كاظم حسن سعيد - رواية القلب الصياد: فن قوطي مستحدث

نشأ الأدب القوطي في أواخر القرن الثامن عشر (حوالي عام 1764) كحركة تمردية وضعت العاطفة، واللاعقلانية، والرعب، والغموض في مواجهة المنهج العقلاني الصارم لـ "عصر التنوير". ولم تكن هذه الحركة مجرد تيار أدبي، بل كانت مرآة تعكس القلق النفسي والاجتماعي الناجم عن الحروب والثورات (مثل الثورتين الأمريكية والفرنسية وما رافق الأخيرة من عصر الرعب).

وتُعد رواية "قلعة أوترانتو" (1764) لـ هوراس والبول الحجر الأساس وأول رواية قوطية رسمية؛ حيث أرسى فيها معظم التقاليد الفنية لهذا النوع (كالقلاع المهدمة، والممرات السريّة، والحبكات المعقدة، والخوارق). وقد مهد لهذا الفن رافدان رئيسيان؛ الأول: أطروحة إدموند بيرك الفلسفية (1757) حول "الجليل والجميل" والتي أسست لمفهوم الرهبة الجمالية، والثاني: "شعر المقابر" (Graveyard School)، وهو تيار شعري ركز على الخرائب، الموت، وفناء الإنسان، مما مهد الأرضية الموضوعية والجمالية للأدب القوطي.

ومع حلول القرن العشرين، شهد المفهوم القوطي تحولاً جذرياً وانزياحاً من جغرافيا أوروبا إلى عمق الجنوب الأمريكي، ليولد ما عُرف بـ "الأدب القوطي الجنوبي". في هذا الفن المستحدث، لم يعد الرعب بحاجة إلى قلاع مهدمة أو أشباح خارجية؛ بل أصبحت النفس البشرية، بانغلاقها، وتشظيها، واغترابها الوجودي، هي البديل الحي لتلك القلاع.

وفي هذا السياق المعرفي، تتجلى رواية "القلب صياد وحيد" للكاتبة كارسون ماكولرز كنموذج فذ لهذا التحوير القوطي؛ حيث يتحول الصمم والبكم والعزلة المطلقة في بلدة جنوبية كئيبة إلى دهاليز نفسية موحشة، يصطاد فيها كل قلب أوهامه الخاصة، ويسكنها رعب من نوع آخر: رعب عدم القدرة على التواصل والاتصال بالآخر.
من المدهش ان تتمكن شابة في العشرينات من عمرها ان تنجز مثل هذا العمل الصعب ,ان تتناول شخصيات بعضها بكم وصم.
وعبر اسلوب ‏( الرسم السيكولوجي‏) مدعما بمشاهد ممسرحة, تمكنت الكاتبة بالغور عميقا بارواح ابطالها ووضعتهم تحت مجهر تشريحي متقن.
عاشت ماكولرز مأساة طبية بسبب التشخيص الخاطئ في بداية حياتها؛ حيث اعتقد الأطباء في بلدتها الجنوبية الصغيرة أنها تعاني من "التهاب المفاصل الروماتويدي" أو مجرد إرشاد عام، ولم تتلقَ العلاج المناسب للحمى الروماتيزمية في وقت مبكر...
إن هذا المرض، بما فرضه عليها من فترات إنهاك طويلة وانعزال قسري، جعلها تعيش طقساً من الصمت والإنصات العميق للعالم وهي على فراش العلة؛ مما شحذ بصيرتها الروائية ووفر لها العزلة اللازمة لولادة ونجاح روايتها.
يعتقد ابطال الرواية الذين يبوحون للاصم الابكم بكل معاناتهم انه مقدس..ذلك وهم صنعوه ... كان يصغي بالنظر اليهم. ولا يعلمون انه هو نفسه يعيش ازمة الفقد بعد موت صديقه الابكم في دار الجنون.
ان تاخر ترجمة الرواية للعربية وظهورها ابان الحرب العالمية الثانية ‏(١٩٤٠‏) مع هيمنة سارتر وهمنكواي وسطوع الافكار القومية والماركسية كلها عوامل حرمت القارىء العربي من الاطلاع على مثل هذه الاعمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى