طرْق الغفْل
ما أن نستدعي الاسم سؤالاً، نستدعي اللغة سؤالاً في الحال، نستدعي تالياً المكوّن الجمعي" البشري " سؤالاً يكون معطف الأول، وحامل الثاني. لا أحد في الحالة هذه غفْل الاسم، حتى السجين المحوَّل إلى رقم، يُحتفَظ له باسم هو الأصل.الاسم فرد وجمْع. والاسم داخل في عِداد الملْكية التي لا تباد، حتى بموت صاحبه، بالعكس، في حالات معينة، يظهر الاسم أقوى من ذي قبل. والاسم بصمة جماعية، فليس في وارد القول أن اسماً ما، يمكن تلفّظه، دون هذا الجامع اللغوي. وهو مشاع في آن، إذ لا أكثر من كثيرين يحملون الاسم نفسه، ولكنه يُعرَف بسلسلة أسماء. فيكون الاسم جغرافيا وتاريخاً. الجغرافيا حاضنته، والتاريخ لوحه المحفوظ هنا. لهذا، عندما يُراد طي صفحة الجغرافيا، يصبَح التاريخ مطارداً، أخرس أبكم، ليحضر تاريخ آخر. بذلك يسهل القول أن الاسم عدالة وقانون، أي فيما يستحقه لأجله، ولأجل المحيطين به، ومن يتواصل هو معهم. في العدالة ما يُعطَى لكل اسمه، ليس حباً به، وإنما ربطاً له بجماعته، وصوناً له كذلك من المجهول المشكّل خطراً عليه وعلى جماعته التي ينتمي إليها، وفي القانون، ما يغيّر فيه، ما يحرّفه، ما يلغيه ويقصيه، ويحل آخر، ليس من طينته، أو جبلّته الثقافية، في القهر .
لهذا، فإن الاسم سؤالاً، لا يخضع في أصل نشأته، لحكْم الزمن، بقدْر ما يمتد فيه، هو الوحيد دون سائر الأسماء الأخرى، يحمل علامته الفارقة، وإن لم يصرّح أو يعرَّف بها، مدافعاً عن كونه حقيقة زمانية- مكانية مفتوحة قائمة، هو الذي يختصر ثقافة، تاريخاً، جغرافيا بوجوده، فيكون القلعةَ الحاملة والمحمولة الأولى والأخيرة للشخص الذي يتقدّم به، أو يميّزه عن غيره .
لهذا، فإن نزع الاسم، مصادرته، مباشرةُ تغييب لكونه واقعاً، فيمحى، أو هكذا يكون جر الاسم إلى العدم، أكثر من كونه المدفون، إنما محو كل أثر له، ببديل مفروض بالقوة، حيث العلاقة بهذا الآخر، المختلف عنا، مفارِقنا، والشاهد على وجودنا بالندّية نفسها، مثلنا، تخبِر بصراعيتها.
وفي رواية الكاتبة الأميركية ذات الأصل الهندي كاثلين غريسوم( كرو ماري ) رواية الآخر " الهندي " المصادَر من اسمه بامتياز مأساوي، والمحوَّل بالقوة، قانون القوة إلى اسم يحتويه.
ماالذي أرادت أن تقوله غريسوم في روايتها" 1 "، في مأثرة الاسم ذي الدمغة التاريخية ؟
خط السؤال عن الاسم
ليكون للاسم ما هو معلوم به مقاماً،يباشر الاسم هذا، انطلاقاً من العنوان، ما يصيّره قلق السؤال عن جواب منتظر، جواب أكثر من كونه حسابياً. إنه سلسلة تضاريسية، خريطة معقدة تمتد في مساحات جغرافية، وفي تلافيف الذاكرة الجماعية، وسجل المحفوظات الرسمية وغيرها. لأن الاسم شاهد تاريخ وشهيده في مركَّبه كعنوان أولاً" كرو ماري ". يا للاتناغم بينهما: كرو Croy ، أي: الغراب،نسبة إلى قبيلة المرأة المتوارية أو ، بصورة أدق، المغيَّبة خارجاً، تحت وطأة اسم مستحدَث، قبيلتها الهندية، كما سنرى، وفي ماري، الاسم المعطى والمقحَم والدال على ما هو عقائدي ودلالي: الزوجة كذلك، وفي خاصية الشهادة، ما يعني أن حداد الاسم لا زال قائماً..
أكثر من تعريض بالتصفية للاسم ومعناه الاعتباري، كما يردُ ذلك في مقدمة حفيدة " كرو ماري ": غوزفيرست . ص7 " ، وكما نقرأ عن الاسم والاختلالات التي تعرض لها، حيث يصار به إلى العدَم:فالا -بريمير، ليستقر الاسم المعطى والقائم الوحيد في التعاطي مع حاملته: ماري، وكما سنرى في السردية الروائية التي عاشت الروائية كاثلين غريسوم مخاضها، وقد أبدت استعداداً لحفيدتها هذه، في أن تكتب روايتها: رواية الجدة،لأن فيها تاريخاً كارثياً.
الغراب كإيقونة جماعية مندمجة في البيئة الحاضنة لها، أي " كرو " بالانكليزية، ما يشد البصر والبصيرة إليه طائراً له تاريخه الثقافي وتلويناته، وقدراته والمتخوَّف منه. لا أحد يتمنى أن يكون اسمه غراباً، أو في طائفته( أكان كافكا" الاسم التشيكي، الذي يعني : الغراب، مدركاً للمهارة الفائقة وحيلته المعتبَرة للغراب، ليكون غرابياً، في مواجهة مجتمع بكامله؟)!
لا بد أنها أبصرت في الذي سمعته، واطلعت عليه، ما يرتقي باسمها بالذات إلى مقام إبداعي، فيه من جمالية المسرود، وشعرية المتوخى، ما يجعلها ساردة حقيقة تاريخ استبيح كثيراً، وهي التي عرِفت بذيوع صيتها في الوسط الأدبي: الروائي، وهي كما يظهر، معنية بذلك "2 "، لا بل إن ما عرِفت به روائياً، يفصح عن مكاشفة ملحمية، لتاريخ طويل ومديد في فظائعه، وأن هذا العنوان " كرو ماري " يأتي استكمالاً لعملين سابقين منحها حضوراً استثنائياً في هذا الشان. وأرى أنه من الضرورات التاريخية والأخلاقية منطقياً، أن نراعي هذه المتتالية، وهذا الحامل المحوري : في سرديته المثقلة بتاريخ كان، ولم يُمحَ أثراً بعد " 3 " حيث إن سؤال الاسم وحراكه الدلالي بين الأنا أو الذات والآخر، يمثّل تعرية لحقيقة مستباحة، تنزف إلى الآن .
أتحدث هنا، عمّا يجعل الاسم بعيداً عنا، إلى حد التلاشي، الغياب الكلّي له، وعدم الشعور به، ولكنه لا يعني التواري عن السمع، لا يعني الزوال. فثمة موقع، اعتبار، مكانة له، وثمة من ينشغل به، من يبقيه في وضعية بث مؤثره اللغوي، ما يجعله كموناً وفعل قوة حضور كذلك، وبالطريقة التي لا يعود المتكلم أنا أو ذاتاً مقرّر مصيره، مهما كان التباين في القوة فاصلاً بينهما بالتأكيد، وفي قوة تعيش تحولات، في سنّ قانونها الخاص أكثر اتسراتيجية من القانون الزمني، ما يجعل الآخر خطيراً، إلى درجة تهديده للذات المتباهية بحضورها مقابل غيوبه المفترَض.
لا بأس أن أوسّع فضاء القول العائد إلى الاسم ولو قليلاً، لأهميته في متن المعطى الروائي:
( في نظام اللغة، يربط الاسم الدال بالمرجع، والكتابة بالمعنى... إن مسألة ما يسمى بالاسم "الصحيح" هي مسألة الفريد، الذي لا يمكن استبداله، ولا يمكن اختزاله... التاريخ هو اسم يرتبط بالتوقيع ويحتفظ بذاكرة ما يمحوه... التسمية هي فرض لغة... كل لغة مسكونة بقوة التسمية. إنه شبح مقدس، متسام، وأقوى منا. لو لم يكن هناك اسم، فإن اللغة لن تكون شيئاً، ولن يكون هناك عودة إليها، ولن يكون لها اتصال بالعالم.... التوقيع لا يعني فقط كتابة اسمك. هو تعيين الذات، وإثبات الذات... الاسم يضمن هوية الشيء ووحدته (شيء، نص، شخص).. الاسم يتحدى الكلام، فهو يتصرف بطريقة غامضة. من ناحية أخرى، يتعلق الأمر بالبنية الأساسية للبقاء الوصيوي؛ ومن ناحية أخرى، فإن كل اسم محاط بتاريخ محدد، وتراث، وسمعة.) "4 "
هذه الاقتباسات تطالبنا بالتروّي كثيراً، في أي متابعة كشفية لمضمَر الاسم، وموقعه، وفي تاريخ العلاقات التي تضم بين " ظهرانيها " شعوباً وأمماً، ألسنة ولغات، أنظمة وحكومات وسياسات.
ما تقوم عليه رواية " كرو ماري " يحيلنا إلى جنحة أخلاقية تاريخية ومؤشفة رهيبة، لها زمانها ومكانها،وإن مارس التخييل الفني فيها تحريكَ قوى، بما يتناسب وفعله، ليكون تاريخاً وخلافه.
في الواجهة يكون الآخر عصا التوازن، ومحك اختبار لمسار السردية الروائية وفلَاحها.
إنهم الهنود الحمر، الشعوب مجتمعة، أبعد من تاريخ مقحَم على تاريخ محمول بجغرافيا شاسعة واسعة، جغرافيا لها عجائبها وغرائبها قبل عصور خلت في نطاق الاسم السياسي المبتدع: أميركا، القارة التي قيّض لها أن تكون البديل الاسمي الجغرافي بحمولته العقائدية والسياسية أوربياً في عالم ماوراء البحار، وجدل الأنا- الآخر الساخن بما لا يقال .
سؤال الاسم، يظل سؤال البحث عمن يشترك في ظهوره وضموره، في بناه ومداه بالمقابل .
غريسيوم، تحاول بطريقتها السردية، وفيها من الإحالات الجغرافية، والإشارات التاريخية ما يفي بالقول الصارخ عما جرى، وعما يجري في نطاق الجرم المرتكَب إنسانياً .
صوت الحفيدة في التقديم، يمنح السرد قبل مباشرة انطلاقته، وتجليه قراءةً، قوة صاعق في العمق، إلى أن الذي كان يتراءى أمامنا. هكذا تفصح الرواية أحياناً عن قياميتها( كانت جدة أمي، غوزفيرست( تذهب أولاً) التي أصبحت تُعرَف باسم ( كرو ماري)، شابة جميلة وقوية تزوجت رجلاً أبيض لم تكن تعرفه. إن قدرتها على مواجهة هذا العالم بكل هذه الشجاعة تجعلني أشعر بالفخر، لأن دمها يجري في عروقي. ص8) .
التسمية قائمة، والمواصفات الدالة على ما هو مناقبي، قائمة، جهة الجدة الأسطورية تقديراً، خلال الإشارة العابرة إلى الجد ومن خلال عبارة وصفية " رجلاً أبيض "، دون ذكر الاسم. وما في ذلك من رؤية تاريخ من حميمية الذاكرة المنجرحة تجاه تاريخ طاغ ومستبد.
إنها سردية جغرافية
ليس الموصوف في الطبيعة، كما هي الطبيعة، مجرد معايشة لغوية دون إشعار بحقيقة مضمَّنة فيه. ما يأتي وصفاً يقرّر معنىً وأكثر تبعاً لنوعيته، وبلسان الساردة الأولى، المعتبَرة بطلة الرواية " كرو ماري "، ما يعدِم المسافة بين القول وحاملته هنا، وما على القارىء إلا أن يتقصى بنية العلاقة هذه، ومن العنوان الرئيس للمعتبَر " توطئة 1891 ":
( كان الظلام يخيّم على الجزء الخلفي من الحظيرة الكبيرة الحارة عندما رحتُ أدحرج عجلة عربة ثقيلة مستندة إلى باب مدخل غرفة التخزين ووضعتها جانباً. صوت ارتطام قوي خلفي جعلني أقفز، وأخذ قلبي يخفق بقوة، لكنه لم يكن سوى باب حظيرة دفعته الريح.ص9 ).
سوى أنه مشهدٌ، تُستهَلُّ به الرواية، يتردد صداه في الجوار، يصلنا. إننا قادرون على سماعه ضمناً، على تخيله في أبعاده وربطه بالمكان. الحظيرة ليست محايدة بموقعها ووظيفتها، وما كان يجري فيها. إنها قابلة لأن ترفَع بسقفها وأرضيها، وتتسع مساحتها، لتكون مجتمعاً .
لنتابع التالي بدقة الوارد فيه( حذرة من قنينة ويسكي قابعة عند قدميّ، أدخلت مفتاحاً في القفل الصدىء، حتى سمعت أخيراً صوت طقة، وفُتِح الباب الخشبي. وكانت قد بنيت هذه الغرفة بنافذة صغيرة عالية واحدة حتى لا يتمكن أحد من عمال المزرعة، سواء أكان ثملاً أم جريئاً، من اقتحامها، ورحت أحدق في بصيص الضوء الخافت.).
في اقتصاد السرد المكثف، حيث ينعدم شرح قول بقول آخر، وإنما كل عبارة تمضي في أداء عملها اللغوي والدلالي، تعبيراً عن واقعة تخيلية، موصولة بواقع تاريخي. كما لو أن كاميرا دقيقة جداً في تصويرها، وهي تنقل إلى الخارج ما يدل على خطْب جلل في المشهد هذا.
ما ينبغي التنبّه إليه، هو أن التعرف على الطبيعة وطريقة إيداعها في السرد، لا يعني لفت النظر إليها، وتأملها، أي كما لو أن هناك احتفاء بها، كما هو الممكن تبينّه في النصوص التي تشدد على الدور المركزي للطبيعة، وموقعنا فيها،إنما ما يكون للطبيعة من دور في نسْج معنى، أو إبرازه في وصف يركّز على العالم الخارجي، والطبيعة ضمناً، حيث ( إن المنظر الطبيعي، باعتباره نتاج لقاء بين العالم ونقطة نظر، سيكون تابعًا لذاتية، وهذه الذاتية ستكون مرتبطة بفكرة بنية الأفق: "المنظر الطبيعي هو حالة نموذجية لبنية الأفق" و"المناظر الطبيعية، حتى البكر منها، تكتسب معنى من وجهة نظر".
إذا كان هناك فكر منظر طبيعي، فهو عمل "كوجيتو جسدي"، مسبق الانعكاس ومتجذر في الحركات التي تنشط الجسد والمناظر الطبيعية [...]". ومن ثم فإن المشهد الطبيعي سيكون بمثابة ظاهرة، أي نتاج لقاء بين العالم ووجهة نظر معينة.) " 5 "
إنها إحدى مآثر الرواية في إبداعاتها المتعلقة بجانب انهمامها بمستجدات عالمنا ماضياً وحاضراً وتلك التحولات التي يعيشها الإنسان، وأزماتها البنيوية، ومنها فعل فعله في الزمان والمكان .
الموصوف في الاقتباسين، يشدد على الرقعة المكانية، التي تكون نقطة انطلاق إلى العالم الواسع والساخن للرواية، والساردة تعيش امتحاناً عسيراً ومصيرياً لذاتها، كهندية وهي في بدء تفتحها الجسدي، وإزاء نظرة الآخر وشبقيتها، وتستعد لمواجهته، في المكان الضيق والمزدحم بأجسامه المختلفة، وكثافة الدال الشاهد على خطورة المشهد، وما للشعور بالخوف أحياناً من وثبة قوى كامنة وتوحدها ومقارعة الغازي( اعتبرت نفسي في حكم الميتة، لكن عندما تذكرتُ ما فعله بسونغ وومان، وما سيحدث لإيلا، تملَّكني شعور بالغضب. رججتُ قنينة الويسكي للمرة الأخيرة، وقلت لنفسي:
" اثبتي" وخرجتُ لاستقباله . ص 10 ) .
طبعاً لمواجهته، والدخول في اشتباك وعراك مع المجهول المهدّد للذات !
ما يمهد لبداية، في فعل رجوع إلى الوراء، إلى الرابط الحميم والموجع في الذاكرة بين ما كان وما هو راهن بالنسبة لها " كرو ماري "، ليكون السرد هنا معبّراً عن سيرورته، تحت عنوان : كرو ماري، الجزء الأول- الفصل الأول 1863 :
إنها تواريخ لها سجلاتها المرعبة التي يعلَم بحقيقتها أهلوها، ومن خلال ذاكرتهم الجماعية، وما جاء مسطوراً في أمكنة مختلفة . لعل هناك إشارة مباشرة إلى عمل جينوسايدي " إبادة جماعية " للهنود الحمر، حيث إنه ( في معركة ووندد ني عام 1890، قُتل 300 رجل وامرأة وطفل من قبيلة السيوكس على يد جنود أمريكيين. ولكن حتى اليوم لم يتم الاعتراف رسميًا بالمسئولية عن هذه المأساة، وهو ما يضع "ووندد ني" في قلب نضال الأمريكيين الأصليين.
وفي 29 كانون الأول 1890، تم ذبح 300 من قبيلة السيوكس، نصفهم من النساء والأطفال. على مدى 130 عاماً، كانت هناك نسختان من التاريخ متعارضتان: النسخة الرسمية، وهي رواية الجنود الأميركيين، ورواية السيوكس. تتحدى الاكتشافات الأخيرة الرواية الرسمية وتضع هذه المذبحة في قلب نضال الأمريكيين الأصليين. قام عالم الآثار والمؤرخ لوران أوليفييه بالبحث في أرشيف هذه المأساة وأنتج كتابًا بعنوان "ما حدث في ووندد ني". التحقيق غير المسبوق في المذبحة الأخيرة للهنود..) " 6 "
لا تقدّم الروائية لقارئها أي معلومة أرشيفية، ضمن اقتباس معين، في هذا الصدد، إنما تمارس مسحاً لتاريخ كان، كان لا يغتفَر بمآسيه، وبمضاء تخييل، يوقظ الذاكرة، للنظر إلى الخلف .
والبدء الذي يسمّي سرده يأتي هكذا( كان ذلك في مطلع شهر أبريل ( نيسان ) ، القمر الذي ترعد فيه السماء لأول مرة، حين جاء الرجل ممتطياً حصانه. كان الهواء لطيفاً ومنعشاً خارج خيمتنا، وكانت أمي قد أجلستنا تحت شمس الظهر الدافئة..ص11 ) .
في مقدور القارىء أن يطمئن إلى مباشرة نصية كهذه، وأن يلقي نظرة سريعة على المكان الجاري وصفه، وينسحب إلى داخله، شعوراً منه، أن الوضع آمن، أن المقروء لا يعاني من خط تصاعدي، أو قطْع في المسار، أو انقطاع في لعبة السرد.. سوى أن المؤثر الذي يحيل البادي هدوءاً، وباعثاً على السكَينة، إلى خلافه، أن يكون فيه من التخوف الكثير، والحذر مرفَق به، مع " فعل الماضي الناقص: كان "، فما قبله هو الذي يحرّكه، هو الذي يضيء خلفية ما جرى تالياً، حيث الزمان الحاضر مشدود إلى لاحق، كان جلّاب كوارث، شاهد جرائم ضد الإنسانية .
والأمضى في المشهد هو أن المرئي ، ومن خلال هيئته، يترجم مثل هذه العلاقة ورهبتها.حيث الرجل كان جريحاً. الجرح رسام حقيقة دامية بينية طبعاً وثمة من يزيد نارها ضراماً( قال الرجل:" أغار علينا محاربو قبيلة سو- عدونا القديم. كانوا أربعة فقط، لكننا كنا ثلاث خيم فقط، وباغتونا. كنا في طريقنا إلى هنا، وأقمنا مخيمنا أسفل نهر إيلك، ننتظر حتى انتهاء هطول الثلج. كنتُ قادماً، أردت أن تتعرف أختي على ابنتي الجديدة، لكنهم قضوا علينا جميعاً. لقد قُتِلوا..ص12). حروب بينية: بين الهنود الحمر أنفسهم، وهي تاريخية ولها مثيلاتها في أمكنة مختلفة من العالم، إنما الخطورة هي اليد التي تدق الإسفين بين أطرافها وبأشكال كثيرة.
الرواية تتقاسم سردية متشعبة، تتوزع بين مشاهد حية بوقائعها، ومشاهد حامية، ترينا الساخن في الأعماق، وما يكون صراعات على الأرض والمواقع والنفوذ، كما في ( نحن شعب كرو قبيلة واحدة كبيرة مكونة من قرى كثيرة تلتقي معاً خلال شهور الصيف، لا لزيارة بعضنا بعضاً والاستمتاع بوجودنا معاً فقط، وإنما لشعورنا بالأمان من أعدائنا عندما نلتقي معاً، لكننا نفترق ونتوزع في الشتاء في قرى صغيرة ليحصل الجميع على مأوى جيد، وكميات كافية من الحطب، وكثير من الأيائل والجواميس من أجل طعامنا. ص 15).
لكن الصراع هو المسيطر بعنفه وفعله النافذ إلى الرؤوس والنفوس. وما حديث كرو عن جدتها، في مشهد صراعي بيني مميت، بين قبائل متحاربة إلا لتأكيد ذلك، جدتها التي أصبحت متراساً لها لئلا تقتلها رصاصة لتُقتَل هي( وكانت تجري نحوي عندما أصيبت بطلقة اخترقت صدرها، واصطبغ باللون الأحمر...جلست مذهولة حتى أنني لم أستطع أن أتحرك.ص18).
السردية الروائية تقوم علىة بؤر توتر، على فراغات تشكل استلهاماً لكل من الروائي والقارىء، ليكون أقدر على التفاعل، ومعايشة ما لم يحسَب له حساب، في سياق التوقعات ومآلاتها.
موت الجدة، رمزاً وحقيقة، له دلالته، بالنسبة للساردة الرئيسة هنا، وفي مجتمع يعطيها مكانة.
الجدة في المجتمع المعتبَر تقليدي، أكثر من كونها أماً. إنها ذخيرة حكايات والفاعلة المؤثرة في النسيج الحياتي لحفدتها وحفيداتها بالمقابل، أي ولها كلمتها المسموعة.
هذا المجتمع المأخوذ بحدود طبيعية غير مؤمَّن عليها، ينعكس تأثيراً على الداخل، واستحالة بقائه ماضياً بعاداته وتقاليده، وهو ماض إلى ما يجب أن يكون عليه تحولاً في مجتمع أكبر، وبما لا يقاس، حدوداً جغرافية، ونظاماً سياسياً، وسلطة جامعة وقاهرة: أميركية.
لهذا فإن زواجها من أبن قبائلي، من قبيلتها" بيغ كلاود " وهي في عمر الـ" 15 " ربيعاً لم يستمر " ص 37" ، ولا بقي التماسك القبائلي على حاله، في علاقاته الاجتماعية.
الآخرون بعيداً، هم الذين تمدهم الأيام القادمة بالقوة والسيطرة والانتشار، كما يقول منطق الرواية في سرديتها الكبرى مجتمعياً، والقوة تدلي بشهادتها جهة الإنباء على المستجدات( كانت قبيلة كرو دائماً على علاقة ودّية مع ذوي العيون الصفراء، لأن الزعماء، مثل أبي، يرون القوة التي تكمن في أسلحتهم. وقبل ولادتي ببضع سنوات مات عدد كبير من قبيلتنا عندما أصيبوا بمرض الجدري، ونتيجة انخفاض هذا العدد أصبحنا الآن بحاجة إلى حلفاء لمواجهة أعدائنا الكثيرين . ص 53) .
تحالف الأمراض الفتاكة، والتدخل في شئون أصلانيي المكان من الهنود، توأما غزو من الخارج: أوربي في الصميم. أمراض ، قيل فيها الكثير، وهي وافدة مع الغزاة ..و( لقد تطورت الأمراض البشرية المُعدية مثل الجدري والأنفلونزا والسل الرئوي والملاريا والطاعون والحصبة من أمراض الحيوانات فضلاً على ذلك، فلقد لعبت أمراض كهذه دوراً كبيراً في استعمار القارات الأمريكية منذ رحلة كولومبس في عام 1492. فالجراثيم التي جلبها " الغزاة الأسبان القتلة " فتكت بالأمريكيين الاصلانيين، وفي الفترة التي اعتاد الأوربيون على هذه الأمراض واكتسبوا مناعة ضدها، كانت جديدة على الأمريكيين الأصلانيين الذين ليس لديهم مناعة مكتسبة أو وراثية، مما أدى إلى انخفاض كارثي في عدد السكان..) " 7 "
ويمكن أن نزيد الوارد آنفاً، ما يضيء ما بين سطور سردية الرواية بالتالي:
( "إن الميكروبات التي جلبها البيض هي التي كانت ستقتل أغلبية الهنود - وهي إبادة جماعية غير مقصودة، باختصار. "لماذا"، تسأل، "كانت هناك ما يقرب من 300 عام من الحروب الاستعمارية، ثم حروب دائمة شنتها الجمهوريات المستقلة في الأمريكتين؟ مثالٌ من بين أمثلةٍ كثيرة: تستشهد دنبار-أورتيز بعمل المؤرخة شيربورن كوك، التي درست "محاولة تدمير" هنود كاليفورنيا. وتفيد بأن "كوك قدّرت أن 2245 من سكان شمال كاليفورنيا الأصليين (من قبائل وينتو، ومايدو، وميواك، وأومو، ووابو، ويوكوت) فقدوا أرواحهم في صراعاتٍ مع الإسبان، بينما لقي 5000 شخص حتفهم بسبب المرض، ونُقل 4000 إلى البعثات التبشيرية. ومن بين نفس الشعوب، قتلت القوات المسلحة للولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 4000 شخص، كما قتلت الأمراض حوالي 6000 شخص. في الفترة ما بين عامي 1852 و1867، اختطف مواطنون أمريكيون 4000 طفل من هذه المجموعات. وفي ظل هذه الظروف، أجبر تدمير البنى الاجتماعية التقليدية للسكان الأصليين والضرورة الاقتصادية القاسية العديد من النساء على ممارسة الدعارة في معسكرات التنقيب عن الذهب، وهو ما ساهم في تدمير بقايا الحياة الأسرية في هذه المجتمعات الأمومية. ..") " 8 ".
وقد قيل الكثير في هذا المضمار، أي ما يخص الطبيعة الهمجية للذين غزو العالم القديم، وما فيه من حضارات سبقت نشأة وإشعاعات حضارية، كانت " أوربا " حينها في ظلمات التاريخ .
مجتمعات كانت تدير أمورها بدقة، وتعيش بسلام، وتقيم علاقات مع الطبيعة، بالطريقة التي تؤمّن لها بقاء وقدرة على الاستمرار، وموتاً آمناً بالمقابل، بعيداً عن مخاطر مباغتة بالتالي.
ولا بد أن الرهان على المرأة، يشكل الحبل السرّي الواصل بين داخل وخارج: داخل، بالنسبة للغازي، وهو يضع عينيه على امرأة هندية، تكونها ماري كرو، لاحقاً، وخارج، بالنسبة للرجل الذي يتزوج الهندية في الداخل، أي فارويل، تعبيراً عن تلك البراغماتيكية الأميركية ذات الصيت، وكما قالت أمها( إنه يريد زوجة هندية تستطيع أن تتحدث مع الهنود الآخرين الذين يأتون إلى مركزه التجاري، ويقول إن نساء قبيلة كرو أقوى بكثير من النساء البيض. كان أبي من ذوي العيون الصفراء، يقول الشيء نفسه، وكان يدهش دائماً عندما يرى كيف كانت أمي تتحرك برشاقة ونشاط عندما تنصب خيمة وتذبح جاموساً. ص 54 ) .
يمكن السؤال عن القيمة الإشارية لقول كهذا، وما إذا كان يعجّل في حركية السرد، أم يلوّن فيها، أم يوسّع فضاء الرواية في الزمن: زمن الشخصيات وتنوع علاقاتها في مجتمع أكثر تماسكاً.
إن منطق السرد ، وإن كان يتشعب بأحداثه، ماض ٍ إلينا، أي ما يبقي الهندي رهن رغبات الأميركي، أو الغازي الصائر أميركياً، تمثيلاً للقوة الغازية، واعترافاً بقانونها النافذ مكانياً .
ومن الطبيعي أن " تمليح " الزواج اللاحق، وهو الأوربي- الأميركي، بعد موت زوجها الهندي، وما لذلك من دلالة لصالح تاريخ الأقوى، عبارة عن شرعنة الانتقال إلى حضنه من جهة الهندية بالتأكيد، وليكون في مقدور السردية التي تتمثلها وتتغذى على حياتها، أن تؤدي مهمتها بجدارة.
تحت مظلة الاسم الفارض
الزواج ليس مجرد عقد قران، أو لقاء جسدي، إنما متحول ثقافي، ونقلة من عالم إلى آخر، ومن ثم الرضوخ لقوانينه، وفي مجتمع كهذا، ومع الاسم الجديد " ماري " نكون إزاء انعطافة لافتة:
جعْل الاسم القديم، اسم القبيلة، وما لها من صلات مكانية، ولغة وعلاقات في عِداد " أثر بعد عين " أي ما لا يعود له اعتبار، في التحول المرسوم والمحكوم بالقوة، وتبعاتها في الصميم . منح أو تحميل أحدهم باسم من الخارج، ومن لغة مغايرة، تسمّي جماعة، وبيئة وثقافة، يعني تطويباً لعالم مختلف، ولجسد مختلف، يجري شحنه بما يصيّره مطلوب الآخر، وحيث إن تاريخ الاسم المرفَق به، ينحّي الذاكرة المحمولة للآخر هنا جانباً، وطيها إلى الأبد. ذلك بقرار من الزوج الجديد، الأميركي تحديداً، اسمها ماري. تقول كرو ماري باستغراب وحيرة وقلق( ماري؟ هل هذا هو الاسم الذي يزمع أن يناديني به؟ كان حدثاً مهيباً عندما أطلقت علينا أسماؤنا الكرو عندما ولدنا. ويمكن تغيير تلك الأسماء إذا كان الطفل مريضاً، أو إذا أقدم على عمل يشي بالشجاعة فلم أمانع في أن يُطلَق عليَّ اسم ماري هورس غارد في حفلة الزفاف، خصوصاً بعد أن أبدى أبي موافقته، لكن اسم ماري وحده جعلني أشعر بالغربة والوحدة..ص93) .
الشعور بوطأة المستجد هو الذي يدفع بالقارىء المعني، والمطلع على تاريخ انقسامي، تصارعي واحترابي، قائم على أحادية العنصر، اللون، الثقافة، والمعتقد، لأن يبصر الكارثي قادماً، ومن خلال الاسم الذي يستقطر حياة مغايرة، يستدعيها لتحل بكل مكوناتها محل السابقة ذات العلامة المخالفة كلياً، الاسم الهندي مقهوراً بالاسم الأميركي الغازي .
الكيان السياسي بحدوده، هو المظلة القارية لعالم يجري التأكيد عليه " أميركا " جغرافياً، لا مايا ولا أزتك، أو غيرهما في الحاضنة الجغرافية التليدة، ولا تنوع اللغات الأصلانية .
تودوروف فصَّل في نقطة انعطافية ، تخص " مسألة الآخر " أميركياً وبشفافية مرعبة " 9 ":
( أود الحديث عن اكتشاف الأنا للآخر، والموضوع واسع وكبير..ص9).
( وكان كولومبوس، قد ميَّز في نفسه سمتين جديرتين بأن تظهرا في اسمه: المبشر بالإنجيل والمستعمر، وهو لم يخطىء، على أية حال..ص32).
( وهكذا فإن كولومبوس يعرف حق المعرفة أن هذه الجزر لها أسماء بالفعل، أسماء طبيعية بمعنى ما...وعلاوة على ذلك، فإن أطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها..ص33) .
( وهكذا فإن كولومبوس لا يعترف بتنوع اللغات..فالهنود ينطقون كلمة" كاريبا" التي تشير إلى سكان جزر الكاريبي ( الآكلين للحوم البشر). أما كولومبوس فيسمع " كانيبا" أي شعب الخان، لكنه يفهم كذلك، أنه، وفقاً للهنود، فإن هؤلاء السكان لهم رؤوس كلاب( من كلمة Cane الإسبانية " كلب ") يأكلون بها الناس..ص37).
( فردّ الفعل الأول، العفوي، تجاه الغريب هو تصوره باعتباره أدنى، لأنه مختلف عنا: بل إنه ليس إنساناً، وإذا كان إنساناً، فإنه بربري أدنى، وإذا كان لا يتكلم بلغتنا، فذلك لأنه لا يتكلم بأي لغة على الإطلاق، أي لا يمكنه الكلام، كما كان كولومبوس ما يزال يعتقد..ص83)" 10 " .
الرواية في توجهها السردي ودراميتها طبيعة ومجتمعاً وثقافة، تظهر بعكس مسار التاريخ المعتّم على حقيقته، وبالتالي، فإن الاستمرارية تلك للرواية، ومن خلال كرو ماري، هي التشديد على أن التاريخ متجاهل لحقيقته، وأن معاناة ضحايا الاسم المصادر من صوته ولغته مستمرة .
في صفحات متفرقة، وتعزيزاً لتاريخ مضحَّى به، وجار ٍ التعتيم عليه، يُستعان بالذاكرة، ذاكرة " البطلة " لسان حال جماعة كاملة، لإضاءة الحاضر نفسه، وبناء على محفّزات تدفع بها إلى الإدلاء بشهادتها التي تستغرق في مشاهد تتقاسم الرواية، وهي زوجة الأميركي الغازي، ما يعني ذلك عدم تكيفها مع تاريخ متغطرس، تعسفي، وموت كان مخيماً بأهواله، ومقاومته بالمقابل، كما في هذا الجاري سرده( تذكَّرت جدتي وصديقتها سيس متش في معركة أروكريك، وشجاعة شعبي الذي قاتل هناك دفاعاً عن حياته على الرغم من كل الصعاب. ص220).
وما يضيء مساحة العنف الدموي عمقاً وشدة ورعباً( عرفت الرعب واليأس منذ أن بلغت سبع عشرة ثلجة من عمري لكنني لم أشعر بمثل هذا الغضب الذي تملكني الآن وسحبت مسدسي.
عندما وصلت إلى المرأة التي كان الرجل يعاملها بوحشية، حدَّقت بي غير مصدّقة عينيها، سحبتها بسرعة، وجعلتها تقف على قدميها، وسألتها بلغة الإشارة عن مكان النسوة الأخريات. عندما أشارت إلى حظيرتين مجاورتين، طلبت منها أن تذهب باتجاه ضفة النهر، ثم انسللتُ إلى الباحة ..ص221) .
أكثر من ذلك، عندما تحقق المحكمة في حقيقة مذبحة سايبرس هيلزضد الهنود، وبسماع شهادة فارولايل، ومحاولة تفنيدها " ص63 " وشهادتها هي، وفي مناخ الرعب المسيطر على المحكمة ودلالتها ( كانت القاعة مليئة بذوي العيون الصفراء، معظمهم يتهامسون ويحدّقون بي. أصبح فمي جافاً، وتساءلت إن كنت سأتمكن من أن أقول شيئاً. ص267).
كرو ماري، حريصة على ذاكرتها، على التذكير بالمكان، في نطاق " واجب الذاكرة " كما يقال، في حيثيات " ذاكرة المكان " بطقوسه التي تكوّنه، والذين ينتمون إليه في الأصل.
ويتجلى ذلك في هذا الحنين إلى المكان، في إبقاء المكان الجغرافي حيث عاش شعبها، حياً ينبض في الذاكرة، وفي مواجهة تاريخ متنكر لمشروعية القائم فيها، وفي تأكيدها على سموّ المكان لديها رغم مرور سنين طوال وهي باسم آخر، سوى أن اسمها ونسبها الأصلي " كرو " يمثّل عنصر تحد، ورفض اعتراف باعتباره واقعاً، إنما بتعرية من يمثّله في طغيان سلطته:
( على امتداد جبالنا الواطئة برزت حواف حادة، منحت الحياة إلى أشجار الصنوبر الخضراء القوية التي نمت هناك مقدامة وقوية. وكان من بين تلك التلال الجروف التي كانت الجواميس تقفز منها، وهي أماكن مقدسة كان شعبنا يصطاد فيها الحيوانات الضخمة. تساءلت هل ستعود تلك المخلوقات التي وهبت لنا حياتها لتزوّدنا بكل ما نحتاج إليه من جديد. في يوم الأمل هذه بدا لي الأمر ممكناً، عندما سمعت تغريد طيور المروج الصفراء عبر السهول العشبية المكشوفة، حيث تحمي الشعب والوديان الضيقة أجمات شجيرات التوت، والأنهار والجداول الزرقاء التي كانت تجري بين ضفاف تحفّها من جانبيها أشجار الصفصاف وأشجار الحور القطني، توفر الماء والمأوى والكلأ للحيوانات البرية .
ها هي أرض كرو، حيث كانت جبالنا وكلماتنا مقدسة، فهذا هو المكان الذي منحته لنا أمنا الأرض، وها أنا أعود إلى موطني أخيراً . ص376) .
أتذكر هنا، في ضوء هذه النهاية التي لا نهاية لها في مغزاها ومعناها، رواية النظير الانساني الذي اُستبِد به كثيراً استعمارياً، أي الإفريقي، الذي جرى استعبده بالملايين، تهريباً من القارة السوداء إلى القارة الصفراء أساساً، ومن قبل مملي القارة البيضاء، أي رواية أليكس هالي" الجذور" التي صدرت سنة " 1976 " وهي في طابعها الملحمي العائلي بالمقابل، ومن خلال نموذج اكتسب شهرة" كونتا كونتي " في مسار أحداث بدأت سنة 1776، واستمرت بعنفها ودمويتها، ولعلها لم تتوقف بالنار المشتعلة بعذاباتها إلى الآن، وهو يبحث عن أصله، ويصل إلى موطنه الأصلي " غامبيا "، وما لذلك من تشديد على أولوية المكان الأول للاسم الذي حمل مؤثراته، واصطبغ بها اسماً يتداخل كلّ من المكان والزمان في نشأته ونموه وحيويته كذلك.
وكرو ماري، ابنة المكان، وأسيرته مع المكان، والمحوَّر في اسمها وهويتها تصارع تاريخاً دموياً يظهر أنه يعيش سريان فعل كوابيسه، حيث الضحايا يصرخون، ويدفعون بالأحياء ممن يرون صعوبة في الاندماج في مجتمع سن قوانينه، ويرفض الاعتراف بجرائم مورست ضدهم.
ومن هنا تبرز أهمية الرواية وما جرى في كلمة المؤلفة في السطرين الأخيرين( وفي النهاية آمل أن يطّلع الآخرون على حياة ماري كرو، تلك المرأة الشجاعة، ومن خلال روايتي، وأن تلهمهم كما ألهمتني. ص 379 ) .
الأمل ربما بما يصعب الرهان عليه، إن لم يستحيل في ضوء المعيش اليومي، لكنها حجرة رُميت في محيط الماء الراكد قارياً وإنسانياً، ولتكون العبرة ذات الصنعة الفنية، في بدعة الرواية وقدرتها على المناورة، على الإعلاء من شأن سرد تخييلي، وفعل التحويل القيمي، وبروزه مقاوِماً في محتواه لما هو معمول به تاريخياً، وعلى أرض الواقع ..
هذه المعاناة لا تغفل في نوعيتها وعلى مستوى قاري، وأبعد كذلك، جهة الذين يصادَرون في ذاتهم، ومن خلال لغتهم، أي ما يكونون معذّبي الاسم المفروض عليهم، واللغة التي تذكّر على مدار الساعة بمن غزوهم وآذوهم وأبادوهم وجوداً مادياً ومعنوياً، كما لو أن فعل الإبادة مستمر، وليس هناك من اعتراف بذلك، وفي ظل مفارقة الحديث عن الديمقراطية والحرية ..إلخ .
في مظلة الاسم الأصلي
ثمة ما يجب التوقف عنده، جهة الاسم الأصلي، حيث إن الرواية لا تخفي حقيقة ما تكون عليه " غوز فيرست " بمجتمعها، بعالمها الذي كانت قبيلتها تعيشها، مكتفية بذاتها، تعبيراً يشهد على أن جملة الكتابات والشهادات التي سطّرت أو قيلت عن شعبها والشعوب الأخرى التي ينتسب إليها المكان أصلاً، محض أضاليل وتبرير للعنف ضدها. هذا الإجراء مهم لجعل المعنى أوضح وأفصح في جملة الإشارات المنبثقة مما يمكن قوله في هذه السردية المأخوذ بها قارياً .
من ذلك، حين تأتي على ذكر حقيقة موجزة ومكثفة بهذا الصدد( نحن شعب نستخدم كل عضو من أعضاء الجاموس اللسان الذي نسلقه، ونأكله كوجبة شهية، والذيل الذي نستخدمه منشَّة للذباب أو سوطاً، والحوافر التي نغليها من أجل الغراء ، والأوتار لخياطة ملابسنا، ونصنع من القرون الأكواب التي نشرب بها، ونستخدم ألواح الكتف كأدوات كشط- كل شيء-كل ما نحتاج إليه يأتي من الجاموس.ص143).
الجاموس، كما مر معنا سالفاً، كان يمثل مصدر الغذاء وتلبية حاجات محلية مختلفة، وفي البيئة نفسها، أي ما يبقي التناغم والانسجام فاعلين في بنية العلاقات بين السكان والطبيعة .
لا يعني ذلك استغراقاً في المحلية، إنما هو الدفاع عن الهوية التي تكسب حاملها شعوراً بالتمايز، وفي هذا الشعور ما يجعل الرؤية إلى العالم أكثر أهليه لأن يعاش ويرحَّب بكل ما فيه كذلك.
هذه الهوية، كمفهوم قيمي، تمايزي، تطرح نفسها، خارج خاصيتها الورقية، واستطاق محتواها، حيث لا يكفي أن يحمل أحدهم هوية معينة، تجنيساً، ويقال أن كل شيء " تمام " إنما ما يجعل من الهوية هذه حقيقة لها شفافيتها وصفاء عالمها، جهة الامتلاء بالذات المختلفة وسويتها واقعاً.
وفي ظل الاسم الأصلي يقال ما لا يقال، وهو محظور، أو مراقَب ومعاقَب في ظل الاسم الآخر الذي جرى إنشاؤه بالقوة، والقوة استولدت قانونها بلحم ودم ولسان من " جينة " سياسية أخرى.
كل اسم يجري طرحه بالإكراه خارجاً، يعني تعميق التوتر، وإبقاء سفك الدم والقتل والنفي الاعتباري للشخص المعنّى وارداً. والرواية تصل بسرديتها بسرود موازية ومكملة، وهي تستدعي كل ما كتِب في سياق التعامل مع الآخر غريباً، مريباً شيئاً فاقد الوزن والاعتبار.
ذلك يتوقف على الجاري اعتماد من منظور لاتكافؤي في القيمة أو المكانة، ليكون للاسم مثل هذا الاِشهار والتشهير معاً: إشهار الاسم المزكّى والمعطى حماية قانونية رسمية ومحروسة، أما التشهير فينصب على الاسم المرفوض، أو المطارَد، أو المنظور إليه مهدداً للأول بوجوده.
لهذا، فإن العلاقة البينية لا تقوم على ما إذا كان لكل اسم ذلك الأداء المعبَّر به عما يحتاجه في تسيير أموره اليومية، أو الكفاية اللغوية في التعبير عما يشعر به ويريد تمثيله بالقول، إنما في الرفض على أساس اثني، ديني مذهبي وقومي أو عرقي .
في رواية لحفيد من حفدة الهنود الحمر، هو إيف تيريو" أشيني " وهو الكندي الجنسية، مسقط رأس غريسوم روائيتنا، ثمة علاقة شائكة وصدامية من هذا النوع، ونرى في سردية التعبير عن وضع كهذا بصوت متوجع وصارخ، وبملء الثقة بالمقابل، من قبل هندي مقابل الأبيض:
( أنا أشيني، القاسي كالحجر، ابن أوابيكو، البوم الأبيض، الذي يجيد التحليق فوق الغابات سحابة ربيعية . ص35.
ومقابل لغة البيض الفقيرة سأقدّم جزالة لغتي الجبلية. لغة موزونة، متوهجة هامسة كحفيف أوراق الشجر.. أتريد أن أقوال لك كيف هي هذه اللغة؟ انظر إلى الجبل، إنه يسمى " أوتسو " ولكن يلفظ ذلك بطريقة شينية، الأصوات لا تكاد تُسمَع، والشفتان نصف مفتوحتين. وإذا كان جبل " أوتسو " متصلاً بجبال أخرى مشكلاً بذلك سلسلة جبال فهذا يسمى " ناتيكام ".. الرمل، " ليكسو "، والصخرة البارزة في الماء" تشيسيكو "، ولكن الصخرة العادية كالصخرة المنتصبة في الغابة فهي " أشيني " الصخرة. اسمي أنا ".. ماء الجدول " شيبيس " الماء الأبيض للسيل المتغطرس " باوشوك "، أمواج البحيرة" والماء الأزرق والقراح " ي ميكيتس "، أيام الضباب " كيشكوم "، وعندما تهدأ العاصفة، ويظهر قوس قزح " أويكوليبيشلكو "، وإذا امتد قوس قزح من أفق لآخر " ليبيشاكن شينيتو "، بوسعي على هذا النحو أن أعلمك مطولاً العديد من الكلمات . صص 48-50 ) " 11 ".
إنها عملية نزع الاعتراف من الآخر الذي يمركز ما هو كونه على نفسه، ولا يراه سواه هنا.
بالطريقة هذه، لا يعود هناك من تقابل تفاعلي ودّي، بين كل من العدالة كسلوك ملموس اجتماعياً وسياسياً، ومن زاوية المواطنة المستحقة، والقانون، الذي يتموقع عالياً، بمفهومه السلطوي والذي يحيل كل شيء إليه، وبلغة محددة، ممثّلة في جماعة يعرَّف بها هنا الأكثر هيمنة، ويكون الاسم خاضعاً لمنطق العلاقة التي يزينها القانون كما هو مشروح رسمياً. لهذ( يبدو أن العدالة لا تتحقق، ولا تكون ممكنة. إذا إذا خاطبنا الآخر بلغته. غير أن هذه تبدو لي عملية مستحيلة ( لأني لا أستطيع الكلام بلغة الآخر ما لم أتمثلها وأتملكها. لتصير لغتي. تبعاً لقانون يفرضه طرف ثالث خفي ( تمنعها العدالة ذاتها بما هي قانون. إذ تقضي بالكونية، فتعلّق خصوصية الاصطلاحات وتفرد اللغات .)" 12 ".
أليس الجاري في بنية السرد الروائية، هو هذا التفعيل لقانون يلحِق به العدالة وليس العكس؟
أوليس الذي تتقدم به الروائية نفسها في السطرين الأخرين، من نوع الرجاء، الأمل، في أن يكون هناك من هو مقتدر، من يقدّر العدالة كما يجب، ومن الزاوية القانونية المنفتحة، ليكون هذا الذي جرى سرد بلسان ضحية تاريخ استئصالي لشعب بكامله وأكثر، على أكثر من صعيد، وامتداداته بالمقابل، على صعيد الاسم ومفهومه الجمعي، محط اهتمام ونظر ومراجعة ذاتية، لأن الذي مضى لا ينسَّب إلى ما كان، إنما يمارس حضوره، بمعان شتى ويستمر، وفي ضوء ذلك لا تعود الحظيرة، كما أشير إليها، مجرد مكان " يمكن النظر في معالمها، إنما ما يجعلها أوسع وأفظع وأكثر إنباء بالخطورة المضطردة والباعثة على التوتير للقيمين على الاسم نفسه؟!
ما يشهد بمثل هذا الوضع الانفجاري للذاكرة الجماعية، وفي مواجهة تاريخ أحادي الاتجاه بصدد ما جرى في سياق التاريخ المذكور والمعالَج روائياً، يكفي، كما أرى، أن أذكر بالتالي ( في الأمريكتين كما في أوربا كذلك، كان عام 1992 عام إحياء ذكرى كريستوف كولومبوس في العالم الجديد، وقد رفض السكان الأصليون الانضمام إلى الاحتفالات، واختاروا أن يتذكروا ألم الحزن المستحيل، إلا وهو استقلالهم المفقود والإبادة الجماعية التي لم يعترف بها أو يعاقب عليها. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، وريث المسلسل والمحاكم المتسلسلة لمحاكمتهم، فإن نسخة version ، من ضحايا الأمريكيين الهنود ( إبادة جماعية ) تعارض ذلك من الغزاة( المتقدمين )..) " 13 "
يعني أن الجريمة التاريخية " الموسوعية " لازالت تعيد إنتاج قانونها الرمزي وألم ضحايا، والذين يمثلونهم، أو يتحدثون باسمهم، أو يتحدون وجدانياً تاريخاً وذاكرة جماعية معهم.
هامش المقال ومتنه المرفق
أورد أمثلة إضافية مما أضيئت به الرواية، وما يخص الهنود الحمر بالمقابل، لتقريب الصورة المأساوية للهنود الحمر، والتاريخ المرعب الذي عاشوه وكانوا ضحاياه وتردد صداه محيطياً، ومن نصوص فرنسية طبعاً، وبدءاً بالوارد تقديماً للرواية:
هذه كانت أرضنا: كاثلين غريسوم
في عام 1863، كانت فالا بريميير، وهي فتاة صغيرة من قبيلة الغراب، تبلغ من العمر 16 عامًا وتحلم بالزواج من بيغ كلاود. لسوء الحظ، ماتت الأخيرة أثناء صيد البيسون قبل وقت قصير من زفافهما، مما تركها حزينة للغاية.
ولتوفير سبل الراحة لعائلتها، تزوجت في نهاية المطاف من آبي فارويل، تاجر الفراء الأبيض الذي أطلق عليها اسم ماري. ثم ترافق ماري زوجها في رحلة طويلة إلى كندا.
ليس من السهل دائمًا التفاهم بين القبائل الأمريكية الأصلية والصيادين الكنديين، ومع ذلك عندما يبحث أربعون مسافرًا من ناكودا عن مأوى للبقاء على قيد الحياة في فصل الشتاء، يتم الترحيب بهم رغم ذلك بلطف.
ولكن في إحدى الليالي، قامت مجموعة من تجار الويسكي السكارى بمذبحة لجميع رجال ناكودا وتركوا نساء القبيلة ليغتصبوهن.
وأمام هذه المأساة وتقاعس زوجها، قررت ماري أن تحمل السلاح لإنقاذهم.
شديد الأهمية :
مع هذا العنوان (كانت أرضنا)، كنت أتوقع قصة عن استيلاء المستوطنين البيض على أراضي الهنود الأميركيين.
في النسخة الأصلية، كان العنوان "كرو ماري" وكان أكثر دقة بكثير من العنوان الموجود في النسخة الفرنسية، حيث ستكون القصة هي حياة فال-لا-بريمير، التي سميت فيما بعد كرو ماري، وهي فتاة صغيرة من شعب الغراب.
إنها قصة جذبت انتباهي على الفور. خلال الربع الأول من القصة، سنلتقي بـ Va-La-Première الصغيرة جدًا، التي تعيش مع عائلتها. إنهم الغراب، وسيظهر لنا المؤلف جزءًا كاملاً من ثقافتهم وحضارتهم وعاداتهم وأخلاقهم. لقد كان الأمر مثيرا للاهتمام للغاية، لقد تم إقناعي بالفعل.
كل شيء سوف يتغير بالنسبة لشابتنا "فال-لا-بريمير"، التي ستتزوج في السادسة عشرة من عمرها من رجل أبيض، آبي فارويل، تاجر الفراء الذي يبلغ من العمر أكثر من 30 عامًا، وتتبعه إلى المنضدة التي سينشئها. بالنسبة للناس البيض، سوف يطلق عليها اسم ماري ثم ستضيف اسم شعبها، لتصبح ماري الغراب.
ملاحظة جانبية صغيرة: يبدو أن البيض (أو المستعمرين) يحبون أن يكون لدى الجميع أسماء فريدة خاصة بهم. أسماء من التقويم، بلا شك... لغة الغراب ليست لغة سهلة، ولكن لا أحد يريد أن يبذل الجهد في نطق أسمائهم، كما هي العادة، واضطرت فالا بريميير إلى اختيار اسم مسيحي لزواجها من آبي.
"كرو ماري" هي قصة أمريكا التي تتغير، في غضون سنوات قليلة، والتي سوف تسحق الشعوب الأصلية أكثر فأكثر، مما يجبرهم على الخضوع لإملاءات المستعمرين أو الموت، مما يجبرهم على الانتقال من نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط حياة المزارعين (على الأراضي غير المزروعة!).
على غلاف النسخة الانكليزية
كرو ماري
في صيف عام 1872 في مونتانا، تزوجت كرو ماري من آبي فارويل، تاجر الفراء الأبيض، ورافقته إلى مركزه التجاري في سيبرس هيلز في ساسكاتشوان، كندا. في ربيع عام 1873، كانوا يستعدون للعودة إلى مونتانا عندما شهدوا مذبحة سيبرس هيلز، التي قُتل فيها أربعون شخصًا بريئًا من ناكودا على يد عصابة مخمورة. بعد المذبحة، تنجح كرو ماري بمفردها في إنقاذ خمس نساء من قبيلة ناكودا تم احتجازهن وإساءت معاملتهن من قبل العصابة. وهكذا، فإنها تؤدي إلى إعصار من الثقافات المتصادمة التي تبرز أسوأ وأفضل ما في مجموعة الشخصيات التي لا تنسى وتدفع الحب بين فارويل وكرو ماري إلى نقطة الانهيار. مستوحاة من حياة كرو ماري الحقيقية، وأيدتها حفيدتها الكبرى، وشيوخ كرو، وعلماء كرو، هذه قصة حب ملحمية تمتد عبر عقود من الزمن، وتعرض جمال العالم الطبيعي، وتستكشف حميمية الزواج وقلب امرأة واحدة.
كرو ماري
حول الكتاب
تعود مؤلفة كتابي "بيت المطبخ" و"المجد فوق كل شيء"، وهما من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز، بقصة شاملة وغنية بالتفاصيل عن امرأة عالقة بين ثقافتين (ساندرا دالاس، مؤلفة من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز)، مستوحاة من حياة كرو ماري الحقيقية، وهي امرأة من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر.
في عام ١٨٧٢، تزوجت غوز فيرست، البالغة من العمر ستة عشر عامًا، وهي من سكان كرو الأصليين، من آبي فارويل، تاجر فراء أبيض. أطلق عليها اسم ماري، وانطلقا في رحلة طويلة إلى مركزه التجاري في ساسكاتشوان، كندا. وفي الطريق، التقت بصديقة مقربة تُدعى جيني، وهي من سكان الميتي، وصنعت عدوًا لها طوال حياتها، وهو صائد ذئاب يُدعى ستيلر، ورغم معرفتها بسرٍّ غامض من ماضي فارويل، وقعت في حب زوجها.
مر موسم التجارة الشتوي بسلام. ثم، عشية عودتهم إلى مونتانا، ذبحت مجموعة من تجار الويسكي السكارى أربعين من قبيلة ناكوتا، رغم محاولات فارويل إيقافهم. اختبأت ماري من وابل الرصاص، فشاهدت القتلة، ومن بينهم ستيلر، يأخذون خمس نساء من قبيلة ناكوتا إلى حصنهم. توسلت إلى فارويل لإنقاذهن، وعندما رفض، أخذت بندقيتين وتسللت إلى الحصن، وأنقذت النساء من موت محقق. وهكذا، أشعلت عاصفة من الثقافات المتصادمة، أظهرت أسوأ وأفضل ما في شخصيات لا تُنسى، ودفعت حب فارويل وكرو ماري إلى حافة الانهيار. من "راوي موهوب للغاية" (جيم فيرجوس، مؤلف كتاب "انتقام الأمهات")، فإن رواية "كرو ماري" هي "قراءة رقيقة ومقنعة وتعليمية ومرضية للغاية" (صادقة جونسون، مؤلفة كتاب "الزوجة الصفراء") والتي تمتد عبر عقود من الزمن، وتعرض جمال العالم الطبيعي، بينما تستكشف في الوقت نفسه حميمية الزواج وقلب امرأة واحدة.
هذه كانت أرضنا – كاثلين غريسوم
مونتانا، 1871. كانت فالا بريميير، ابنة الزعيم.
في هذه القصة، يتتبع المؤلف مصير امرأة أمريكية أصلية شابة، فال-لا-بريمير، التي كانت موجودة بالفعل، والتي ستنتفض ضد أهوال الاستعمار.
لمدة عشرين عامًا، نتبع خطى بطلتنا التي ستترك شعبها لتتزوج من رجل أبيض العينين، وستواجه صعوبة كبيرة في التوفيق بين تقاليد الغراب وحياتها الجديدة بين اليانكيين والناس من أعراق مختلطة.
هذه القصة، المستندة إلى أحداث حقيقية، تخبرنا من خلال ماري، عن المواجهة بين الثقافتين، وتعلمها للغة الإنجليزية، وعادات وتقاليد الغراب، وبداية الحياة في المحمية والتخلي عن نمط حياة هذا الشعب البدوي الذي فرضته السلطات الأمريكية، والغارات المعادية للهنود مع المجازر التي تثير ثورتنا، وبيع الكحول المليء بالإستركنين للسكان الأصليين الذين يسكرون بسبب البيض، والتنافسات والحروب بين القبائل... وهو أمر مثير للاهتمام حقًا.
تندد المؤلفة باستيلاء المستعمرين على السلطة، وقمع الثقافة الأمريكية الأصلية وحريتهم، والالتزام بتعليم أطفالهم لمحو الهوية الهندية فيهم، والاغتصاب والعنف ضد النساء الأصليات...
كانت روايتي الأولى التي يكون أبطالها من السكان الأصليين وقد استمتعت حقًا باكتشاف الحياة اليومية لهؤلاء الناس وعاداتهم وتقاليدهم وخاصة فال-لا-بريمير الرائعة التي وجدتها مذهلة، كانت شجاعة ومحبوبة للغاية ونالت إعجابي في عدة مناسبات.
وثمة تعليقات ومنها:
رواية رائعة، امرأة قوية، ستقاتل حتى النهاية من أجل حريتها، وحريتها، وحريات شعبها، وهويتهم التي تم قضمها للأسف من قبل البيض الذين يريدون أن يزيلوا وحشيتهم، ويعلموهم في مدرستهم، فقد تقرر لهم أن يعيشوا حياة طبيعية...
قصة رائعة ومديح تستحقه كرو ماري، هذه المرأة الشجاعة، التي ستحتفظ إلى الأبد بحكمة شعبها.
في القرن التاسع عشر في مونتانا، تعيش قبيلة الغراب، وهي قبيلة أمريكية أصلية يجب عليها مراقبة شعبها بلا كلل والذهاب بحثًا عن الطعام. يقوم الرجال بصيد الغزلان والأغنام والأيائل، بينما تقوم النساء بجمع التوت واللفت والنباتات الطبية.
في هذه الأراضي البرية، يمكن أن تحدث هجمات العدو في أي وقت. اجتمعت قبائل السيوكس والشايان والأراباهو للقضاء على شعب الغراب.
فالا بريميير، فتاة صغيرة من قبيلة الغراب، تحلم بالزواج من بيج كلاود، لكنه يموت فجأة أثناء صيد البيسون.
بعد أن حطم قلبها، وافقت على الزواج من آبي فارويل، تاجر الفراء ذو العيون الصفراء.
وبموافقة والدها، وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية الصارخة، تم الإعلان عن الزواج. تصبح مريم هي الأولى، وبالتالي تفقد هويتها.
ترسم المؤلفة صورة لامرأة ذات شخصية قوية تتعامل مع الأسلحة مثل الرجال، إن لم يكن أفضل منهم. إن شجاعتها والمصائب العديدة التي عانت منها تجذب التعاطف بشكل لا يقاوم، وحتى الإعجاب المعين بهذه البطلة التي كانت موجودة بالفعل بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
لكن قصة فالي لا بريمير، التي أصبحت كرو ماري من خلال زواجها، تتزامن أيضًا مع نهاية غزو الغرب من قبل المستوطنين البيض. ويحدث هذا بوحشية كبيرة، بل وقسوة، ضد الهنود، ولكن أيضًا بين الغزاة.
إن غياب الدولة والعدالة الحقيقية على "الحدود" يشجع هذا العنف، الذي لا يزال يفتقر إلى أي ثقل موازن لمحاولة توجيهه. وفي هذا الصدد، تبدو كندا، التابعة للتاج البريطاني، متقدمة على الولايات المتحدة.
يساهم تدفق الكحول بحرية في هذا المناخ من القتال والاغتيالات والمذابح ضد الهنود المكروهين والذين يساء فهمهم.
من الواضح أن كاثلين غريسوم أجرت الكثير من الأبحاث قبل كتابة كتابها، حيث عملت مع حفيدة البطلة ومؤرخين أمريكيين أصليين. إنها تجمع بشكل رائع بين السرد التاريخي والبعد الرومانسي في هذا الكتاب الجميل للغاية، مع غلافه الرائع، والذي لا يسعني إلا أن أوصي بقراءته، كما يفعل مؤلف كتاب ألف امرأة بيضاء، جيم فيرجس.
لقد أسعدتني كتابات كاثلين غريسوم الغامرة. إن أوصاف السهول اللامتناهية في مونتانا وتلال سيبرس المهيبة ليست مجرد خلفيات: بل أصبحت شخصيات في حد ذاتها، نابضة بالحياة وحيوية. بمهارة ملحوظة، يتجنب المؤلف أي تبسيط للديانة المانوية ليقدم رؤية دقيقة للعلاقات بين الهنود والمستوطنين. مستوحاة من أحداث حقيقية، تسلط رحلة كرو ماري الضوء بشكل مكثف على الثراء الثقافي للقبائل الأمريكية الأصلية في نهاية القرن التاسع عشر.
مع بطلة قوية، ممزقة بين التقليد والتكيف، وترفض إنكار هويتها، تجعلنا المؤلفة نعيش هذه الحقبة من خلال عيون ماري. نجحت كاثلين غريسوم في إضفاء الطابع الإنساني على فترة زمنية غالباً ما يتم اختصارها إلى حقائق تاريخية. ويذكرنا أن وراء الأحداث العظيمة تكمن قصص فردية من الشجاعة والتكيف والمثابرة. استمتع بالقراءة.
لقد قرأتها. Je l'ai lu.
لا يزال الموضوع يستحق الاستكشاف بقدر الإمكان، وكلما زاد عدد الكتب والأفلام والمسلسلات التي تدين العنف غير المسموع به الذي مارسه الأوروبيون على الأرض والبشر من السكان الأصليين لما نسميه الآن أمريكا، كان ذلك أفضل، فقد حان الوقت للابتعاد عن الصورة التي تبثها أفلام الغرب...
الإبادة الجماعية، والأطفال الذين يتم انتزاعهم من عائلاتهم لإساءة معاملتهم في ما يسمى بالمدارس/المدارس الداخلية، والمحميات التي لم يتم احترامها أبدًا، ومذبحة البيسون، وما إلى ذلك، والمعاهدات التي تم دوسها تحت الأقدام، كل هذا مثير للاشمئزاز، وكل هذا في النهاية يؤدي إلى تدمير المزيد والمزيد من الكائنات الحية على هذا الكوكب الرائع؟
استثنائية حقاً.
قصة جيدة جدًا لفهم المعاملة السيئة المذهلة التي مارستها الدول (الولايات المتحدة وكندا) تجاه الشعوب الأولى في هذه الأراضي الذين تجاهلوا جميع أشكال التلوث والصناعة، والذين دمرتهم أوربا بكل الطرق.
"هذه كانت أرضنا" بقلم كاثلين غريسوم: رواية تاريخية آسرة
10 نيسان 2024 | سجلات أدبية ملهمة، قراءات وثقافات
تخفي المساحات الشاسعة من مونتانا، المغمورة بالضوء الذهبي، قصص النضال والمقاومة والبقاء على قيد الحياة. تأخذنا رواية هذه أرضنا، للكاتبة كاثلين غريسوم، إلى هذه المناظر الطبيعية البرية في القرن التاسع عشر، حيث كان السكان الأصليون يكافحون من أجل الحفاظ على أراضيهم وثقافاتهم في مواجهة تقدم المستوطنين الأوربيين.
في كتاب "هذه كانت أرضنا"، تقدم كاثلين غريسوم مجموعة من الشخصيات البارزة التي تجسد التوترات والمعضلات التي رافقت هذه الفترة الانتقالية. تتمحور هذه القصة حول فال-لا-بريمير، ولكن يرافقها شخصيات بالقدر نفسه من الأهمية والتي تشكل رحلتها وتطورها.
لمساعدتك في متابعة العلاقات بين الشخصيات وفهم ديناميكياتها بشكل أفضل، قمت بإنشاء شجرة عائلة مرئية. على الرغم من أن الصور المستخدمة لتمثيل الشخصيات هي تفسيرات خيالية، إلا أنها تعمل كعلامات لتوضيح الروابط العائلية والعلاقات الرئيسة في القصة. غالبًا ما يساعدني التمثيل المرئي في التنقل عبر القصة وفهم التفاعلات المعقدة، وآمل أن تكون هذه المعلومات الرسومية مفيدة لك كما كانت بالنسبة لي، مما يسمح لك بالغوص بشكل أعمق في عالم الكتاب.
شجرة عائلة الشخصيات الرئيسة في رواية "هذه كانت أرضنا" بقلم كاثلين غريسوم
المواضيع التي تمت تغطيتها: الهوية، والمقاومة، والاتصال المقدس بالأرض
الهوية والانتماء: تستكشف الرواية الصراع الداخلي الذي تعيشه فال-لا-بريمير عندما يتم تغيير اسمها إلى ماري، وهو الاسم الذي فرضه المستعمرون عليها دون موافقتها. إن هذا التحول، بعيداً عن كونه تافهاً، يرمز إلى محاولة تحييد الهوية الأصلية من خلال فرض معايير أجنبية عليها. وللحصول على شهادة الزواج، ستحتاج إلى اسم أبيض. لقد كتبتُ "ماري" بالفعل. إنه الاسم الذي نُطلقه على جميع النساء الهنديات. بهذه الطريقة، يكون الأمر أسهل. يوضح هذا الاقتباس عملية الاستيعاب القسري. يتعين على فالا بريمير أن تتصالح مع هذه الهوية الجديدة مع محاولة الحفاظ على ثقافتها وجذورها، وهو صراع داخلي مستمر.
المقاومة والشجاعة: في مواجهة ضغوط المجتمع الاستعماري، تكافح ماري للحفاظ على تقاليد قبيلتها، حتى عندما تكون بعيدة عن وطنها. إن عملها الشجاع في إنقاذ النساء الأسيرات بعد مذبحة ناكودا يُظهر قوة الشخصية التي تتجاوز الحدود الثقافية. مستوحاة من تعاليم جدها الروحي، ريد فوكس، تُجسّد شجاعة الشعوب الأصلية وصمودها: "لا أحد يخلو من الخوف. ستمرّ أوقاتٌ في حياتك تشعر فيها بالرعب... لكن الشجاعة تُقاوم هذا الخوف". يسلط هذا الاقتباس الضوء على قوة مريم في مواجهة التحديات التي تميز رحلتها.
فقدان الثقافة والتقاليد: تكشف الرواية بمهارة كيف يسعى المستوطنون إلى "تحضير" الشعوب الأصلية من خلال إجبارهم على التخلي عن عاداتهم. يتم إرسال الأطفال إلى مدارس بعيدة عن عائلاتهم، ويحرمون من ثقافتهم الأصلية ويجبرون على الالتزام بالمعايير الغربية. يشهد ابن ماري على هذا التحول القسري: "كانوا يلتقطون صورًا للأطفال الجدد بملابسهم الهندية. وبعد أن تقص المدرسة شعرهم وتجبرهم على ارتداء الزي الرسمي، كانوا يلتقطون صورًا... قبل وبعد". تهدف هذه العملية إلى محو الهويات الأصلية وتحويلها إلى أفراد يتوافقون مع توقعات المستوطنين.
أهمية الأرض والطبيعة والحيوانات: إن العلاقة العميقة بين الغراب وأرضهم هي جوهر القصة. تتذكر مريم تعاليم شعبها: الاحترام والتبجيل للحيوانات التي تشاركهم أراضيهم. إن البيسون والغزلان والكائنات الحية الأخرى هي أكثر من مجرد موارد غذائية: فهي تمثل أرواحًا حامية واتصالًا مقدسًا بالأرض. لقد أصبح تراجع قطعان البيسون، بسبب الصيد المفرط من قبل المستوطنين، رمزًا لتدمير هذا الانسجام. تعتبر الأرض والحيوانات عناصر أساسية في ثقافة الغراب، ورموز البقاء والروحانية. ابتعدتُ بأقصى سرعة، وطعم المرارة في فمي. من ذا الذي يزدري هذه الحيوانات التي سمحت لنا بالعيش؟ يسلط هذا التأمل الضوء على الانفصال بين ممارسات المستوطنين والعلاقة المقدسة بين الغراب والطبيعة.
من خلال استكشاف هذه المواضيع، يقدم لنا فيلم "هذه كانت أرضنا" نظرة مؤثرة على تاريخ الشعوب الأصلية، ويوضح الصراعات، ولكن أيضًا المرونة والثراء الثقافي للمجتمعات التي تكافح من أجل الحفاظ على هويتها وتراثها.
الأماكن: رحلة عبر الأراضي المقدسة، من مونتانا إلى يلوستون
تنقلنا أوصاف كاثلين غريسوم عبر المناظر الطبيعية الفخمة الغنية بتاريخ الشعوب الأصلية، من سهول مونتانا إلى جبال كندا. هذه الأماكن، التي تم استحضارها بشكل رائع في الرواية، أصبحت شخصيات حقيقية في حد ذاتها، تجسد جمال وتوترات هذا العصر.
بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في استكشاف هذه المناظر الطبيعية والتعمق في تاريخ هذه الأراضي، يقدم دليل المتنزهات الوطنية للرحالة في الغرب الأمريكي Routard Parcs nationalaux de l’Ouest américain مسارات مفصلة ونصائح لاكتشاف يلوستون وغيرها من عجائب الطبيعة في المنطقة، مما يسمح لك بالسير على خطى فال-لا-بريمير والشعور بروح هذه الأراضي التي لديها الكثير لتخبرنا به.
السياق التاريخي: مذبحة سيبرس هيلز وواقع المحميات
وتستند الرواية إلى أحداث حقيقية لترسيخ قصة ماري في إطار تاريخي أصيل:
مذبحة سايبرس هيلز
تشكل مذبحة سيبرس هيلز، التي وقعت في الأول من حزيران عام 1873، حلقة مظلمة في تاريخ العلاقات بين الشعوب الأصلية والمستوطنين الأوربيين في أمريكا الشمالية.
في رواية "كانت أرضنا"، تتناول كاثلين غريسوم هذا الحدث المأساوي بحساسية، وتوضح التوترات المتزايدة بين تجار الفراء، وصيادي الذئاب من فورت بينتون، وقبائل أسينيبوين. تروي الرواية كيف تطورت مشادة حول حصان مسروق إلى مواجهة عنيفة، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20 رجلاً وامرأة وطفلاً من أسينيبوين.
يستخدم غريسوم هذه الحادثة لتسليط الضوء على هشاشة السلام في الأراضي الغربية قبل إنشاء شرطة الخيالة في الشمال الغربي، ولإظهار كيف شكل العنف والظلم العلاقة بين الشعوب الأصلية والمستوطنين.
يشكل هذا الفصل المظلم في التاريخ خلفية لقصة كرو ماري، حيث يوفر نظرة مؤثرة إلى تعقيدات وتحديات هذه الفترة الانتقالية.
الأحداث التاريخية في سايبرس هيلز
إنشاء المحميات الأصلية
تم إنشاء المحميات من قبل السلطات الاستعمارية لتجميع الشعوب الأصلية والحد من حركتها. رسميا، كان الهدف من هذه المحميات حماية أراضي السكان الأصليين، ولكن في الواقع، كان الهدف منها السيطرة على تحركاتهم وتسهيل توطين المستوطنين الأوربيين. وأُجبر السكان المحرومون من مواردهم الطبيعية على الاعتماد على الحصص الغذائية التي توزعها الحكومة.
وفي الرواية، يترجم هذا إلى فقدان مصادر الغذاء التقليدية مثل صيد البيسون، والاعتماد القسري على منتجات أقل تغذية ولكنها أكثر سعرات حرارية. وتساهم هذه القيود في تعزيز الاغتراب الثقافي للقبائل الأصلية، التي ترى أن تقاليدها وأسلوب حياتها أصبحت موضع تساؤل.
الانغماس الأدبي في الثقافة الأمريكية الأصلية من خلال الروايات التاريخية
24 تشرين الأول 2024 | قراءات وثقافات، قوائم كتب للسفر بطريقة مختلفة
لقد كان الأدب دائمًا وسيلة قوية لإعادة النظر في التاريخ، وإحياء أصوات الماضي، ونقل القصص التي تأسر وتثقف. ولا تشكل الروايات التاريخية التي تستكشف الثقافة الأمريكية الأصلية استثناءً. إنها تأخذ القراء إلى عصور غابرة، عندما كانت القبائل الأصلية تقاتل من أجل بقائها، وأرضها، وهويتها في مواجهة التوسع الاستعماري.
من خلال السرديات الملحمية، تقدم هذه الأعمال لمحة حميمة عن مرونة وروحانية وتعقيد المجتمعات الأمريكية الأصلية.
تدعوك هذه المقالة إلى اكتشاف مجموعة مختارة من الروايات التاريخية الأساسية التي تسلط الضوء على ثراء وتنوع تاريخ الأمريكيين الأصليين.
ملخص
1- آخر الموهيكان، جيمس فينيمور كوبر
2- ملحمة ألف امرأة بيضاء، جيم فيرجوس
3- الرقص مع الذئاب والطريق المقدس، مايكل بليك
4- دالفا والطريق للعودة، جيم هاريسون
5- أساطير الخريف، جيم هاريسون
6. كانت أرضنا (كرو ماري)، كاثلين غريسوم
7- الرجل الكبير الصغير، توماس بيرغر
8- كريزي هورس - الرجل الغريب من أوغلاس، ماري ساندوز
9- دفن قلبي في الركبة الجريحة، دي براون
10- تسع سنوات بين الهنود، هيرمان ليمان
11- ملحمة شايان: السكين الباهت والذئب الصغير، جيوفاني ميشيل ديل فرانكو
12- العميل الهندي، دان أوبراين
13- المذكرة الأمريكية، ديفيد جران
روكسان دنبار-أورتيز: التاريخ المضاد للولايات المتحدة
نُشر في 17 تشرين الأول 2022
"يُجيب هذا الكتاب على سؤال بسيط: لماذا أُبيد الهنود الأمريكيون؟" هذه هي الجملة الأولى من مقدمة الكتاب التي كتبها المترجم باسكال مينوريه. كنتُ أفضل أن أقول: "كيف أُبيد الهنود الأمريكيون؟". وحتى لو كانت هذه المقدمة ممتازة من جوانب أخرى، فإنني أُعارض اختيار فعل "إبادة": فوفقًا للقاموس التاريخي للغة الفرنسية (روبير)، فهو "مُستعار من الكلمة اللاتينية decimare، وتعني "معاقبة شخص واحد من كل عشرة يُختار بالقرعة بالموت"، وهي عقوبة تُفرض تحديدًا على جنود فرقة عسكرية يُقصّرون في أداء واجبهم". لكنهم لم يفشلوا أبدًا في أداء "واجبهم"، القوات المتنوعة والمتنوعة التي قتلت بلا هوادة سكان الأراضي التي طمعت المستعمرين فيها.
إن أحد الموضوعات الشائعة في الخطاب الاستعماري هو موضوع الأرض الخالية: الأرض التي لا تنتمي إلى أحد، و"لا أحد" هنا يشير إلى "الطبيعيين"، المتوحشين الذين يعيشون بالتأكيد على الأرض المرغوبة ولكنهم لا يمتلكونها، ولا يطورونها. وبالتالي، كان من الممكن الاستيلاء على هذه الأراضي دون أي تحفظات، بمباركة الكنيسة الرومانية أو الإصلاحية، وبطبيعة الحال، بمباركة الملوك الراغبين في إنشاء إمبراطوريات في الخارج.
وهكذا، فإن "أنصار النظرية البكتيرية، [الذين] يهملون أسباباً أخرى قاتلة بالقدر نفسه، إن لم تكن أكثر [...] يرفضون الاعتراف بأن استعمار أميركا كان إبادة جماعية عن عمد، وأن الوفيات الجماعية لم تكن ببساطة المصير المأساوي للسكان ذوي المناعة المكتسبة الضعيفة". ثم يتذكر دنبار أورتيز، دعماً لهذه الأطروحة: "لا أحد ينكر أن الجوع والتعب والمرض في معسكرات الاعتقال النازية قتلت من اليهود أكثر مما قتلتهم غرف الغاز؛ ولا أحد ينكر أن خلق هذه الظروف القاتلة والحفاظ عليها هي أعمال إبادة جماعية واضحة".
"إنهم يفعلون ما يحلو لهم"، هذا ما قاله زعيم قبيلة لينابي، باكونجاهيلاس، للمتحولين الهنود إلى المسيحية في عام 1781. إنهم يستعبدون أولئك الذين ليسوا من لونهم، على الرغم من أنهم خلقوا من قبل الروح العظيم الذي خلقنا جميعًا. إنهم سوف يستعبدوننا أيضًا لو استطاعوا، ولكنهم لا يستطيعون، ولهذا السبب يقومون بذبحنا. كلامهم لا يستحق أن نصدقه. إنهم ليسوا مثل الهنود الذين يكونون أعداء فقط في أوقات الحرب، ويكونون أصدقاء في أوقات السلم. سيطلقون على الهندي لقب "أخي، صديقي"؛ إذا أخذوه بيده، فمن الأفضل إبادته. سيتم التعامل معك بهذه الطريقة قريبًا. تذكر أنني اليوم قلت لك أن تكون حذرا من هؤلاء الأصدقاء. أنا أعرف السكاكين الطويلة؛ لا يمكننا أن نثق بهم. »
تختتم روكسان دنبار-أورتيز كتابها بنبرة غير متفائلة (لا يوجد ما يدعو للتفاؤل)، بل عدائية، تستحضر تجدد التعبئة الهندية منذ ستينيات القرن الماضي مع احتلال جزيرة ألكاتراز (1969) من قبل هنود من جميع قبائل المنطقة، وبالطبع، احتلال موقع ووندد ني عام 1973، موقع مذبحة للهنود على يد جيش الولايات المتحدة عام 1890. ومنذ ذلك الحين، كما تقول، "دخلت الدول الأصلية الساعية إلى الاستقلال السياسي أو الاستقلال في عملية بناء أمة من خلال تطوير حوكمة أصلية وقاعدة اقتصادية. عمل النشطاء والمدافعون عن حقوق السكان الأصليين في أمريكا الشمالية بلا كلل لعقود من الزمن لإثبات صحة المعاهدات وتعزيز وحماية حق تقرير المصير وسيادة الدول الأصلية". ومع ذلك، لا شك في أن الهنود يقصدون بذلك: "كما توضح المحامية والناشطة من السكان الأصليين، شارون فين، "نحن نعرف القوانين التي منحنا إياها الخالق". أنها تمثل التزاما. إنهم يمثلون واجبًا
. إنهم يمثلون مستقبل أطفالنا. لا يمكننا أن نتصرف مثل الشعوب غير الأصلية، الذين يسنون القوانين والقواعد ثم يغيرونها عندما لا تناسبهم. إن الخالق هو الذي أعطانا قوانيننا. يجب علينا أن نعيش وفقا لهذه القوانين. هذه هي سيادة الشعوب الأصلية. »
. […] واحدة من كل ثلاث نساء من السكان الأصليين كانت ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، ومعدل الاعتداء الجنسي على النساء من السكان الأصليين أكثر من ضعف المتوسط الوطني. »
وما ورد في الهامش " 6 " بأهميته الاستبصارية للموضوع: أعتقد أنني استشهدت ببنيامين في واحدة أو اثنتين من ملاحظاتي على القراءة، ولكن كيف لا أستعيد هنا "أطروحات التاريخ": "[...] أولئك الذين يمسكون بالسلطة في لحظة ما هم ورثة كل من لم يحصدوا النصر قط. [...] كل من حقق النصر حتى ذلك اليوم، سيكون جزءًا من موكب النصر العظيم الذي يمر فوق أولئك الذين يلقون القمامة على الأرض. تُسمى الغنيمة، المعروضة كما يليق في هذا الموكب، التراث الثقافي للبشرية. سيجد هذا التراث في شخص المؤرخ المادي خبيرًا بعيدًا نوعًا ما. وهو، وهو يفكر في أصل هذا الميراث، لن يستطيع مقاومة الرعشة. فكل هذا ليس بفضل عمل العباقرة والباحثين العظماء فحسب، بل أيضًا بفضل عبودية إخوانهم البشر الغامضة. كل هذا لا يشهد على الثقافة دون أن يشهد في الوقت نفسه على البربرية." فالتر بنيامين، "أطروحات حول التاريخ"، المجلد السابع، في الكتابات الفرنسية، المجلد الأول مقالات، 1991، ص. 437.
...إلخ
مصادر وإشارات
1-كاثلين غريسوم: كرو ماري،حياة امرأة من سكان أمريكا الأصليين، ترجمة: خالد الجبيلي، منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024، والإحالات المرجعية في المتن تخص هذه الطبعة .
2-ولدت كاثلين غريسوم في ساسكاتشوان، كندا. تعيش اليوم في ولاية فرجينيا، في المبنى الخارجي السابق لمزرعة كبيرة. هناك وجدت خريطة للمكان تعود للقرن الثامن عشر وتحمل النقش: "تل العبيد". ألهمها بحثها في تاريخ المزرعة في كتابة روايتها الأولى،تل العبيد Slave Hill (تشارلستون، 2015)، والتي أصبحت من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز عند صدورها ونشرت في أربعة عشر دولة. صدرت روايته الثانية: دموع الحرية Les Larmes de la liberté، عن الناشر نفسه في عام 2017، وتلتها رواية هذه أرضنا C’était notre terre في عام 2024، وهي روايتنا التي نقرأها هنا، بعنوانها المختار في الترجمة الفرنسية.
3-أشير إلى ذلك، من خلال الوارد، كإيجاز شديد لمحتوى هذا الثالوث الروائي، على غلاف كل عنوان، في طبعته الأجنبية" الفرنسية ":
تل العبيد
الولايات المتحدة، 1791. لافينيا، فتاة إيرلندية يتيمة شابة، تجد نفسها تعمل كخادمة في مزرعة تبغ. تم وضعها مع عبيد المطبخ السود، تحت حماية بيل، ابنة السيد غير الشرعية، ونشأت في حنان هذه العائلة الجديدة.
لكن لافينيا لا تستطيع أن تنسى بياض بشرتها: فهي تدخل تدريجيا إلى عالم البيت الكبير وتواجه عالمين متضادين تماما. حتى اليوم الذي قلبت فيه قصة حب كل شيء رأسًا على عقب... اشتعلت النيران في عالم المزرعة الصغير، وانكشفت حقائق خطيرة، وتعرضت حياة الناس للتهديد...
دموع الحرية:
في عام 1810، فر جيمس بايك، البالغ من العمر 13 عامًا، وهو ابن مزارع وعبد، من موطنه الأصلي فيرجينيا. وبعد مرور عشرين عامًا، دخل الشاب، الذي احتفظ دائمًا بسر أصوله، إلى المجتمع الراقي في فيلادلفيا ويعيش شغفًا مع الأرستقراطية الرائعة كارولين. لكنها تصبح حاملاً ويهدد والدها جيمس بسرعة.
في تلك اللحظة، تم اختطاف بان، خادم الشاب وتلميذه، وبيعه كعبد في كارولينا. يقرر جيمس أن يذهب للبحث عنها. ومع ذلك، في هذه أميركا الجنوبية القاسية، فهو يعلم أن هناك ثمنًا لرأسه. هل سيتمكن من إنقاذ بان رغم المخاطرة بحياته؟ هل سيجد كارولين، حبه الكبير وأم طفله؟
1871، سهول مونتانا.
فالا بريمير، التي نشأت وسط سحب الغبار الوردي في محميتها، هي ابنة زعيم قبيلة الغراب. بينما تحلم المراهقة بالزواج من بيج كلاود، يموت في رحلة صيد البيسون قبل وقت قصير من زفافهما، مما يوقعها في حزن عميق. يتغير مصيره في اليوم الذي يقدم فيه له آبي فارويل، تاجر الفراء، الوعد بحياة جديدة في كندا. تم تغيير اسمها إلى ماري بعد اتحادهما، لتجد نفسها ممزقة بين عالمين، وثقافتين، واسمين. مع تصاعد التوترات بين القبائل الأمريكية الأصلية والصيادين الكنديين، يتعين على ماري اختيار الجانبين.
أنشأت كاثلين غريسوم لوحة جدارية رائعة مستوحاة من القصة الحقيقية لكرو ماري، البطلة الشجاعة والجذابة، التي شهدت الظلم والمذابح التي تعرضت لها القبائل الأمريكية الأصلية.
"تجمع كاثلين غريسوم بين البحث المتقدم ومهاراتها الكتابية الهائلة للكشف عن واحدة من أحلك العصور في بلدنا." "
-4[Derrida, le nom, la nomination]
دريدا، الاسم، التسمية " وقد أقتبست جملاً من تنويريات متعلقة بالاسم هنا.
-5 Michel Mingote Ferreira de Ázara: Du paysage à la poétique de la terre : dialogues entre la « philopoétique » d’Édouard Glissant et l’art contemporain
ميشيل مينجوتي فيريرا دي أزارا: من المناظر الطبيعية إلى شعرية الأرض: حوارات بين "الشعرية الفلسفية" لإدوارد غليسان والفن المعاصر
-6 Elsa Mourgues: Wounded Knee : 130 ans après, la vérité sur le massacre des Amérindiens ?
إلسا مورجيه: الركبة الجريحة: بعد 130 عامًا، هل ظهرت الحقيقة بشأن مذبحة الأمريكيين الأصليين؟
7-جون دوكر: أصول العنف " الدين، والتاريخ، والإبادة "، ترجمة: علي مزهر، مراجعة: حسن ناظم، منشورات الكوفة،بيروت، ط1، 2018، ص 64.
-8 Roxanne Dunbar-Ortiz: Contre-histoire des États-Unis
روكسان دنبار-أورتيز: التاريخ المضاد للولايات المتحدة
9-تزفيتان تودوروف: فتح أمريكا، مسألة الآخر، ترجمة: بشير السباعي، دار سينا، القاهرة، ط1، 1992، والإحالات المرجعية في المتن تخص هذه الطبعة.
وكإضاءة ثقافية للكتاب هذا، ينظر في كتاب ميشال دوشيه: تقاسم المعارف " الخطاب التاريخي والخطاب النياسي " ترجمة: حسين جواد قبيسي، منشورات المنظمة العرية للترجمة، بيروتط1، 2010، بدءاً من المقدمة " صص17-46"..
10-للتوسع، ينظَر في كتابي: ألف قطرة دم وقطرة " دراسة في الإبادة الجماعية "، مركز دراسات الإبادة الجماعية، جامعة دهوك،ط1، 2019،الفصل الأول، خصوصاً ، صص 55-83، وتقديمي لكتاب: عنف العالم، لجان بودريار وآخرين، ترجمة: عزيز توما، مع تقديمي وتعليقي، دار الحوار، اللاذقية،ط1، 2014،صص20-25...إلخ .
11-إيف تيريو: أشيني، ترجمة :د. محمد عبدو النجاري، دار الحصاد، دمشق، ط1، 1999، وأرقام الصفحات واردة في المتن، للإيجاز.
12-جاك دريدا: قوة القانون الـ" أساس الروحي للسلطة "، ترجمة: محمد الشقيف، دار الحوار، اللاذقية،ط1، 2019،ص 48.
13-ألف قطرة دم وقطرة، المصدر المذكور، ص 58 .
ما أن نستدعي الاسم سؤالاً، نستدعي اللغة سؤالاً في الحال، نستدعي تالياً المكوّن الجمعي" البشري " سؤالاً يكون معطف الأول، وحامل الثاني. لا أحد في الحالة هذه غفْل الاسم، حتى السجين المحوَّل إلى رقم، يُحتفَظ له باسم هو الأصل.الاسم فرد وجمْع. والاسم داخل في عِداد الملْكية التي لا تباد، حتى بموت صاحبه، بالعكس، في حالات معينة، يظهر الاسم أقوى من ذي قبل. والاسم بصمة جماعية، فليس في وارد القول أن اسماً ما، يمكن تلفّظه، دون هذا الجامع اللغوي. وهو مشاع في آن، إذ لا أكثر من كثيرين يحملون الاسم نفسه، ولكنه يُعرَف بسلسلة أسماء. فيكون الاسم جغرافيا وتاريخاً. الجغرافيا حاضنته، والتاريخ لوحه المحفوظ هنا. لهذا، عندما يُراد طي صفحة الجغرافيا، يصبَح التاريخ مطارداً، أخرس أبكم، ليحضر تاريخ آخر. بذلك يسهل القول أن الاسم عدالة وقانون، أي فيما يستحقه لأجله، ولأجل المحيطين به، ومن يتواصل هو معهم. في العدالة ما يُعطَى لكل اسمه، ليس حباً به، وإنما ربطاً له بجماعته، وصوناً له كذلك من المجهول المشكّل خطراً عليه وعلى جماعته التي ينتمي إليها، وفي القانون، ما يغيّر فيه، ما يحرّفه، ما يلغيه ويقصيه، ويحل آخر، ليس من طينته، أو جبلّته الثقافية، في القهر .
لهذا، فإن الاسم سؤالاً، لا يخضع في أصل نشأته، لحكْم الزمن، بقدْر ما يمتد فيه، هو الوحيد دون سائر الأسماء الأخرى، يحمل علامته الفارقة، وإن لم يصرّح أو يعرَّف بها، مدافعاً عن كونه حقيقة زمانية- مكانية مفتوحة قائمة، هو الذي يختصر ثقافة، تاريخاً، جغرافيا بوجوده، فيكون القلعةَ الحاملة والمحمولة الأولى والأخيرة للشخص الذي يتقدّم به، أو يميّزه عن غيره .
لهذا، فإن نزع الاسم، مصادرته، مباشرةُ تغييب لكونه واقعاً، فيمحى، أو هكذا يكون جر الاسم إلى العدم، أكثر من كونه المدفون، إنما محو كل أثر له، ببديل مفروض بالقوة، حيث العلاقة بهذا الآخر، المختلف عنا، مفارِقنا، والشاهد على وجودنا بالندّية نفسها، مثلنا، تخبِر بصراعيتها.
وفي رواية الكاتبة الأميركية ذات الأصل الهندي كاثلين غريسوم( كرو ماري ) رواية الآخر " الهندي " المصادَر من اسمه بامتياز مأساوي، والمحوَّل بالقوة، قانون القوة إلى اسم يحتويه.
ماالذي أرادت أن تقوله غريسوم في روايتها" 1 "، في مأثرة الاسم ذي الدمغة التاريخية ؟
خط السؤال عن الاسم
ليكون للاسم ما هو معلوم به مقاماً،يباشر الاسم هذا، انطلاقاً من العنوان، ما يصيّره قلق السؤال عن جواب منتظر، جواب أكثر من كونه حسابياً. إنه سلسلة تضاريسية، خريطة معقدة تمتد في مساحات جغرافية، وفي تلافيف الذاكرة الجماعية، وسجل المحفوظات الرسمية وغيرها. لأن الاسم شاهد تاريخ وشهيده في مركَّبه كعنوان أولاً" كرو ماري ". يا للاتناغم بينهما: كرو Croy ، أي: الغراب،نسبة إلى قبيلة المرأة المتوارية أو ، بصورة أدق، المغيَّبة خارجاً، تحت وطأة اسم مستحدَث، قبيلتها الهندية، كما سنرى، وفي ماري، الاسم المعطى والمقحَم والدال على ما هو عقائدي ودلالي: الزوجة كذلك، وفي خاصية الشهادة، ما يعني أن حداد الاسم لا زال قائماً..
أكثر من تعريض بالتصفية للاسم ومعناه الاعتباري، كما يردُ ذلك في مقدمة حفيدة " كرو ماري ": غوزفيرست . ص7 " ، وكما نقرأ عن الاسم والاختلالات التي تعرض لها، حيث يصار به إلى العدَم:فالا -بريمير، ليستقر الاسم المعطى والقائم الوحيد في التعاطي مع حاملته: ماري، وكما سنرى في السردية الروائية التي عاشت الروائية كاثلين غريسوم مخاضها، وقد أبدت استعداداً لحفيدتها هذه، في أن تكتب روايتها: رواية الجدة،لأن فيها تاريخاً كارثياً.
الغراب كإيقونة جماعية مندمجة في البيئة الحاضنة لها، أي " كرو " بالانكليزية، ما يشد البصر والبصيرة إليه طائراً له تاريخه الثقافي وتلويناته، وقدراته والمتخوَّف منه. لا أحد يتمنى أن يكون اسمه غراباً، أو في طائفته( أكان كافكا" الاسم التشيكي، الذي يعني : الغراب، مدركاً للمهارة الفائقة وحيلته المعتبَرة للغراب، ليكون غرابياً، في مواجهة مجتمع بكامله؟)!
لا بد أنها أبصرت في الذي سمعته، واطلعت عليه، ما يرتقي باسمها بالذات إلى مقام إبداعي، فيه من جمالية المسرود، وشعرية المتوخى، ما يجعلها ساردة حقيقة تاريخ استبيح كثيراً، وهي التي عرِفت بذيوع صيتها في الوسط الأدبي: الروائي، وهي كما يظهر، معنية بذلك "2 "، لا بل إن ما عرِفت به روائياً، يفصح عن مكاشفة ملحمية، لتاريخ طويل ومديد في فظائعه، وأن هذا العنوان " كرو ماري " يأتي استكمالاً لعملين سابقين منحها حضوراً استثنائياً في هذا الشان. وأرى أنه من الضرورات التاريخية والأخلاقية منطقياً، أن نراعي هذه المتتالية، وهذا الحامل المحوري : في سرديته المثقلة بتاريخ كان، ولم يُمحَ أثراً بعد " 3 " حيث إن سؤال الاسم وحراكه الدلالي بين الأنا أو الذات والآخر، يمثّل تعرية لحقيقة مستباحة، تنزف إلى الآن .
أتحدث هنا، عمّا يجعل الاسم بعيداً عنا، إلى حد التلاشي، الغياب الكلّي له، وعدم الشعور به، ولكنه لا يعني التواري عن السمع، لا يعني الزوال. فثمة موقع، اعتبار، مكانة له، وثمة من ينشغل به، من يبقيه في وضعية بث مؤثره اللغوي، ما يجعله كموناً وفعل قوة حضور كذلك، وبالطريقة التي لا يعود المتكلم أنا أو ذاتاً مقرّر مصيره، مهما كان التباين في القوة فاصلاً بينهما بالتأكيد، وفي قوة تعيش تحولات، في سنّ قانونها الخاص أكثر اتسراتيجية من القانون الزمني، ما يجعل الآخر خطيراً، إلى درجة تهديده للذات المتباهية بحضورها مقابل غيوبه المفترَض.
لا بأس أن أوسّع فضاء القول العائد إلى الاسم ولو قليلاً، لأهميته في متن المعطى الروائي:
( في نظام اللغة، يربط الاسم الدال بالمرجع، والكتابة بالمعنى... إن مسألة ما يسمى بالاسم "الصحيح" هي مسألة الفريد، الذي لا يمكن استبداله، ولا يمكن اختزاله... التاريخ هو اسم يرتبط بالتوقيع ويحتفظ بذاكرة ما يمحوه... التسمية هي فرض لغة... كل لغة مسكونة بقوة التسمية. إنه شبح مقدس، متسام، وأقوى منا. لو لم يكن هناك اسم، فإن اللغة لن تكون شيئاً، ولن يكون هناك عودة إليها، ولن يكون لها اتصال بالعالم.... التوقيع لا يعني فقط كتابة اسمك. هو تعيين الذات، وإثبات الذات... الاسم يضمن هوية الشيء ووحدته (شيء، نص، شخص).. الاسم يتحدى الكلام، فهو يتصرف بطريقة غامضة. من ناحية أخرى، يتعلق الأمر بالبنية الأساسية للبقاء الوصيوي؛ ومن ناحية أخرى، فإن كل اسم محاط بتاريخ محدد، وتراث، وسمعة.) "4 "
هذه الاقتباسات تطالبنا بالتروّي كثيراً، في أي متابعة كشفية لمضمَر الاسم، وموقعه، وفي تاريخ العلاقات التي تضم بين " ظهرانيها " شعوباً وأمماً، ألسنة ولغات، أنظمة وحكومات وسياسات.
ما تقوم عليه رواية " كرو ماري " يحيلنا إلى جنحة أخلاقية تاريخية ومؤشفة رهيبة، لها زمانها ومكانها،وإن مارس التخييل الفني فيها تحريكَ قوى، بما يتناسب وفعله، ليكون تاريخاً وخلافه.
في الواجهة يكون الآخر عصا التوازن، ومحك اختبار لمسار السردية الروائية وفلَاحها.
إنهم الهنود الحمر، الشعوب مجتمعة، أبعد من تاريخ مقحَم على تاريخ محمول بجغرافيا شاسعة واسعة، جغرافيا لها عجائبها وغرائبها قبل عصور خلت في نطاق الاسم السياسي المبتدع: أميركا، القارة التي قيّض لها أن تكون البديل الاسمي الجغرافي بحمولته العقائدية والسياسية أوربياً في عالم ماوراء البحار، وجدل الأنا- الآخر الساخن بما لا يقال .
سؤال الاسم، يظل سؤال البحث عمن يشترك في ظهوره وضموره، في بناه ومداه بالمقابل .
غريسيوم، تحاول بطريقتها السردية، وفيها من الإحالات الجغرافية، والإشارات التاريخية ما يفي بالقول الصارخ عما جرى، وعما يجري في نطاق الجرم المرتكَب إنسانياً .
صوت الحفيدة في التقديم، يمنح السرد قبل مباشرة انطلاقته، وتجليه قراءةً، قوة صاعق في العمق، إلى أن الذي كان يتراءى أمامنا. هكذا تفصح الرواية أحياناً عن قياميتها( كانت جدة أمي، غوزفيرست( تذهب أولاً) التي أصبحت تُعرَف باسم ( كرو ماري)، شابة جميلة وقوية تزوجت رجلاً أبيض لم تكن تعرفه. إن قدرتها على مواجهة هذا العالم بكل هذه الشجاعة تجعلني أشعر بالفخر، لأن دمها يجري في عروقي. ص8) .
التسمية قائمة، والمواصفات الدالة على ما هو مناقبي، قائمة، جهة الجدة الأسطورية تقديراً، خلال الإشارة العابرة إلى الجد ومن خلال عبارة وصفية " رجلاً أبيض "، دون ذكر الاسم. وما في ذلك من رؤية تاريخ من حميمية الذاكرة المنجرحة تجاه تاريخ طاغ ومستبد.
إنها سردية جغرافية
ليس الموصوف في الطبيعة، كما هي الطبيعة، مجرد معايشة لغوية دون إشعار بحقيقة مضمَّنة فيه. ما يأتي وصفاً يقرّر معنىً وأكثر تبعاً لنوعيته، وبلسان الساردة الأولى، المعتبَرة بطلة الرواية " كرو ماري "، ما يعدِم المسافة بين القول وحاملته هنا، وما على القارىء إلا أن يتقصى بنية العلاقة هذه، ومن العنوان الرئيس للمعتبَر " توطئة 1891 ":
( كان الظلام يخيّم على الجزء الخلفي من الحظيرة الكبيرة الحارة عندما رحتُ أدحرج عجلة عربة ثقيلة مستندة إلى باب مدخل غرفة التخزين ووضعتها جانباً. صوت ارتطام قوي خلفي جعلني أقفز، وأخذ قلبي يخفق بقوة، لكنه لم يكن سوى باب حظيرة دفعته الريح.ص9 ).
سوى أنه مشهدٌ، تُستهَلُّ به الرواية، يتردد صداه في الجوار، يصلنا. إننا قادرون على سماعه ضمناً، على تخيله في أبعاده وربطه بالمكان. الحظيرة ليست محايدة بموقعها ووظيفتها، وما كان يجري فيها. إنها قابلة لأن ترفَع بسقفها وأرضيها، وتتسع مساحتها، لتكون مجتمعاً .
لنتابع التالي بدقة الوارد فيه( حذرة من قنينة ويسكي قابعة عند قدميّ، أدخلت مفتاحاً في القفل الصدىء، حتى سمعت أخيراً صوت طقة، وفُتِح الباب الخشبي. وكانت قد بنيت هذه الغرفة بنافذة صغيرة عالية واحدة حتى لا يتمكن أحد من عمال المزرعة، سواء أكان ثملاً أم جريئاً، من اقتحامها، ورحت أحدق في بصيص الضوء الخافت.).
في اقتصاد السرد المكثف، حيث ينعدم شرح قول بقول آخر، وإنما كل عبارة تمضي في أداء عملها اللغوي والدلالي، تعبيراً عن واقعة تخيلية، موصولة بواقع تاريخي. كما لو أن كاميرا دقيقة جداً في تصويرها، وهي تنقل إلى الخارج ما يدل على خطْب جلل في المشهد هذا.
ما ينبغي التنبّه إليه، هو أن التعرف على الطبيعة وطريقة إيداعها في السرد، لا يعني لفت النظر إليها، وتأملها، أي كما لو أن هناك احتفاء بها، كما هو الممكن تبينّه في النصوص التي تشدد على الدور المركزي للطبيعة، وموقعنا فيها،إنما ما يكون للطبيعة من دور في نسْج معنى، أو إبرازه في وصف يركّز على العالم الخارجي، والطبيعة ضمناً، حيث ( إن المنظر الطبيعي، باعتباره نتاج لقاء بين العالم ونقطة نظر، سيكون تابعًا لذاتية، وهذه الذاتية ستكون مرتبطة بفكرة بنية الأفق: "المنظر الطبيعي هو حالة نموذجية لبنية الأفق" و"المناظر الطبيعية، حتى البكر منها، تكتسب معنى من وجهة نظر".
إذا كان هناك فكر منظر طبيعي، فهو عمل "كوجيتو جسدي"، مسبق الانعكاس ومتجذر في الحركات التي تنشط الجسد والمناظر الطبيعية [...]". ومن ثم فإن المشهد الطبيعي سيكون بمثابة ظاهرة، أي نتاج لقاء بين العالم ووجهة نظر معينة.) " 5 "
إنها إحدى مآثر الرواية في إبداعاتها المتعلقة بجانب انهمامها بمستجدات عالمنا ماضياً وحاضراً وتلك التحولات التي يعيشها الإنسان، وأزماتها البنيوية، ومنها فعل فعله في الزمان والمكان .
الموصوف في الاقتباسين، يشدد على الرقعة المكانية، التي تكون نقطة انطلاق إلى العالم الواسع والساخن للرواية، والساردة تعيش امتحاناً عسيراً ومصيرياً لذاتها، كهندية وهي في بدء تفتحها الجسدي، وإزاء نظرة الآخر وشبقيتها، وتستعد لمواجهته، في المكان الضيق والمزدحم بأجسامه المختلفة، وكثافة الدال الشاهد على خطورة المشهد، وما للشعور بالخوف أحياناً من وثبة قوى كامنة وتوحدها ومقارعة الغازي( اعتبرت نفسي في حكم الميتة، لكن عندما تذكرتُ ما فعله بسونغ وومان، وما سيحدث لإيلا، تملَّكني شعور بالغضب. رججتُ قنينة الويسكي للمرة الأخيرة، وقلت لنفسي:
" اثبتي" وخرجتُ لاستقباله . ص 10 ) .
طبعاً لمواجهته، والدخول في اشتباك وعراك مع المجهول المهدّد للذات !
ما يمهد لبداية، في فعل رجوع إلى الوراء، إلى الرابط الحميم والموجع في الذاكرة بين ما كان وما هو راهن بالنسبة لها " كرو ماري "، ليكون السرد هنا معبّراً عن سيرورته، تحت عنوان : كرو ماري، الجزء الأول- الفصل الأول 1863 :
إنها تواريخ لها سجلاتها المرعبة التي يعلَم بحقيقتها أهلوها، ومن خلال ذاكرتهم الجماعية، وما جاء مسطوراً في أمكنة مختلفة . لعل هناك إشارة مباشرة إلى عمل جينوسايدي " إبادة جماعية " للهنود الحمر، حيث إنه ( في معركة ووندد ني عام 1890، قُتل 300 رجل وامرأة وطفل من قبيلة السيوكس على يد جنود أمريكيين. ولكن حتى اليوم لم يتم الاعتراف رسميًا بالمسئولية عن هذه المأساة، وهو ما يضع "ووندد ني" في قلب نضال الأمريكيين الأصليين.
وفي 29 كانون الأول 1890، تم ذبح 300 من قبيلة السيوكس، نصفهم من النساء والأطفال. على مدى 130 عاماً، كانت هناك نسختان من التاريخ متعارضتان: النسخة الرسمية، وهي رواية الجنود الأميركيين، ورواية السيوكس. تتحدى الاكتشافات الأخيرة الرواية الرسمية وتضع هذه المذبحة في قلب نضال الأمريكيين الأصليين. قام عالم الآثار والمؤرخ لوران أوليفييه بالبحث في أرشيف هذه المأساة وأنتج كتابًا بعنوان "ما حدث في ووندد ني". التحقيق غير المسبوق في المذبحة الأخيرة للهنود..) " 6 "
لا تقدّم الروائية لقارئها أي معلومة أرشيفية، ضمن اقتباس معين، في هذا الصدد، إنما تمارس مسحاً لتاريخ كان، كان لا يغتفَر بمآسيه، وبمضاء تخييل، يوقظ الذاكرة، للنظر إلى الخلف .
والبدء الذي يسمّي سرده يأتي هكذا( كان ذلك في مطلع شهر أبريل ( نيسان ) ، القمر الذي ترعد فيه السماء لأول مرة، حين جاء الرجل ممتطياً حصانه. كان الهواء لطيفاً ومنعشاً خارج خيمتنا، وكانت أمي قد أجلستنا تحت شمس الظهر الدافئة..ص11 ) .
في مقدور القارىء أن يطمئن إلى مباشرة نصية كهذه، وأن يلقي نظرة سريعة على المكان الجاري وصفه، وينسحب إلى داخله، شعوراً منه، أن الوضع آمن، أن المقروء لا يعاني من خط تصاعدي، أو قطْع في المسار، أو انقطاع في لعبة السرد.. سوى أن المؤثر الذي يحيل البادي هدوءاً، وباعثاً على السكَينة، إلى خلافه، أن يكون فيه من التخوف الكثير، والحذر مرفَق به، مع " فعل الماضي الناقص: كان "، فما قبله هو الذي يحرّكه، هو الذي يضيء خلفية ما جرى تالياً، حيث الزمان الحاضر مشدود إلى لاحق، كان جلّاب كوارث، شاهد جرائم ضد الإنسانية .
والأمضى في المشهد هو أن المرئي ، ومن خلال هيئته، يترجم مثل هذه العلاقة ورهبتها.حيث الرجل كان جريحاً. الجرح رسام حقيقة دامية بينية طبعاً وثمة من يزيد نارها ضراماً( قال الرجل:" أغار علينا محاربو قبيلة سو- عدونا القديم. كانوا أربعة فقط، لكننا كنا ثلاث خيم فقط، وباغتونا. كنا في طريقنا إلى هنا، وأقمنا مخيمنا أسفل نهر إيلك، ننتظر حتى انتهاء هطول الثلج. كنتُ قادماً، أردت أن تتعرف أختي على ابنتي الجديدة، لكنهم قضوا علينا جميعاً. لقد قُتِلوا..ص12). حروب بينية: بين الهنود الحمر أنفسهم، وهي تاريخية ولها مثيلاتها في أمكنة مختلفة من العالم، إنما الخطورة هي اليد التي تدق الإسفين بين أطرافها وبأشكال كثيرة.
الرواية تتقاسم سردية متشعبة، تتوزع بين مشاهد حية بوقائعها، ومشاهد حامية، ترينا الساخن في الأعماق، وما يكون صراعات على الأرض والمواقع والنفوذ، كما في ( نحن شعب كرو قبيلة واحدة كبيرة مكونة من قرى كثيرة تلتقي معاً خلال شهور الصيف، لا لزيارة بعضنا بعضاً والاستمتاع بوجودنا معاً فقط، وإنما لشعورنا بالأمان من أعدائنا عندما نلتقي معاً، لكننا نفترق ونتوزع في الشتاء في قرى صغيرة ليحصل الجميع على مأوى جيد، وكميات كافية من الحطب، وكثير من الأيائل والجواميس من أجل طعامنا. ص 15).
لكن الصراع هو المسيطر بعنفه وفعله النافذ إلى الرؤوس والنفوس. وما حديث كرو عن جدتها، في مشهد صراعي بيني مميت، بين قبائل متحاربة إلا لتأكيد ذلك، جدتها التي أصبحت متراساً لها لئلا تقتلها رصاصة لتُقتَل هي( وكانت تجري نحوي عندما أصيبت بطلقة اخترقت صدرها، واصطبغ باللون الأحمر...جلست مذهولة حتى أنني لم أستطع أن أتحرك.ص18).
السردية الروائية تقوم علىة بؤر توتر، على فراغات تشكل استلهاماً لكل من الروائي والقارىء، ليكون أقدر على التفاعل، ومعايشة ما لم يحسَب له حساب، في سياق التوقعات ومآلاتها.
موت الجدة، رمزاً وحقيقة، له دلالته، بالنسبة للساردة الرئيسة هنا، وفي مجتمع يعطيها مكانة.
الجدة في المجتمع المعتبَر تقليدي، أكثر من كونها أماً. إنها ذخيرة حكايات والفاعلة المؤثرة في النسيج الحياتي لحفدتها وحفيداتها بالمقابل، أي ولها كلمتها المسموعة.
هذا المجتمع المأخوذ بحدود طبيعية غير مؤمَّن عليها، ينعكس تأثيراً على الداخل، واستحالة بقائه ماضياً بعاداته وتقاليده، وهو ماض إلى ما يجب أن يكون عليه تحولاً في مجتمع أكبر، وبما لا يقاس، حدوداً جغرافية، ونظاماً سياسياً، وسلطة جامعة وقاهرة: أميركية.
لهذا فإن زواجها من أبن قبائلي، من قبيلتها" بيغ كلاود " وهي في عمر الـ" 15 " ربيعاً لم يستمر " ص 37" ، ولا بقي التماسك القبائلي على حاله، في علاقاته الاجتماعية.
الآخرون بعيداً، هم الذين تمدهم الأيام القادمة بالقوة والسيطرة والانتشار، كما يقول منطق الرواية في سرديتها الكبرى مجتمعياً، والقوة تدلي بشهادتها جهة الإنباء على المستجدات( كانت قبيلة كرو دائماً على علاقة ودّية مع ذوي العيون الصفراء، لأن الزعماء، مثل أبي، يرون القوة التي تكمن في أسلحتهم. وقبل ولادتي ببضع سنوات مات عدد كبير من قبيلتنا عندما أصيبوا بمرض الجدري، ونتيجة انخفاض هذا العدد أصبحنا الآن بحاجة إلى حلفاء لمواجهة أعدائنا الكثيرين . ص 53) .
تحالف الأمراض الفتاكة، والتدخل في شئون أصلانيي المكان من الهنود، توأما غزو من الخارج: أوربي في الصميم. أمراض ، قيل فيها الكثير، وهي وافدة مع الغزاة ..و( لقد تطورت الأمراض البشرية المُعدية مثل الجدري والأنفلونزا والسل الرئوي والملاريا والطاعون والحصبة من أمراض الحيوانات فضلاً على ذلك، فلقد لعبت أمراض كهذه دوراً كبيراً في استعمار القارات الأمريكية منذ رحلة كولومبس في عام 1492. فالجراثيم التي جلبها " الغزاة الأسبان القتلة " فتكت بالأمريكيين الاصلانيين، وفي الفترة التي اعتاد الأوربيون على هذه الأمراض واكتسبوا مناعة ضدها، كانت جديدة على الأمريكيين الأصلانيين الذين ليس لديهم مناعة مكتسبة أو وراثية، مما أدى إلى انخفاض كارثي في عدد السكان..) " 7 "
ويمكن أن نزيد الوارد آنفاً، ما يضيء ما بين سطور سردية الرواية بالتالي:
( "إن الميكروبات التي جلبها البيض هي التي كانت ستقتل أغلبية الهنود - وهي إبادة جماعية غير مقصودة، باختصار. "لماذا"، تسأل، "كانت هناك ما يقرب من 300 عام من الحروب الاستعمارية، ثم حروب دائمة شنتها الجمهوريات المستقلة في الأمريكتين؟ مثالٌ من بين أمثلةٍ كثيرة: تستشهد دنبار-أورتيز بعمل المؤرخة شيربورن كوك، التي درست "محاولة تدمير" هنود كاليفورنيا. وتفيد بأن "كوك قدّرت أن 2245 من سكان شمال كاليفورنيا الأصليين (من قبائل وينتو، ومايدو، وميواك، وأومو، ووابو، ويوكوت) فقدوا أرواحهم في صراعاتٍ مع الإسبان، بينما لقي 5000 شخص حتفهم بسبب المرض، ونُقل 4000 إلى البعثات التبشيرية. ومن بين نفس الشعوب، قتلت القوات المسلحة للولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 4000 شخص، كما قتلت الأمراض حوالي 6000 شخص. في الفترة ما بين عامي 1852 و1867، اختطف مواطنون أمريكيون 4000 طفل من هذه المجموعات. وفي ظل هذه الظروف، أجبر تدمير البنى الاجتماعية التقليدية للسكان الأصليين والضرورة الاقتصادية القاسية العديد من النساء على ممارسة الدعارة في معسكرات التنقيب عن الذهب، وهو ما ساهم في تدمير بقايا الحياة الأسرية في هذه المجتمعات الأمومية. ..") " 8 ".
وقد قيل الكثير في هذا المضمار، أي ما يخص الطبيعة الهمجية للذين غزو العالم القديم، وما فيه من حضارات سبقت نشأة وإشعاعات حضارية، كانت " أوربا " حينها في ظلمات التاريخ .
مجتمعات كانت تدير أمورها بدقة، وتعيش بسلام، وتقيم علاقات مع الطبيعة، بالطريقة التي تؤمّن لها بقاء وقدرة على الاستمرار، وموتاً آمناً بالمقابل، بعيداً عن مخاطر مباغتة بالتالي.
ولا بد أن الرهان على المرأة، يشكل الحبل السرّي الواصل بين داخل وخارج: داخل، بالنسبة للغازي، وهو يضع عينيه على امرأة هندية، تكونها ماري كرو، لاحقاً، وخارج، بالنسبة للرجل الذي يتزوج الهندية في الداخل، أي فارويل، تعبيراً عن تلك البراغماتيكية الأميركية ذات الصيت، وكما قالت أمها( إنه يريد زوجة هندية تستطيع أن تتحدث مع الهنود الآخرين الذين يأتون إلى مركزه التجاري، ويقول إن نساء قبيلة كرو أقوى بكثير من النساء البيض. كان أبي من ذوي العيون الصفراء، يقول الشيء نفسه، وكان يدهش دائماً عندما يرى كيف كانت أمي تتحرك برشاقة ونشاط عندما تنصب خيمة وتذبح جاموساً. ص 54 ) .
يمكن السؤال عن القيمة الإشارية لقول كهذا، وما إذا كان يعجّل في حركية السرد، أم يلوّن فيها، أم يوسّع فضاء الرواية في الزمن: زمن الشخصيات وتنوع علاقاتها في مجتمع أكثر تماسكاً.
إن منطق السرد ، وإن كان يتشعب بأحداثه، ماض ٍ إلينا، أي ما يبقي الهندي رهن رغبات الأميركي، أو الغازي الصائر أميركياً، تمثيلاً للقوة الغازية، واعترافاً بقانونها النافذ مكانياً .
ومن الطبيعي أن " تمليح " الزواج اللاحق، وهو الأوربي- الأميركي، بعد موت زوجها الهندي، وما لذلك من دلالة لصالح تاريخ الأقوى، عبارة عن شرعنة الانتقال إلى حضنه من جهة الهندية بالتأكيد، وليكون في مقدور السردية التي تتمثلها وتتغذى على حياتها، أن تؤدي مهمتها بجدارة.
تحت مظلة الاسم الفارض
الزواج ليس مجرد عقد قران، أو لقاء جسدي، إنما متحول ثقافي، ونقلة من عالم إلى آخر، ومن ثم الرضوخ لقوانينه، وفي مجتمع كهذا، ومع الاسم الجديد " ماري " نكون إزاء انعطافة لافتة:
جعْل الاسم القديم، اسم القبيلة، وما لها من صلات مكانية، ولغة وعلاقات في عِداد " أثر بعد عين " أي ما لا يعود له اعتبار، في التحول المرسوم والمحكوم بالقوة، وتبعاتها في الصميم . منح أو تحميل أحدهم باسم من الخارج، ومن لغة مغايرة، تسمّي جماعة، وبيئة وثقافة، يعني تطويباً لعالم مختلف، ولجسد مختلف، يجري شحنه بما يصيّره مطلوب الآخر، وحيث إن تاريخ الاسم المرفَق به، ينحّي الذاكرة المحمولة للآخر هنا جانباً، وطيها إلى الأبد. ذلك بقرار من الزوج الجديد، الأميركي تحديداً، اسمها ماري. تقول كرو ماري باستغراب وحيرة وقلق( ماري؟ هل هذا هو الاسم الذي يزمع أن يناديني به؟ كان حدثاً مهيباً عندما أطلقت علينا أسماؤنا الكرو عندما ولدنا. ويمكن تغيير تلك الأسماء إذا كان الطفل مريضاً، أو إذا أقدم على عمل يشي بالشجاعة فلم أمانع في أن يُطلَق عليَّ اسم ماري هورس غارد في حفلة الزفاف، خصوصاً بعد أن أبدى أبي موافقته، لكن اسم ماري وحده جعلني أشعر بالغربة والوحدة..ص93) .
الشعور بوطأة المستجد هو الذي يدفع بالقارىء المعني، والمطلع على تاريخ انقسامي، تصارعي واحترابي، قائم على أحادية العنصر، اللون، الثقافة، والمعتقد، لأن يبصر الكارثي قادماً، ومن خلال الاسم الذي يستقطر حياة مغايرة، يستدعيها لتحل بكل مكوناتها محل السابقة ذات العلامة المخالفة كلياً، الاسم الهندي مقهوراً بالاسم الأميركي الغازي .
الكيان السياسي بحدوده، هو المظلة القارية لعالم يجري التأكيد عليه " أميركا " جغرافياً، لا مايا ولا أزتك، أو غيرهما في الحاضنة الجغرافية التليدة، ولا تنوع اللغات الأصلانية .
تودوروف فصَّل في نقطة انعطافية ، تخص " مسألة الآخر " أميركياً وبشفافية مرعبة " 9 ":
( أود الحديث عن اكتشاف الأنا للآخر، والموضوع واسع وكبير..ص9).
( وكان كولومبوس، قد ميَّز في نفسه سمتين جديرتين بأن تظهرا في اسمه: المبشر بالإنجيل والمستعمر، وهو لم يخطىء، على أية حال..ص32).
( وهكذا فإن كولومبوس يعرف حق المعرفة أن هذه الجزر لها أسماء بالفعل، أسماء طبيعية بمعنى ما...وعلاوة على ذلك، فإن أطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها..ص33) .
( وهكذا فإن كولومبوس لا يعترف بتنوع اللغات..فالهنود ينطقون كلمة" كاريبا" التي تشير إلى سكان جزر الكاريبي ( الآكلين للحوم البشر). أما كولومبوس فيسمع " كانيبا" أي شعب الخان، لكنه يفهم كذلك، أنه، وفقاً للهنود، فإن هؤلاء السكان لهم رؤوس كلاب( من كلمة Cane الإسبانية " كلب ") يأكلون بها الناس..ص37).
( فردّ الفعل الأول، العفوي، تجاه الغريب هو تصوره باعتباره أدنى، لأنه مختلف عنا: بل إنه ليس إنساناً، وإذا كان إنساناً، فإنه بربري أدنى، وإذا كان لا يتكلم بلغتنا، فذلك لأنه لا يتكلم بأي لغة على الإطلاق، أي لا يمكنه الكلام، كما كان كولومبوس ما يزال يعتقد..ص83)" 10 " .
الرواية في توجهها السردي ودراميتها طبيعة ومجتمعاً وثقافة، تظهر بعكس مسار التاريخ المعتّم على حقيقته، وبالتالي، فإن الاستمرارية تلك للرواية، ومن خلال كرو ماري، هي التشديد على أن التاريخ متجاهل لحقيقته، وأن معاناة ضحايا الاسم المصادر من صوته ولغته مستمرة .
في صفحات متفرقة، وتعزيزاً لتاريخ مضحَّى به، وجار ٍ التعتيم عليه، يُستعان بالذاكرة، ذاكرة " البطلة " لسان حال جماعة كاملة، لإضاءة الحاضر نفسه، وبناء على محفّزات تدفع بها إلى الإدلاء بشهادتها التي تستغرق في مشاهد تتقاسم الرواية، وهي زوجة الأميركي الغازي، ما يعني ذلك عدم تكيفها مع تاريخ متغطرس، تعسفي، وموت كان مخيماً بأهواله، ومقاومته بالمقابل، كما في هذا الجاري سرده( تذكَّرت جدتي وصديقتها سيس متش في معركة أروكريك، وشجاعة شعبي الذي قاتل هناك دفاعاً عن حياته على الرغم من كل الصعاب. ص220).
وما يضيء مساحة العنف الدموي عمقاً وشدة ورعباً( عرفت الرعب واليأس منذ أن بلغت سبع عشرة ثلجة من عمري لكنني لم أشعر بمثل هذا الغضب الذي تملكني الآن وسحبت مسدسي.
عندما وصلت إلى المرأة التي كان الرجل يعاملها بوحشية، حدَّقت بي غير مصدّقة عينيها، سحبتها بسرعة، وجعلتها تقف على قدميها، وسألتها بلغة الإشارة عن مكان النسوة الأخريات. عندما أشارت إلى حظيرتين مجاورتين، طلبت منها أن تذهب باتجاه ضفة النهر، ثم انسللتُ إلى الباحة ..ص221) .
أكثر من ذلك، عندما تحقق المحكمة في حقيقة مذبحة سايبرس هيلزضد الهنود، وبسماع شهادة فارولايل، ومحاولة تفنيدها " ص63 " وشهادتها هي، وفي مناخ الرعب المسيطر على المحكمة ودلالتها ( كانت القاعة مليئة بذوي العيون الصفراء، معظمهم يتهامسون ويحدّقون بي. أصبح فمي جافاً، وتساءلت إن كنت سأتمكن من أن أقول شيئاً. ص267).
كرو ماري، حريصة على ذاكرتها، على التذكير بالمكان، في نطاق " واجب الذاكرة " كما يقال، في حيثيات " ذاكرة المكان " بطقوسه التي تكوّنه، والذين ينتمون إليه في الأصل.
ويتجلى ذلك في هذا الحنين إلى المكان، في إبقاء المكان الجغرافي حيث عاش شعبها، حياً ينبض في الذاكرة، وفي مواجهة تاريخ متنكر لمشروعية القائم فيها، وفي تأكيدها على سموّ المكان لديها رغم مرور سنين طوال وهي باسم آخر، سوى أن اسمها ونسبها الأصلي " كرو " يمثّل عنصر تحد، ورفض اعتراف باعتباره واقعاً، إنما بتعرية من يمثّله في طغيان سلطته:
( على امتداد جبالنا الواطئة برزت حواف حادة، منحت الحياة إلى أشجار الصنوبر الخضراء القوية التي نمت هناك مقدامة وقوية. وكان من بين تلك التلال الجروف التي كانت الجواميس تقفز منها، وهي أماكن مقدسة كان شعبنا يصطاد فيها الحيوانات الضخمة. تساءلت هل ستعود تلك المخلوقات التي وهبت لنا حياتها لتزوّدنا بكل ما نحتاج إليه من جديد. في يوم الأمل هذه بدا لي الأمر ممكناً، عندما سمعت تغريد طيور المروج الصفراء عبر السهول العشبية المكشوفة، حيث تحمي الشعب والوديان الضيقة أجمات شجيرات التوت، والأنهار والجداول الزرقاء التي كانت تجري بين ضفاف تحفّها من جانبيها أشجار الصفصاف وأشجار الحور القطني، توفر الماء والمأوى والكلأ للحيوانات البرية .
ها هي أرض كرو، حيث كانت جبالنا وكلماتنا مقدسة، فهذا هو المكان الذي منحته لنا أمنا الأرض، وها أنا أعود إلى موطني أخيراً . ص376) .
أتذكر هنا، في ضوء هذه النهاية التي لا نهاية لها في مغزاها ومعناها، رواية النظير الانساني الذي اُستبِد به كثيراً استعمارياً، أي الإفريقي، الذي جرى استعبده بالملايين، تهريباً من القارة السوداء إلى القارة الصفراء أساساً، ومن قبل مملي القارة البيضاء، أي رواية أليكس هالي" الجذور" التي صدرت سنة " 1976 " وهي في طابعها الملحمي العائلي بالمقابل، ومن خلال نموذج اكتسب شهرة" كونتا كونتي " في مسار أحداث بدأت سنة 1776، واستمرت بعنفها ودمويتها، ولعلها لم تتوقف بالنار المشتعلة بعذاباتها إلى الآن، وهو يبحث عن أصله، ويصل إلى موطنه الأصلي " غامبيا "، وما لذلك من تشديد على أولوية المكان الأول للاسم الذي حمل مؤثراته، واصطبغ بها اسماً يتداخل كلّ من المكان والزمان في نشأته ونموه وحيويته كذلك.
وكرو ماري، ابنة المكان، وأسيرته مع المكان، والمحوَّر في اسمها وهويتها تصارع تاريخاً دموياً يظهر أنه يعيش سريان فعل كوابيسه، حيث الضحايا يصرخون، ويدفعون بالأحياء ممن يرون صعوبة في الاندماج في مجتمع سن قوانينه، ويرفض الاعتراف بجرائم مورست ضدهم.
ومن هنا تبرز أهمية الرواية وما جرى في كلمة المؤلفة في السطرين الأخيرين( وفي النهاية آمل أن يطّلع الآخرون على حياة ماري كرو، تلك المرأة الشجاعة، ومن خلال روايتي، وأن تلهمهم كما ألهمتني. ص 379 ) .
الأمل ربما بما يصعب الرهان عليه، إن لم يستحيل في ضوء المعيش اليومي، لكنها حجرة رُميت في محيط الماء الراكد قارياً وإنسانياً، ولتكون العبرة ذات الصنعة الفنية، في بدعة الرواية وقدرتها على المناورة، على الإعلاء من شأن سرد تخييلي، وفعل التحويل القيمي، وبروزه مقاوِماً في محتواه لما هو معمول به تاريخياً، وعلى أرض الواقع ..
هذه المعاناة لا تغفل في نوعيتها وعلى مستوى قاري، وأبعد كذلك، جهة الذين يصادَرون في ذاتهم، ومن خلال لغتهم، أي ما يكونون معذّبي الاسم المفروض عليهم، واللغة التي تذكّر على مدار الساعة بمن غزوهم وآذوهم وأبادوهم وجوداً مادياً ومعنوياً، كما لو أن فعل الإبادة مستمر، وليس هناك من اعتراف بذلك، وفي ظل مفارقة الحديث عن الديمقراطية والحرية ..إلخ .
في مظلة الاسم الأصلي
ثمة ما يجب التوقف عنده، جهة الاسم الأصلي، حيث إن الرواية لا تخفي حقيقة ما تكون عليه " غوز فيرست " بمجتمعها، بعالمها الذي كانت قبيلتها تعيشها، مكتفية بذاتها، تعبيراً يشهد على أن جملة الكتابات والشهادات التي سطّرت أو قيلت عن شعبها والشعوب الأخرى التي ينتسب إليها المكان أصلاً، محض أضاليل وتبرير للعنف ضدها. هذا الإجراء مهم لجعل المعنى أوضح وأفصح في جملة الإشارات المنبثقة مما يمكن قوله في هذه السردية المأخوذ بها قارياً .
من ذلك، حين تأتي على ذكر حقيقة موجزة ومكثفة بهذا الصدد( نحن شعب نستخدم كل عضو من أعضاء الجاموس اللسان الذي نسلقه، ونأكله كوجبة شهية، والذيل الذي نستخدمه منشَّة للذباب أو سوطاً، والحوافر التي نغليها من أجل الغراء ، والأوتار لخياطة ملابسنا، ونصنع من القرون الأكواب التي نشرب بها، ونستخدم ألواح الكتف كأدوات كشط- كل شيء-كل ما نحتاج إليه يأتي من الجاموس.ص143).
الجاموس، كما مر معنا سالفاً، كان يمثل مصدر الغذاء وتلبية حاجات محلية مختلفة، وفي البيئة نفسها، أي ما يبقي التناغم والانسجام فاعلين في بنية العلاقات بين السكان والطبيعة .
لا يعني ذلك استغراقاً في المحلية، إنما هو الدفاع عن الهوية التي تكسب حاملها شعوراً بالتمايز، وفي هذا الشعور ما يجعل الرؤية إلى العالم أكثر أهليه لأن يعاش ويرحَّب بكل ما فيه كذلك.
هذه الهوية، كمفهوم قيمي، تمايزي، تطرح نفسها، خارج خاصيتها الورقية، واستطاق محتواها، حيث لا يكفي أن يحمل أحدهم هوية معينة، تجنيساً، ويقال أن كل شيء " تمام " إنما ما يجعل من الهوية هذه حقيقة لها شفافيتها وصفاء عالمها، جهة الامتلاء بالذات المختلفة وسويتها واقعاً.
وفي ظل الاسم الأصلي يقال ما لا يقال، وهو محظور، أو مراقَب ومعاقَب في ظل الاسم الآخر الذي جرى إنشاؤه بالقوة، والقوة استولدت قانونها بلحم ودم ولسان من " جينة " سياسية أخرى.
كل اسم يجري طرحه بالإكراه خارجاً، يعني تعميق التوتر، وإبقاء سفك الدم والقتل والنفي الاعتباري للشخص المعنّى وارداً. والرواية تصل بسرديتها بسرود موازية ومكملة، وهي تستدعي كل ما كتِب في سياق التعامل مع الآخر غريباً، مريباً شيئاً فاقد الوزن والاعتبار.
ذلك يتوقف على الجاري اعتماد من منظور لاتكافؤي في القيمة أو المكانة، ليكون للاسم مثل هذا الاِشهار والتشهير معاً: إشهار الاسم المزكّى والمعطى حماية قانونية رسمية ومحروسة، أما التشهير فينصب على الاسم المرفوض، أو المطارَد، أو المنظور إليه مهدداً للأول بوجوده.
لهذا، فإن العلاقة البينية لا تقوم على ما إذا كان لكل اسم ذلك الأداء المعبَّر به عما يحتاجه في تسيير أموره اليومية، أو الكفاية اللغوية في التعبير عما يشعر به ويريد تمثيله بالقول، إنما في الرفض على أساس اثني، ديني مذهبي وقومي أو عرقي .
في رواية لحفيد من حفدة الهنود الحمر، هو إيف تيريو" أشيني " وهو الكندي الجنسية، مسقط رأس غريسوم روائيتنا، ثمة علاقة شائكة وصدامية من هذا النوع، ونرى في سردية التعبير عن وضع كهذا بصوت متوجع وصارخ، وبملء الثقة بالمقابل، من قبل هندي مقابل الأبيض:
( أنا أشيني، القاسي كالحجر، ابن أوابيكو، البوم الأبيض، الذي يجيد التحليق فوق الغابات سحابة ربيعية . ص35.
ومقابل لغة البيض الفقيرة سأقدّم جزالة لغتي الجبلية. لغة موزونة، متوهجة هامسة كحفيف أوراق الشجر.. أتريد أن أقوال لك كيف هي هذه اللغة؟ انظر إلى الجبل، إنه يسمى " أوتسو " ولكن يلفظ ذلك بطريقة شينية، الأصوات لا تكاد تُسمَع، والشفتان نصف مفتوحتين. وإذا كان جبل " أوتسو " متصلاً بجبال أخرى مشكلاً بذلك سلسلة جبال فهذا يسمى " ناتيكام ".. الرمل، " ليكسو "، والصخرة البارزة في الماء" تشيسيكو "، ولكن الصخرة العادية كالصخرة المنتصبة في الغابة فهي " أشيني " الصخرة. اسمي أنا ".. ماء الجدول " شيبيس " الماء الأبيض للسيل المتغطرس " باوشوك "، أمواج البحيرة" والماء الأزرق والقراح " ي ميكيتس "، أيام الضباب " كيشكوم "، وعندما تهدأ العاصفة، ويظهر قوس قزح " أويكوليبيشلكو "، وإذا امتد قوس قزح من أفق لآخر " ليبيشاكن شينيتو "، بوسعي على هذا النحو أن أعلمك مطولاً العديد من الكلمات . صص 48-50 ) " 11 ".
إنها عملية نزع الاعتراف من الآخر الذي يمركز ما هو كونه على نفسه، ولا يراه سواه هنا.
بالطريقة هذه، لا يعود هناك من تقابل تفاعلي ودّي، بين كل من العدالة كسلوك ملموس اجتماعياً وسياسياً، ومن زاوية المواطنة المستحقة، والقانون، الذي يتموقع عالياً، بمفهومه السلطوي والذي يحيل كل شيء إليه، وبلغة محددة، ممثّلة في جماعة يعرَّف بها هنا الأكثر هيمنة، ويكون الاسم خاضعاً لمنطق العلاقة التي يزينها القانون كما هو مشروح رسمياً. لهذ( يبدو أن العدالة لا تتحقق، ولا تكون ممكنة. إذا إذا خاطبنا الآخر بلغته. غير أن هذه تبدو لي عملية مستحيلة ( لأني لا أستطيع الكلام بلغة الآخر ما لم أتمثلها وأتملكها. لتصير لغتي. تبعاً لقانون يفرضه طرف ثالث خفي ( تمنعها العدالة ذاتها بما هي قانون. إذ تقضي بالكونية، فتعلّق خصوصية الاصطلاحات وتفرد اللغات .)" 12 ".
أليس الجاري في بنية السرد الروائية، هو هذا التفعيل لقانون يلحِق به العدالة وليس العكس؟
أوليس الذي تتقدم به الروائية نفسها في السطرين الأخرين، من نوع الرجاء، الأمل، في أن يكون هناك من هو مقتدر، من يقدّر العدالة كما يجب، ومن الزاوية القانونية المنفتحة، ليكون هذا الذي جرى سرد بلسان ضحية تاريخ استئصالي لشعب بكامله وأكثر، على أكثر من صعيد، وامتداداته بالمقابل، على صعيد الاسم ومفهومه الجمعي، محط اهتمام ونظر ومراجعة ذاتية، لأن الذي مضى لا ينسَّب إلى ما كان، إنما يمارس حضوره، بمعان شتى ويستمر، وفي ضوء ذلك لا تعود الحظيرة، كما أشير إليها، مجرد مكان " يمكن النظر في معالمها، إنما ما يجعلها أوسع وأفظع وأكثر إنباء بالخطورة المضطردة والباعثة على التوتير للقيمين على الاسم نفسه؟!
ما يشهد بمثل هذا الوضع الانفجاري للذاكرة الجماعية، وفي مواجهة تاريخ أحادي الاتجاه بصدد ما جرى في سياق التاريخ المذكور والمعالَج روائياً، يكفي، كما أرى، أن أذكر بالتالي ( في الأمريكتين كما في أوربا كذلك، كان عام 1992 عام إحياء ذكرى كريستوف كولومبوس في العالم الجديد، وقد رفض السكان الأصليون الانضمام إلى الاحتفالات، واختاروا أن يتذكروا ألم الحزن المستحيل، إلا وهو استقلالهم المفقود والإبادة الجماعية التي لم يعترف بها أو يعاقب عليها. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، وريث المسلسل والمحاكم المتسلسلة لمحاكمتهم، فإن نسخة version ، من ضحايا الأمريكيين الهنود ( إبادة جماعية ) تعارض ذلك من الغزاة( المتقدمين )..) " 13 "
يعني أن الجريمة التاريخية " الموسوعية " لازالت تعيد إنتاج قانونها الرمزي وألم ضحايا، والذين يمثلونهم، أو يتحدثون باسمهم، أو يتحدون وجدانياً تاريخاً وذاكرة جماعية معهم.
هامش المقال ومتنه المرفق
أورد أمثلة إضافية مما أضيئت به الرواية، وما يخص الهنود الحمر بالمقابل، لتقريب الصورة المأساوية للهنود الحمر، والتاريخ المرعب الذي عاشوه وكانوا ضحاياه وتردد صداه محيطياً، ومن نصوص فرنسية طبعاً، وبدءاً بالوارد تقديماً للرواية:
هذه كانت أرضنا: كاثلين غريسوم
في عام 1863، كانت فالا بريميير، وهي فتاة صغيرة من قبيلة الغراب، تبلغ من العمر 16 عامًا وتحلم بالزواج من بيغ كلاود. لسوء الحظ، ماتت الأخيرة أثناء صيد البيسون قبل وقت قصير من زفافهما، مما تركها حزينة للغاية.
ولتوفير سبل الراحة لعائلتها، تزوجت في نهاية المطاف من آبي فارويل، تاجر الفراء الأبيض الذي أطلق عليها اسم ماري. ثم ترافق ماري زوجها في رحلة طويلة إلى كندا.
ليس من السهل دائمًا التفاهم بين القبائل الأمريكية الأصلية والصيادين الكنديين، ومع ذلك عندما يبحث أربعون مسافرًا من ناكودا عن مأوى للبقاء على قيد الحياة في فصل الشتاء، يتم الترحيب بهم رغم ذلك بلطف.
ولكن في إحدى الليالي، قامت مجموعة من تجار الويسكي السكارى بمذبحة لجميع رجال ناكودا وتركوا نساء القبيلة ليغتصبوهن.
وأمام هذه المأساة وتقاعس زوجها، قررت ماري أن تحمل السلاح لإنقاذهم.
شديد الأهمية :
مع هذا العنوان (كانت أرضنا)، كنت أتوقع قصة عن استيلاء المستوطنين البيض على أراضي الهنود الأميركيين.
في النسخة الأصلية، كان العنوان "كرو ماري" وكان أكثر دقة بكثير من العنوان الموجود في النسخة الفرنسية، حيث ستكون القصة هي حياة فال-لا-بريمير، التي سميت فيما بعد كرو ماري، وهي فتاة صغيرة من شعب الغراب.
إنها قصة جذبت انتباهي على الفور. خلال الربع الأول من القصة، سنلتقي بـ Va-La-Première الصغيرة جدًا، التي تعيش مع عائلتها. إنهم الغراب، وسيظهر لنا المؤلف جزءًا كاملاً من ثقافتهم وحضارتهم وعاداتهم وأخلاقهم. لقد كان الأمر مثيرا للاهتمام للغاية، لقد تم إقناعي بالفعل.
كل شيء سوف يتغير بالنسبة لشابتنا "فال-لا-بريمير"، التي ستتزوج في السادسة عشرة من عمرها من رجل أبيض، آبي فارويل، تاجر الفراء الذي يبلغ من العمر أكثر من 30 عامًا، وتتبعه إلى المنضدة التي سينشئها. بالنسبة للناس البيض، سوف يطلق عليها اسم ماري ثم ستضيف اسم شعبها، لتصبح ماري الغراب.
ملاحظة جانبية صغيرة: يبدو أن البيض (أو المستعمرين) يحبون أن يكون لدى الجميع أسماء فريدة خاصة بهم. أسماء من التقويم، بلا شك... لغة الغراب ليست لغة سهلة، ولكن لا أحد يريد أن يبذل الجهد في نطق أسمائهم، كما هي العادة، واضطرت فالا بريميير إلى اختيار اسم مسيحي لزواجها من آبي.
"كرو ماري" هي قصة أمريكا التي تتغير، في غضون سنوات قليلة، والتي سوف تسحق الشعوب الأصلية أكثر فأكثر، مما يجبرهم على الخضوع لإملاءات المستعمرين أو الموت، مما يجبرهم على الانتقال من نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط حياة المزارعين (على الأراضي غير المزروعة!).
على غلاف النسخة الانكليزية
كرو ماري
في صيف عام 1872 في مونتانا، تزوجت كرو ماري من آبي فارويل، تاجر الفراء الأبيض، ورافقته إلى مركزه التجاري في سيبرس هيلز في ساسكاتشوان، كندا. في ربيع عام 1873، كانوا يستعدون للعودة إلى مونتانا عندما شهدوا مذبحة سيبرس هيلز، التي قُتل فيها أربعون شخصًا بريئًا من ناكودا على يد عصابة مخمورة. بعد المذبحة، تنجح كرو ماري بمفردها في إنقاذ خمس نساء من قبيلة ناكودا تم احتجازهن وإساءت معاملتهن من قبل العصابة. وهكذا، فإنها تؤدي إلى إعصار من الثقافات المتصادمة التي تبرز أسوأ وأفضل ما في مجموعة الشخصيات التي لا تنسى وتدفع الحب بين فارويل وكرو ماري إلى نقطة الانهيار. مستوحاة من حياة كرو ماري الحقيقية، وأيدتها حفيدتها الكبرى، وشيوخ كرو، وعلماء كرو، هذه قصة حب ملحمية تمتد عبر عقود من الزمن، وتعرض جمال العالم الطبيعي، وتستكشف حميمية الزواج وقلب امرأة واحدة.
كرو ماري
حول الكتاب
تعود مؤلفة كتابي "بيت المطبخ" و"المجد فوق كل شيء"، وهما من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز، بقصة شاملة وغنية بالتفاصيل عن امرأة عالقة بين ثقافتين (ساندرا دالاس، مؤلفة من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز)، مستوحاة من حياة كرو ماري الحقيقية، وهي امرأة من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية في القرن التاسع عشر.
في عام ١٨٧٢، تزوجت غوز فيرست، البالغة من العمر ستة عشر عامًا، وهي من سكان كرو الأصليين، من آبي فارويل، تاجر فراء أبيض. أطلق عليها اسم ماري، وانطلقا في رحلة طويلة إلى مركزه التجاري في ساسكاتشوان، كندا. وفي الطريق، التقت بصديقة مقربة تُدعى جيني، وهي من سكان الميتي، وصنعت عدوًا لها طوال حياتها، وهو صائد ذئاب يُدعى ستيلر، ورغم معرفتها بسرٍّ غامض من ماضي فارويل، وقعت في حب زوجها.
مر موسم التجارة الشتوي بسلام. ثم، عشية عودتهم إلى مونتانا، ذبحت مجموعة من تجار الويسكي السكارى أربعين من قبيلة ناكوتا، رغم محاولات فارويل إيقافهم. اختبأت ماري من وابل الرصاص، فشاهدت القتلة، ومن بينهم ستيلر، يأخذون خمس نساء من قبيلة ناكوتا إلى حصنهم. توسلت إلى فارويل لإنقاذهن، وعندما رفض، أخذت بندقيتين وتسللت إلى الحصن، وأنقذت النساء من موت محقق. وهكذا، أشعلت عاصفة من الثقافات المتصادمة، أظهرت أسوأ وأفضل ما في شخصيات لا تُنسى، ودفعت حب فارويل وكرو ماري إلى حافة الانهيار. من "راوي موهوب للغاية" (جيم فيرجوس، مؤلف كتاب "انتقام الأمهات")، فإن رواية "كرو ماري" هي "قراءة رقيقة ومقنعة وتعليمية ومرضية للغاية" (صادقة جونسون، مؤلفة كتاب "الزوجة الصفراء") والتي تمتد عبر عقود من الزمن، وتعرض جمال العالم الطبيعي، بينما تستكشف في الوقت نفسه حميمية الزواج وقلب امرأة واحدة.
هذه كانت أرضنا – كاثلين غريسوم
مونتانا، 1871. كانت فالا بريميير، ابنة الزعيم.
في هذه القصة، يتتبع المؤلف مصير امرأة أمريكية أصلية شابة، فال-لا-بريمير، التي كانت موجودة بالفعل، والتي ستنتفض ضد أهوال الاستعمار.
لمدة عشرين عامًا، نتبع خطى بطلتنا التي ستترك شعبها لتتزوج من رجل أبيض العينين، وستواجه صعوبة كبيرة في التوفيق بين تقاليد الغراب وحياتها الجديدة بين اليانكيين والناس من أعراق مختلطة.
هذه القصة، المستندة إلى أحداث حقيقية، تخبرنا من خلال ماري، عن المواجهة بين الثقافتين، وتعلمها للغة الإنجليزية، وعادات وتقاليد الغراب، وبداية الحياة في المحمية والتخلي عن نمط حياة هذا الشعب البدوي الذي فرضته السلطات الأمريكية، والغارات المعادية للهنود مع المجازر التي تثير ثورتنا، وبيع الكحول المليء بالإستركنين للسكان الأصليين الذين يسكرون بسبب البيض، والتنافسات والحروب بين القبائل... وهو أمر مثير للاهتمام حقًا.
تندد المؤلفة باستيلاء المستعمرين على السلطة، وقمع الثقافة الأمريكية الأصلية وحريتهم، والالتزام بتعليم أطفالهم لمحو الهوية الهندية فيهم، والاغتصاب والعنف ضد النساء الأصليات...
كانت روايتي الأولى التي يكون أبطالها من السكان الأصليين وقد استمتعت حقًا باكتشاف الحياة اليومية لهؤلاء الناس وعاداتهم وتقاليدهم وخاصة فال-لا-بريمير الرائعة التي وجدتها مذهلة، كانت شجاعة ومحبوبة للغاية ونالت إعجابي في عدة مناسبات.
وثمة تعليقات ومنها:
رواية رائعة، امرأة قوية، ستقاتل حتى النهاية من أجل حريتها، وحريتها، وحريات شعبها، وهويتهم التي تم قضمها للأسف من قبل البيض الذين يريدون أن يزيلوا وحشيتهم، ويعلموهم في مدرستهم، فقد تقرر لهم أن يعيشوا حياة طبيعية...
قصة رائعة ومديح تستحقه كرو ماري، هذه المرأة الشجاعة، التي ستحتفظ إلى الأبد بحكمة شعبها.
في القرن التاسع عشر في مونتانا، تعيش قبيلة الغراب، وهي قبيلة أمريكية أصلية يجب عليها مراقبة شعبها بلا كلل والذهاب بحثًا عن الطعام. يقوم الرجال بصيد الغزلان والأغنام والأيائل، بينما تقوم النساء بجمع التوت واللفت والنباتات الطبية.
في هذه الأراضي البرية، يمكن أن تحدث هجمات العدو في أي وقت. اجتمعت قبائل السيوكس والشايان والأراباهو للقضاء على شعب الغراب.
فالا بريميير، فتاة صغيرة من قبيلة الغراب، تحلم بالزواج من بيج كلاود، لكنه يموت فجأة أثناء صيد البيسون.
بعد أن حطم قلبها، وافقت على الزواج من آبي فارويل، تاجر الفراء ذو العيون الصفراء.
وبموافقة والدها، وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية الصارخة، تم الإعلان عن الزواج. تصبح مريم هي الأولى، وبالتالي تفقد هويتها.
ترسم المؤلفة صورة لامرأة ذات شخصية قوية تتعامل مع الأسلحة مثل الرجال، إن لم يكن أفضل منهم. إن شجاعتها والمصائب العديدة التي عانت منها تجذب التعاطف بشكل لا يقاوم، وحتى الإعجاب المعين بهذه البطلة التي كانت موجودة بالفعل بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
لكن قصة فالي لا بريمير، التي أصبحت كرو ماري من خلال زواجها، تتزامن أيضًا مع نهاية غزو الغرب من قبل المستوطنين البيض. ويحدث هذا بوحشية كبيرة، بل وقسوة، ضد الهنود، ولكن أيضًا بين الغزاة.
إن غياب الدولة والعدالة الحقيقية على "الحدود" يشجع هذا العنف، الذي لا يزال يفتقر إلى أي ثقل موازن لمحاولة توجيهه. وفي هذا الصدد، تبدو كندا، التابعة للتاج البريطاني، متقدمة على الولايات المتحدة.
يساهم تدفق الكحول بحرية في هذا المناخ من القتال والاغتيالات والمذابح ضد الهنود المكروهين والذين يساء فهمهم.
من الواضح أن كاثلين غريسوم أجرت الكثير من الأبحاث قبل كتابة كتابها، حيث عملت مع حفيدة البطلة ومؤرخين أمريكيين أصليين. إنها تجمع بشكل رائع بين السرد التاريخي والبعد الرومانسي في هذا الكتاب الجميل للغاية، مع غلافه الرائع، والذي لا يسعني إلا أن أوصي بقراءته، كما يفعل مؤلف كتاب ألف امرأة بيضاء، جيم فيرجس.
لقد أسعدتني كتابات كاثلين غريسوم الغامرة. إن أوصاف السهول اللامتناهية في مونتانا وتلال سيبرس المهيبة ليست مجرد خلفيات: بل أصبحت شخصيات في حد ذاتها، نابضة بالحياة وحيوية. بمهارة ملحوظة، يتجنب المؤلف أي تبسيط للديانة المانوية ليقدم رؤية دقيقة للعلاقات بين الهنود والمستوطنين. مستوحاة من أحداث حقيقية، تسلط رحلة كرو ماري الضوء بشكل مكثف على الثراء الثقافي للقبائل الأمريكية الأصلية في نهاية القرن التاسع عشر.
مع بطلة قوية، ممزقة بين التقليد والتكيف، وترفض إنكار هويتها، تجعلنا المؤلفة نعيش هذه الحقبة من خلال عيون ماري. نجحت كاثلين غريسوم في إضفاء الطابع الإنساني على فترة زمنية غالباً ما يتم اختصارها إلى حقائق تاريخية. ويذكرنا أن وراء الأحداث العظيمة تكمن قصص فردية من الشجاعة والتكيف والمثابرة. استمتع بالقراءة.
لقد قرأتها. Je l'ai lu.
لا يزال الموضوع يستحق الاستكشاف بقدر الإمكان، وكلما زاد عدد الكتب والأفلام والمسلسلات التي تدين العنف غير المسموع به الذي مارسه الأوروبيون على الأرض والبشر من السكان الأصليين لما نسميه الآن أمريكا، كان ذلك أفضل، فقد حان الوقت للابتعاد عن الصورة التي تبثها أفلام الغرب...
الإبادة الجماعية، والأطفال الذين يتم انتزاعهم من عائلاتهم لإساءة معاملتهم في ما يسمى بالمدارس/المدارس الداخلية، والمحميات التي لم يتم احترامها أبدًا، ومذبحة البيسون، وما إلى ذلك، والمعاهدات التي تم دوسها تحت الأقدام، كل هذا مثير للاشمئزاز، وكل هذا في النهاية يؤدي إلى تدمير المزيد والمزيد من الكائنات الحية على هذا الكوكب الرائع؟
استثنائية حقاً.
قصة جيدة جدًا لفهم المعاملة السيئة المذهلة التي مارستها الدول (الولايات المتحدة وكندا) تجاه الشعوب الأولى في هذه الأراضي الذين تجاهلوا جميع أشكال التلوث والصناعة، والذين دمرتهم أوربا بكل الطرق.
"هذه كانت أرضنا" بقلم كاثلين غريسوم: رواية تاريخية آسرة
10 نيسان 2024 | سجلات أدبية ملهمة، قراءات وثقافات
تخفي المساحات الشاسعة من مونتانا، المغمورة بالضوء الذهبي، قصص النضال والمقاومة والبقاء على قيد الحياة. تأخذنا رواية هذه أرضنا، للكاتبة كاثلين غريسوم، إلى هذه المناظر الطبيعية البرية في القرن التاسع عشر، حيث كان السكان الأصليون يكافحون من أجل الحفاظ على أراضيهم وثقافاتهم في مواجهة تقدم المستوطنين الأوربيين.
في كتاب "هذه كانت أرضنا"، تقدم كاثلين غريسوم مجموعة من الشخصيات البارزة التي تجسد التوترات والمعضلات التي رافقت هذه الفترة الانتقالية. تتمحور هذه القصة حول فال-لا-بريمير، ولكن يرافقها شخصيات بالقدر نفسه من الأهمية والتي تشكل رحلتها وتطورها.
لمساعدتك في متابعة العلاقات بين الشخصيات وفهم ديناميكياتها بشكل أفضل، قمت بإنشاء شجرة عائلة مرئية. على الرغم من أن الصور المستخدمة لتمثيل الشخصيات هي تفسيرات خيالية، إلا أنها تعمل كعلامات لتوضيح الروابط العائلية والعلاقات الرئيسة في القصة. غالبًا ما يساعدني التمثيل المرئي في التنقل عبر القصة وفهم التفاعلات المعقدة، وآمل أن تكون هذه المعلومات الرسومية مفيدة لك كما كانت بالنسبة لي، مما يسمح لك بالغوص بشكل أعمق في عالم الكتاب.
شجرة عائلة الشخصيات الرئيسة في رواية "هذه كانت أرضنا" بقلم كاثلين غريسوم
المواضيع التي تمت تغطيتها: الهوية، والمقاومة، والاتصال المقدس بالأرض
الهوية والانتماء: تستكشف الرواية الصراع الداخلي الذي تعيشه فال-لا-بريمير عندما يتم تغيير اسمها إلى ماري، وهو الاسم الذي فرضه المستعمرون عليها دون موافقتها. إن هذا التحول، بعيداً عن كونه تافهاً، يرمز إلى محاولة تحييد الهوية الأصلية من خلال فرض معايير أجنبية عليها. وللحصول على شهادة الزواج، ستحتاج إلى اسم أبيض. لقد كتبتُ "ماري" بالفعل. إنه الاسم الذي نُطلقه على جميع النساء الهنديات. بهذه الطريقة، يكون الأمر أسهل. يوضح هذا الاقتباس عملية الاستيعاب القسري. يتعين على فالا بريمير أن تتصالح مع هذه الهوية الجديدة مع محاولة الحفاظ على ثقافتها وجذورها، وهو صراع داخلي مستمر.
المقاومة والشجاعة: في مواجهة ضغوط المجتمع الاستعماري، تكافح ماري للحفاظ على تقاليد قبيلتها، حتى عندما تكون بعيدة عن وطنها. إن عملها الشجاع في إنقاذ النساء الأسيرات بعد مذبحة ناكودا يُظهر قوة الشخصية التي تتجاوز الحدود الثقافية. مستوحاة من تعاليم جدها الروحي، ريد فوكس، تُجسّد شجاعة الشعوب الأصلية وصمودها: "لا أحد يخلو من الخوف. ستمرّ أوقاتٌ في حياتك تشعر فيها بالرعب... لكن الشجاعة تُقاوم هذا الخوف". يسلط هذا الاقتباس الضوء على قوة مريم في مواجهة التحديات التي تميز رحلتها.
فقدان الثقافة والتقاليد: تكشف الرواية بمهارة كيف يسعى المستوطنون إلى "تحضير" الشعوب الأصلية من خلال إجبارهم على التخلي عن عاداتهم. يتم إرسال الأطفال إلى مدارس بعيدة عن عائلاتهم، ويحرمون من ثقافتهم الأصلية ويجبرون على الالتزام بالمعايير الغربية. يشهد ابن ماري على هذا التحول القسري: "كانوا يلتقطون صورًا للأطفال الجدد بملابسهم الهندية. وبعد أن تقص المدرسة شعرهم وتجبرهم على ارتداء الزي الرسمي، كانوا يلتقطون صورًا... قبل وبعد". تهدف هذه العملية إلى محو الهويات الأصلية وتحويلها إلى أفراد يتوافقون مع توقعات المستوطنين.
أهمية الأرض والطبيعة والحيوانات: إن العلاقة العميقة بين الغراب وأرضهم هي جوهر القصة. تتذكر مريم تعاليم شعبها: الاحترام والتبجيل للحيوانات التي تشاركهم أراضيهم. إن البيسون والغزلان والكائنات الحية الأخرى هي أكثر من مجرد موارد غذائية: فهي تمثل أرواحًا حامية واتصالًا مقدسًا بالأرض. لقد أصبح تراجع قطعان البيسون، بسبب الصيد المفرط من قبل المستوطنين، رمزًا لتدمير هذا الانسجام. تعتبر الأرض والحيوانات عناصر أساسية في ثقافة الغراب، ورموز البقاء والروحانية. ابتعدتُ بأقصى سرعة، وطعم المرارة في فمي. من ذا الذي يزدري هذه الحيوانات التي سمحت لنا بالعيش؟ يسلط هذا التأمل الضوء على الانفصال بين ممارسات المستوطنين والعلاقة المقدسة بين الغراب والطبيعة.
من خلال استكشاف هذه المواضيع، يقدم لنا فيلم "هذه كانت أرضنا" نظرة مؤثرة على تاريخ الشعوب الأصلية، ويوضح الصراعات، ولكن أيضًا المرونة والثراء الثقافي للمجتمعات التي تكافح من أجل الحفاظ على هويتها وتراثها.
الأماكن: رحلة عبر الأراضي المقدسة، من مونتانا إلى يلوستون
تنقلنا أوصاف كاثلين غريسوم عبر المناظر الطبيعية الفخمة الغنية بتاريخ الشعوب الأصلية، من سهول مونتانا إلى جبال كندا. هذه الأماكن، التي تم استحضارها بشكل رائع في الرواية، أصبحت شخصيات حقيقية في حد ذاتها، تجسد جمال وتوترات هذا العصر.
بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في استكشاف هذه المناظر الطبيعية والتعمق في تاريخ هذه الأراضي، يقدم دليل المتنزهات الوطنية للرحالة في الغرب الأمريكي Routard Parcs nationalaux de l’Ouest américain مسارات مفصلة ونصائح لاكتشاف يلوستون وغيرها من عجائب الطبيعة في المنطقة، مما يسمح لك بالسير على خطى فال-لا-بريمير والشعور بروح هذه الأراضي التي لديها الكثير لتخبرنا به.
السياق التاريخي: مذبحة سيبرس هيلز وواقع المحميات
وتستند الرواية إلى أحداث حقيقية لترسيخ قصة ماري في إطار تاريخي أصيل:
مذبحة سايبرس هيلز
تشكل مذبحة سيبرس هيلز، التي وقعت في الأول من حزيران عام 1873، حلقة مظلمة في تاريخ العلاقات بين الشعوب الأصلية والمستوطنين الأوربيين في أمريكا الشمالية.
في رواية "كانت أرضنا"، تتناول كاثلين غريسوم هذا الحدث المأساوي بحساسية، وتوضح التوترات المتزايدة بين تجار الفراء، وصيادي الذئاب من فورت بينتون، وقبائل أسينيبوين. تروي الرواية كيف تطورت مشادة حول حصان مسروق إلى مواجهة عنيفة، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20 رجلاً وامرأة وطفلاً من أسينيبوين.
يستخدم غريسوم هذه الحادثة لتسليط الضوء على هشاشة السلام في الأراضي الغربية قبل إنشاء شرطة الخيالة في الشمال الغربي، ولإظهار كيف شكل العنف والظلم العلاقة بين الشعوب الأصلية والمستوطنين.
يشكل هذا الفصل المظلم في التاريخ خلفية لقصة كرو ماري، حيث يوفر نظرة مؤثرة إلى تعقيدات وتحديات هذه الفترة الانتقالية.
الأحداث التاريخية في سايبرس هيلز
إنشاء المحميات الأصلية
تم إنشاء المحميات من قبل السلطات الاستعمارية لتجميع الشعوب الأصلية والحد من حركتها. رسميا، كان الهدف من هذه المحميات حماية أراضي السكان الأصليين، ولكن في الواقع، كان الهدف منها السيطرة على تحركاتهم وتسهيل توطين المستوطنين الأوربيين. وأُجبر السكان المحرومون من مواردهم الطبيعية على الاعتماد على الحصص الغذائية التي توزعها الحكومة.
وفي الرواية، يترجم هذا إلى فقدان مصادر الغذاء التقليدية مثل صيد البيسون، والاعتماد القسري على منتجات أقل تغذية ولكنها أكثر سعرات حرارية. وتساهم هذه القيود في تعزيز الاغتراب الثقافي للقبائل الأصلية، التي ترى أن تقاليدها وأسلوب حياتها أصبحت موضع تساؤل.
الانغماس الأدبي في الثقافة الأمريكية الأصلية من خلال الروايات التاريخية
24 تشرين الأول 2024 | قراءات وثقافات، قوائم كتب للسفر بطريقة مختلفة
لقد كان الأدب دائمًا وسيلة قوية لإعادة النظر في التاريخ، وإحياء أصوات الماضي، ونقل القصص التي تأسر وتثقف. ولا تشكل الروايات التاريخية التي تستكشف الثقافة الأمريكية الأصلية استثناءً. إنها تأخذ القراء إلى عصور غابرة، عندما كانت القبائل الأصلية تقاتل من أجل بقائها، وأرضها، وهويتها في مواجهة التوسع الاستعماري.
من خلال السرديات الملحمية، تقدم هذه الأعمال لمحة حميمة عن مرونة وروحانية وتعقيد المجتمعات الأمريكية الأصلية.
تدعوك هذه المقالة إلى اكتشاف مجموعة مختارة من الروايات التاريخية الأساسية التي تسلط الضوء على ثراء وتنوع تاريخ الأمريكيين الأصليين.
ملخص
1- آخر الموهيكان، جيمس فينيمور كوبر
2- ملحمة ألف امرأة بيضاء، جيم فيرجوس
3- الرقص مع الذئاب والطريق المقدس، مايكل بليك
4- دالفا والطريق للعودة، جيم هاريسون
5- أساطير الخريف، جيم هاريسون
6. كانت أرضنا (كرو ماري)، كاثلين غريسوم
7- الرجل الكبير الصغير، توماس بيرغر
8- كريزي هورس - الرجل الغريب من أوغلاس، ماري ساندوز
9- دفن قلبي في الركبة الجريحة، دي براون
10- تسع سنوات بين الهنود، هيرمان ليمان
11- ملحمة شايان: السكين الباهت والذئب الصغير، جيوفاني ميشيل ديل فرانكو
12- العميل الهندي، دان أوبراين
13- المذكرة الأمريكية، ديفيد جران
روكسان دنبار-أورتيز: التاريخ المضاد للولايات المتحدة
نُشر في 17 تشرين الأول 2022
"يُجيب هذا الكتاب على سؤال بسيط: لماذا أُبيد الهنود الأمريكيون؟" هذه هي الجملة الأولى من مقدمة الكتاب التي كتبها المترجم باسكال مينوريه. كنتُ أفضل أن أقول: "كيف أُبيد الهنود الأمريكيون؟". وحتى لو كانت هذه المقدمة ممتازة من جوانب أخرى، فإنني أُعارض اختيار فعل "إبادة": فوفقًا للقاموس التاريخي للغة الفرنسية (روبير)، فهو "مُستعار من الكلمة اللاتينية decimare، وتعني "معاقبة شخص واحد من كل عشرة يُختار بالقرعة بالموت"، وهي عقوبة تُفرض تحديدًا على جنود فرقة عسكرية يُقصّرون في أداء واجبهم". لكنهم لم يفشلوا أبدًا في أداء "واجبهم"، القوات المتنوعة والمتنوعة التي قتلت بلا هوادة سكان الأراضي التي طمعت المستعمرين فيها.
إن أحد الموضوعات الشائعة في الخطاب الاستعماري هو موضوع الأرض الخالية: الأرض التي لا تنتمي إلى أحد، و"لا أحد" هنا يشير إلى "الطبيعيين"، المتوحشين الذين يعيشون بالتأكيد على الأرض المرغوبة ولكنهم لا يمتلكونها، ولا يطورونها. وبالتالي، كان من الممكن الاستيلاء على هذه الأراضي دون أي تحفظات، بمباركة الكنيسة الرومانية أو الإصلاحية، وبطبيعة الحال، بمباركة الملوك الراغبين في إنشاء إمبراطوريات في الخارج.
وهكذا، فإن "أنصار النظرية البكتيرية، [الذين] يهملون أسباباً أخرى قاتلة بالقدر نفسه، إن لم تكن أكثر [...] يرفضون الاعتراف بأن استعمار أميركا كان إبادة جماعية عن عمد، وأن الوفيات الجماعية لم تكن ببساطة المصير المأساوي للسكان ذوي المناعة المكتسبة الضعيفة". ثم يتذكر دنبار أورتيز، دعماً لهذه الأطروحة: "لا أحد ينكر أن الجوع والتعب والمرض في معسكرات الاعتقال النازية قتلت من اليهود أكثر مما قتلتهم غرف الغاز؛ ولا أحد ينكر أن خلق هذه الظروف القاتلة والحفاظ عليها هي أعمال إبادة جماعية واضحة".
"إنهم يفعلون ما يحلو لهم"، هذا ما قاله زعيم قبيلة لينابي، باكونجاهيلاس، للمتحولين الهنود إلى المسيحية في عام 1781. إنهم يستعبدون أولئك الذين ليسوا من لونهم، على الرغم من أنهم خلقوا من قبل الروح العظيم الذي خلقنا جميعًا. إنهم سوف يستعبدوننا أيضًا لو استطاعوا، ولكنهم لا يستطيعون، ولهذا السبب يقومون بذبحنا. كلامهم لا يستحق أن نصدقه. إنهم ليسوا مثل الهنود الذين يكونون أعداء فقط في أوقات الحرب، ويكونون أصدقاء في أوقات السلم. سيطلقون على الهندي لقب "أخي، صديقي"؛ إذا أخذوه بيده، فمن الأفضل إبادته. سيتم التعامل معك بهذه الطريقة قريبًا. تذكر أنني اليوم قلت لك أن تكون حذرا من هؤلاء الأصدقاء. أنا أعرف السكاكين الطويلة؛ لا يمكننا أن نثق بهم. »
تختتم روكسان دنبار-أورتيز كتابها بنبرة غير متفائلة (لا يوجد ما يدعو للتفاؤل)، بل عدائية، تستحضر تجدد التعبئة الهندية منذ ستينيات القرن الماضي مع احتلال جزيرة ألكاتراز (1969) من قبل هنود من جميع قبائل المنطقة، وبالطبع، احتلال موقع ووندد ني عام 1973، موقع مذبحة للهنود على يد جيش الولايات المتحدة عام 1890. ومنذ ذلك الحين، كما تقول، "دخلت الدول الأصلية الساعية إلى الاستقلال السياسي أو الاستقلال في عملية بناء أمة من خلال تطوير حوكمة أصلية وقاعدة اقتصادية. عمل النشطاء والمدافعون عن حقوق السكان الأصليين في أمريكا الشمالية بلا كلل لعقود من الزمن لإثبات صحة المعاهدات وتعزيز وحماية حق تقرير المصير وسيادة الدول الأصلية". ومع ذلك، لا شك في أن الهنود يقصدون بذلك: "كما توضح المحامية والناشطة من السكان الأصليين، شارون فين، "نحن نعرف القوانين التي منحنا إياها الخالق". أنها تمثل التزاما. إنهم يمثلون واجبًا
. إنهم يمثلون مستقبل أطفالنا. لا يمكننا أن نتصرف مثل الشعوب غير الأصلية، الذين يسنون القوانين والقواعد ثم يغيرونها عندما لا تناسبهم. إن الخالق هو الذي أعطانا قوانيننا. يجب علينا أن نعيش وفقا لهذه القوانين. هذه هي سيادة الشعوب الأصلية. »
. […] واحدة من كل ثلاث نساء من السكان الأصليين كانت ضحية للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، ومعدل الاعتداء الجنسي على النساء من السكان الأصليين أكثر من ضعف المتوسط الوطني. »
وما ورد في الهامش " 6 " بأهميته الاستبصارية للموضوع: أعتقد أنني استشهدت ببنيامين في واحدة أو اثنتين من ملاحظاتي على القراءة، ولكن كيف لا أستعيد هنا "أطروحات التاريخ": "[...] أولئك الذين يمسكون بالسلطة في لحظة ما هم ورثة كل من لم يحصدوا النصر قط. [...] كل من حقق النصر حتى ذلك اليوم، سيكون جزءًا من موكب النصر العظيم الذي يمر فوق أولئك الذين يلقون القمامة على الأرض. تُسمى الغنيمة، المعروضة كما يليق في هذا الموكب، التراث الثقافي للبشرية. سيجد هذا التراث في شخص المؤرخ المادي خبيرًا بعيدًا نوعًا ما. وهو، وهو يفكر في أصل هذا الميراث، لن يستطيع مقاومة الرعشة. فكل هذا ليس بفضل عمل العباقرة والباحثين العظماء فحسب، بل أيضًا بفضل عبودية إخوانهم البشر الغامضة. كل هذا لا يشهد على الثقافة دون أن يشهد في الوقت نفسه على البربرية." فالتر بنيامين، "أطروحات حول التاريخ"، المجلد السابع، في الكتابات الفرنسية، المجلد الأول مقالات، 1991، ص. 437.
...إلخ
مصادر وإشارات
1-كاثلين غريسوم: كرو ماري،حياة امرأة من سكان أمريكا الأصليين، ترجمة: خالد الجبيلي، منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024، والإحالات المرجعية في المتن تخص هذه الطبعة .
2-ولدت كاثلين غريسوم في ساسكاتشوان، كندا. تعيش اليوم في ولاية فرجينيا، في المبنى الخارجي السابق لمزرعة كبيرة. هناك وجدت خريطة للمكان تعود للقرن الثامن عشر وتحمل النقش: "تل العبيد". ألهمها بحثها في تاريخ المزرعة في كتابة روايتها الأولى،تل العبيد Slave Hill (تشارلستون، 2015)، والتي أصبحت من أكثر الكتب مبيعًا في نيويورك تايمز عند صدورها ونشرت في أربعة عشر دولة. صدرت روايته الثانية: دموع الحرية Les Larmes de la liberté، عن الناشر نفسه في عام 2017، وتلتها رواية هذه أرضنا C’était notre terre في عام 2024، وهي روايتنا التي نقرأها هنا، بعنوانها المختار في الترجمة الفرنسية.
3-أشير إلى ذلك، من خلال الوارد، كإيجاز شديد لمحتوى هذا الثالوث الروائي، على غلاف كل عنوان، في طبعته الأجنبية" الفرنسية ":
تل العبيد
الولايات المتحدة، 1791. لافينيا، فتاة إيرلندية يتيمة شابة، تجد نفسها تعمل كخادمة في مزرعة تبغ. تم وضعها مع عبيد المطبخ السود، تحت حماية بيل، ابنة السيد غير الشرعية، ونشأت في حنان هذه العائلة الجديدة.
لكن لافينيا لا تستطيع أن تنسى بياض بشرتها: فهي تدخل تدريجيا إلى عالم البيت الكبير وتواجه عالمين متضادين تماما. حتى اليوم الذي قلبت فيه قصة حب كل شيء رأسًا على عقب... اشتعلت النيران في عالم المزرعة الصغير، وانكشفت حقائق خطيرة، وتعرضت حياة الناس للتهديد...
دموع الحرية:
في عام 1810، فر جيمس بايك، البالغ من العمر 13 عامًا، وهو ابن مزارع وعبد، من موطنه الأصلي فيرجينيا. وبعد مرور عشرين عامًا، دخل الشاب، الذي احتفظ دائمًا بسر أصوله، إلى المجتمع الراقي في فيلادلفيا ويعيش شغفًا مع الأرستقراطية الرائعة كارولين. لكنها تصبح حاملاً ويهدد والدها جيمس بسرعة.
في تلك اللحظة، تم اختطاف بان، خادم الشاب وتلميذه، وبيعه كعبد في كارولينا. يقرر جيمس أن يذهب للبحث عنها. ومع ذلك، في هذه أميركا الجنوبية القاسية، فهو يعلم أن هناك ثمنًا لرأسه. هل سيتمكن من إنقاذ بان رغم المخاطرة بحياته؟ هل سيجد كارولين، حبه الكبير وأم طفله؟
1871، سهول مونتانا.
فالا بريمير، التي نشأت وسط سحب الغبار الوردي في محميتها، هي ابنة زعيم قبيلة الغراب. بينما تحلم المراهقة بالزواج من بيج كلاود، يموت في رحلة صيد البيسون قبل وقت قصير من زفافهما، مما يوقعها في حزن عميق. يتغير مصيره في اليوم الذي يقدم فيه له آبي فارويل، تاجر الفراء، الوعد بحياة جديدة في كندا. تم تغيير اسمها إلى ماري بعد اتحادهما، لتجد نفسها ممزقة بين عالمين، وثقافتين، واسمين. مع تصاعد التوترات بين القبائل الأمريكية الأصلية والصيادين الكنديين، يتعين على ماري اختيار الجانبين.
أنشأت كاثلين غريسوم لوحة جدارية رائعة مستوحاة من القصة الحقيقية لكرو ماري، البطلة الشجاعة والجذابة، التي شهدت الظلم والمذابح التي تعرضت لها القبائل الأمريكية الأصلية.
"تجمع كاثلين غريسوم بين البحث المتقدم ومهاراتها الكتابية الهائلة للكشف عن واحدة من أحلك العصور في بلدنا." "
-4[Derrida, le nom, la nomination]
دريدا، الاسم، التسمية " وقد أقتبست جملاً من تنويريات متعلقة بالاسم هنا.
-5 Michel Mingote Ferreira de Ázara: Du paysage à la poétique de la terre : dialogues entre la « philopoétique » d’Édouard Glissant et l’art contemporain
ميشيل مينجوتي فيريرا دي أزارا: من المناظر الطبيعية إلى شعرية الأرض: حوارات بين "الشعرية الفلسفية" لإدوارد غليسان والفن المعاصر
-6 Elsa Mourgues: Wounded Knee : 130 ans après, la vérité sur le massacre des Amérindiens ?
إلسا مورجيه: الركبة الجريحة: بعد 130 عامًا، هل ظهرت الحقيقة بشأن مذبحة الأمريكيين الأصليين؟
7-جون دوكر: أصول العنف " الدين، والتاريخ، والإبادة "، ترجمة: علي مزهر، مراجعة: حسن ناظم، منشورات الكوفة،بيروت، ط1، 2018، ص 64.
-8 Roxanne Dunbar-Ortiz: Contre-histoire des États-Unis
روكسان دنبار-أورتيز: التاريخ المضاد للولايات المتحدة
9-تزفيتان تودوروف: فتح أمريكا، مسألة الآخر، ترجمة: بشير السباعي، دار سينا، القاهرة، ط1، 1992، والإحالات المرجعية في المتن تخص هذه الطبعة.
وكإضاءة ثقافية للكتاب هذا، ينظر في كتاب ميشال دوشيه: تقاسم المعارف " الخطاب التاريخي والخطاب النياسي " ترجمة: حسين جواد قبيسي، منشورات المنظمة العرية للترجمة، بيروتط1، 2010، بدءاً من المقدمة " صص17-46"..
10-للتوسع، ينظَر في كتابي: ألف قطرة دم وقطرة " دراسة في الإبادة الجماعية "، مركز دراسات الإبادة الجماعية، جامعة دهوك،ط1، 2019،الفصل الأول، خصوصاً ، صص 55-83، وتقديمي لكتاب: عنف العالم، لجان بودريار وآخرين، ترجمة: عزيز توما، مع تقديمي وتعليقي، دار الحوار، اللاذقية،ط1، 2014،صص20-25...إلخ .
11-إيف تيريو: أشيني، ترجمة :د. محمد عبدو النجاري، دار الحصاد، دمشق، ط1، 1999، وأرقام الصفحات واردة في المتن، للإيجاز.
12-جاك دريدا: قوة القانون الـ" أساس الروحي للسلطة "، ترجمة: محمد الشقيف، دار الحوار، اللاذقية،ط1، 2019،ص 48.
13-ألف قطرة دم وقطرة، المصدر المذكور، ص 58 .