مخيَّرة " أكثر فأكثر، مع تقدم الأحداث، ومع انطلاق ماكينة التخييل. ص 81).
شخصيات رواياته تكون أفكاره، هواجسه، وحتى " فوبياه " القائمة بوجهها الفاعل في استيلاد أفكار، وطرح تساؤلات لا تتوقف في حمّى الانسكان بما يفكر فيه أو يتخيله، في مجتمع يتعرض للتعديل، للتهذيب، للتحوير، للترميم، للبناء بمواد مختلفة، هي شخصيته المنشودة في آتيها.
وهذا ما يظهر في تناوله لها عبر مسمى " الأبطال": أبطالي آخر رواياتي.. بأسمائهم:
( أتذكرهم يومياً، أستطيع أن أكتب رواية كتابتي لروايتهم، ويوميات توسع وتطور شخصياتهم، التي عشتها بكل جوارحي ( أرسلت ملخص رواية كتابتي لروايتهم، على نحو شخصي غير رسمي، لدار النشر، للاحتفاظ بها، بعد قبولها نشر الرواية بحماس كبير. ص 118).
لافت هنا أن التركيز على الشخصيات، الأبطال المعتبرين، نابع من نوعية المكانة والدور لكل اسم، لكل دور، لكل تحول، لكل حركة، في خريطة النص، أو نبض في جسد الرواية بالذات.
ولكل ذلك، كما هو معلوم، تاريخ مختلف، ليس واحداً، أو خطانياً دون انقطاع، إنما حلقات قد تتباعد عن بعضها بعضاً، في نقلاتها، وعبْر أزمات واقع فاعلة في بتر من هنا، وتغييب أثر من هناك، وإبراز معْلم فني أو جمالي أبعد من ذلك، وتوقف وحِداد اعتباري عليها لأمر ما ، لحظة الحديث عن " موت الرواية " ومغزى هذا التشخيص طبعاً:
( الشخصيات في الرواية هي الأساس الذي ترتكز عليه القصة. ومن خلالها ستتمكن من نقل المشاعر وإضفاء الحيوية على حبكتك، صفحة بعد صفحة. بدون شخصيات، القصة لا تثير اهتمام القارئ. علاوة على ذلك، لا يمكن لقصة أن تكون ناجحة تمامًا إذا لم تقم بإنشاء شخصية رئيسة جيدة.)
وما يخص مفهوم البطل البطلة:
( لقد شهد تعريف كلمة "البطل" تطورًا كبيرًا. في الأصل، كان البطل رجلاً يُعتبر نصف إله، أمير حرب يتميز ببراعته في مجال الأسلحة، ولكن أيضًا كشخص يتمتع بشجاعة وقوة خاصة. في عام 1540 ظهر مصطلح "البطلة" للدلالة على المرأة التي أظهرت "قوة روحها". في اللغة الفرنسية الحديثة، تطور تعريف الكلمة ليصبح أيضًا "الشخصية الرئيسة في العمل الأدبي".
اليوم، يعّرف قاموس لاروس أيضًا كلمة البطل أو البطلة على أنها "الشخص الذي حدثت له مغامرة، والذي لعب الدور الرئيس في موقف معين".
لجعل شخصيتك الرئيسة لا تنسى، عليك أن تقدم لها أسبابًا لتكون كذلك: شخصية قوية، روح الدعابة، تعبيرات أو سلوكيات أصلية، ردود قوية، سمات شخصية معينة، وما إلى ذلك.) " 15".
ومن الطبيعي في الحالة هذه أن يتوقف الكاتب عند هذه النقطة المهمة، والخاصة بالشخصيات، وهو يمنحها مساحة كافية تذكيراً بها، وتقديراً لها، وتنويراً لخاصية كل منها بموضوعها.
وما يبقيه في نطاق الموسوم بـ" الحدث الروائي " وتناوله في فصل خاص بـ" رسم أحداث الرواية " وبمأثرة صنيع حداثي، يتركز في مفهوم " المشهد " والبصري تحديداً، وعبر نماذج روائية، يجري استعراض جوانب، وما لكل منها ميزة جمالية قائمة بذاتها، كما في مثال من " تقرير الهدهد" في مقطع وصفي يتركز على الشاعر" المعري " الضرير وهو يلعب الشطرنج:
( اشتهر الشاعر الضرير بأنه " لا ينهزم في الشطرنج من بصير "، و" لا يوجد ضرير في عصر العباسيين يلعب الشطرنج عداه". يترنح أمامه الجميع بسرعة غير طبيعية، ينكسرون بسهولة مقرفة( تناسب مزاجَه تماماً). . ص 139).
مهما كان مغزى هذا المشهد البصري واتلوصفي، وربط المعري بلعبة الشطرنج، ودقتها التاريخية، والمختلف حولها، فإن في الحديث عن الشطرنج، ودور اليقظة الذهنية والمناورة في لعبته، يعزّز مكانة الشاعر" الضرير" ويغذي النص بحيوية مضافة ، خاصة وأن تمثّل العنصر التخييلي، يشرعن لمثل هذا التحرك في سردية روايته هذه أو سواها .
ولأننا أشرنا إلى التخييل، فثمة ضرورة للتذكير بالخيال وجنسه، ومن ذلك: الخيال العلمي، كما أسلف القول، حيث يلاحظ الكاتب فراغاً في هذا المقام الأدبي( تغيب كثيراً عن الرواية العربية بعض الأجناس الأدبية المزدهرة جداً في عالم اليوم. لعل أهمها: الخيال العلمي، الرواية الفلسفية، الرواية البوليسية. ص 147).
ثمة أسباب لذلك، والكاتب لا تنقصه الفطنة في ذلك، كما في قوله( الرواية الاستباقية ( ورواية الخيال العلمي عموماً) لا تنمو غالباً إلا في مجتمعات متطورة تصنع جديد التكنولوجيا ، أكثر كلمات قواميسها تكراراً: " الابتكار " التي أخذت اليوم، للأسف، موقع كلمة كانت شديدة الحضور في القاموس السياسي والاجتماعي الدولي في القرن العشرين، ثم انقرضت تقريلاً: " التقدم"..ص149).
وما يلاحظه في " ثقافته "0 أما ثقافتنا العربية عموماً فلا تنظر غالباً إلا نحو الماضي لا تتزحزح عنه، لا تتوقف مثلاً عن إدانتها لعصور عفا عليها الزمن، كزمن الاستعمار...ص150)، ليأتي على ذكر أمثلة حية عن روايات مشبعة بالخيال العلمي وآفاق المستقبل( صص151-163)، ومحاولة الكاتب تقديم روايتين في هذا المقام( القائم على التخييل التأملي( جزيرة المطفّفين، وحفيد سندباد. .ص163). وفي رواية أخرى " نزوح " في بعد استباقي ( متخصص جداً في قضايا الفضاء والوضع البيئي للأرض..ص165) .
من حقه أن يبدي ملاحظة قويمة كهذه، إنما هناك ما يستوجب التوقف والتذكير بمفارقات قائمة وصارخة بدلالاتها، وهي تتمثل في تلك اللائحة الكبيرة من أفلام كرتون أطفال، وأفلام الخيال العلمي التي تلاقي إقبالاً، وما يجري منها على شكل غزو موجه من الداخل، بالنسبة للطفل، وحتى ما يُشاهَد من " أبطال " هذه الأفلام أو المسلسلات، في المحلات " سبايدرمان، غراندايزر...إلخ"، وما لذلك من حضور لثقافة رائجة ومعتمَدة تخص حقيقة الجاري ثقافياً.
وما يضيء هذا القول، هو الذي يمكن قراءته بصدد أعماله الروائية عربياً في " العلاقة بالنقد. ص 181"، ورضاه النسبي تجاه كتابات تناولت أعماله، وموقفه من" الرقيبالذاتي والخارجي.) وقوله: ( أعترف منذ البدء: لا يوجد رقيب داخلي يهيمن علي عند الكتابة، استعذتُ بإله الحرية من أي رقيب. منذ وقت طويل في حياتي. ص 188).
يحق له أن يتفوه بالطريقة هذه، وملؤه ثقة بالذات، خاصة حين ينسّب الحرية إلى " إله " كونه يعيش في مجتمع، يكون الإنسان المرئي هو محط الاعتبار، خلاف ثقافة مجتمعه، وأهله الذين يعرفهم، وكيفية تناولهم لمشاغل الحياتية. نعم، لا رقيب من أي نوع داخله، لأنه مؤمّن على نفسه، أو مستقبله، لوجود قانون، ومؤسسات فاعلة، تهتم به، بقدر عطائه، والحرص عليه، ولو في الحد الأدنى" تأمين المسكن وما يتدبر به أموره المعيشية " ولو كان دون عمل مباشر.
لهذا يكون الإبداع هذه الحرية التي أفصح عنها، وما يصله بتمايزه في أسلوبه المختلف. الأسلوب في مقامه اللافت لا ينفصل عن تلك القدرات الخاصة المعززة لشخصيته الإبداعية.
ولطالما كان الأسلوب شاهداً على بؤس كاتبه أو ناطقه في الحياة، أو رقيّ جنسه كتابةً، وما هذا الاهتمام به في جانب تخصصي معرفياً، إلا من باب التأكيد على مكانته، في مجتمع الفردانية:
( إذا كان هناك أي شيء في العالم يمكن أن يساعد في جعل الإنسان معروفًا، فهو أسلوبه. كما نحن، هكذا نتكلم وهكذا نكتب. سوف يقول عالم الفراسة ذات يوم، عند رؤية خطيب أو إنسان أديب: هكذا يتحدث، وهكذا يكتب. ذات يوم سيقول عن صوت إنسان لم يره، وعن أسلوب عمل لا يعرف مؤلفه: لا بد أن يكون لهذا الغريب كذا وكذا من السمات، ولم يُخلق له وجه آخر. كل عمل يحمل شخصية صاحبه.
يصبح الأسلوب هو الإنسان كله، لأنه يرسم ما يحدث في داخلنا. إنه تقليد يحركه الكلام، لأنه التعبير الحي إلى حد ما عما يحدث في الروح. نحن متأثرون بشدة، أسلوبنا متسارع. عندما نشعر بالألم، فإنه يسحب نفسه ببطء، كما لو كنا أقل طلبًا للتعبير، لرسم بضربة فرشاة الحزن الذي يطغى علينا، من العودة مائة مرة إلى الخط الذي جرحنا.) " 16 "
هكذا، أو ربما هكذا إذاً: فتش عن الأسلوب إذا أردت معرفة حقيقة من يحاورك أو يجاورك أن تقرأ له، أو تبحث في أثره أو سلوكه اليومي، وما لذلك من تنوير للعلاقة البينية .
وأن يكون الإنسان، أو أحدنا أسلوبه، فهو ما يلاحَظ فيه حركياً، ويُسمَع، وينظَر في نتاجه.
ولعل الذي يتمخض عنه كتاب كاتبنا سروري، يدخله، في فضاء الاسلوب المختلف، أو حتى الأقل السعي الحثيث والذي لم يتوقف إلى الآن، إلى ما لم يتحدد بعد، والقابل للتطوير، ومفهوم النوعي المضطرد في كل كتابة انعطافية أو رواية مائزة، أو كتاب مواز لها بحثياً.
نقطة على سطر الكتاب
أنوّه هنا إلى الملحق، وذلك الحوار مع الكاتب من قبل مترجم وباحث قدير بالمقابل، هو بدرالدين عرودكي، وهو منشور أساساً في مجلة " نزوى العمَانية " في " 3 يناير 2021 "، وتأتي إضافته إلى الكتاب كملحق، ربما ليتنور القارىء به أكثر، وكونه متداخل مع حيثيات الكتاب، وقائمة الروايات التي محوّر كتابه حولها، وتحت عنوان " الرواية والعقل "!
والحوار هذا عقلي وما ليس بعقلي، لحظة التذكير باسمين كبيرين، يجسّدانه هما ابن عربي وابن رشد، ومن باب الدقة، من خلال قول لابن عربي صاحب وحدة الوجود تصوفياً، في ابن رشد عبر أكثر من لقاء، وبينهما فارق في العمر" قرابة ستة عقود زمنية، تقريباً " وابن رشد فيلسوف والعقل رهانه الأول والأخير، رغم اهتمامه بأدبيات الفقه وتبعاته. أو حيث يكون الأول عرفانياً، مأثرة التصوف، والآخر برهانياً، مأثرة الفلسفة .
ثمة ملاحظات:
هناك إضاءات لعوالم رواياته، من خلال الحديث عما هو عرفاني وبرهاني، أو ما يصل الرواية بالعقل ويتجاوزه، في ضوء إحالاته إلى مزايا التصوف" العرفاني منه". وثمة صفحات تترى، نجد شبيهات لها في صفحات سابقة، كما في " تقرير الهدهد ".
ثمة شعور بالمرارة لحظة قراءة الحوار، وهو في ثرائه، إنما مرارة تتوازى مع الحديث عن العالم العربي وبؤس تخلفه، ومن يكون وراءه، وجانب العجز في التجاوز.
وبوجود مفارقة، تقوم على علاقة طردية، تتمثل في الإلحاح على قراءة ما كان في نماذج معتبرة: ابن رشد، ابن عربي، المعري، والمعري في الواجهة تالياً، للولوج إلى العصر الحديث، كما يقول الكاتب" ص 205 ".
وهناك ملاحظات أخرى تخص طريقة استعمال المفاهيم وحتى الأسماء وربطها بقيم، وهي أشبه بظاهرة تلمستها في الكثير مما يُكتَب عربياً، ويساق في ضوء المقروء تراثياً على الراهن، وحتى المحاور، عرودكي وقع في فخ المحظور هذا، لحظة الحديث عما كان، مثل:
تاريخ الفكر العربي" ص 194"، والعطاء الحضاري العربي " ص 1999" تعبيران يخلان بمفهوم القول: الفكر العربي- الإسلامي – العطاء الحضاري العربي- الإسلامي ...
ولحظة الحديث عن التسامح، كقول سروري: إن أحيينا أفكار أبي العلاء، ابن رشد، وابن عربي، فسنكون نموذجيين في التسامح وحرية الضمير، في سيادة العقل، وفي الرؤية الفلسفية المنسجمة مع الحداثة..ص 199.
يفترض اعتماد قول كهذا، وتصور كهذا، مراعاة المتوخى، في التسامح، أي المرونة المطلوبة، على الأقل، حيث يجري تجاهل المركَّب ماضياً، وخاصيته، فأولئك كانوا نتاج ثقافة هجينة، تفاعلت فيها لغات وحضارات ألسنة، وفي فضاء الديني.. وحديثاً، ما إذا كان ذلك ممكناً كيف يكون هذا الاستدعاء وفي أي فضاء معرفي، أبفضاء ديني أو بأبستيمياء دينية؟
وحتى بالنسبة للمعري، والرهان عليه، ففذلك شطح في القول، يصله بالعرفاني دون أن يكون عرفانياً بحساب عقلي مختلف، وبالبرهاني، دون أن يكون برهانياً، بحساب تصوفي مؤطر. خصوصاً لحظة النظر إلى المعري في كليته، وليس من نقاط محددة ومختارة في المعروف شاعراً، وليس ما يمكن الاعتماد عليه " مفكراً " أو آثاريّ حضارة وثقافة ...
وفي ضوء ذلك فإن قول( يلزم أن نعيد كتابة التاريخ بأثر رجعي..ص2002)، ليس من باب المستحيلات فحسب، إنما الذهنية غير الواعية لما يقول تحت وطأة المفكَّؤر فيه مأساوياً في الداخل، والصادم خارجاً في الغرب، وجانب الارتداد ودعواه، ومن قبل من، وفي أي نوع خطاب بالمقابل، ولمن وباسم من يا تُرى؟ كما لو أن مجرد الإقرار يكون إشعاراً.
والنقطة الجديرة بالمناقشة ولو باختصار تخص العلاقة بين ابن عربي وابن رشد، وهي التي نشهد انتشاراً لها في مواقع الكترونية كثيرة، وأكثر شمولاً وتنويراً من الدائر في الحوار.
حيث لم ينتبَه إلى أن المتكلم في الكتاب هو ابن عربي، والغائب موضوع الكلام، هو ابن رشد. وليس هناك ما ينفي أو يؤكد حقيقة ما أفصح عنه ابن عربي . هذه أولاً .
ثانياً، سيق القول في نطاق الربط بينهما، وربما لإعلاء مقام ابن عربي، وهذا يطيح بالمنشود عقلياً، في الوقت الذي لا نجد بالمقابل ما يستحق النظر فيه حقيقة جهة العرفان المذكور.
وما يخص ابن رشد وأسبقيته لزمانه، ومكانته، وكيفية التضحية به، وإلى الآن، نتلمس كل ذلك في أكثر من مصدر أو مقال وكتاب " 17 "
وثمة ملاحظة في هذا الإطار وتخص علاقة ابن رشد بالفلسفة اليونانية، حيث أشير إلى ابن رشد مترجماً، وهو لم يكن مترجماً قط، كما نقرأ ذلك مثلاً في متن الحوار" ص 204". إنما كان يعرَف بشروحاته وتلاخيصه أو مختصراته، وجوامعه الصغار، ومسائله هنا " 18 ".
نعم، لا أنفي القيمة الثقافية لنص الحوار، سوى أنني أشدد على أنه لو لم يلحَق بالكتاب، لكان أفضل، في ضوء الملاحظات والنقاط التي نوهت إليها. إنها قراءتي ليست إلا .
إنها قراءتي التي منحتني متعة التفاعل، ومتعة التغاير في آن ، في مدرسة حياة هي الثقافة هنا!
مصادر وإشارات
-1Jolianne Gaudreault-Bourgeois: Le roman vit selonsespropreslois », ou comment les romanciers font du roman « le genre le plus libre qui soit"
جوليان جودرو بورجوا: الرواية تعيش وفق قوانينها الخاصة، أو كيف يجعل الروائيون الرواية "النوع الأدبي الأكثر حرية على الإطلاق"
-2« La vie est-elle un roman ? »Essai de restitution du café philo de Chevilly-Larue
Essai de restitution du café philo de Chevilly-Larue
هل الحياة رواية؟محاولة ترميم مقهى شيفيلي-لارو الفلسفي
-3Jacques Dürrenmatt:« Le style estl’hommemême ». Destin d’unebuffonnerie à l’époqueromantique
جاك دورنمات: "الأسلوب هو الرجل نفسه". مصير مزرعة الجاموس في العصر الرومانسي
-4Éric Dayre: Naissances poétiques du roman
إريك داير: الولادات الشعرية للرواية
-5Marc Verlynde: La mort du roman : éternels débuts
مارك فيرليند: موت الرواية: البدايات الأبدية
6-المصدر نفسه.
7-هاشم صالح: الانسداد التاريخي : لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟ دار الساقي، رابطة العقلانيين العرب، بيروت، ط1، 2007 . والإحالات المرجعية في المتن، تخص هذه الطبعة.
-8Jean-Pierre Cometti:Le roman et l’hommeintérieur. Remarques sur la littérature aleur ism et l’introspectio
جان بيير كوميتي: الرواية والإنسان الداخلي. ملاحظات حول الأدب الرومانسي والتأمل الذاتي
-9Britta Herrmann: La vie comme roman. Transformations médiales du aleur entre aleur ism et romantisme
بريتا هيرمان: الحياة كرواية. التحولات الوسيطة في الخيال بين الكلاسيكية والرومانسية
10-عبدالفتاح كيليطو: الأعمال، الجزء الأول، جدل اللغات، منشورات دار توبقال، الدار البيضاء،ط2، 2018، ص 252.
-11Nicolas Prantzos: La recherche d’Intelligencesextraterrestres et le Paradoxe de Fermi
نيكولاس برانزو: البحث عن ذكاء خارج الأرض ومفارقة فيرمي
أشير هنا إلى واقعة شخصية، على صلة مباشرة بموضوع كهذا، وتخص كتابي" تقديس الشهوة: الرموز الفلكية في النص القرآني " منشورات الريس، بيروت، ط1، 2000، في " 436 " صفحة من القطع الوسط، أتناول مسائل ذات صبغة تاريخية وفي ضوء العلم، ومن خلال الوارد في سور قرآنية، تخص التكوين الكوكبي للأرض، وللعالم وحقيقة الإنسان...ليجري منعه، لا بل وصدور بيان من جهة ثقافية دينية وصائية معروفة في القاهرة بمنع تداوله من هذا الجانب، لأن المثار يتعارض مع ما هو متداول..
-12Sébastien Omont: Science-fiction contemporaine : la reconnaissance invisible
سيباستيان أومون: الخيال العلمي المعاصر: التعرف غير المر
-13Alain Policar: La aleurabsolue de la vie humaine
آلان بوليكار: القيمة المطلقة للحياة البشرية
-14Gilgamesh, le roi qui trouvait la mort vraiment trop ersona (Phénix, 1996)
جلجامش، الملك الذي وجد الموت فاحشًا للغاية (فينيكس، 1996)
-15Solenn Rousseau: Le ersonage principal, pivot de l’histoire
سولين روسّو: الشخصية الرئيسة، محور القصة
-16Jacques Dürrenmatt:« Le style estl'hommemême ». Destin d'unebuffonnerie à l'époqueromantique
جاك دورنمات: "الأسلوب هو الرجل نفسه". مصير مزرعة الجاموس في العصر الرومانسي
17-ينظر، مثلاً ، ما كتبه الدكتور محمد عابد الجابري، في : ابن رشد" سيرة وفكر،منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1998، وبشكل مكثف، ماورد في مقال كيليطو: ترحيل ابن رشد، في الأعمال ، المصدر المذكور، صص61-65 .وبشكل أكثر وضوحاً.وفي الذي ورد في مقال محمد صالح بوشتلة :عن علاقة المتصوف بالفيلسوف:ابن عربي مشيعاً ابن رشد،بشكل لافت حقاً، ص 49-50-51...إلخ..
18- ينظر حول ذلك، الجابري، في مصدره، ص 14، وما أفصح عنه كيليطو، في الأعمال، الجزء الرابع، ط1، 2015، ص 222...إلخ .
==
سؤال عالق
أي عقْد قرَان قائم بين الحياة والرواية، أو الرواية والحياة؟ الحياة التي نكون فيها، وتغمرنا بمؤثراتها الموسوعية، وننتمي إليها دون أي تأكيد زعْم بالبقاء الدائم فيها.في النظر إلى هاتين المفردتين: الحياة في عموميتها، في طبيعتها، وفي الذي أُلصِق بها خارجاً بقوى لم تخترها الحياة، أو تؤخَذ موافقتها، ولا بأي شكل، أي : المؤثر الإنساني، كما في الرواية التي تتكلم لغتنا، دون أن تكُوننا تماماً، أو ننتسب إليها حرفياً، ودون أي إمكانية تأكيد، بالمقابل، على أن الذي جسّدها باسمها، لا مهرب لنا من اعتبارها لسان حال لنا، دون تمييز، فيما بيننا، على صعيد التمثيل.
ذلك شأن كتابيّ، في الرواية تحديداً. كتّابها هم الذين يختلفون فيما بينهم، في إبرازها وصفاً وقيمة ورمزاً وأداء مهمة في الواقع الذي خرجوا منه، أو عاشوا فيه، أو استمدوا منه " نطافها ".
لا أكثر من وشائج القربى، على قدْر اختلاف المواقع في بنية الكتابة، ونوعية الكتابة الروائية، ومرجعياتها الأسلوبية بالمقابل، أي المدارس التي تشكل أبويات فاعلة في تسمية كل منها، وأهميتها، إنما على وجه العموم، فإن مجرد وضع اسم " رواية " تكون جميعها مشمولة به .
من الواقع وإليه، وما في الحالتين، من تكوين رؤية كشفية واختلاف بين وجود واقع يعنينا في مجموعنا، وواقع ما أن نسميه، وفي كل لحظة، حتى يحصل التمايز، محدّداً نوعية المودع فيها، وفي هذا الإجراء الذي لا يتوقف زماناً ومكاناً، تمْثُل أمام ناظرينا شخصية الكاتب بأدواتها .
خبير المهلوماتية والعالم الرياضي، الباحث والكاتب الروائي اليمني المعروف حبيب عبدالرب سروري " تولد 1956..." والمقيم في فرنسا منذ عقود عدة من السنين، له بصمة كتابة، وحضور روائي، استساغ عنواناً لكتابه الذي يقدَّم سيرة ذاتياً، من خلال كتاباته، عن الرواية بقرابة دزينة عناوين لها، فرنسية وعربية،وهو( الرواية مدرسة الحياة ) منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2023، في" 224 " صفحة من القطع الوسط. تُرى كيف يُرى ككاتب حياة وكتابة روائية ؟
هل الرواية مدرسة الحياة حقاً؟
طُلِبَ منه أن يقدّم كتاباً للجهة الناشرة لعمله هذا،يتضمن معلومات تضيء صلاته بالرواية، وما ضمّنه رواياته من أفكار وتصورات، من جماليات أثر لمَعان مؤثرة، ونمذجة شخصيات لهذا الغرض، ما كان لحياته من دور في تكوين عالَم رواية يتوقف عليه تميّزاً، وكيف نفث روحه التخييلية في رواياته، لتظهر عوالم متداخلة، عوالم مجتمعات يصل فيها الماضي بالحاضر والغد.
فكان هذا العنوان اللافت والمحرّض على سؤال لا يؤجَّل، وهو: كيف تكون الرواية مدرسة الحياة، بإطلاقها هكذا؟ أي ليس هكذا: الرواية مدرسة حياتية، أو حياة كذلك! كما لو أن الحياة تعرَف من خلالها، وليس العكس، كما لو أن الواقع مجهول الاسم خارجاً معلومه داخلاً باسمها.
أليس من جنوح في التوصيف في عنونة كهذه، أم جاء ذلك تلبية لحاجة نفسية ملحة نافذة الأثر؟
يمكن المضي مع القائل بهذا الشأن( يمكن للنوع الروائي أن يستوعب كل شيء، ويحتوي على كل شيء. كل شيء يمكن أن يدخل ويندمج هناك، كما هو الحال في متجر التحف القديم الذي يدخله رافائيل دي فالنتين في جِلْد الحزْن La peau de chagrin، وهي غرفة مزدحمة حيث تتعايش أشياء متباينة من جميع الاتجاهات: جلد الثعبان، والسلع المستعملة، والأشياء القديمة، والكنوز الفارسية والمصرية. هذه هي الصورة القوية التي يقدمها جاك رانسيير لوصف نوع الرواية في مقالته "الكلمة الصامتة". في هذا العمل، الذي يتناول، على حد تعبيره، "تناقضات الأدب"، يجعل الناقد من الرواية جنسًا بلا جنس، أو بتعبير أدق، "جنس ما هو بلا جنس" من حيث أن هذا النوع محروم من "طبيعة خيالية محددة.) " 1 "
ذلك واردٌ لحظة النظر في المساحة الشاسعة التي تنبسط وهي، في ازدياد، للرواية، كما هو المقروء فيها وباسمها راهناً، وكما هو التشدد على فرادتها مقارنة بشقيقاتها في عالم الكتابة الأدبية. إنما مع أي مصادقة على استثنائية الرواية بالنسبة للحياة، لا يعني تقديمها على الحياة، كما لو أنها وجِدت، ثمة التحقت بها تلك، أو كان الواقع لاحقاً عليها. والواقع هو المرجع عملياً.
لهذا، فإنه ( قبل أن نتحدث عن رواية، يجب أن نتحدث عن الحياة: ما نتلقاه، ما نعيشه، ما نعطيه. ..وفقا لمبدأ الحركة "الفيزيوفيزيائية" (الطاقة)، ومبدأ النشاط (البيولوجيا) الذي يتوافق مع البيئة. تتدخل الرواية من حياتنا الحلمية، والتي تشير إلى إمكانية الاختيار بين عدة طرق للعيش.
- بعكس السؤال: "هل الرواية حياة؟"، نعلم أن العديد من الكُتّاب يجمعون العناصر يومًا بعد يوم للكتابة، ويلاحظون باستمرار: الأخبار، السلوكيات، سمات الشخصية، المواقف، وما إلى ذلك. بطريقة متناثرة ومجزأة، تكمن حياة الجميع في الروايات. من بلزاك إلى جاي دي كارز، لا يصف الكاتب العالم محبوسًا في مكتبه. بالنسبة لهم، كان العالم رواية.) " 2 "
أن يعطى اعتبار استراتيجي ميتاحيوي للرواية في ضوء تعاطيها واقعاً من جهة الكاتب ومن يقرّر بمكانة خاصة كهذه، فهذا شأن آخر، من شئون مؤالفات الذات الكاتبة .
كما لو أن الصورة النصفية للكاتب، وهي لا تخفي ابتسامة لافتة، تصادق على صواب تعبير كهذا، وبثقة قائمة، تتشكل في ضوء المسطور في الكتاب، من أوله إلى آخره .
وما يعزز رباط الألفة البينية، ما يتخلل الاقتباسات الثلاثة، بدورها في الاستهلال، وهي تجلو ظلال الرواية التي تبز ظلال فنون الأدب الأخرى، وحتى في مضمار العلوم التطبيقية، كما هو الممكن تبيّنه في مناخات روايات له، استناداً إلى تخصصه المعلوماتي- الرياضي بجلاء. اقتباسات من رموز الأدب الروائي والنقدي عن مآثر الرواية وتمثيلاتها الحياتية، بلسان إيميل زولا، وقدرة الرواية على مكاشفة الوجود، بلسان ميلان كونديرا، وخطورة الأسلوب كدور في إظهار الرواية نجاحاً أو فشلاً، بلسان الكاتبة والشاعرة الروسية- الفرنسية إيلزا تريولي.
ولعل الاقتباس المتعلق بالأسلوب أرجىء ليكون له مقامه، لأن الاقتباسين الأولين خُصَّت به مكانة الرواية والدور الفعال لها في الحياة، ولأن الأسلوب رافعة حيوية متنفذة في بنية الكتابة.
وفي الحالة الأخيرة، يظهر ان الاقتباسين السالفين داخلان في " ذمة " الثالث، فهو الذي تكون له الكلمة الفصْل في منح الرواية طلاقة عابرة للزمن، أو وضعية إعاقة في عملية بنائها. وهو ما يذكّرنا بقائل في هذا المنحى، توكيداً على الجاري ذكره ووصفه ( يصبح الأسلوب هو الإنسان كله، لأنه يرسم ما يحدث في داخلنا. إنه تقليد يحركه الكلام، لأنه التعبير الحي إلى حد ما عما يحدث في الروح. نحن متأثرون بشدة، أسلوبنا متسارع. عندما نشعر بالألم، فإنه يسحب نفسه ببطء، كما لو كنا أقل طلبًا للتعبير، لرسم بضربة فرشاة الحزن الذي يطغى علينا، من العودة مائة مرة إلى الخط الذي جرحنا.) " 3 "
أما إذا وسّعنا دائرة القول في جملة الاقتباسات، وتحرّي الفعل المؤثر والصامت في طرحها، فربما نسمع، وبصفاء، صوتاً داخلياً للكاتب نفسه، وتعزيزاً لما يمكن أن يعرَف به رواية وأسلوباً.
ذلك ما يتضح في المقدمة، بناء على تقدير، على ثغرات قائمة، تصورها الكاتب، وارتأى أنه بدخوله في هذا المحك، وقدم كتابه، كما هو مطلوب منه، فلأن هناك حاجة عملية(.. أدركت سريعاً بأن مشروعاً كهذا سيقدّم للقراء والباحثين، اليوم وغداً، ذخيرة معرفية ثريّة، ويلقي أضواء ثاقبة، متعددة المصادر والألوان، نحتاجها جميعاً لرؤية واقع الرواية العربية ونواقصها واتجاهات تطورها...ص13).
وجرّاء تقدير ذاتي، يخص حمولة ثقافية متراكمة( تراكمت لدي هكذا عصارة تجارب روائية سابقة، بجانب تجربة جديدة طازجة، للإجابة على أسئلة محاوِر " أنا الرواية " ورافدها.ص14).
لماذا الرواية مدرسة الحياة، إذاً؟
هكذا يأتي عنوان الفصل الأول، بفضائه الواسع، محمَّلاً بسؤال ينفتح على تفاسير وتأويلات، منبعها روح الكاتب، بتنوع مؤثراتها الاجتماعية، النفسية، السياسية، التاريخية والوظيفية، وحيث إن الرواية التي، كما يظهر، أودعها رصيد تجاربه، وتأملاته، وقد تلمَّس في رأسماله المنشور روائياً مرتجىً ومؤمَّلاً، لا بل " حصاناً " لا يكبو، يحمَّل صهوته تخيلاته، ويطلقه إلى الغد.
هو هكذا يكون التقابل والتقدير: على قدْر الشعور بالأهمية لشيء، لموضوع، لأمر ما، يكون رهان المعنى، وبالتالي، يكون تحديد مساحة الحركة، والتاريخ الخفي والعلني لما يشغل الذهن. ومن نطاق التفاعلات الاجتماعية التي يعيش الإنسان سيرورة مخاضاتها التاريخية، وهو يمد في عمر الرواية، دافعاً بها إلى الأبعد مما يُسميها( لذلك طوال تاريخ نوعنا الإنساني( هوموسابيان)، برزت الرواية بأشكالها البدائية أو القديمة الأولى، عبلار الحكي، القصص، الأساطير، الملاحم..ص 15)، ليذكّر بما هو معروف، بتاريخ الرواية الحديثة( في عصر النهضة( مع رابليه في القرن 16، وسرفانتيس في القرن 17) متحررة لغوياً من سلطة الملاحم والنظْم الشعري، مستوعبة تطوراته وتعقيداته الجديدة، وهمومه الدنيوية بعيداً عن المقدس..)، وما يجعلها في الواجهة على صعيد التمثيل الرمزي للواقع مثل العلم وأكثر( السبب! للرواية، أولاً، ملكة جوهرية، تجعلها، في رأيي، بمقامهما تماماً: التخييل. ص16).
وما يشدد على إبقائها في الواجهة راهناً ومستقبلاً، عدا المتردد عن " هضم " الرواية الحديثة للتجارب الإنسانية المتنوعة( منفتحة على كل المعارف الإنسانية، تستمد أنوارها من الفلسفة والعلْم، من التاريخ والعلوم الاجتماعية، من علوم الطبيعة الإنسانية..ص18).
هناك ما هو جار ٍ النظر فيه، ما هو مشروع، وما يتطلب التروي، جهة هذا اليقين المرفَق كعلامة فارقة بالرواية، هذه الثقة المرفوعة بشفافيتها تأكيداً على استثنائيتها، ودون تأنّ، في حيازة ما هو مستجد، ما هو معلوم في حقول مختلفة، ومدى النجاح في عمل" كاسحة حقل المحظورات "، وأنها بالطريقة هذه، عابرة للحدود، وتسييدها على فنون المعارف الأدبية بامتياز .
تغدو الرواية من جهة التعريف خارج نطاقه، فما يكون مستغرقاً لكل شيء، لا يعود في الإمكان تحديد القوة الفعلية التي تصيّره هكذا، ولا الدخول في حسابات الزمان والمكان، إنما الافتتان بذلك الاستهواء الذي يمنح الكاتب شعوراً بالنشوة، وتعدياً بالمقابل على مفهوم الاسم: الرواية. وفي الوقت نفسه، يكون كل شيء مندرجاً في لائحة اعتبارات مسجَّلة، ومؤرشفة وحتى مبرمجة، وبحزام أمان، وتاريخ الرواية لا يأتي في طريق معبَّد، ويُرى من خلاله دون " وقوع حوادث ".
لهذا، فـ( إن الصعوبة في تحديد أصل النوع الروائي لا تتعلق فقط بحقيقة أن تحديد أصول الرواية يتطلب تعريفًا مسبقًا للنوع، ولكن أيضًا بملاحظة أن موضوع المعرفة الذي هو الرواية يتم بناؤه بطرق مختلفة وفقًا للفترة التاريخية والإيديولوجية والنهج النظري والبيانات الثقافية المحفوظة وأن معايير تعريف هذا الموضوع يتم إسقاطها بعد ذلك على إنتاجات الماضي.) " 4 "
أشير هنا إلى سريان فعل اليوتوبيا في النظرة إلى الرواية بالطريقة تلك، كما لو أنها لا تشهد في حياتها المسجَّلة انتكاسات، انقطاعات، ظاهرة تراجع في القيمة والرواج، وحتى الكساد في سوقها، من من منظور سوسيولوجي، أنها لا تتعرض لعاهات، أو تشوهات، وأحكام نقدية ضدها. كما في الحديث عن موت متنوع: للأدب، أو للنقد، أو الرواية، أو الشعر، والفلسفة...إلخ
من هنا( إذا كان للرواية أن تستمر في الولادة من جديد، فسوف يتعين علينا أن نخترعها بشكل جدي باعتبارها حالة المؤلف الميت. قد نتساءل بعد ذلك عما إذا كان الروائي قد تم استبداله بتعديل تلقائي للكلمات العشوائية فقط للحفاظ على الفولكلور: دور الفنان، وتثمين طموحه الفردي، وتخمير الفردية التي تقترب من الكوميديا، والخيال الذاتي...) " 5 "
ذلك من شأنه إضاءة المسافات الفاصلة بين قول وآخر، أو حديث موصول تعليقاً برواية، وآخر، أو ما يكون في مقام الشهادة هنا، وهذه لها خاصيتها في التعبير عن الرواية كمفهوم ثقافي، جرى تنويره علمياً، وكمفهوم اجتماعي، ومحاط بملابسات، وفي ظروف أسهمت في بلورة أفكار معينة في واعية هذا الكاتب أو ذاك، وكاتبنا " سروري " هنا، تحديداً، لحظة أخذ موقعه الاجتماعي في الحسبان، وكونه البعيد عن وطنه، والمأهول بمناخاته الكارثية ومحيطه السياسي والنفسي والثقافي، وما هو متاح له هنا، على صعيد القول، والمأمول من الرواية في مجتمع مشهود له بالانفتاح، وهو يمزج بين ما هو أدبي، تذوقي، وإبداعي ذاتي،ة وما هو علمي" عصبي "، وحصاد هذه " الخلطة: الهجنة العلمية الأدبية طبعاً "،وهو يقول مطمئِناً إلى ما يرتاح إليه وفي ضوء تجاربه الشخصية ومرجعياتها المختلفة( وحده الفن، والرواية على وجه الخصوص، من يمتلك عدسات في السقف والظهر والأرجل وداخل تلافيف الدماغ، من يرى اللامرئي ويصغي للأحاسيس الدفينة، من يسيطر على المشهد بكامله، يخلّده..ص20) . وهو يلفت نظر قارئه إلى واقع عملي، إلى ورشة تعنيه تصل لديه ما بين النظري والعملي أبعد من حدود اليمن وفرنسا عينهما، كما هو الممكن تبيّن ذلك في صفحات تترى من الكتاب ". ينظر مثلاً، حديثه عن إسهاماته. ص21".
ولادات وإفادات مرفقة
في الحديث عن الولادات الخاصة به، ثمة كشف حسابيّ، لكنه ليس مجرداً. والظاهر أنه دقيق في تحديد الزمان والمكان، وملؤهما مشاعر وأحاسيس، ملؤهما ذكريات وانطباعات وحيوات، وفي كل ولادة، إفادة بالمترتب عليها، وتحرك بالتي تليها، مع فارق أن الأولى وحدها تستحق أن تكون ولادة قائمة بذاتها: ولادة طبيعية، تخص سنة التولد ( 1956، ص23)، والثانية ، تحول في المكان ودخول في زمان مغاير هندسياً،، أي سفره إلى فرنسا للدراسة: الهندسة الكهربائية ( 1976. ص 29)، والثالثة، مباشرة كتابة روايته الأولى : المملكة المغدورة( 1992، ص 35)، والرابعة، تخص مرحلة التقاعد، ليصبح بروفيسوراً، ويتسع أفق حياته في تنقلاته، بدءاً من ( 1 آذار 1923، ص 39). هكذا يكون الإنسان : نقلات وارتحالات وتحولات، ومعايشات حيوات.
ويظهر أنه، وما عرِف به من مضاء عزيمة وإرادة نفسية متماسكة، مع نظيرتها المعرفية، كان يقترب أكثر فأكثر من تلك الشخصية المفهومية التي تمنحه اعتباراً ثقافياً في وجهيه العلمي: التطبيقي، والأدبي الإبداعي الروائي إجمالاً، كما يعلِمنا في مسيرته الحياتية .
وما في الاختلاف الزماني الفاصل من اعتبار آخر، بين الولادة الأولى والثانية، الثانية والثالثة" 16 سنة "، وبين الثالثة والرابعة، ما يعادل المسافة الزمنية في الأوليين.
كل ولادة لها مخيالها النفسي، وسيستامها الثقافي، وهاجسها المعرفي كذلك.
العلم في الصغر، كالنقش في الحجر، هكذا تفصح تربيته في الصغر عائلياً( في صغري، وبفضل بيئتي العائلية، أحببت حفظ الشّعر، ثم كتابته. كنا نمارس لعبة " السجال الشعري " أسبوعياً في العائلة، مساء كل خميس، وكانت لحظات ممتعة..ص 23) . لهذا كان شغفه الشعري مبكراً.
ليكون انتقاله إلى فرنسا تحدياً، في عالم مختلف مناخاً ولغة( كانت مغامرة وتحدياً رهيبين فعلاً. ص 29).
وما يلفت النظر، هو أن خياره في أن يكون طالب علم: الرياضيات الحديثة، ويتقدم في اختصاصه، وهو يوجهه نحو مركز وظيفي، ويستجيب لميل معرفي علمي لديه، في التعامل مع المجردات، بعالمها الفضائي الواسع، والهندسة الفراغية والعالم اللامحدود والافتراضي، تجاوب مع كونه أصبح هبَة الأدب: الرواية، كما لو أن الرواية كخيار ذاتي موصول بموهبة محوَّلة، من حقل الشعر إلى حقل الرواية، ولأن فيها تحدياً، وهي في لاتناهي عالمها، وقدراتها على احتواء كل ما هو موجود في الوجود، أي أن تكون " أم المعارف، والأدب تحديداً" مقابل الرياضيات " أم العلوم " كما هو معروف عنها، وما للرواية من حسية وقابلية انتعاش بالتخييل العوالمي.
أن تأتي كل ولادة في إشارة معلومة، ففي ذلك فعل تصويب لظروفها الزمانية والمكانية، وإجراء صائب بالمقابل، للتعرف على الشخصية، شخصية الكاتب وكيفية تكوّنها، كيف ارتسمت علاقاتها مع العالمين: الداخلي والخارجي، وفي ضوء العنوان نفسه. إذ من السهل القول هنا، عن أن ذاته تعرَف بمكوّنها العائلي في الولادة الأولى، وتعرِف بتعريضها لمؤثرات الخارج وتجليها، في الثانية، ومن ثم لمؤثرات يبدأ الإبداعي مصحوباً بتلك الخبرات الثقافية المحيطية، في الثالثة، وقد استعد للاسم المنتظَر: الروائي، وللذات التي تقترب من صورتها الشخصية، بأكثر من معنى، في الرابعة، وهي الصورة التي اكتسبت حضوراً جعلها مغايرة لما كانت عليه سابقاً.
إشاراته إلى فتنة الرواية في تكوينه النفسي، عبَّرت عن عطش من هذا النوع، عن توق إلى المغايرة، حيث الولادة في مفهومها انسلاخ من وضعية معينة، نفسية واجتماعية، وتعميد روحي، للدخول في وضعية أخرى، وثمة إضافة تفاعلية. حيث الطفل الذي كان ، نما وامتزج بالتالي عليه وهكذا في مختلف الصيرورات، والرواية ظهرت أكثر كفاءة وقدرة على بناء المنتظَر فيه، وفي الرواية المرتكزة إلى السيرة الذاتية فعل المرغوب فيه في الراغب والمشدّد عليه، كما لو أنه يترجم الذات الفعلية وكيف أظهرت استعداداً لتكون ذات كاتب، وها هي تعيد دورة الذين قرأ لهم من الكتاب في سيَرهم الذاتية روائياً، وليتسع الخزين القرائي( وجدت نفسي، يوماً بعد يوم، أنهل، مسحوراً مفتوناً، من قراءة الروايات المعاصرة، غالباً والكلاسيكية أحياناً، الفرنسية أو الأجنبية المترجمة إلى الفرنسية. ثراؤها المتواصل والمتطور، المنفتح على جديد الحياة سنوياً، أدهشني أكثر فأكثر.ص33).
إنها طقوسيات المسارة، بمعنى، ومن ذاته وبذاته. وعلى وقْع هذا المعطى المستدام قراءة وكتابة، يأتي تقديره للرواية وكيل المديح لها. كما لو أن خصوبة الروح التي تميَّز بها في هذا المجال، متعلقة بإرادة باحثة عن " هواها " الخاص والمشروع، في أن يكون الكاتب الجديرَ باسمين يعنيانه: وظيفياً، من خلال النجاح في عمله، وإبداعياً، ليكون لافت أنظار في مجتمع مختلف.
الآخر، هو قِبلة الكاتب، بوصلة اهتداء إلى تلك المكانة التي تترجم فيه رغبته في أن يكون ما يجب أن يكون عليه اسماً من نوع آخر، ولم يجر كل ذلك دون مقابل، دون جهود مطلوبة، وبدءاً من روايته " المملكة المغدورة " وذلك الرهان الذي أيقظ فيه قدرات خفية، وفيها من التخييل ما يحفّز فيه سواها( وجدت حينها نوعاً من التكامل والتناغم والانسجام مع الذات والعالم، بشكل أو بآخر، تفجرت فيّ بعد ذلك رغبة خوض أول مشروع كتابة سردية بالعربية مباشرة: " همسات حرّى من مملكة الموتى". سبع قصص قصيرة ، طويلة جداً في الحقيقة، لعلها كانت فعلاً مشاريع روايات مستقبلية أكثر مما هي قصص قصيرة بالمعنى التقليدي للكلمة، ستجد ظلالها وامتداداتها أحياناً، على نحو ما، في معظم رواياتي لاحقاً. ص 35).
هذا الكلام يوجز حقيقة حياة شخصية وتوزعها بين انتمائها الزماني- المكاني": اليمني " وتكوينها الزماني- المكاني الفرنسي وأبعد، وذلك الانتثار للأثر " الكتابي " والحضور الشخصي: الفردي، أو فردانية الذات القائمة والمعتبَرة في مجتمع يسهم في ذلك. حقيقة تتمثل في الآتي: إن هذا التركيز على الرواية، وما له صلة بالإبداع المرفَق، حال القصصي، إنما الروائي في الدرجة الأولى، يضيء مغزى الصورة التي تكون مطلوبة قراءة في ثقافة الآخر، حيث الرواية أضمن وأيقن في تنوير قدرات الذات، وتحويل ما هو معنَّى، ما يصل الكاتب بماضيه، بمجتمعه، بما كان يوجعه، ويضيّق عليه الخناق، في مجتمع حاضر، واليوم أكثر بفجائعه، وفي ضوء الإقامة الفرنسية والجنسية الفرنسية المكتسَبة، تكون الرواية معبّرة عن هذه المناخات، لها أرضية اثنوغرافية، أو أنتروبولوجية، تلفت أنظار من ينتمون إلى مجتمعات أخرى، كما هو الممكن تميّزه في حقيقة هذا الأقبال على جنس الرواية وتناميها، والرهان عليها في أوربا، وفرنسا بالذات، لها يتأتى حديث الكاتب، وكيل مديحه للرواية، بينما حديثه عن كونه مختصاً بالرياضيات أو عالم الكمبيوتر ومجتمعه، والثقافة التطبيقية ذات الصلة، فرغم إشارته إليها، إلا أنها جاءا عابرة مقارنة بالحديث عن الرواية، لسبب بسيط، كما هو الممكن إبرازه، وهو أن الأوربي عموماً، والفرنسي خصوصاً، لا يحتاج لمن يفصّل في العلّمي أو التنظيري، أو البحثي الأكاديمي، ليس لوجود مانع محلي، اجتماعي أو ما شابه، وإنما لحاجة ذلك إلى قدرات من نوع آخر. لهذا، نشهد ندرة أسماء من هذا النوع، ليكون مركز الثقل، لدواع ثقافية خاصة، في الرواية. الرواية تمنح كاتبها الكثير مما يصبو إليه، كما يظهر، و( في أفضل أحوالها، ستكون الرواية بمثابة انطلاقة، واستعارة للنظريات والتجديدات التي طرأت على لحظتها التاريخية. التساؤل حول الفردية والتقدم في الوقت نفسه. في ذروتها، على الأقل في الشكل الذي نعرفه ونناضل من أجل التغلب عليه، تصل الرواية إلى أقصى نقطة في اللحظة من خلال جانبها غير المناسب، ورفضها المخيف للتقدم التكنولوجي أو الاجتماعي الذي تسجل هزاته.) " 6 "
وضع الكاتب في فرنسا، وما أفصح عنه في هذا الصدد، ذكَّرني بكاتب ، مجايله،إنما في مسار ثقافي آخر، هو هاشم صالح، الذي عرِف بـ" مترجم محمد أركون " المفكر الكبير، وما قاله اعترافاً عن نفسه، في كتاب صدر له قبل عقدين من الزمن تقريباً " 7 "، وفيه الكثير مما يضيء مفارقات الذات الشخصية بين أن تكون في بيئتها التي شهدت ولادتها، وهي في بؤسها، وبيئتها التي ذات شهرتها فيها، وهي في تمايزها واعتدادها بنفسها
إن ما أورده من اقتباسات، يشهد في المحتوى على مثل هذا الكشف العلائقي( لماذا هذا الهوس بالحفر، بالتعرية، بالفضيحة؟ لأن الأرض العربية الإسلامية عطشى للحقيقة. ص 13 .
...سوف أقولها بكل صراحة ومن دون لف أو دوران: لو لم تتح لي الفرصة للقدوم إلى أوربا قبل أكثر من ربع قرن لكنت قد عشت ومت من دون أن أفهم شيئاً. تجربة أوروبا كانت حاسمة لعدة أسباب. أولها أنها تتيح لك أن تبتعد عن نفسك وبيئتك الأولى ومحيطك..وثانيها هي أنها تتيح لك أن تتقن لغة أوروبية حديثة ملأى بالمراجع في شتى أنواع الاختصاصات والعلوم..وثالثها هو أن الابتعاد عن الذات يجعلك تفهم نفسك على نحو أفضل... وأخيراً فهناك سبب أساسي يشرط كل الأسباب السابقة: حرية التفكير والتعبير، حرية الفهم والتنفس الثقافي إذا جاز القول.ص40 .
...إن التدين المسيحي الشائع في أوروبا هو نوع آخر مختلف تماماً. فقد اخترقته الأفكار العلمية والفلسفية الحديثة إلى حد أنه فقد كل الطابع القمعي أو الإرهابي لتدين القرون الوسطى.ص 41.
...أوروبا هي أكبر مختبر حضاري في التاريخ. فما حصل فيها طوال الأربعمائة سنة الماضية يوازي كل ما حصل في تاريخ البشرية منذ أن وجدت حتى الآن . ص 43 ...إلخ ).
هذه الفردانية المكونة حصيلة هذه الإقامة المختلفة، والمجتمع المخنلف بكل ما فيه واقعاً.
والعالم الذي انفتح له، كما هو المقروء في ظل الولادة الرابعة، يعزز ذلك، في فرنسا وخارجها، وما يتكلمه، في سياق هذه العلاقة، في حسرة شاهدة على ذلك، يعمّق أثر القول( هكذا أرى الأمور الآن، من وحي جدوى وفعالية وإلهام وإنتاجات الأشهر الأولى من ولادتي الرابعة .
آه، لو بدأ المرء حياته من الولادة الرابعة مباشرة. ص40).
هوذا يجبّ ما قبله، لوجود جرح كبير، كاو ٍ وثاو في صميم الروح بالتأكيد، في ماض يلاحقه وهو موصول بحاضره، أو وهو يتحكم في حاضره، ولا يدعه وشأنه بصداه ومداه الموجعين.
في الرواية، معها، عنها
أستطيع القول هنا، أن جملة الفصول " من الثالث إلى السابع"، تلتقي في نقطة همّ مكثفة واحدة، تجلوها مفردة واحدة: الرواية . لقد شهد ولادته الفعلية في الرواية، واستثمر قدراته التي تُعتبَر مواد بناء نفسية وشخصية ، في عالم الانهمام بالرواية، وتنوعت أحاديثه في الشأن الثقافي: الأدبي عموماً، والروائي خصوصاً، في امتدادات مختلفة، في بؤرة الرواية، وحتى ما جاء تعبيراً عن علاقات ثقافية وفكرية، في عالم الراهن: الميديا والتقنيات الحديثة، والإنسان الرقمي، والكتاب الرقمي، والنظرية التي أحيلت إلى خانة الفرضية، وهواجس المستقبل شرقاً وغرباً، وكل ما جرت تسميته على ماضيه العربي والإسلامي" أي الديني " ومخاوفه في هذا المعترك الصعب والمخيف، ورهاناته وملؤه ثقة بذات لها نسب اعتباري،فرنسي في الصميم، للرواية باعها الطويل والاستثنائي في رسم معالم الشخصية، وحتى ملحق الكتاب نفسه.
ما يخص موضوع البوح، ليس بوحاً، إنما مخاض حياة، حياة تتشكل كما هي النطفة، كما هي البذرة، وتنتظر أوانها، لتظهر، لتكبر، لتتبرعم، ولتثمر. وكما هي خاصية الجذمور" الريزوم " بالمفهوم الديلوزي، لتشهد نبتة ذات قدرات، وهي تخرج لصيقة بنبتة أخرى، بشجرة أخرى، وقد علَت وبانت للناظر، كما لو أنها وليدة ذاتها، والمؤثرات قائمة لمن يعيش حيوية الانفتاح على العالم( في تجربتي الشخصية لم أحتج يوماً، حتى الآن، للبحث عن موضوع لرواياتي: ثمة دوماً مواضيع تشدني بضراوة، تعتمل في رأسي( تشتعل في الحقيقة)، منذ زمن طويل غالباً، لا أختارها بقرار إرادي، تفرض نفسها عادة حسب السياق الزمني. ص 46).
لكنه سياق مشبع بملء ثقافي، برصيد متنوع، هو نهْله من ثقافات متنوعة، بأكثر من لغة. وحيث إن العفوية في الكتابة، حصيلة هذا التفاعل المستمر، وما لذلك من تأثير في الجسد ومرونته.
وليس تقليلاً من جهود سروري، وعطاءاته الإبداعية، إن اختصرت هذه المساحة من الكتاب، بالطريقة السالفة، وانا أشير إلى أنه ظهر كثيراً، في هيئة من يتولى التعريف بحقيقة ما يكتب، وكيف يكتب، ومن أين يكون مصدر استلهامه، وكيف يجب النظر إلى نصوصه، في تنوع موضوعها، إنما في وحدة العالم ذي الطبقات، الهيئات، الشخصيات، وتمثيلاتها القاعية وغيرها، ليكون الآخر لنفسه ولقارئه، الآخر: القارىء الوصّاف والمشخص لكونه روائياً، ومن منطلق ربما مجاز له، وهو يجد نفسه في وضع كهذا، تجاوباً مع المطلوب منه في " أنا الرواية ".
يمتزج في أقواله، مشاهداته، تعقباته، تحرياته الثقافية، انشغالاته، تقويماته لأحداث عصره، اعترافاته الضمنية وردود أفعاله عما يجري في يمنـ:ـه، وخارجاً، صلته بنفسه كإنسان عربي، ودينه كمسلم، وجغرافيته وصفتها الجهوية، كشرقي.. اعتبارات قائمة ومؤثرة، ومعاناته كإنسان على وجه العموم، وما يعتمل في نفسه من مشاعر وأحاسيس وهواجس ومخاوف، ليكون ذلك الكائن المختلف، المثقف نفسه، وهو حاضر مسكون بأوجاع كوكبه، وفي وسط يراعي ذلك( أتابع باهتمام وشغف يومياتمشاريع غزو الفضاء، وأقرأ ، بقلق حقيقي، تقارير الأوضاع البيئية لكوكبنا المسكين. ص 50).
ما يجب عليه أن ينتبه إليه وملؤه وعي كوكبي في ضوء المعيش اليومي( هل يمكن للإنسان المقيم في بيئة سماوية مستديمة، بعيداً عن الجاذبية الأرضية، أن يضاجع ويجامع وينجب، ويتكاثر؟!. ص 52) . إنها مخاوف، استبصارات ومتابعات للجاري، كما يفصح عن ذلك، منبهاً إلى محتوى روايته الحادية عشرة " نزوح " والتي أشير إليها بأنها ( قيد الطبع. ص49).
إضاءات واقتباس فقرات لتعزيز ما ينبّه إليه، كما في روايته" المملكة المغدورة":
( عبث ينخر المدينة، ويجوس خلال شوارعها، ويحاصرها من كل الجهات، ويتحكم بكل شيء فيها، وينتشر في كل مكان. ص 56) .
لكل رواية ظروفها وملابساتها، أو أوجاع مخاضها المختلفة، كما في حديثه عن روايته الثانية" دملان "( بدأت بكتابة دملان في 2002، بعد أن توحدت اليمن بأكثر من عشر سنوات، وبعد حرب أهلية بين شماله وجنوبه. كانت جذور خراب اليمن ، ورؤيتها في إطار عالمي. ص62).
للتخييل حضور نافذ في بنية رواياته، وفي رهانه على كتابة الرواية، كما في حديثه عنه روايته هذه( رواية تخييلية في الأساس..ص63).
لا شك أن الحديث عن التخييل يعادل الحديث عن الحرية المكتسبة، عن تلك السوية الروحية لقدرات الذات، وشعورها بفرادتها، وهي في عالم صاخب، لتكون لها رؤية ورؤيا معاً، وأن الخيال الممنوع، الخيال الذي يعمّد ويدشن كل كتابة إبداعية، موصول بمدى نفاذ فعل التخييل في مأثرة الإبداع، والصعود بالعالم القائم، وقد تنمذج بمقاييس مختلفة تماماً في النص.
ذلك يصلنا بتلك الدراسات التي جعلت للخيال مكانة واعتباراً في حقول الثقافة المختلفة.
على الأقل، وأنا أوضّح ما تقدم بالآتي:
( إن الأطروحة الأكثر عمومية التي ترتبط بها النقطة التي أود توضيحها هي أن الخيال يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، أو على الأقل للوضوح والفهم، وهو ما يتجنب إلى حد كبير الصعوبات التي تواجهها الفلسفة في علاقتها بالمشاكل التي هي، بعد كل شيء، قابلة للمقارنة.
..بالنظر إلى الغالبية العظمى من الأعمال الروائية التي تشكل جزءًا من تقاليدنا، قد يميل المرء إلى إقامة علاقة وثيقة - مفاهيمية وتاريخية - بين موارد الرواية والمجال الواسع لـ "الداخلية"، أي الأفكار والإرادات والنوايا والرغبات والتوقعات والعواطف من كل الأنواع التي يحتضنها هذا المفهوم. يبدو أن الروائي، أكثر من أي كاتب آخر (شاعر، كاتب مقال، كاتب مسرحي)، قد استولى على امتياز دخول حصن الذات المنيع المفترض، إلى ما يحتويه من أكثر ما هو حميمي. وإذا استعرنا من ويليام جيمس أحد المفاهيم التي غذت خيال بعض الروائيين، يمكننا القول إن الرواية هي هذه الآلية الفريدة التي تجعل "تيار الفكر (الوعي)" شفافًا لنا بشكل عجيب، من خلال منحنا إمكانية الوصول إلى ما مثله جيمس على أنه شخصي لا يمكن اختزاله، ولا يمكن الوصول إليه لكل واحد منا إلا في سرية تجاربنا وأفكارنا..) " 8 "
وما يضفي على هذا القول الشاهد والوارد بمضاء عزيمته :
( إن ما يعتبر "تخيلاً" تاريخيًا قابل للتحول تمامًا مثل مفهوم ما يتم تقديمه في شكل "حقيقي" و"واقعي". إن كلا المفهومين يشكل مجالاً يتعين فيه إعادة تعريف العلاقة والقيمة بين الأكاذيب والحقيقة، وبين المظهر والواقع، وبين الخيال والخبرة، وبين الشعر والتاريخ، بشكل مستمر. ورغم أنه لم يعد من الممكن اليوم اعتبار الخيال والحقيقة مفهومين ثنائيين1، فإن هذا لا يعني أن الفرق بين الفئتين قد تم إلغاؤه. ويبقى أن نتساءل كيف يتم تأكيد ذلك في كل حالة، وما هي الآثار التي قد يخلفها ذلك على جماليات الحداثة.
"الرواية هي قصة متخيلة ومكتوبة بطريقة غير مقيدة، ولكن لا يمكن إثباتها بشكل قاطع أنها لم تحدث على كوكبنا الأرضي...) " 9 "
وفي كل حديث عن الرواية، يكون الخيال ومؤثّره: التخيل، أو التخييل بدقة حاضراً بعدته وعتاده الرمزيين، والفاعلين في كل ورشة كتابة، أو فضاء متحول كتابي وإبداعي موصول به.
في تناوله لموضوع روايته الخامسة والعزيزة على قلبه كثيراً، وعلى تفكيره أكثر، نظراً لصلة الموضوع بما هو ثقافي وعلمي وتاريخي له مسرحه المجتمعي المفتوح في الغرب" تقرير الهدهد " والشخصية الفاعلة والرئيسة شخصية رهين المحبسين" أبو العلاء المعرّي " المعري الشهير بمأثرته " رسالة الغفران " وتلك الفلتات والإشراقات التي عرِف بها عن الإنسان وحقيقته. ومن خلال الاهتمام غربياً بصاحب " أصل الأنواع " : داروين، والمعري له حضوره هنا، ولكنه مهمش كثيراً، وحتى لا يشار إليه، كما يرى( اندلعت شرارة كتابة الرواية في نهاية 2009: كانت سنة مهمة جداً في تاريخ العلاقة بين العلم والظلمات. شهدت احتفالات ضخمة في فرنسا، وفي كل دول العالم المتقدمة معرفياً، بمناسبة مرور 150 سنة على كتاب داروين: " أصل الأنواع"، و200 سنة على ميلاده. احتفالات ثقافية ثرية جداً..).
ليقول معلقاً ومنوهاً إلى حقيقة تاريخية:
( كل فيلسوف، آت من أغوار الماضي، كان قد قال كلمة صغيرة جداً، لها علاقة استباقية حدسية بنظرية داروين، تمَّ رفعه إلى عليين في ذلك العام، فيما أبو العلاء لا مكان له بينهم، هو الذي كان أقربهم لروح ونظرية داروين!. ص 69).
شهادة جارحة ومقلقة، إنما تسمي مشكلتها، وتثير أكثر من سؤال في ضوئها، وهي في أن هذا المشار إليه، والذي أعطيَ مكانة روائية في " تقرير الهدهد" إذا كان متنحى، مغيَّباً في ظلمات الذاكرة القائمة، والتاريخ اليقظ، بين أهله، والذين يمثّلون مجتمع الكاتب، خلاف الآخر الذي ينتمي إلى مجتمع منفتح على نفسه، بكل أبعادها الثقافية. وهذا يشمل الكاتب نفسه، لحظة ربطه بمجتمعه، وما هو عليه مكانة واعتعباراً.ومربما كان الأهم في بنية قول كهذا، هو هذا الممكن تلمسه في نطاق أحاديث من هذا النوع، لحظطة ربط بين اسم له ماضيه البعيد نسبياً، ويعرَّف به نابغة، وفريد عصره، عربي- إسلامي، وآخر، غربي، بمفهومه المعتاد، والسعي إلى إظهار فضيلة الريادية للأول، وربط اللاحق به، كما لو أنه عارض تاريخي، وما في إجراء كهذا، من شعور بالمظلومية التاريخية، والتلويح بما هو مغيَّب، مع فارق في المعطى العلمي ودقته.
رواية " تقرير الهدهد " مكاشفة إبداعية لتاريخ كان، وولواقع قائم، وحيث إن الرواية أعطيت مهمة الكشف عما هو خفي( باختصار: ينطلق المشروع الهندسي للرواية من سرد رحلة عكسية( من السماء إلى الأرض) لرحلة " رواية الغفران"، في رسالة الغفران( أحد أروع الإبداعات السردية الإنسانية تخييلاً وذكاء، للشاعر العبقري نفسه..ص71).
هناك ما يبقي الذاكرة التاريخية نشطة، ولعبة الكلمات قائمة بمتقابلاتها، عندما يكون تركيز التفكير في موضوع ما، جرّاء محفّز فكري من خارجه، ليكون تركيزه على موضوعه على تماس مباشر بذلك المحفّز، كما لو أن المحفّز هو عرّاب الذاكرة والموضوع المطروح في مقال أو نص معين، حال الكاتب في الذي أثاره في جملة رواياته، على هذا الصعيد: ما يخص المعري، جاء جرّاء التفكير في خلفية الاحتفالات الأوربية بداروين، كمثال حي .
يذكّرني هذا المثال بمثال سالف، يخص حديث الكاتب الكبير عبدالفتاح كيليطو، المعروف بكتابه عن المعري" متاهات القول "، وربطه بدانتي صاحب " الكوميديا الإلهيه " وكيف أن الأخير الذي جاء بعده بقرون عدة، هو الذي أيقظ تاريخاً من خلاله، بالنسبة إلى المعري، صاحب " رسالة الغفران"، وفي موضع آخر( ينبغي أن نفهم من ذلك أن قراءة الرسالة مشروطة وموجهة، ومعكرة من غير شك، فالمعرفة التي لدينا عن الكوميديا الإلهية: إننا نقرأ المعري وأعيننا على دانتي، نبحث عن دانتي في كتاب المعري. وهكذا فقد استفاد هذا الأخير من التقريب مع الشاعر الإيطالي. بهذا المعنى فإن دانتي قد خدم الرسالة، وأتاح لها فرصة الوجود بأن جعلها مرئية، فهو على هذا النحو مؤلفها، ىأو المشارك في التأليف على الأقل. ) " 10 "
دون ذلك يستحيل علينا" علي هنا" فهم أي حديث عما يخص صنعة الرواية، وما يحيط بها من مناخات، ومن تعقيدات، و خفايا، وحتى على صعيد المستجدات التي أكسبت الرواية علامات فارقة جديدة في تمثيل ما هو مختلف، وما هو متنوع في عالمها، وفي راهننا.
وما يتردد حول أشكال الحياة المختلفة، لا ينفصل عن تلك الدراسات الميدانية والمخبرية حيث الغرب مقرها ومستقرها، بقائمة العلوم الفضائية الفلكية والتشريحية والفيزيائية والرياضية، سعياً إلى اكتشاف الخفي والمجهول باستمرار، وما يعطي العلم المحرر من التحفظات قوته النافذة، وأنا أورد التالي:
(من بين كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان عن الكون، فإن السؤال المتعلق بإمكانية وجود شكل من أشكال الحياة، وخاصة حضارة خارج كوكب الأرض، هو على الأرجح الأكثر إثارة للاهتمام. لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال اليوم، ولكننا نستطيع أن نتخيل آثاره على الجنس البشري ومستقبله في الكون.
في العصور القديمة، كانت كلمة "العالم" تتوافق مع صورة أرسطو للكون: الأرض في المركز، محاطة بالقمر والشمس والكواكب والنجوم البعيدة. تشير تعدد العوالم إلى وجود العديد من هذه الأكوان، مستقلة تمامًا ومستقلة، مع وجود الأرض "المأهولة" في مركز كل منها.
في بداية القرن العشرين، تم إثراء النقاش حول تعدد العوالم بالحجج المستوحاة من علم الأحياء. وكان ألفريد راسل والاس، المؤسس المشارك مع شارل داروين لنظرية التطور، أول من استخدم هذا النوع من الحجج ضد فكرة وجود شكل آخر من أشكال الحياة الذكية في الكون. في طبعة عام 1905 من كتابه "مكان الإنسان في الطبيعة"، لاحظ والاس أن الإنسان نتج عن سلسلة من الأحداث الفريدة وغير المتوقعة في السلسلة الطويلة من التطور.) " 11 "
ربما كان كاتبنا سروري يقدّر مثل هذا التلازم بين ما يثار من موضوعات، وحتى عبر شرايين روائية، في جسد إبداعي، وما يستجد في الغرب، وهو ينتقل من فقرة إلى أخرى، هي لبنات عمران كتابه، التفاصيل التي يعتبرها مطلوبة، لتكون صورة المشيَّد واضحة المعالم .
وما لمفهوم الخيال العلمي واستثماررأسماله الحيوي والميتاواقعي المباشر في سردياتنا الإبداعية الروائية، من مأثرة تاريخية وحضارية، في منحاه الثقافي المختلف غربياً، أي ما يبقينا آخذينه تقديراً في مصاف الفكر الحر والنيّر، والفرص المتاحة له على أعلى مستوى، حيثي العلم بكل مقدراته النظرية والعملية مطرح لـ" الخدمة " وعلامة الأبستمولوجيا التي تحمل بصمته، ومنذ أكثر من قرن، وتقبّله للإضافات على صعد مختلفة إذ:
( في بداية هذا القرن، يشهد الخيال العلمي انتعاشًا واضحًا في الأدب، حتى وإن لم يكن ذلك واضحًا دائمًا. وبشكل عام، فقد اكتسب أرضية في مختلف مجالات الخيال. كانت موجودة في القصص المصورة منذ نهاية ثلاثينيات القرن العشرين،، وأصبحت جزءًا مهمًا منها منذ انفجار الإبداع في الستينيات والسبعينيات.
وحتى دون ذكر ألعاب الفيديو والمسلسلات، فإن الخيال العلمي حاضر بقوة في فنون السرد البصري. وقد يبدو هذا أقل وضوحًا في الأدب الذي لا يتمتع بنفس الوسائل المذهلة للتمثيل. ومع ذلك، فإن الخيال العلمي الأدبي يكتسب أهمية من خلال حركة ثلاثية. أولاً، يقدم النص إمكانيات محددة لطرح التساؤل حول الفجوة بين المظهر والحقيقة، والأقوال والأفعال، والخطاب السائد والواقع الفعال.
من الواضح أن الخيال العلمي يجعلنا نفكر أكثر فأكثر عندما نقرأ نصوصًا تستخدم أسلوب الأوبرا الفضائية لدفع النهاية إلى بُعد كوني. في ثلاثية "مشكلة الجسد الثلاثة" (2008-2010)، يمتد سرد الكاتب الأسترالي غريغ إيعان على مدى مليارات السنين والسنوات الضوئية، في روايته "الشتات" (1997)، والكاتب الصيني ليو سيكسين. إن حقيقة أن نهاية الكون بالنسبة لهم ليست كاملة، كما هو الحال في روايات ما بعد نهاية العالم، كافية لإظهار قدر معين من التفاؤل. يتناول كتاب الشتات أيضًا موضوع التطور البشري، من خلال الإنسان الرقمي - الفصول الأولى، التي تحكي عن الولادة الرقمية، صعبة - نحن نتطور في منتصف نموذج غائب - ولكنها مثيرة للإعجاب. كما تم العثور هناك أيضًا على ثقوب دودية بحجم الجسيمات الأولية، أو عواقب انفجارات أشعة غاما. وتستند مشكلة الأجسام الثلاثة إلى الفيزياء الفلكية، مع النجوم الثلاثية، فضلاً عن التشابك الكمي، وهي نظرية وجدت كمحرك سردي في كتاب العزلة لغريغ إيغان وكتاب الرجل الذي أنهى التاريخ لكين ليو. في هذه الرواية القصيرة، يسمح لنا التشابك الكمي بالعودة لمراقبة الماضي، وبالتالي قد يقدم أدلة، في هذه الحالة، على جرائم الحرب اليابانية في الصين خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن، كما هو الحال في القصة القصيرة "التعاطف البيزنطي"التي تتناول الأقليات العرقية المضطهدة وأعمال المساعدات الإنسانية، فإن الشهادة المباشرة لا تكفي للتغلب على انعدام الثقة.) " 12 "
وأضيف هنا جانب الاهتمام بالبيئة ومكانة الإنسان فيها، وتلك التهديدات المناخية، وكيف يجري التعامل معها غربياً وشرقياً، ومن نكون وما يجب أن نكون عليه عقلاً ونفساً:
( لسنا كائنات حية بل أشخاص: ما له قيمة كبيرة ليس الحياة بحد ذاتها، بل "حياة واحدة فقط، لأنها حياة شخص، أيا كان، وأينما كان". إن استنتاج وولف، الذي نتبناه، هو أن السياسة البيئية السليمة "لا ينبغي أن تهدف إلى جعلنا متوحشين أو تشجيرنا، ولا إلى الدفاع عن طبيعة بدائية خيالية في المناطق المدارية الشاسعة، بل ينبغي أن تساهم في الحد من الظلم الاجتماعي والعالمي، الحاضر والمستقبل". إن فكرة التحرر الحقيقية تأتي بهذا الثمن. إن تهدئة العلاقات بين الكائنات الحية لا يتطلب إقناعنا بأننا حيوانات مثل الآخرين، بل يتطلب "وجود علم وجود جيد للطبيعة وعلم إنسان جيد") " 13 "
وأضيف هنا ما له علاقة بما نتباهى به، جهة علومنا التليدة، بأدبياتها المختلفة، ومعرفتنا لها من خلال الاخرين في الغرب، وما يجري استقراؤه وتقصي أبعاده من خلال كتابه، كهذا المثال:
( تعتبر ملحمة جلجامش حاضرة بقوة في تأريخ الأدب الخيالي، وخاصة في الأعمال المخصصة للخيال العلمي والأنواع ذات الصلة. وفي كتاب بيير فيرسينس، وهو من أبرز علماء الموسوعات، خصص له عمودًا ونصفًا. "في الواقع،" يجادل المؤلف، "تقف ملحمة جلجامش في بداية كل الأدب باعتبارها بذرة التخمينات، سواء كانت غير عقلانية أو عقلانية، ولهذا السبب الأخير تستحق أن تُدرج في مجالنا."
لقد جعلنا خورخي لويس بورخيس نفهم منذ زمن طويل أن كل شيء قد قيل وكتب منذ زمن طويل، ولكننا نستطيع أن نبدأ من جديد إلى أجل غير مسمى ونعيد كتابة دون كيخوت مراراً وتكراراً. فلماذا لا نعيد إنتاج جلجامش؟ لقد اجتمعت أحدث أطراف الخيال البشري، الخيال العلمي والخيال العلمي، مرة واحدة، لتحيي بذلك أقدم قصة في الوجود، وهي الأولى التي تتحدث عن رجل وليس عن آلهة. فهل نجد هذه الحقيقة غريبة، أو على العكس من ذلك مطمئنة؟ على أية حال، فهي علامة مثالية لمرور الزمن من خلال معاناة الحالة الإنسانية. في يوم من الأيام، وبشكل حتمي، كان من المقرر أن يقع مؤلف معاصر في غرام البطل السومري إلى درجة إهداء نسخته الخاصة من الأسطورة إليه: وكان هذا أحد أعظم المؤلفين، روبيرت سيلفربيرغ.) " 14"
ومؤكد أنني في هذا السردية الثقافية لا أعلِم كاتبنا بما يعلَم به، وإنما ما يمكن قوله في سياق كتابه وتناوله لموضوع الرواية، وما يجري تنسيبه إلى عالمها من موضوعات مختلفة ماضياً وحاضراً طبعاً، وما يجدر النظر فيه، على صعيد الوصل بين موضوعات أو الفصل في سواها وتمايزها، وما يمكن للقارىء الذي يعتبَر شريكاً محل اعتبار لما هو مسطور هنا وهناك، في حوار مفترض.
ولا شك أن تناوله للشخصيات يأتي في سياق الانشغال بعالم الرواية، وكيف يمكنها أن تبني مجتمعها،من خلال مضاعفة الاهتمام بالشخصيات التي تكون موازين قواها وشهود عيانها في نفي أو تأكيد نص روائي معتبَر، ولا يخفي الكاتب تقديره لذلك، وبطريقته التي تصله بطبيعة ثقافته واختصاصه وتعويله على الأداء النافع لمفردات كهذه( باختصار رمزي: المعالم الأولى لشخصيات الرواية أشبه بجيناتها التي تحدد مداميكها المعمارية الأولى. تبدو الشخصيات " مسيَّرة" في هذه المرحلة التأسيسية، ثم تتحول " مخيَّرة " أكثر فأكثر، مع تقدم الأحداث، ومع انطلاق ماكينة التخييل. ص 81).
شخصيات رواياته تكون أفكاره، هواجسه، وحتى " فوبياه " القائمة بوجهها الفاعل في استيلاد أفكار، وطرح تساؤلات لا تتوقف في حمّى الانسكان بما يفكر فيه أو يتخيله، في مجتمع يتعرض للتعديل، للتهذيب، للتحوير، للترميم، للبناء بمواد مختلفة، هي شخصيته المنشودة في آتيها.
وهذا ما يظهر في تناوله لها عبر مسمى " الأبطال": أبطالي آخر رواياتي.. بأسمائهم:
( أتذكرهم يومياً، أستطيع أن أكتب رواية كتابتي لروايتهم، ويوميات توسع وتطور شخصياتهم، التي عشتها بكل جوارحي ( أرسلت ملخص رواية كتابتي لروايتهم، على نحو شخصي غير رسمي، لدار النشر، للاحتفاظ بها، بعد قبولها نشر الرواية بحماس كبير. ص 118).
لافت هنا أن التركيز على الشخصيات، الأبطال المعتبرين، نابع من نوعية المكانة والدور لكل اسم، لكل دور، لكل تحول، لكل حركة، في خريطة النص، أو نبض في جسد الرواية بالذات.
ولكل ذلك، كما هو معلوم، تاريخ مختلف، ليس واحداً، أو خطانياً دون انقطاع، إنما حلقات قد تتباعد عن بعضها بعضاً، في نقلاتها، وعبْر أزمات واقع فاعلة في بتر من هنا، وتغييب أثر من هناك، وإبراز معْلم فني أو جمالي أبعد من ذلك، وتوقف وحِداد اعتباري عليها لأمر ما ، لحظة الحديث عن " موت الرواية " ومغزى هذا التشخيص طبعاً:
( الشخصيات في الرواية هي الأساس الذي ترتكز عليه القصة. ومن خلالها ستتمكن من نقل المشاعر وإضفاء الحيوية على حبكتك، صفحة بعد صفحة. بدون شخصيات، القصة لا تثير اهتمام القارئ. علاوة على ذلك، لا يمكن لقصة أن تكون ناجحة تمامًا إذا لم تقم بإنشاء شخصية رئيسة جيدة.)
وما يخص مفهوم البطل البطلة:
( لقد شهد تعريف كلمة "البطل" تطورًا كبيرًا. في الأصل، كان البطل رجلاً يُعتبر نصف إله، أمير حرب يتميز ببراعته في مجال الأسلحة، ولكن أيضًا كشخص يتمتع بشجاعة وقوة خاصة. في عام 1540 ظهر مصطلح "البطلة" للدلالة على المرأة التي أظهرت "قوة روحها". في اللغة الفرنسية الحديثة، تطور تعريف الكلمة ليصبح أيضًا "الشخصية الرئيسة في العمل الأدبي".
اليوم، يعّرف قاموس لاروس أيضًا كلمة البطل أو البطلة على أنها "الشخص الذي حدثت له مغامرة، والذي لعب الدور الرئيس في موقف معين".
لجعل شخصيتك الرئيسة لا تنسى، عليك أن تقدم لها أسبابًا لتكون كذلك: شخصية قوية، روح الدعابة، تعبيرات أو سلوكيات أصلية، ردود قوية، سمات شخصية معينة، وما إلى ذلك.) " 15".
ومن الطبيعي في الحالة هذه أن يتوقف الكاتب عند هذه النقطة المهمة، والخاصة بالشخصيات، وهو يمنحها مساحة كافية تذكيراً بها، وتقديراً لها، وتنويراً لخاصية كل منها بموضوعها.
وما يبقيه في نطاق الموسوم بـ" الحدث الروائي " وتناوله في فصل خاص بـ" رسم أحداث الرواية " وبمأثرة صنيع حداثي، يتركز في مفهوم " المشهد " والبصري تحديداً، وعبر نماذج روائية، يجري استعراض جوانب، وما لكل منها ميزة جمالية قائمة بذاتها، كما في مثال من " تقرير الهدهد" في مقطع وصفي يتركز على الشاعر" المعري " الضرير وهو يلعب الشطرنج:
( اشتهر الشاعر الضرير بأنه " لا ينهزم في الشطرنج من بصير "، و" لا يوجد ضرير في عصر العباسيين يلعب الشطرنج عداه". يترنح أمامه الجميع بسرعة غير طبيعية، ينكسرون بسهولة مقرفة( تناسب مزاجَه تماماً). . ص 139).
مهما كان مغزى هذا المشهد البصري واتلوصفي، وربط المعري بلعبة الشطرنج، ودقتها التاريخية، والمختلف حولها، فإن في الحديث عن الشطرنج، ودور اليقظة الذهنية والمناورة في لعبته، يعزّز مكانة الشاعر" الضرير" ويغذي النص بحيوية مضافة ، خاصة وأن تمثّل العنصر التخييلي، يشرعن لمثل هذا التحرك في سردية روايته هذه أو سواها .
ولأننا أشرنا إلى التخييل، فثمة ضرورة للتذكير بالخيال وجنسه، ومن ذلك: الخيال العلمي، كما أسلف القول، حيث يلاحظ الكاتب فراغاً في هذا المقام الأدبي( تغيب كثيراً عن الرواية العربية بعض الأجناس الأدبية المزدهرة جداً في عالم اليوم. لعل أهمها: الخيال العلمي، الرواية الفلسفية، الرواية البوليسية. ص 147).
ثمة أسباب لذلك، والكاتب لا تنقصه الفطنة في ذلك، كما في قوله( الرواية الاستباقية ( ورواية الخيال العلمي عموماً) لا تنمو غالباً إلا في مجتمعات متطورة تصنع جديد التكنولوجيا ، أكثر كلمات قواميسها تكراراً: " الابتكار " التي أخذت اليوم، للأسف، موقع كلمة كانت شديدة الحضور في القاموس السياسي والاجتماعي الدولي في القرن العشرين، ثم انقرضت تقريلاً: " التقدم"..ص149).
وما يلاحظه في " ثقافته "0 أما ثقافتنا العربية عموماً فلا تنظر غالباً إلا نحو الماضي لا تتزحزح عنه، لا تتوقف مثلاً عن إدانتها لعصور عفا عليها الزمن، كزمن الاستعمار...ص150)، ليأتي على ذكر أمثلة حية عن روايات مشبعة بالخيال العلمي وآفاق المستقبل( صص151-163)، ومحاولة الكاتب تقديم روايتين في هذا المقام( القائم على التخييل التأملي( جزيرة المطفّفين، وحفيد سندباد. .ص163). وفي رواية أخرى " نزوح " في بعد استباقي ( متخصص جداً في قضايا الفضاء والوضع البيئي للأرض..ص165) .
من حقه أن يبدي ملاحظة قويمة كهذه، إنما هناك ما يستوجب التوقف والتذكير بمفارقات قائمة وصارخة بدلالاتها، وهي تتمثل في تلك اللائحة الكبيرة من أفلام كرتون أطفال، وأفلام الخيال العلمي التي تلاقي إقبالاً، وما يجري منها على شكل غزو موجه من الداخل، بالنسبة للطفل، وحتى ما يُشاهَد من " أبطال " هذه الأفلام أو المسلسلات، في المحلات " سبايدرمان، غراندايزر...إلخ"، وما لذلك من حضور لثقافة رائجة ومعتمَدة تخص حقيقة الجاري ثقافياً.
وما يضيء هذا القول، هو الذي يمكن قراءته بصدد أعماله الروائية عربياً في " العلاقة بالنقد. ص 181"، ورضاه النسبي تجاه كتابات تناولت أعماله، وموقفه من" الرقيبالذاتي والخارجي.) وقوله: ( أعترف منذ البدء: لا يوجد رقيب داخلي يهيمن علي عند الكتابة، استعذتُ بإله الحرية من أي رقيب. منذ وقت طويل في حياتي. ص 188).
يحق له أن يتفوه بالطريقة هذه، وملؤه ثقة بالذات، خاصة حين ينسّب الحرية إلى " إله " كونه يعيش في مجتمع، يكون الإنسان المرئي هو محط الاعتبار، خلاف ثقافة مجتمعه، وأهله الذين يعرفهم، وكيفية تناولهم لمشاغل الحياتية. نعم، لا رقيب من أي نوع داخله، لأنه مؤمّن على نفسه، أو مستقبله، لوجود قانون، ومؤسسات فاعلة، تهتم به، بقدر عطائه، والحرص عليه، ولو في الحد الأدنى" تأمين المسكن وما يتدبر به أموره المعيشية " ولو كان دون عمل مباشر.
لهذا يكون الإبداع هذه الحرية التي أفصح عنها، وما يصله بتمايزه في أسلوبه المختلف. الأسلوب في مقامه اللافت لا ينفصل عن تلك القدرات الخاصة المعززة لشخصيته الإبداعية.
ولطالما كان الأسلوب شاهداً على بؤس كاتبه أو ناطقه في الحياة، أو رقيّ جنسه كتابةً، وما هذا الاهتمام به في جانب تخصصي معرفياً، إلا من باب التأكيد على مكانته، في مجتمع الفردانية:
( إذا كان هناك أي شيء في العالم يمكن أن يساعد في جعل الإنسان معروفًا، فهو أسلوبه. كما نحن، هكذا نتكلم وهكذا نكتب. سوف يقول عالم الفراسة ذات يوم، عند رؤية خطيب أو إنسان أديب: هكذا يتحدث، وهكذا يكتب. ذات يوم سيقول عن صوت إنسان لم يره، وعن أسلوب عمل لا يعرف مؤلفه: لا بد أن يكون لهذا الغريب كذا وكذا من السمات، ولم يُخلق له وجه آخر. كل عمل يحمل شخصية صاحبه.
يصبح الأسلوب هو الإنسان كله، لأنه يرسم ما يحدث في داخلنا. إنه تقليد يحركه الكلام، لأنه التعبير الحي إلى حد ما عما يحدث في الروح. نحن متأثرون بشدة، أسلوبنا متسارع. عندما نشعر بالألم، فإنه يسحب نفسه ببطء، كما لو كنا أقل طلبًا للتعبير، لرسم بضربة فرشاة الحزن الذي يطغى علينا، من العودة مائة مرة إلى الخط الذي جرحنا.) " 16 "
هكذا، أو ربما هكذا إذاً: فتش عن الأسلوب إذا أردت معرفة حقيقة من يحاورك أو يجاورك أن تقرأ له، أو تبحث في أثره أو سلوكه اليومي، وما لذلك من تنوير للعلاقة البينية .
وأن يكون الإنسان، أو أحدنا أسلوبه، فهو ما يلاحَظ فيه حركياً، ويُسمَع، وينظَر في نتاجه.
ولعل الذي يتمخض عنه كتاب كاتبنا سروري، يدخله، في فضاء الاسلوب المختلف، أو حتى الأقل السعي الحثيث والذي لم يتوقف إلى الآن، إلى ما لم يتحدد بعد، والقابل للتطوير، ومفهوم النوعي المضطرد في كل كتابة انعطافية أو رواية مائزة، أو كتاب مواز لها بحثياً.
نقطة على سطر الكتاب
أنوّه هنا إلى الملحق، وذلك الحوار مع الكاتب من قبل مترجم وباحث قدير بالمقابل، هو بدرالدين عرودكي، وهو منشور أساساً في مجلة " نزوى العمَانية " في " 3 يناير 2021 "، وتأتي إضافته إلى الكتاب كملحق، ربما ليتنور القارىء به أكثر، وكونه متداخل مع حيثيات الكتاب، وقائمة الروايات التي محوّر كتابه حولها، وتحت عنوان " الرواية والعقل "!
والحوار هذا عقلي وما ليس بعقلي، لحظة التذكير باسمين كبيرين، يجسّدانه هما ابن عربي وابن رشد، ومن باب الدقة، من خلال قول لابن عربي صاحب وحدة الوجود تصوفياً، في ابن رشد عبر أكثر من لقاء، وبينهما فارق في العمر" قرابة ستة عقود زمنية، تقريباً " وابن رشد فيلسوف والعقل رهانه الأول والأخير، رغم اهتمامه بأدبيات الفقه وتبعاته. أو حيث يكون الأول عرفانياً، مأثرة التصوف، والآخر برهانياً، مأثرة الفلسفة .
ثمة ملاحظات:
هناك إضاءات لعوالم رواياته، من خلال الحديث عما هو عرفاني وبرهاني، أو ما يصل الرواية بالعقل ويتجاوزه، في ضوء إحالاته إلى مزايا التصوف" العرفاني منه". وثمة صفحات تترى، نجد شبيهات لها في صفحات سابقة، كما في " تقرير الهدهد ".
ثمة شعور بالمرارة لحظة قراءة الحوار، وهو في ثرائه، إنما مرارة تتوازى مع الحديث عن العالم العربي وبؤس تخلفه، ومن يكون وراءه، وجانب العجز في التجاوز.
وبوجود مفارقة، تقوم على علاقة طردية، تتمثل في الإلحاح على قراءة ما كان في نماذج معتبرة: ابن رشد، ابن عربي، المعري، والمعري في الواجهة تالياً، للولوج إلى العصر الحديث، كما يقول الكاتب" ص 205 ".
وهناك ملاحظات أخرى تخص طريقة استعمال المفاهيم وحتى الأسماء وربطها بقيم، وهي أشبه بظاهرة تلمستها في الكثير مما يُكتَب عربياً، ويساق في ضوء المقروء تراثياً على الراهن، وحتى المحاور، عرودكي وقع في فخ المحظور هذا، لحظة الحديث عما كان، مثل:
تاريخ الفكر العربي" ص 194"، والعطاء الحضاري العربي " ص 1999" تعبيران يخلان بمفهوم القول: الفكر العربي- الإسلامي – العطاء الحضاري العربي- الإسلامي ...
ولحظة الحديث عن التسامح، كقول سروري: إن أحيينا أفكار أبي العلاء، ابن رشد، وابن عربي، فسنكون نموذجيين في التسامح وحرية الضمير، في سيادة العقل، وفي الرؤية الفلسفية المنسجمة مع الحداثة..ص 199.
يفترض اعتماد قول كهذا، وتصور كهذا، مراعاة المتوخى، في التسامح، أي المرونة المطلوبة، على الأقل، حيث يجري تجاهل المركَّب ماضياً، وخاصيته، فأولئك كانوا نتاج ثقافة هجينة، تفاعلت فيها لغات وحضارات ألسنة، وفي فضاء الديني.. وحديثاً، ما إذا كان ذلك ممكناً كيف يكون هذا الاستدعاء وفي أي فضاء معرفي، أبفضاء ديني أو بأبستيمياء دينية؟
وحتى بالنسبة للمعري، والرهان عليه، ففذلك شطح في القول، يصله بالعرفاني دون أن يكون عرفانياً بحساب عقلي مختلف، وبالبرهاني، دون أن يكون برهانياً، بحساب تصوفي مؤطر. خصوصاً لحظة النظر إلى المعري في كليته، وليس من نقاط محددة ومختارة في المعروف شاعراً، وليس ما يمكن الاعتماد عليه " مفكراً " أو آثاريّ حضارة وثقافة ...
وفي ضوء ذلك فإن قول( يلزم أن نعيد كتابة التاريخ بأثر رجعي..ص2002)، ليس من باب المستحيلات فحسب، إنما الذهنية غير الواعية لما يقول تحت وطأة المفكَّؤر فيه مأساوياً في الداخل، والصادم خارجاً في الغرب، وجانب الارتداد ودعواه، ومن قبل من، وفي أي نوع خطاب بالمقابل، ولمن وباسم من يا تُرى؟ كما لو أن مجرد الإقرار يكون إشعاراً.
والنقطة الجديرة بالمناقشة ولو باختصار تخص العلاقة بين ابن عربي وابن رشد، وهي التي نشهد انتشاراً لها في مواقع الكترونية كثيرة، وأكثر شمولاً وتنويراً من الدائر في الحوار.
حيث لم ينتبَه إلى أن المتكلم في الكتاب هو ابن عربي، والغائب موضوع الكلام، هو ابن رشد. وليس هناك ما ينفي أو يؤكد حقيقة ما أفصح عنه ابن عربي . هذه أولاً .
ثانياً، سيق القول في نطاق الربط بينهما، وربما لإعلاء مقام ابن عربي، وهذا يطيح بالمنشود عقلياً، في الوقت الذي لا نجد بالمقابل ما يستحق النظر فيه حقيقة جهة العرفان المذكور.
وما يخص ابن رشد وأسبقيته لزمانه، ومكانته، وكيفية التضحية به، وإلى الآن، نتلمس كل ذلك في أكثر من مصدر أو مقال وكتاب " 17 "
وثمة ملاحظة في هذا الإطار وتخص علاقة ابن رشد بالفلسفة اليونانية، حيث أشير إلى ابن رشد مترجماً، وهو لم يكن مترجماً قط، كما نقرأ ذلك مثلاً في متن الحوار" ص 204". إنما كان يعرَف بشروحاته وتلاخيصه أو مختصراته، وجوامعه الصغار، ومسائله هنا " 18 ".
نعم، لا أنفي القيمة الثقافية لنص الحوار، سوى أنني أشدد على أنه لو لم يلحَق بالكتاب، لكان أفضل، في ضوء الملاحظات والنقاط التي نوهت إليها. إنها قراءتي ليست إلا .
إنها قراءتي التي منحتني متعة التفاعل، ومتعة التغاير في آن ، في مدرسة حياة هي الثقافة هنا!
مصادر وإشارات
-1Jolianne Gaudreault-Bourgeois: Le roman vit selonsespropreslois », ou comment les romanciers font du roman « le genre le plus libre qui soit"
جوليان جودرو بورجوا: الرواية تعيش وفق قوانينها الخاصة، أو كيف يجعل الروائيون الرواية "النوع الأدبي الأكثر حرية على الإطلاق"
-2« La vie est-elle un roman ? »Essai de restitution du café philo de Chevilly-Larue
Essai de restitution du café philo de Chevilly-Larue
هل الحياة رواية؟محاولة ترميم مقهى شيفيلي-لارو الفلسفي
-3Jacques Dürrenmatt:« Le style estl’hommemême ». Destin d’unebuffonnerie à l’époqueromantique
جاك دورنمات: "الأسلوب هو الرجل نفسه". مصير مزرعة الجاموس في العصر الرومانسي
-4Éric Dayre: Naissances poétiques du roman
إريك داير: الولادات الشعرية للرواية
-5Marc Verlynde: La mort du roman : éternels débuts
مارك فيرليند: موت الرواية: البدايات الأبدية
6-المصدر نفسه.
7-هاشم صالح: الانسداد التاريخي : لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟ دار الساقي، رابطة العقلانيين العرب، بيروت، ط1، 2007 . والإحالات المرجعية في المتن، تخص هذه الطبعة.
-8Jean-Pierre Cometti:Le roman et l’hommeintérieur. Remarques sur la littérature aleur ism et l’introspectio
جان بيير كوميتي: الرواية والإنسان الداخلي. ملاحظات حول الأدب الرومانسي والتأمل الذاتي
-9Britta Herrmann: La vie comme roman. Transformations médiales du aleur entre aleur ism et romantisme
بريتا هيرمان: الحياة كرواية. التحولات الوسيطة في الخيال بين الكلاسيكية والرومانسية
10-عبدالفتاح كيليطو: الأعمال، الجزء الأول، جدل اللغات، منشورات دار توبقال، الدار البيضاء،ط2، 2018، ص 252.
-11Nicolas Prantzos: La recherche d’Intelligencesextraterrestres et le Paradoxe de Fermi
نيكولاس برانزو: البحث عن ذكاء خارج الأرض ومفارقة فيرمي
أشير هنا إلى واقعة شخصية، على صلة مباشرة بموضوع كهذا، وتخص كتابي" تقديس الشهوة: الرموز الفلكية في النص القرآني " منشورات الريس، بيروت، ط1، 2000، في " 436 " صفحة من القطع الوسط، أتناول مسائل ذات صبغة تاريخية وفي ضوء العلم، ومن خلال الوارد في سور قرآنية، تخص التكوين الكوكبي للأرض، وللعالم وحقيقة الإنسان...ليجري منعه، لا بل وصدور بيان من جهة ثقافية دينية وصائية معروفة في القاهرة بمنع تداوله من هذا الجانب، لأن المثار يتعارض مع ما هو متداول..
-12Sébastien Omont: Science-fiction contemporaine : la reconnaissance invisible
سيباستيان أومون: الخيال العلمي المعاصر: التعرف غير المر
-13Alain Policar: La aleurabsolue de la vie humaine
آلان بوليكار: القيمة المطلقة للحياة البشرية
-14Gilgamesh, le roi qui trouvait la mort vraiment trop ersona (Phénix, 1996)
جلجامش، الملك الذي وجد الموت فاحشًا للغاية (فينيكس، 1996)
-15Solenn Rousseau: Le ersonage principal, pivot de l’histoire
سولين روسّو: الشخصية الرئيسة، محور القصة
-16Jacques Dürrenmatt:« Le style estl'hommemême ». Destin d'unebuffonnerie à l'époqueromantique
جاك دورنمات: "الأسلوب هو الرجل نفسه". مصير مزرعة الجاموس في العصر الرومانسي
17-ينظر، مثلاً ، ما كتبه الدكتور محمد عابد الجابري، في : ابن رشد" سيرة وفكر،منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1998، وبشكل مكثف، ماورد في مقال كيليطو: ترحيل ابن رشد، في الأعمال ، المصدر المذكور، صص61-65 .وبشكل أكثر وضوحاً.وفي الذي ورد في مقال محمد صالح بوشتلة :عن علاقة المتصوف بالفيلسوف:ابن عربي مشيعاً ابن رشد،بشكل لافت حقاً، ص 49-50-51...إلخ..
18- ينظر حول ذلك، الجابري، في مصدره، ص 14، وما أفصح عنه كيليطو، في الأعمال، الجزء الرابع، ط1، 2015، ص 222...إلخ .
==