معبَر وجوديّ
ليس من قانون يؤطّر عنوان كتاب، أو بحث، أو مقال، جهةَ الربط المباشر بمحتواه، ولا بأي شكل كان، ، وهو يتعهد لقارئه في أن يتناغم مع أفق قراءته. عالم اليوم، أكثر من أي يوم مضى يشهد انفجاراً نوعياً في العناوين تعبيراً عما نشهده في التنوع الثقافي بموضوعاته، وطرقه، أبعد مما هو مألوف في خانة المناهج وسلكياتها البحثية، لعل اللامعهود في بنية العلاقات في مجتمعات اليوم، على أصعدة مختلفة، وأساليب تواصلها واتصالها البيني، وفي ظل تكنولوجيا الميديا والذكاء الاصطناعي العابرة لحدود االدول، يخفف وطأة سر أو مستجد كهذا.
إنه سؤال العتبة، العتبة المحك، وما يعطي العتبة اعتباراً في عملية الربط القائمة أو المتوقعة بين العنوان وما يمكن أن يُقرأ فيه من احتمالات، وموضوعه الذي أجله، أو بسبب منه كان، بمفردة واحدة أو جملة، أو بواحدة منهما، وبما يحددها في مسار عملها، هذا الذي يشكل نقاط استناد لموضوعها، وثمة التزام بها في عملية البحث داخلاً.
العنوان بالطريقة هذه، له لعبته، طاقة إخفائه كذلك لمحرّكه البحثي ودافعه، غوايته الضمنية لدى واضعه بوعي أو دونه، وهو قابل للنقاش، مع موضوعه، أو بدلالة منه، أو بهما معاً. ليكون حامل سر وكشافه في نصه.
ماالذي يمكن تبيّنه في كتاب الباحث السوري محمد نفيسة: مسلمو اوروبا " تحدّيات الدين والهوية والاندماج "، في ضوء العنوان بالطريقة السالفة، وبالصيغة التي ورد بها؟ " 1 "
على الغلاف الخارجي للكتاب، ما يحدد منطلق البحث: البعد الديني( يُعدُّ البعد الديني، من المتغيرات المهمة التي تصوغ شخصية الإنسان- فرداً وجماعة- ومنظومته القيمية والفكرية والعاطفية، وتلعب دوراً رئيسياً في توجيه سلوكه وعمله وتواصله وعلاقاته...)، وهو بذلك بات واضحاً في المقصد الذي كان وراء وضعه لكتابه هذا. وما أفصح عنه في حوار معه، بخصوص جديد هذا العمل البحثي النظري والميداني، يقرّب الفكرة أكثر:
( هناك العديد من الكتب التي ناقشت موضوع المسلمين في أوروبا، ما الجديد الذي حمله كتابك؟
الكتب والدراسات التي ناقشت موضوع المسلمين في أوروبا، تناولته من أبعاد أخرى غير البعد الديني الفكري، ولم تجب عن التساؤلات التي تتعلق بالأسس الفكرية التي تعزز حالة القطيعة مع الآخر، فبعضها ينطلق محاولًا دحض المقولات والعبارات المكرّرة في الإعلام الغربي، بأنّ الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية، أو أنّه لا ينتمي إلى أوروبا، أو أنّ الإرهاب مرتبط عضويًّا بالإسلام، وبعضها الآخر يكتفي بتوصيف الواقع تاريخيًّا وآنيًّا، من حيث وجود المسلمين ومؤسّساتهم، وتفاعل المؤسّسات الأوروبية الرسمية وردود أفعالها عليه، وحتى الكتب التي تناولت التحديات الدينية التي تواجه المسلمين في أوروبا في المأكل والمشرب والعلاقات الجنسية والعلاقات الاجتماعية والعمل وغيرها، تناولتها في صيغة حلول فقهية وفتاوى دينية. وهذا كله لا يلبي الحاجة إلى وضع أساس فكري متين، معتمد على فهم أصيل للدين وأحكامه ومقاصده وتطبيقاته، لتقوم عليه الحياة المشتركة والتكاملية في أوروبا المستقبل..
إننا في هذا الكتاب بصدد إحداث نقلة نوعية في التعاطي مع قضايا الإسلام والمسلمين، دون خوف أو وجل، ودون مراوغة أو تقية، ودون هروب أو انغلاق أو انعزال، نطرح ما لدينا بثقة ومحبة وانفتاح، دون ذوبان في الآخر ودون انسلاخ عن هويتنا الإسلامية الأصيلة.)" 2 "
أنوّه إلى أنني أوردت هذه الفقرة كاملة، وهي تمثّل جواب الباحث على السؤال مستفسراً عن جديده، لأن فيه الكثير مما يفيد في عملية القراءة أولاً، وفي النقاش حول ما إذا كان ذلك متجاوباً مع الواقع العملي في عمومه، واقع المسلم المهاجر، ثانياً، وكما تناوله، وبدءاً من الاسم بالذات وما يكون في مفهومه " من يكون هذا الاسم: المسلم "، أم هناك ليس ما أغفل عنه، أو تناساه أو تجاهله، إنما ما يدخل في نطاق الواقع الذي يستجيب لقراءته ذات المنحى الديني وليس كما هو، أكثر وساعة مما اعتمده مسلَكَ بحث، وطريقة تحديد للفكرة ، أي أبقاه نزيل بعده الديني، أسيره تحديداً، كما لو أنه لسان حال ما سمّاه وثبَّته" ماذا يوجد تحت جبّة هذا البعد، وبالنسبة للباحث في الصميم" أي ما يمضي بالمسلم هذا إلى حقيقة ما هو عليه لحماً ودماً ولساناً ناطقة بلغة وهوية يُلحَق بها الديني واقعاً..
من هنا، أستطيع البدء، حيث يكون هذا المسنود إليه في الكتاب، وحامله البحثي، نصْب حواري معه.
العنوان بما يخفيه
ربما كان المعضل بداية في العنوان نفسه، أو باعثاً على سؤال المحتوى: من هم مسلمو أورُبا؟ كيف يُنظَر إليهم؟ وبدقة أكثر، ومن خلال الكتاب: ماالذي يثار من خلال هذا العنوان؟ ويأتي التحديد مفصِحاً عن هاجس ثلاثي الأبعاد، جهة التحديات: الدين والهوية والاندماج ! أن يأتي الدين بداية، ينسجم مع العنوان العام والرئيس للكتاب، وتالياً، تكون الهوية معطوفة على الديني، ويكون فعل الاندماج قائماً، من جهته على أساس هذا الدين بوصفه هوية، ويعني ذلك وجوب البحث عن " مهبط " الدين: الإسلام، وكيفية النظر إليه حياً حاملاً لكل ما هو حياتي !
الاسم مجرد من كل تخصيص، من التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي للجهات التي خرج منها، وهي معلومة بكيانها السياسي والاجتماعي والاثني، والأهم: القومي، مهما كان نوع اعتماد واقعاً .
تاريخ الإسلام كان تاريخ الذين جسَّدوه في أقوالهم وأفعالهم من بدء تشكله، وفي المواقع التي عرِفوا بها سيادياً أو سلطوياً، بدءاً من الاسم الأول " محمد " إن تحدثنا عن خاصية العصبية وتاريخيتها حيث يكون الإسلام ديناً وثقافة، مجتمعاً وأمَّة ولغة، فقهاً وشريعة، وليس هناك اسم له اعتباره الديني في التاريخ العربي – الإسلامي، كتأطير زماني- مكاني، مستثنى من هذا المقوّم المركب: العصبي القبلي، وحتى الراهن سريان فعله جار هنا وهناك، إن تحدثنا عن جمهرة الصراعات والنزاعات التي شهدها الدين في نصوصه الكبرى وسجالات فقهائه " 3 "
اعتماد عنوان كهذا قفزٌ على التاريخ، ومخاتلة في آن، مع ما في ذلك من تعتيم على الواقع. بناء عليه: الباحث من سوريا. هل يعرّف بنفسه مسلماً، وأي مسلم، وإن كان منخرطاً في تنظيم ديني إسلامي، من نوع أخواني، أو غيره، ويكتفي بذلك، دون أن يفصح عن كونه عربياً سورياً، وفي ألمانيا بالذات حيث يقيم؟ ولحظة النظر في بنية الحكومة الجديدة في بلده ، في سوريا، هل يعرَّف بها : إسلامية حصراً، أم تحمَّل بعلامة فارقة عربية ؟
هذا ينطبق على كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين، وفي أكثر الحركات الدينية: الإسلامية تشدداً، كونهم لا ينسون من يكونون في النسب العرقي أو القومي، وهكذا يأتي تسجيلهم في البلدان التي يهاجرون إليها.
طبعاً، يأتي إيراده للآيتين من سورة " الممتحنة " وبعد البسملة، مظلة لفكرة الكِتاب بالذات، ومن باب وجوب الانفتاح على الآخرين، أو دعوى الانفتاح وتوخّي المرونة في التعامل. والخطاب موجه ليس إلى الذين هاجروا أو يهاجرون إلى " الغرب " مثلاً من المسلمين، وإنما موجه إلى قارىء ليأخذ علماً بما ينوّه إليه الباحث نفسه.
بالصيغة هذه يجري التعتيم على الجاري في الواقع، وفي الوقت نفسه، يكون التناقض الصارخ، من قبل الكثيرين ممن، ما أن يهاجروا " مجتمعاتهم " التي تُدار إسلامياً إجمالاً، وهي متنوعة ومتباينة ومختلفة في طبيعة أنظمتها السياسية، كما هو معروف جيداً، بدنيويتها حتى شحمة أذنيها، قومية، شبه قومية، لكنها في المتن تعتمد الإسلام حجاباً حاجزاً لها، تتنفس من ورائه، وتسطّر أدبياتها الحِكْمانية بمداد ديني مكثف، ما أن يطأوا أراض دول " الغرب " وامتدادات الغرب، حتى يكون الإسلام هو الهوية الملوَّح بها، تعزيزاً لثقافة تلفيقية، وشعبوية دينية مؤسطرة إلى أبعد الحدود، في مجتمعات تكون العلمانية ميزتها الكبرى، ليكون الغرب غرب الآخر نقيضاً، وهو الملجأ الذي يُحتمى به، سعياً إلى تثبيت الذات من هذا المنحى ، وعنوان الكتاب يترجم مضمونه هكذا. مع ما في هذا الإرسال الدلالي من تجيير لحقيقة المجتمع، ونوعية المهاجرين، وتقسيماتهم القومية، الاثنية والدينية، حيث يأتي على ذكر الهجرة، ومسلمي أوربا، دون أي إشارة إلى هذا التمييز الذي يستحيل تجاهله، إلا لمن يتنكر له، في مجتمعه بالذات، على صعيد بنية السلطة، ومن تمثّل سياسياً، ومن هم ضحاياها، قومياً، وبديماغوجيا دينية إسلاموية إلى الآن" حال الكرد " ومن هاجروا، وما أكثرهم، وهم ضحايا الحالتين: القومية المتسلطة" العروبية " والإسلامية الموجهة المسخَّرة في خدمة تلك " حال المسيحيين: سرياناً وأرمناً "4" .
في تناوله لموضوع الهجرة إلى أورُبا، تتكرر عبارات، من مثل: " الخلفية الدينة – الأفكار الدينية- الثقافة الإسلامية"، وهي واحدة في المحتوى، تأكيداً على سريان فعل الديني لدى المهاجرين، ولدول المنطقة " سوريا- اليمن، العراق، مصر وليبيا " موقع كبير، الخزان الجماعي الذي خرجت منه مئات الألوف من المهاجرين" المسلمين في الواجهة "، ليأتي التشديد على هذا البعد( وما يزال المهاجرون يواجهون أسئلة الدين والهوية والثقافة والخصوصية إضافة إلى أسئلة الاندماج والتكيف والتواصل والعمل..) وإبراز ( المكانة البارزة التي تحتلها الثقافة الإسلامية لمعظم مهاجري الفترة المذكورة " ما بعد عام 2011 حتى نهاية 2021 " في تفسير صعوباتهم ومشكلاتهم وأخطائهم وسلوكياتهم..ص15). لينوه إلى تجربته في هذا المجال( في ضوء المعلومات الدينية التي حملوها " المهاجرون " معهم من بلادهم..ص16 ) ..
لا يريد الباحث أن يخسر شيئاً سواء من بلد النشأة أو في بلد الإقامة الأجنبية، حيث يكاد يتكتم على الجهة الجغرافية التي خرج منها، ونوعية العنف الدموي فيها، بنطامها المستبد، وليؤمّن خط " رجعة " له في حال الرجوع، وقد قدَّم نفسه مسلماً، للبلد المضيف، وما في ذلك من ازدواجية تترجم وهم المقصد .
هكذا يكون تناوله لمفهوم جغرافي عائم" العالم الإسلامي " وكأنه وحدة واحدة ديناً ودنيا، ولكي يضفي على الكتابة لديه طابعاً من الافتخارية بنزعتها الإسلاموية " القوموية أصلاً "، يذكّر بتاريخ كان، في سردية العلاقات بين المسلمين والآخرين، ولا ينسى أن يسمّي ما يمنحه درجة إضافية في هذا الجانب( يرى مسلمو اليوم في الحملات الصليبية حروباً استعمارية دموية إقصائية ظالمة، إضافة إلى أنها حروب استغلالية انتهازية، سعى قادتها من الفرنجة إلى استغلال إيمان العامة للسيطرة على ثروات الشرق ومقدراته..ص27).
ماذا يُراد من هذا الكلام، وهو في البلد المضيف، البلد " الصليبي تاريخياً، الذي احتضنه، ليشدد على أنه مسلم، مسلم أيام زمان، حيث يجري الحديث، كما يتكرر عن الفتوحات الإسلامية دون ترو في المفردة واقعاً، وهو في حرب جهادية مقدسة ضد رموزه. وإذا كان هناك من تعليق أو توضيح لما تردد هنا، فليس لتبرئة ذمة ما كان جهة " الحروب الصليبية " وإنما لمكاشفة تاريخ لطالما زُجّ به في سردات معتم ورطب لحظة الحديث عما يكون في محليته " مشرقيته "، أتراها مبالغة إذا قلت، أن ما تعرض له المسلمون، مذ ظهروا وإلى الآن، وعلى أيدي حكّامهم، وأنظمتهم، ومتفقهيها، ودعاتها وحماتها، ونكّل بهم، استعبادهم بصور مختلفة، وكانوا ضحايا " الإمامة : السلطة " في مختلف عصور الإسلام، أكثر بكثير مما عانوا من أعداء " الخارج "!
أكثر من ذلك، ما نسمع به، ونشهد من هذا النزيف الممثّل في الهجرة في أوقات مختلفة، وحديثاً أكثر، وحتى من قبل أشد من عادوا الغرب، باعتباره كافراً، حين يشعرون أنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار تحت وطأة الشعارات الخلّبية، أو مجندي حركات جهادية هنا وهناك، وعندما تواتيهم فرصة الخلاص، تكون أوربا هي الملاذ الآمن، هي المنشودة، كما لو أنها لم تكن يوماً عالم الكفر" دار الحرب " وفي سياقات مختلفة، بهيئة جديداً، أي وقد حلق شعره الطويل والأشعث ولحيته المبعثرة، وقدَّم نفسه على أنه هارب من ظلم نظام، وهو في قرارة نفسه لا يخفي رفضه الجذري لهذا " الغرب " الذي منحه حق اللجوء والإقامة، وحتى الجنسية، ويعلم جيداً جداً، وهذه يجب أن تسجَّل بجلاء، ومن خلال ما يسمع أو يقال له، أنه حتى في حال كشِف عن أمره، فإنه لن يتعرض لتلك المحاسبة الصارمة، أو العقاب، كما الحال في بلده، لأنه في مجتمع يبقي العقوبة المادية إجراء مؤجلاً..
حريصٌ هو الباحث على ما يقول، يقظ إلى أبعد الحدود، في انتقاء الكلمات التي يُراد لها أن تُقرَأ في كتابه، والحيطة والحذر تجاه ما يتعارض مع إيديولوجيا ماكرة، متوارية وراء سردية مفبركة إسلاموياً. مثلاً حين يشير إلى الشعوب التي سعت إلى نيل استقلالها في معمعان الحرب العالمية الأولى، فيذكر الأرمن فقط( وكان الأرمن من ضمن هذه الشعوب التي كانت لها تطلعات بإنشاء وطن قومي. ص 29). طبعاً ليس للكرد وجود يُذكَر في جعبته الإسلاموية، وما لهذا التجاهل من أنوية طاغية وشحنة الكراهية إزاء الآخر" الكردي، هنا " الذي ربما يكون جاراً له في ألمانيا حيث يقيم، أو أكثر من كردي في محيطه الجغرافي. وحين يأتي كأمثلة على مآسي الهجرة، على ذكر ذلك الطفل ( المنكفىء على وجهه على ساحل البحر..ص45)، دون أن يأتي على ذكر اسمه، أو من يكون، كما تصرف آنفاً، وحتى السيارة التي وجدت فيها جثث مكدسة ( في بلدة بادروف النمساوية)، وإشير إلى أصحابها هكذا ( يعتقد أنهم من الجنسية السورية..ص46). من كان هؤلاء؟ ليس لدى باحثنا شجاعة الاعتراف بالحقيقة هنا، أي كونهم عموماً كرداً..أهكذا يكون المسلم في ضميره الحي وشهادته التاريخية ؟
إن تركيزه على أعداد المهاجرين المسلمين، رغم الجانب الإحصائي والتوثيقي، لا يُعتد به، ليس لعدم دقة عمله، وإنما لأنه منذ البداية أغفل ما كان عليه الحرص عليه: عدم وضعهم جميعاً في سلة واحدة، والتساوي فيما بينهم.
عدا عن تناول المهاجرين لا يسير في مسار خطي واحد، وبالنسبة لأوربا قاريا، ومفهوم المسلم أوربياً هنا.
( كم عدد المسلمين في أوربا؟ السؤال ليس بهذه البساطة كما يبدو. بعض الدول، مثل فرنسا، لا تجري تعدادًا دينيًا، في حين أن دولًا أخرى، مثل ألمانيا، تجري تعدادًا رسميًا. ثم يتعين علينا أن نتفق على التعريف الذي لدينا لأوربا: هل تندرج تركيا وروسيا ضمن هذه المجموعة؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن العدد يزيد بشكل كبير. وأخيراً، فإن المتغير "كون المرء مسلما" ليس من السهل تعريفه. من أي مستوى من الممارسة الدينية يصبح الإنسان مسلماً؟ هل يمكن أن تكون مسلماً ولا تمارس الإسلام؟ هل يعتبر الأطفال المسلمون مسلمين "ثقافياً" قبل أن يكبروا بما يكفي ليقرروا بأنفسهم ما هو دينهم؟
رغم أن الغالبية العظمى من المسلمين في أوربا الغربية يأتون من موجات الهجرة الأخيرة، إلا أن التاريخ بين الإسلام وأوربا أقدم بكثير. وعلى عكس الاعتقاد السائد، فإن أوربا ليست قارة ذات جذور مسيحية فقط، على الرغم من استياء أولئك الذين أرادوا، أثناء المناقشات حول دستور أوربا، أن يروا الالتزام بالقيم المسيحية كعامل ضروري للانضمام إلى الاتحاد. بالإضافة إلى ألبانيا والبوسنة والهرسك، الدولتان الأوربيتان الوحيدتان اللتان تضمان أغلبية مسلمة؛ وتوجد في مقدونيا الشمالية وقبرص وبلغاريا أقلية مسلمة كبيرة يعود وجودها إلى الأيام الأولى للتوسع العثماني في البلقان، منذ بداية القرن الرابع عشر. وفي الوقت نفسه، شاركت الحملات الصليبية، التي قادها على وجه الخصوص الفرسان التيوتونيون، في تبشير شعوب بروسيا وليتوانيا وليفونيا وإستونيا...إلخ) " 5 "
تجلي الهوية إسلامياً
الإسلام معبراً إلى العلاقة مع الآخر، كدين، الهوية إسلامياً كبناء علاقة مع الآخر ثقافياً. كيف يمكن التقريب بينهما، عندما يركّز الباحث على الإسلام كهوية وهي تعميمها، لأنها تضم تنوعاً هائلاً وتعارضياً في المتن، بين قائمة الهويات العملية والرسمية التي تميّز حامليها عن بعضهم بعضاً: التركي، العربي، الفارسي، الأفغاني، الباكستاني، الهندي ، الكيني والإثيوبي...إلخ( يشعر المهاجر بمزيد من الحيرة والغربة حين يصل إلى تخوم القيم العميقة للمجتمع الجديد، في المناسبات الحميمة والعاطفية، وأمام معايير الجمال والمتعة، ومقاييس السعادة والنجاح، وفي مناسبات الأفراح والأعياد، وفي طقوس الزواج والولادة والوفاة..ص58 ) .
نعم، ثمة حيرة، قلق، هاجس خوف مما هو فيه" المهاجر" وهو في مجتمع مختلف. ولكن وفق أي طريقة تفكير يمكن الإصغاء لقول يأتي بهذه الشاكلة، وليس من تفريق بين مهاجر وآخر؟ ومن هو هذا المهاجر، بالنسبة المعلومة، الذي يعاني كرب الغربة، ومأساة العالم المغايَر، وهو محمول بذاكرة منجرحة سببها وطن لم يكن وطناً في واقع أمره، وفي ظل نظام، كان الحائل الأكبر أمام نشوء مجتمع بمعناه الفعلي، وبشر في مجتمع فعلي؟
إن النظر إلى الهوية من زاوية دينية، والتعريف بمحتواها، وفي ضوء ذلك تتم سَلسَلة المعلومات التي تمنحها قواماً فكرياً أو تقصياتياً بصدد المفهوم هنا" الهوية " لا يبعدنا عن " بيت القصيد " بالنسبة لأس الكتاب " أي عنوانه الرئيس " وإنما يمارس تشويشاً مضاعفاً للعنوان، اعتماداً لا واقع يجري تبكيمه وتخريسه، ليكون المسطور هو المشير إليه، وما هذا الاستطراد في الحديث عما يكونه " الاندماج " بوصفه " مزجاً وإدخالاً لعناصر أو أفراد في كل أكبر..ص59 ) و( الالتحام والاتحاد بين مكونين أو أكثر ) و( التكامل والتضامن والتآلف بين مكونين أو أكثر..إلخ . ص60)،وما للغة من دور في ذلك( تحتل اللغة الأم الركن الثابت في رحلة الكفاح من أجل حفاظ المهاجرين على هويتهم..ص66)..إلخ، وما في ذلك من استغراق في مفهوم هلامي يخص الهوية.
إذ كيف يجري تناول الهوية وهي ممزقة في بنيتها الأولى؟ في وعي الفاجعة المتمثل في هوية أعطيت للشخص في بلده ليس حباً به، وإنما لجعله تحت الطلب، هوية تذكّره دائماً بأنه في وضعية " تحت اليد " وخرافة الاسم بالنسبة لمن تفرَض عليه كرهاً، في نظام لا يحترم الآخر في لغته وقوميته وثقافته الخاص، حال الكرد مثلاً؟
وأن مراقبة هؤلاء تجري حتى في البلد المضيف، وباعتماد أساليب في التهديد والوعيد، ممن جرى عجْنهم نفسياً وعقلياً في بوتقة نظام ، يعظّم شعارات الأمة، والشعب، والقومية، ليشرعن طغيانه، ومن خلال من يدعي تمثيلهم ضد المجردين من خاصية الاختلاف في اللغة والثقافة، أي الهوية الدالة عليهم، ولا أكثر من الأمثلة هنا.
لأن تاريخاً انقسامياً واحترابياً وباسم دين مختزل إلى عبادات محددة، وطقوس موجهة، وأدعية مناسباتية تعبوية.
هوية تحيل حاملها إلى كيان أسطوري، فرادة عنصر، نموذج إنساني لا يعلوه آخر عنصرياً، لا يهزَم أبداً، وما لذلك مع الزمن ومن خلال تربية محروسة، وثقافة رائجة وإعلام موجه، في مجتمع " خردة " في نوعية المعاش فيه، تسقط الفردية في بوتقة الشيئية المصنعة من الخارج، لصالح داخل خدَمي للنظام القائم .
يصدق هنا ما ذهب إليه علي حرب ( علي حرب: ليست الهزيمة أن يندحر جيش أو يسقط نظام أو يُغلَب حاكم بأمره على أمره. بل الهزيمة أن لا يصدق المرء أنه هزم أو أن لا يدري كيف هزم ولم هزم.)، وربما من هذا المنطلق، وفي سياق هذا التعاظم الكارثي كان قوله الآخر(الهوية مركَّبة- إنني أرفض حقاً أن أصنف في خانة معينة لأن مآل التصنيف هو الاستبعاد والاتهام ولأن هويتي ليست محددة سلفاً.) " 6 " .
الباحث حدد مفهومه للهوية، منذ البداية، كما تقدم، هوية دون هوية إن جاز التعبير، هوية تتقدم إلى الأمام شبح الاسم المصوَّر، أو الجاري تخيله، بناء على ثقافة هي نفسها تعرضت لكم وافر من الابتسامات، لأنها" الهوية " تجد نفسها كينونة حية، في جملة مؤثرات متداخلة مع بعضها بعضاً، حيث يكون الأنا والآخر داخلاً وخارجاً.
وفي الغرب، حيث يكون المهاجر موجوداً، وقد اكتسب صورة هوياتية أخرى، تضاف إلى صورته التي حملها معها، وليس كما، يكون الكارثي حاضراً بكل عنفه، لأن الثنائية تتكلمها قسراً، وفي عالم اليوم، وفي ضوء ذلك، لا أرى في تلك التعريفات والشروحات ذات الصبغة التاريخية واللغوية عن المسلم، وماذا يكون وكيف يكون، أي فائدة لتنوير حقيقة الاسم المطروح في واجهة الكتاب" مسلم أوربا "( إننا نستخدم مصطلح الإسلام ) ، ونقصد به الدين الذي بُعث به محمد، ويقوم على مبدأ التوحيد، ويعترف بكل الأنبياء والرسالات والكتب السماوية، والكتب السماوية، وكتابه المقدس هو القرآن و( المسلم ) محل البحث هو كل من صدق بدين الإسلام الذي بُعث به محمد ، بمبادئه ورسالته ونبيه، وعرَّف نفسه بأنه مسلم.ص 77) .
ما مغزى توصيف وتعريف كهذا في الواقع؟ أليثبت الباحث أنه حافظ الإسلام شرعة ومنهاجاً، وفي هذا المقام ؟ تُرى، في ضوء هذا الذي أوردنا، أين يكون موقع أوربا، وكيف يكون؟ لا بل كيف ينظَر إلى المسلم والآخر، في ضوء ما هو منظور إليه إسلامياً، حيث التراتبية الدينية لا تسمح بالتقابل، إنما بالتفاوت لصالح الإسلام، والآخر لا يعدو في علاقة كهذه، أن يكون الداخل في ذمة المسلم، أو الذي يكون تابعه، لأن الإسلام يشترط ذلك، ومن ثم، فإن الذي يُرتجى منه، ويراد اعتمادُه في ضوء الآيتين، من " الممتحنة " يتراجع إلى الوراء، حيث يتم الروحي بالزمني، ما يلغي أي مساحة اعتبار، أو تقدير، أو هامش للآخر " غير المسلم " أو المسلم نفسه في ظل من يحكمه " 7 ".
الهوية معقَّدة، بشكل غير مسبوق كما هو تعقيد عالم اليوم، ومستجداته، ووضع المسلم مغاير لما كان عليه حتى الأمس القريب جداً، لأن تسارع الأحداث والتحديات الكونية والعابرة للحدود، هو الذي يتطلب ذلك . من هنا يكون أي تصنيف للهوية: أن يدعي احدهم أنه مسلم، هكذا بإطلاق، أو عربي، أو تركي، أو فارسي، أو كردي...، كما لو أنه لمجرد تفوهه هكذا حتى يؤمّن على نفسه، وتصادق عليه الحقيقة، بينما يكون قد عزل نفسه عن نفسه تماماً، وتكون أحبولة السقوط المريع في هاوية الهوية تعبيراً عن حالة استهواء إيمانية تلذذية إجمالاً .. وجملة الصراعات التي تشهدها المنطقة، بعنفها وضحاياها وألوان الكوارث والآفات التي نجمت عنها، ما هي إلا السردية المترتبة قطعياً على سردية الاستهانة بالواقع، بالذات، بالآخر، وبالانتماء النوعي والجنسي معاً. أكثر من ذلك، إن الكم الوافر من المعلومات التي يحشدها الباحث، ومن خلال إحالات مرجعية، بلغات مختلفة، إنما يثقِل على المعنى، بقدر ما يزيد المفهوم المراهَن عليه في جمعه الغفير والملياري: إسلامياً رعب محتوى، طالما أن العلاقة مع الذات أبعد من أن تكون واضحة، فكيف بها وهي مع الآخر، رغم التحفظ على تقابلهما هكذا، جرّاء المشهود له بالتداخل في ثقافة تشدهما إلى بعضهما بعضاً، ومصير يُسمّيهما معاً، ويحتّم وجوب عقد مجتمعي كوكبي، تكون العلاقات الشاملة لكل ما يشغل الإنسان وكونه مرجعاً مشتركاً لهما.
لهذا، يأتي كلام حازم صاغية ذا دلالة، لحظة التدقيق في المسوغ المعرفي الذي صاغه هكذا ( لا غرو في أن العرب المهجوسين بالهوية والآخر لم يتعدوا مرحلة طفلية موضوعها الرحم وحبل الصرة. وما العناوين الكثيرة التي يتداولها كتابنا على هامش الهوية ومسائلها، كالحداثة والأصالة، والتراث والمعاصرة، والذات والكونية، غير تعابير على أننا لم نهجر السلطنة العثمانية وأسئلتها، ولم ندخل بعد، زمن انشطار العالم دولاً ومجتمعات، والذي هو زمن تعرضنا للعالم وتحديه لنا كبالغين أسوياء، وتالياً كأبناء دول ومجتمعات وجنسيات لا يملكون في جعبتهم أية وسيلة يتعرفون بها إلى معناهم .)" 8 ".
إن مزيداً من القراءة للكتاب، يفصح عن ذلك الطابع المدرسي والقالبي إجمالاً، كما في تناوله لـ" الخريطة الدينية لأوروبا . ص 86" وأنه حيث ينتقد مفهومي " دار الإسلام ودار الحرب في الفصل الرابع، و ما ينوه إليه في الختام( أرجح ضرورة إعادة النظر في هذا التقسيم. ص 124 )، يخل بمفهوم الأصل من حيث لا يدري، النص الذي يجب النظر إليه عميقاً في ضوء كل مستجد، ليكون نص حياة، نص ثقافة وحضارة لا نص ندْب لهما.
وإذا حاولنا النظر إلى الموضوع في بنيته التاريخية، لرأينا أنه حصيلة تجاذبات مختلفة، على صعيد التكوين الذي يبقى خاضعاً لمنطق التاريخ الحي تنوعاً، وتفاعل أضداد بالمقابل، حيث إن المسلم هذا الذي يجري تناوله في أدبيات التاريخ ليس وليد " الداخل " كما في مفهوم " دار السلم " مقابل " دارالحرب " خارجاً، بتأطيره الديني القطعي تعبيراً عن ذهنية انضباطية صارمة، يتدخل فيها الديني والدنيوي، فلا تكون جملة الوعود بالجنة، لم يخلص للداخل، وقواعد الولاء والبراء، إلا تجسيداً لمخاوف لها حسابها الزمني الطويل المدى من قبل الذين رفعوها إلى مستوى العجائب. هوية لا تكف عن طرح نفسها خارجاً، جرّاء هذا " السياج المضروب داخلاً، وكما هو الحال هنا في الكتاب.
يمكن الحديث هنا عن صرخة القوميات المكبوتة في مجتمعات سمّيت مجتمعات جزافاً، عن شعوب أعطيت أسماء بمفهومها السوسيولوجي، وأطّرت في حدود سياسية تشارك فيها الخارج الإمبريالي، الممثّل لقوى ابتزاز كوكبية، أبعد مما يؤرّخ له بالاستعمار الحديث، حال ما يعرَف بالإمبراطوريات المقامة تاريخياً بالقوة، طبعاً تكون الإمبراطورية العربية – الإسلامية، فالفارسية، فالعثمانية ضمناً، لتكون تلك المعرَّف بها أوربية لاحقة، متداخلة معها، ومشاركة إياها في عمليات التوسع السلطوية، تحت مسميات دعوية ومهدوية وغيرها مشرقاً ومغرباً.
ما يتطرق إليه الباحث السوسيولوجي بوزارسلان في مسحه الأركيولوجي لجرثومة العنف العريقة وهي محمولة بخواتم أشكال من الهويات ذات الخلفية العصبوية والسياسية ينير ذلك بقوله( مما لا شك فيه أن العنف السياسي ليس ظاهرة حديثة، لا في الشرق الأوسط ولا في سائر أنحاء العالم... وفي تاريخ أقرب إلينا، شهدت القرون العثمانية الطويلة( 1299-1922) موجات من التمرد والقمع الشديدين، وقد نشط بعض منها على امتداد عقود من الزمن.
بيد أنه في خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وتحت ضغط شروخ قاسية ناتجة عن نشوء القوميات المنافسة، اتسع العنف والقمع مجدداً سواء في بلاد فارس أم في السلطنة العثمانية. كما ارتدى التداخل الاستعماري وحشية كبيرة، تحت شكل الاستيلاء على أراض، من اقاصي روسيا وصولاً إلى الجزائر..) " 9 "
من هذا المنطلق، وفي ضوء هذا التشابك من التفاسير والمؤثرات التاريخية التي تعرّي أنظمة بالكامل، مشرقاً ومغرباً، وكيف أنها تعاونت ماضياً، وهي تتعاون حاضراً متشاركة في بقاء هذا العنف الكوكبي الطابع وإنتاج المزيد من نماذج منه وتوسيع حدودها وصبغها بما هو تاريخي.
والهوية لم تكن حصيلة ما هو محلّي يوماً، حتى لحظة الحديث عن أكثر الجماعات انعزالاً، أو تواجداً في أماكن نائية، يكون وراء ما تحصّن به نفسها هذا الاحتزاز والحيطة من الخارج.
يصبح حديث الباحث عما يعزز فكرته المسماة من بدء العنوان، عن النقاط التي تقاسمت الكتاب دائراً في فلَك المرسوم تخيلياً، واستجابة له، دينياً، وبالصيغة الإسلاموية، كما في توسّعه البحثي في نوعية العلاقة بين كل من الولاء للدين والدستور في ألمانيا " ساحة بحثه إجمالاً " كقوله بصيغة استفسارية( ما هي نقاط الاشتباك التي يمكن أن تجعل الولاء متصادماً ومتناقضاً مع الولاء للدستور وما هي مآلاتها ؟..ص130 ) .
إن تعرضه لخاصية الدستور في العالم الإسلامي، وكإضاءة لخلفية الموضوع، لا يكسِبه ثواب السؤال عن الحقيقة الضائعة أو المغيّبة في تلابيب التاريخ المحلي والإقليمي والعالمي، بقدر ما يقرّب صورة المسكون بهاجس الهوية التي ارتضاها لنفسه، بمفهومها الرعوي هنا، وانخراطه في تلك اللعبة المموهة ، لعبة " سالِم غانم " التليدة إسلامياً، كقوله في بنية الدستور في العالم الإسلامي، كما يسمي( فإشكالية الدستور ما تزال محل تجاذب وأخذ ورد بين الاتجاهات الإسلامية وغير الإسلامية من جهة، وضمن الاتجاهات الإسلامية ذاتها من جهة أخرى.ص134).
إنه التحرك في " المصعد الهوائي " في العمارة الضخمة لهوية قيّض لها أن تتشكل داخله، مصعد محكوم بحركة تحكم وسيطرة وتوجيه ضمن المساحة المعلومة والمراقَبة .
كان في الإمكان معرفياً، وفي مسعى البحث عن نقطة توازنية عقلانية النظر في الجهتين، وتقريبهما من بعضهما بعضاً، لرؤية تلك المؤثرات التي " تبلقن " عالماً كاملاً، حيث ( إ إن أشكال الإرهاب المتنوعة التي تزدهر اليوم في العالم، إنما هي ترجمة للصدوع البركانية المتعددة في ثقافاتنا، هذه المعاجِم الحبلى بالألفاظ المتحجرة، وتلك المفاهيم الهوجاء، التي تُتستخدَم كيقما اتفق وبطريقة متناقضة ..) " 10 "
وحتى في إمكانية الذهاب مع صاحب هذا الاقتباس إلى توسيع أفق الرؤية للموضوع، ومكاشفة ما هو مستولد للعنف بطابعه الأوربي الاستعماري وما بعده، ومن موقع القوة المعتبَرة، جهة الموقف من الإسلام ( ومما لا شك فيه أن الرهاب من الإسلام قد حل اليوم في الثقافة السياسية التي تسود على الفضاء الغربي، مكان الرهاب القديم من اليهودية...وبالتالي، بات كل مهاجر من بلد إسلامي إلى أوربا أو إلى الولايات المتحدة، وكأنه يمكن أن يخفي إرهابياً احتمالياً، أو بات حلقة في سلسلة الإرهاب المسمى بالإسلامي..) " 11 "
رغم أن المقروء هنا لا يعني إبقاء الغرب في خانة المساءلة جهة المسئولية عن الويلات التي شهدها عالمنا حديثاً وراهناً، وبالنسبة إلى كوارث المنطقة، ومنها كوارث بلادنا، وإنما إبقاء مفهوم " الشراكة " في اعتماد العنف، واستثماره، بنسَب مختلفة، وتحت مسميات مختلفة، وأن وراء مفهوم الهوية المركَّب، وما يستثار باسمها تُرتَكب أعمال عنف وحتى مجازر، والنظر إلى الهجرة لا يكون من زاوية واحدة، أو من إحداثية مسنودة بتخيل مولَّف، وفي التالي ما يفيد:
( إن الهجرة ليست بمثابة كارثة طبيعية من شأنها أن تنزل على أوربا لا محالة، مثل وباء الجراد أو عاصفة رعدية صيفية. إن الفوضى الهاجرة التي نشهدها في أوربا هي ظاهرة إنسانية بحتة، تسبب فيها السياسيون والقضاة.
إن الاستيطان الجماعي للسكان المسلمين في أوربا ــ 50 مليون نسمة في عام 2030، وفقاً لمركز بيو للأبحاث ــ تتم تجربته بطريقة مؤلمة وحتى دراماتيكية عندما يصبح جزء كبير من هؤلاء السكان متطرفين في الوقت نفسه. على سبيل المثال، في أعقاب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في فرنسا، يرتكب المسلمون الغالبية العظمى من الأفعال والهجمات المعادية للسامية. وفي بلجيكا، تنتشر الكراهية ضد السامية بشكل أكبر بين المسلمين. لقد كانت المسيرات المؤيدة للفلسطينيين منذ السابع من تشرين الأول في كثير من الأحيان بمثابة ذريعة لإطلاق شعارات معادية للسامية مليئة بالكراهية، وهي شعارات لم تشهد شوارعنا مثيلاً لها منذ مسيرات الحزب النازي الألماني في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.) " 12 "
في هذا الإطار لا أكثر من الأمثلة الحية والدامغة على العنف الدائر وكيف تتم إدارته، وعلى صعيد ديني غير مبرَّأ من تلك اللعبة السياسية الصارخة بمكرها( يحصل الإسلامويون في تركيا على نسبة كبيرة من أصوات الأكراد وإذ يُسالون عن القضية الكردية يكون الجواب المعهود أن المواطنين الأتراك كلهم مسلمون وبالتالي لا توجد مشكلة..) " 13 "
هذا ما يمكن تعميمه في جهات جغرافية مختلفة، حيث يتواجد الكرد، وفي بلد الباحث نفسه، في بلدنا المشترك، إن اعترف بي شريكاً له في الجغرافيا والتاريخ، رغم بؤس الاحتمال واقعاً.
ما يخفيه الولاء والبراء
تفصح الهوية بطابعها الديني المعمم عن فراغ مفهومي فيها، في ظل هذا الاستمرار على مسعى عقلنتها واقعاً وتاريخاً، زماناً ومكاناً، عندما يتحدث عن " مسلمي أوروبا بين الانعزال والاندماج : دراسة نقدية لمفهوم ( الولاء والبراء ). " وهو حديث يكمّل ما قبله، ويمهّد لما بعده .، على أرضية الديني المحض، وإن كان يحاول تطعيمه بما هو تاريخي، إنما بالطريقة التي يسيّده. إن مسحة النقد الملطفة لمفهوم " الولاء والبراء " بمؤثره الاعتقادي والإيديولوجي في المتن" ص 158 ، وتالياً " تبقيه كما هو في النقاط السابقة، ليس عاجزاً عن تأمين موقع له تاريخياً، وكما تقول الوقائع، إنما دائراً في فلك الذات التي ابتدعها لنفسه، ومن ينظّر للواقع من هذه الزاوية.
ثمة ما يشد الذهن، ما يدفع بالناظر إلى التفكير في قول هنا وهناك، لكنه سرعان ما ينهار تحت وطأة الواقع الذي يشهد على مدى مصداقيته بمكوناته الاجتماعية والسياسية، والدينية داخلاً، كقوله( لا يمكن عزل مشاعر عزل مشاعر الإنسان وسلوكه عن معتقداته وأفكاره ومسلماته..ص165 ) .
السؤال الناهض هنا، يتركز على مفردة ليست بريئة في بنيتها" المسلَّمات "؟ ماذا تعني هذه؟ وهي تذكّر بالثوابت " ثوابت الأمّة " أي " مقدساتها". من صعد بها إلى هذا المستوى من الأسطرة بحيث يعاقَب كل من يستفسر عن حقيقتها، ومنذ متى أفصحت المسلَّمات عن كونها ثوابت تاريخ، تتزحزح جبال رواس ٍ عن أماكنها، بينما تبقى هي راسخة قواعدها؟ وفي ضوء المستجدات التي شهدنا بكوارثها، ماذا تقول لغة " المسلمات " ومنها وفيها مسلّمات الباحث بالذات، وأين تجد الهوية التي يحملها هو نفسها " سوري عربي " نفسها ضمناً ؟ " 14 "
هذا ما يمضي بنا إلى حلقة " مفرغة " أخرى من دمها ولحمها وعظمها الاجتماعي والنوعي ثقافياً، وهو يتناول " المرأة المسلمة في أوروبا : جدل الدين والهوية والاندماج ..)، مكملاً ما قبله، والأصح مكرراً ما تفوَّه به، أو سطَّره تحت مظلة " مسلمو أوروبا " كمنهج رؤيوي صراطي يجّب ما قبله وما بعده، دون أي اعتبار لشهادة الواقع، كما الحال هنا، نعم امرأة مسلمة، ولكنها معروفة بانتمائها القومي، وفي ذلك يحصل اختلاف وتمايز، وربطها بما هو اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف وحتى خلافي، وفي ذلك ينبري العنف بمسبباته وأسبابه، والمساحة الجغرافية لهذا العنف، وفي " بلده " بالذات تفنّد كل إشارة إلى هذا المفصَح عنه دون مسمى واقعي، وما ينظَر إليه، قاعدياً، وتسييسه، يعزّز هذا التوجه، أي حيث يكون الموضوع القديم جداً، والحديث بخلفياته اللادينية طبعاًن طارحاً ثقافة مفارقة لما هو قائم، في أذهان من يدشنونها هكذا. حيث تكون ( المرأة المسلمة " اختزالاً لحقيقتها " وجعلها مرئية ومرئية في الحجاب أو النقاب أو البرقع، ومن وراء هذا الستار المحمول، تمارس " آلة الحفْر " العقائدية مهمتها .
ربما أمكن النظر إلى الموضوع، جهة المرأة وسواها، على صعيد عام، أي حيث تكون الهوية هي المحك بحقيقتها الاجتماعية ومغزاها، وكيفية تعاطيها في المجتمع الواحد نفسه، إنما هي حيث تبرز ثقافات مجتمعاتية متداخلة، ويكون للإقامة في بلد ما، حيث تفرض الضيافة بمفهومها التاريخي والرمزي نفسها، وتطالب بالمقيم أو مكتسب حق الإقامة وحتى الجنسية، في أن يراعي هذا الانتقال ومشترطاته، في نظام مختلف، وثقافة مختلفة، وليس في أن يفرض نفسه من خلال ثقافة تسمّيه على خلفية دينية، تربّى من خلالها فرداً رعوياً في جماعة رعوية وراع قاهر.
حسبي أن أشير هنا إلى المفكر والباحث الإسلامي بمعناه الواسع طارق رمضان، والمقيم في سويسرا والمعروف بطروحاته العالمية في إطار التنظير للإسلام والمفكّر في موقع عالمياً، وهو يجيب على سؤال محوري يضيء موضوعنا، وأظنه يخيب أمل الباحث" نفيسة " بجوابه:
( - تتحدث عن موقف الضحية الذي تلعبه الأحزاب الشعبوية في أوربا، ولكن ماذا عن المسلمين الأوربيين أو المسلمين المندمجين في أوربا؟ أليسوا أول من يلعب دور الضحية؟ يجب على الأغلبية أن تبذل جهدًا، ولكن ماذا عن الأقلية؟ وفي سويسرا وأوربا، هناك نقص في الأصوات الإسلامية التي تعبر عن الحاجة إلى التكامل ومراعاة الأغلبية. في كثير من الأحيان يكون من الصعب العثور في وسائل الإعلام على أصوات تحمل رسالة أخرى غير رسالة بلانشو في مواجهة فرايسينجر. ونحن ندور في دوائر...
- إنها مشكلة حقيقية. وفي صورة طبق الأصل، لدينا داخل المجتمعات الإسلامية عملية ستكون من النوع نفسه تماماً. وهذا يعني رد فعل عاطفي: "نحن ضحايا، نحن غير محبوبين". وندخل في حلقة مفرغة، في نوع من العلاقة التي هي سلبية للغاية ونحن نحافظ على هذا. هناك ثلاثة أشياء يجب أن تقال في هذا الشأن. أولاً، يستغرق الأمر بعض الوقت لرؤية ظهور الجيل الثالث أو الرابع في إنكلترا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا. لقد ظهرت قيادة تضم العديد من النساء، وهي قيادة لا تتبنى على الإطلاق موقف الضحية. لقد أصبح لديهم فهم أفضل لما هو المواطن. له حقوق وعليه واجبات وفي سويسرا، نحن في بداية هذه العملية. نحن نميل أكثر إلى استيعاب حقيقة أن السكان المهاجرين تاريخيًا كانوا من الإسبان والإيطاليين والبرتغاليين. نحن ننتقل إلى شيء آخر: كان لدينا البوسنيون والأتراك في الجزء الناطق باللغة الألمانية... أنا غير نمطي تمامًا. أنا لست على الإطلاق نتاجًا للهجرة الاقتصادية. أنا هنا من وجهة نظر سياسية. ويجب أن نأخذ العملية التاريخية في الاعتبار. الأمر الثاني الذي يجب تسليط الضوء عليه هو فهم الإسلام، وهنا يلعب الوضع الاجتماعي دوراً. انظر إلى ما يحدث في الولايات المتحدة، حيث يتكون السكان المهاجرون من المهنيين والأطباء وعلماء الكمبيوتر. إنهم يواجهون مشكلة معاكسة تقريباً. يتعرضون لانتقادات من الأميركيين من أصل أفريقي بسبب تمسكهم بالحلم الأميركي. إنهم مجهزون فكريًا ويأتون بتعليم مختلف تمامًا. إنهم ليسوا على الهامش الاجتماعي، ولا يبحثون عن عمل.
هناك ثلاثة أحرف للتكامل الناجح. 1- معرفة قانون البلد: أنت في بلد ما، وتحترم القانون، فهو جزء من هويتك. 2. اللغة: لن تكون مواطنًا كاملًا أبدًا إذا لم تتقن لغة البلد. 3. الولاء للوطن: وهذا يعني أننا نريد الأفضل لبلدنا. هذا الولاء ليس أعمى، بل هو أمر بالغ الأهمية. عندما تفعل حكومتي الخير، فأنا معها. المواطن الصالح هو المواطن الناقد، وليس المواطن المطيع. يتعين علينا التمييز بين الاستغلال السياسي لمخاوف الشعبويين ومخاوف مواطنيكم.) " 15 "
هناك ما هو أبعد بكثير مما أعدَّ الباحث له نفسه، أعمق مما سبره بمنظاره المقرّب على طريقته، في أي تناول للإسلام، أو المسلمين وحقيقتهم التصارعية أساساً، وزيف المأخوذ به توحداً، في ضوء ما يصرّح به ممثلوه، ويمثّلونه من سلوكيات، يكون مفهوم الإسلامي عائماً .
تناول ما هو ديني في عالم اليوم، مشروع طبعاً، إنما في ضوء المستجدات، وعدم نسيان أن ليس الديني هو من يدلي بشهادته، ويقرّ حقيقة واقعة معينة ، وليس من شاهد إثبات، أو قرينة تاريخية، أو نموذج حي في الواقع، يقدّم شهادة تصادق على وجود مسلم مجرد من تحديد له اجتماعياً وسياسياً، وهذا نوع آخر من الاندماج الذي يغفَل عنه، لدواعيَ مقرَّرة وتصلّب الواقع نفسه .
ثمة ثقافة تعمل في صمت، وإنما تعزّي بما ينبغي التفكير فيه بالنسبة لوجودنا، ولطبيعة أفكارنا وهي موصولة بالواقع وحيث ( إن معتقداتنا الخرافية المتنوعة، لايمكنها أن تحجب عنا طويلاً ما يدفع الإنسان لإخفاء ضعفه وانحطاطه تحت ستار كائن متعال.) " 16 "
وربما في إطار تصور كهذا، وهو منفتح على واقع مرصود، يمكن تناول الدين، حين يجرَّد من كونه وليد واقع، في الوق والفعل، ولا يمكن التعامل معه معلقاً في الفراغ، أو فضاء تخيلات، بعيداً عما يجري على أرض الواقع، وماذا يحصل للفرد إذا اكتفي به دون ربطه بالحياة القائمة و(إذا كان للدين المنظَّم أي تأثيرات نهائية على الإطلاق، فمن خلال قدرته على زعزعة الفرد في أعمق دواخله. إذ يمكن تكرار الكلمات بلا عقل ودون لمس الأعماق الشخصية، بغضّ النظر عن مدى صدق أو جمال معناها، وكذلك بالنسبة للأفعال الرمزية من أي نوع، كتحية العلم، أو أي احتفالات أو طقوس أو أساطير. ) " 17 "
أتذكر هنا مثالاً لافتاً بمأساويته، وعنف المؤثر فيه تاريخياً، جهة تنوير الهوية وواقع حالها، يخص المفكر الإيراني داريوس شايغان، حين يقول، كما لو أنه يسجّل اعترافاً جارحاً ومؤلماً في هذا المقام( وإنني، بوصفي، فارسياً، أجسّد الحرمان المزمن لشعب عظيم مرشح لأعمال عظيمة، ولكنه بقي بفعل الاستبداد التاريخي، خارج التاريخ..) " 18 " .
ربما كان في مقدور كل من يستشعر تاريخاً حياً نازفاً بقيمه، ويستنزف أهليه، بمكوناته القهرية، كما الحال هنا، في نطاق ما جرى النظر فيه، والحوار معه بالمقابل، أن يعيش وهج مكابدة متنامية بدلالتها، وعميق أثرها مجتمعياً، حيث الهوية تعبّر بجلاء عن وضع متشرذم كهذا.
نعم ، الغرب هنا: إنما ليس واحداً، ولو كان واحداً، لما احتمى به باحثنا، وليس بجهة أخرى" إسلامية " طبعاً، لأنه ربما جرّب ذلك ولم يفلح، وهذه نقطة لا يُستخف بها كما أرى. نعم، الشرق نفسه ليس واحداً، بالمقابل، إنما تنوع. وهذا ما يخص المسلم، ليس واحداً، كما لم يكن هكذا من لحظة ظهوره، في زمان ومكان معلومين، وتاريخ معلوم بمآسيه وضحاياه وانقسام الهوية على نفسها " الهوية الإسلامية " ووهم المعتقد بوجودها بعيداً عن علامات فارقة تمارس فيها افتئاتاً.
نعم، أنا مسلم، حين أتحدث هنا، كباحث وكمعني بما يجري، ومن موقع المسئولية الأخلاقية، ولكنني كردي، وهي حقيقة ليس في مقدوري، تجاهلها، إن راعيت مطلب الحقيقة، والباحث مسلم، كما هو مقروء عنه، ولكنه مسلم ينتمي إلى ثقافة ولغة وسلوكيات تحدد أفقه الاجتماعي، ومحيطه الاجتماعي، والذين يعيش بين ظهرانيهم، بصفته عربياً وله توجه فكري معين.
وربما نلتقي في هم مشترك، لحظة الاعتراف بحقيقة كهذه، وفي تنوعها. بعيداً عن مزاعم تاريخ مسطور قهراً، وشعب متشكل قهراً، ووضعاً مرسوم قهراً، جرّاء اللعب بالذاكرة والتاريخ معاً، وهو الذي يرينا أفانين هواه ومداه وصداه وعماه في آن. لهذا، ربما لهذا فقط، فـ ( إن كل بناء للذاكرة انطلاقاً من تطهير التاريخ من شوائبه هو بحد ذاته" ثغرة في التاريخ "، لأنه يطمس بوعي أو دون وعي أحداثاً أخرى أو حقائق تاريخية أخرى.) " 19 "
مصادر وإشارات
1-محمد نفيسة: مسلمو أوروبا " تحدّيات الدين والهوية والاندماج "، منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024، في " 252 " صفحة من القطع الكبير. وترد الإحالات المرجعية في المتن للإيجاز.
ملاحظة: التزمت بطريقة كتابة الباحث لـ" أوروبا " بينما حاولت كتابة الكلمة هكذا " أورُبا " وهو إجراء مختلف عليه، لكنه متَّبع تبعاً لتقديرات الباحث لغوياً.
2-ينظر في نص الحوار : الباحث محمد نفيسة حول كتابه (مسلمو أوروبا): الجهل بالآخر هو أساس الفجوة القائمة، العربي القديم، 31 كانون الثاني 2025.
3-ينظَر كتابي: الفتنة المقدسة " عقلية التخاصم في الدولة العربية – الإسلامية، منشورات الريس، بيروت، ط1، 1999، طبعة ثانية موسعة، دار رؤية، القاهرة، 2016 .
4-أشير هنا، إلىهامش " 2 " في الصفحة " 13" وهو يأتي على ذكر الهجرات، الأوربية والعربية والفارسية والحثية..إلخ، إنما دون أي إشارة إلى السومريين أو الميديين والبابليين وخلافهم، وما في ذلك من عمى تاريخي.
-5 Samuel Touron : L’islam, une religion européenne ?19-5-2021
صموئيل تورون: الإسلام دين أوربي؟
6-ينظَر، تساؤلات حول الهوية العربية، لمجموعة باحثين، دار بدايات، جبلة، سوريا، 2008. ص 20-33.
ربما تحت وطأة الشعور بالهوية وبقائها متأثرة بالمتغيرات، ظهرت دعوات بصدد المهاجرين " المسلمين " إلى أوربا لأن يكتسبوا هوية أوربية، مراعاة للوضع المختلف.وأنا أشير إلى مقال أناييد ليندمان: هل هناك إسلام أوربي؟
Anaïd Lindemann: Existe-t-il un islameuropéen؟
وأنا أورد هذا الاقتباس، الذي يعيد بنا إلى عقود زمنية عدَّة خلَت:
وقد حاول العديد من العلماء، وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية، معرفة ما إذا كان من الممكن الحديث عن إسلام أوروبي نموذجي. على سبيل المثال، اخترع عالم السياسة الألماني بسام طيبي مفهوم "الإسلام الأوربي" في وقت مبكر يعود إلى عام 1995 في العمل المنشور "الإسلام في أوربا: التكامل أم الاندماج المجتمعي؟"، وهي الفكرة التي لا تزال موضع نقاش ساخن حتى يومنا هذا.
وبحسب بسام الطيبي، فإن على المسلمين في أوربا أن ينشئوا شكلاً جديداً من الإسلام يتبنى القيم السياسية والاجتماعية الغربية.
7-المفكر الأكاديمي جورج قرم، يقدّم صورة حية، ودقيقة حول هذه النقطة، حين يأتي هو نفسه، ومنذ نصف قرن على هاتين الآيتين، مظهِراً ذلك الرواق الذي يحتكره ولي أمر الأمة " الإسلامية " لحياة السلطة، أكثر بكثير مما يتقدم به تفسيراً أو محاولة تبيين علاقة لهما ، أي حيث أوردهما وأوردهما في سياق مناقشة عقيدة الولاء والبراء من خلال النصوص"ص176." حيث يقول قرم، في كتابه: تعدد الأديان وأنظمة الحكم، دار الفارابي، بيروت، ط4، 2011 :
( دمج الروحي بالزمني، إعلاء من شأن الحاكم، وشرعنة لسلطته، وما جرى في ذلك من مآس وانعكاس سلبي على الدين نفسه، وإلى الآن، في ظل هذا الدمج البراغماتيكي"ينظر صص 256-272 ").
وما يخص( توسع الإسلام وانتشاره ومقتضيات السيطرة الإسلامية هي التي أوجبت البحث في القرآن، والسنة عن مصدر للاجتهاد القانوني. ص270.) ...إلخ .
8- تساؤلات حول الهوية العربية، المصدر المذكور، ص 139 .
وأضيف هنا قولاً آخر لباحث مغربي، كان له حضوره في الثقافة الفرنسية، وبلغتها، هو جمال الدين بن شيخ " 1930-2005 "، لما له من عميق أثر ودلالة مقارنة لما انطلق منه نفيسة والتزم به إسلامياً( لم أكن أبحث في اللغة الفرنسية لا عن هوية ولا عن منفى، وإنما عن يقين يكفل لي الإقامة فيها حراً، وحيداً.ص207.)، وقد أمضى عقوداً زمنية من عمره في فرنسا؟!
9-حميد بوزارسلان: قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة، ترجمة: هدى مقنّص،مراجعة المنظمة العربية للترجمة، ومن منشوراتها، بيروت، ط1، 2015، ص 28 .
في هذا السياق، حسبي أن أشير إلى ما أفصح عنه ادوارد سعيد ببراعة، في كتابه المأثرة الثقافية: الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية وقدَّم له: كمال أبو ديب، منشورات دار الآداب، ط1، 1997، وفي الفصل الأول منه: أقاليم متقاطعة وتواريخ متواشجة( إن موضع الرهان والمجازفة إنما هو الأراضي، والممتلكات، والجغرافيا، والقوة . كل شيء يتعلق بالتاريخ البشري متجذر طبعاً في الأرض. وهذا يعني أن علينا أن نفكّر بالسكنى والمعاش، لكنه أيضاً يعني أن البشر قد وضعوا الخطط للتفكير بامتلاك مزيد من الأراضي، وأن عليهم لذلك أن يفعلوا شيئاً ما بساطنيها الأصليين..ص78).
10- د. جورج قرم: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب، ترجمة: د. رلى ذبيان، مراجعة وتدقيق المؤلف، دار الفارابي، بيروت،ط1، 2011.ص 32 .
11- المصدر نفسه،ص 409 .
-12 DrieuGodefridi:L’islamisation de l’Europe : qu’enest-il vraiment ?
دريو جوديفريدي: أسلمة أوربا: ما هي في الحقيقة ؟
13- فريد هاليداي: الأمة والدين في الشرق الأوسط، ترجمة: عبدالإله النعيمي، دار الساقي، بيروت، ط1، 2000، ص 192.
يحصل الإسلامويون في تركيا على نسبة كبيرة من أصوات الأكراد وإذ يُسالون عن القضية الكردية يكون الجواب المعهود أن المواطنين الأتراك كلهم مسلمون وبالتالي لا توجد مشكلة.ص192.
14-لايخفي الباحث المعروف هاشم صالح تهكمه العقلاني من مفهوم الثوابت وهي في عداد المسلّمات، وسخريته من جملة المحافظين في العالم العربي (فالمحافظون في العالم العربي، سواء أكانوا قدامى أو جدداً، يحاولون إيقاف حركة التاريخ أو عرقلتها من طريق طرح الشعار التالي: ممنوع المس بثوابت الأمة!! والمقصود بها بالطبع اليقينيات المطلقة والعدوانية للإيديولوجيا القومجية والإيديولوجية الأصولية في آن. ولكن ماذا تبقى لنا لكي نفكر فيه ؟ وعن أي شيء سنتحدث إذا كانت هذه الثوابت تملأ الساحة وتسد الأفق ؟ نحن نمشي في أرض ملغومة. في كل خطوة نخطوها قد نصطدم بأحد ثوابت الأمة، أي بأحد الألغام. وإذا كانت ثوابت الأمة تتجسد في شخصيات من طراز بن لادن، والزرقاوي، وصدام حسين فعلى هذه الأمة العفاء! ... الثوابت الوحيدة التي ينبغي أن يتمسك بها العرب والمسلمون هي تلك التي تتبناها الأمم المتقدمة أو السائرة نحو التقدم: أي دولة الحق والقانون وإرساخ النزعة الإنسانية: أي اعتبار الإنسان قيمة بحد ذاته بغض النظر عن أصله وفصله، أو عرقه وطائفته ومذهبه . ص105 .) ..إنه شريك الباحث ، في الانتماء إلى بلد، كان التمسك بثوابت أو مسلمات من النوع المذكور، وراء انفجارات كوارثية وهي لما تزل قائمة في بلده اللابلد، وهو نفسه ضحية لها عملياً.
-15 L’islamestune religion européenne»
"الاسلام دين اوربي": مقابلة مع المفكر طارق مضان
16- ريجيس دوبري" النار المقدسة " وظائف الديني"، ترجمة: عبدالقادر ملوك، دار رؤية، القاهرة، ط1، 2021.ص28 .
17- أبراهام مازلو: الأديان والقيم والخيرات الذُروية، ترجمع عن الإنكليزية: د. لؤي خزعل جبر، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ط1، 1923.ص57.
18- داريوش شايغان: ما الثورة الدينية " الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة،ترجمة وتقديم: د. محمد الرحموني، مراجعة: د. مروان الداية، المؤسسة العربية للتحديث الفكري، دار الساقي، بيروت، ط1، 2004.ص 23 .
19- د. جورج قرم: نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط " تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية، ترجمة: د. سلام دياب، دار الفارابي، بيروت، ط1،ط1، 2014. ص186.
ليس من قانون يؤطّر عنوان كتاب، أو بحث، أو مقال، جهةَ الربط المباشر بمحتواه، ولا بأي شكل كان، ، وهو يتعهد لقارئه في أن يتناغم مع أفق قراءته. عالم اليوم، أكثر من أي يوم مضى يشهد انفجاراً نوعياً في العناوين تعبيراً عما نشهده في التنوع الثقافي بموضوعاته، وطرقه، أبعد مما هو مألوف في خانة المناهج وسلكياتها البحثية، لعل اللامعهود في بنية العلاقات في مجتمعات اليوم، على أصعدة مختلفة، وأساليب تواصلها واتصالها البيني، وفي ظل تكنولوجيا الميديا والذكاء الاصطناعي العابرة لحدود االدول، يخفف وطأة سر أو مستجد كهذا.
إنه سؤال العتبة، العتبة المحك، وما يعطي العتبة اعتباراً في عملية الربط القائمة أو المتوقعة بين العنوان وما يمكن أن يُقرأ فيه من احتمالات، وموضوعه الذي أجله، أو بسبب منه كان، بمفردة واحدة أو جملة، أو بواحدة منهما، وبما يحددها في مسار عملها، هذا الذي يشكل نقاط استناد لموضوعها، وثمة التزام بها في عملية البحث داخلاً.
العنوان بالطريقة هذه، له لعبته، طاقة إخفائه كذلك لمحرّكه البحثي ودافعه، غوايته الضمنية لدى واضعه بوعي أو دونه، وهو قابل للنقاش، مع موضوعه، أو بدلالة منه، أو بهما معاً. ليكون حامل سر وكشافه في نصه.
ماالذي يمكن تبيّنه في كتاب الباحث السوري محمد نفيسة: مسلمو اوروبا " تحدّيات الدين والهوية والاندماج "، في ضوء العنوان بالطريقة السالفة، وبالصيغة التي ورد بها؟ " 1 "
على الغلاف الخارجي للكتاب، ما يحدد منطلق البحث: البعد الديني( يُعدُّ البعد الديني، من المتغيرات المهمة التي تصوغ شخصية الإنسان- فرداً وجماعة- ومنظومته القيمية والفكرية والعاطفية، وتلعب دوراً رئيسياً في توجيه سلوكه وعمله وتواصله وعلاقاته...)، وهو بذلك بات واضحاً في المقصد الذي كان وراء وضعه لكتابه هذا. وما أفصح عنه في حوار معه، بخصوص جديد هذا العمل البحثي النظري والميداني، يقرّب الفكرة أكثر:
( هناك العديد من الكتب التي ناقشت موضوع المسلمين في أوروبا، ما الجديد الذي حمله كتابك؟
الكتب والدراسات التي ناقشت موضوع المسلمين في أوروبا، تناولته من أبعاد أخرى غير البعد الديني الفكري، ولم تجب عن التساؤلات التي تتعلق بالأسس الفكرية التي تعزز حالة القطيعة مع الآخر، فبعضها ينطلق محاولًا دحض المقولات والعبارات المكرّرة في الإعلام الغربي، بأنّ الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية، أو أنّه لا ينتمي إلى أوروبا، أو أنّ الإرهاب مرتبط عضويًّا بالإسلام، وبعضها الآخر يكتفي بتوصيف الواقع تاريخيًّا وآنيًّا، من حيث وجود المسلمين ومؤسّساتهم، وتفاعل المؤسّسات الأوروبية الرسمية وردود أفعالها عليه، وحتى الكتب التي تناولت التحديات الدينية التي تواجه المسلمين في أوروبا في المأكل والمشرب والعلاقات الجنسية والعلاقات الاجتماعية والعمل وغيرها، تناولتها في صيغة حلول فقهية وفتاوى دينية. وهذا كله لا يلبي الحاجة إلى وضع أساس فكري متين، معتمد على فهم أصيل للدين وأحكامه ومقاصده وتطبيقاته، لتقوم عليه الحياة المشتركة والتكاملية في أوروبا المستقبل..
إننا في هذا الكتاب بصدد إحداث نقلة نوعية في التعاطي مع قضايا الإسلام والمسلمين، دون خوف أو وجل، ودون مراوغة أو تقية، ودون هروب أو انغلاق أو انعزال، نطرح ما لدينا بثقة ومحبة وانفتاح، دون ذوبان في الآخر ودون انسلاخ عن هويتنا الإسلامية الأصيلة.)" 2 "
أنوّه إلى أنني أوردت هذه الفقرة كاملة، وهي تمثّل جواب الباحث على السؤال مستفسراً عن جديده، لأن فيه الكثير مما يفيد في عملية القراءة أولاً، وفي النقاش حول ما إذا كان ذلك متجاوباً مع الواقع العملي في عمومه، واقع المسلم المهاجر، ثانياً، وكما تناوله، وبدءاً من الاسم بالذات وما يكون في مفهومه " من يكون هذا الاسم: المسلم "، أم هناك ليس ما أغفل عنه، أو تناساه أو تجاهله، إنما ما يدخل في نطاق الواقع الذي يستجيب لقراءته ذات المنحى الديني وليس كما هو، أكثر وساعة مما اعتمده مسلَكَ بحث، وطريقة تحديد للفكرة ، أي أبقاه نزيل بعده الديني، أسيره تحديداً، كما لو أنه لسان حال ما سمّاه وثبَّته" ماذا يوجد تحت جبّة هذا البعد، وبالنسبة للباحث في الصميم" أي ما يمضي بالمسلم هذا إلى حقيقة ما هو عليه لحماً ودماً ولساناً ناطقة بلغة وهوية يُلحَق بها الديني واقعاً..
من هنا، أستطيع البدء، حيث يكون هذا المسنود إليه في الكتاب، وحامله البحثي، نصْب حواري معه.
العنوان بما يخفيه
ربما كان المعضل بداية في العنوان نفسه، أو باعثاً على سؤال المحتوى: من هم مسلمو أورُبا؟ كيف يُنظَر إليهم؟ وبدقة أكثر، ومن خلال الكتاب: ماالذي يثار من خلال هذا العنوان؟ ويأتي التحديد مفصِحاً عن هاجس ثلاثي الأبعاد، جهة التحديات: الدين والهوية والاندماج ! أن يأتي الدين بداية، ينسجم مع العنوان العام والرئيس للكتاب، وتالياً، تكون الهوية معطوفة على الديني، ويكون فعل الاندماج قائماً، من جهته على أساس هذا الدين بوصفه هوية، ويعني ذلك وجوب البحث عن " مهبط " الدين: الإسلام، وكيفية النظر إليه حياً حاملاً لكل ما هو حياتي !
الاسم مجرد من كل تخصيص، من التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي للجهات التي خرج منها، وهي معلومة بكيانها السياسي والاجتماعي والاثني، والأهم: القومي، مهما كان نوع اعتماد واقعاً .
تاريخ الإسلام كان تاريخ الذين جسَّدوه في أقوالهم وأفعالهم من بدء تشكله، وفي المواقع التي عرِفوا بها سيادياً أو سلطوياً، بدءاً من الاسم الأول " محمد " إن تحدثنا عن خاصية العصبية وتاريخيتها حيث يكون الإسلام ديناً وثقافة، مجتمعاً وأمَّة ولغة، فقهاً وشريعة، وليس هناك اسم له اعتباره الديني في التاريخ العربي – الإسلامي، كتأطير زماني- مكاني، مستثنى من هذا المقوّم المركب: العصبي القبلي، وحتى الراهن سريان فعله جار هنا وهناك، إن تحدثنا عن جمهرة الصراعات والنزاعات التي شهدها الدين في نصوصه الكبرى وسجالات فقهائه " 3 "
اعتماد عنوان كهذا قفزٌ على التاريخ، ومخاتلة في آن، مع ما في ذلك من تعتيم على الواقع. بناء عليه: الباحث من سوريا. هل يعرّف بنفسه مسلماً، وأي مسلم، وإن كان منخرطاً في تنظيم ديني إسلامي، من نوع أخواني، أو غيره، ويكتفي بذلك، دون أن يفصح عن كونه عربياً سورياً، وفي ألمانيا بالذات حيث يقيم؟ ولحظة النظر في بنية الحكومة الجديدة في بلده ، في سوريا، هل يعرَّف بها : إسلامية حصراً، أم تحمَّل بعلامة فارقة عربية ؟
هذا ينطبق على كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين، وفي أكثر الحركات الدينية: الإسلامية تشدداً، كونهم لا ينسون من يكونون في النسب العرقي أو القومي، وهكذا يأتي تسجيلهم في البلدان التي يهاجرون إليها.
طبعاً، يأتي إيراده للآيتين من سورة " الممتحنة " وبعد البسملة، مظلة لفكرة الكِتاب بالذات، ومن باب وجوب الانفتاح على الآخرين، أو دعوى الانفتاح وتوخّي المرونة في التعامل. والخطاب موجه ليس إلى الذين هاجروا أو يهاجرون إلى " الغرب " مثلاً من المسلمين، وإنما موجه إلى قارىء ليأخذ علماً بما ينوّه إليه الباحث نفسه.
بالصيغة هذه يجري التعتيم على الجاري في الواقع، وفي الوقت نفسه، يكون التناقض الصارخ، من قبل الكثيرين ممن، ما أن يهاجروا " مجتمعاتهم " التي تُدار إسلامياً إجمالاً، وهي متنوعة ومتباينة ومختلفة في طبيعة أنظمتها السياسية، كما هو معروف جيداً، بدنيويتها حتى شحمة أذنيها، قومية، شبه قومية، لكنها في المتن تعتمد الإسلام حجاباً حاجزاً لها، تتنفس من ورائه، وتسطّر أدبياتها الحِكْمانية بمداد ديني مكثف، ما أن يطأوا أراض دول " الغرب " وامتدادات الغرب، حتى يكون الإسلام هو الهوية الملوَّح بها، تعزيزاً لثقافة تلفيقية، وشعبوية دينية مؤسطرة إلى أبعد الحدود، في مجتمعات تكون العلمانية ميزتها الكبرى، ليكون الغرب غرب الآخر نقيضاً، وهو الملجأ الذي يُحتمى به، سعياً إلى تثبيت الذات من هذا المنحى ، وعنوان الكتاب يترجم مضمونه هكذا. مع ما في هذا الإرسال الدلالي من تجيير لحقيقة المجتمع، ونوعية المهاجرين، وتقسيماتهم القومية، الاثنية والدينية، حيث يأتي على ذكر الهجرة، ومسلمي أوربا، دون أي إشارة إلى هذا التمييز الذي يستحيل تجاهله، إلا لمن يتنكر له، في مجتمعه بالذات، على صعيد بنية السلطة، ومن تمثّل سياسياً، ومن هم ضحاياها، قومياً، وبديماغوجيا دينية إسلاموية إلى الآن" حال الكرد " ومن هاجروا، وما أكثرهم، وهم ضحايا الحالتين: القومية المتسلطة" العروبية " والإسلامية الموجهة المسخَّرة في خدمة تلك " حال المسيحيين: سرياناً وأرمناً "4" .
في تناوله لموضوع الهجرة إلى أورُبا، تتكرر عبارات، من مثل: " الخلفية الدينة – الأفكار الدينية- الثقافة الإسلامية"، وهي واحدة في المحتوى، تأكيداً على سريان فعل الديني لدى المهاجرين، ولدول المنطقة " سوريا- اليمن، العراق، مصر وليبيا " موقع كبير، الخزان الجماعي الذي خرجت منه مئات الألوف من المهاجرين" المسلمين في الواجهة "، ليأتي التشديد على هذا البعد( وما يزال المهاجرون يواجهون أسئلة الدين والهوية والثقافة والخصوصية إضافة إلى أسئلة الاندماج والتكيف والتواصل والعمل..) وإبراز ( المكانة البارزة التي تحتلها الثقافة الإسلامية لمعظم مهاجري الفترة المذكورة " ما بعد عام 2011 حتى نهاية 2021 " في تفسير صعوباتهم ومشكلاتهم وأخطائهم وسلوكياتهم..ص15). لينوه إلى تجربته في هذا المجال( في ضوء المعلومات الدينية التي حملوها " المهاجرون " معهم من بلادهم..ص16 ) ..
لا يريد الباحث أن يخسر شيئاً سواء من بلد النشأة أو في بلد الإقامة الأجنبية، حيث يكاد يتكتم على الجهة الجغرافية التي خرج منها، ونوعية العنف الدموي فيها، بنطامها المستبد، وليؤمّن خط " رجعة " له في حال الرجوع، وقد قدَّم نفسه مسلماً، للبلد المضيف، وما في ذلك من ازدواجية تترجم وهم المقصد .
هكذا يكون تناوله لمفهوم جغرافي عائم" العالم الإسلامي " وكأنه وحدة واحدة ديناً ودنيا، ولكي يضفي على الكتابة لديه طابعاً من الافتخارية بنزعتها الإسلاموية " القوموية أصلاً "، يذكّر بتاريخ كان، في سردية العلاقات بين المسلمين والآخرين، ولا ينسى أن يسمّي ما يمنحه درجة إضافية في هذا الجانب( يرى مسلمو اليوم في الحملات الصليبية حروباً استعمارية دموية إقصائية ظالمة، إضافة إلى أنها حروب استغلالية انتهازية، سعى قادتها من الفرنجة إلى استغلال إيمان العامة للسيطرة على ثروات الشرق ومقدراته..ص27).
ماذا يُراد من هذا الكلام، وهو في البلد المضيف، البلد " الصليبي تاريخياً، الذي احتضنه، ليشدد على أنه مسلم، مسلم أيام زمان، حيث يجري الحديث، كما يتكرر عن الفتوحات الإسلامية دون ترو في المفردة واقعاً، وهو في حرب جهادية مقدسة ضد رموزه. وإذا كان هناك من تعليق أو توضيح لما تردد هنا، فليس لتبرئة ذمة ما كان جهة " الحروب الصليبية " وإنما لمكاشفة تاريخ لطالما زُجّ به في سردات معتم ورطب لحظة الحديث عما يكون في محليته " مشرقيته "، أتراها مبالغة إذا قلت، أن ما تعرض له المسلمون، مذ ظهروا وإلى الآن، وعلى أيدي حكّامهم، وأنظمتهم، ومتفقهيها، ودعاتها وحماتها، ونكّل بهم، استعبادهم بصور مختلفة، وكانوا ضحايا " الإمامة : السلطة " في مختلف عصور الإسلام، أكثر بكثير مما عانوا من أعداء " الخارج "!
أكثر من ذلك، ما نسمع به، ونشهد من هذا النزيف الممثّل في الهجرة في أوقات مختلفة، وحديثاً أكثر، وحتى من قبل أشد من عادوا الغرب، باعتباره كافراً، حين يشعرون أنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار تحت وطأة الشعارات الخلّبية، أو مجندي حركات جهادية هنا وهناك، وعندما تواتيهم فرصة الخلاص، تكون أوربا هي الملاذ الآمن، هي المنشودة، كما لو أنها لم تكن يوماً عالم الكفر" دار الحرب " وفي سياقات مختلفة، بهيئة جديداً، أي وقد حلق شعره الطويل والأشعث ولحيته المبعثرة، وقدَّم نفسه على أنه هارب من ظلم نظام، وهو في قرارة نفسه لا يخفي رفضه الجذري لهذا " الغرب " الذي منحه حق اللجوء والإقامة، وحتى الجنسية، ويعلم جيداً جداً، وهذه يجب أن تسجَّل بجلاء، ومن خلال ما يسمع أو يقال له، أنه حتى في حال كشِف عن أمره، فإنه لن يتعرض لتلك المحاسبة الصارمة، أو العقاب، كما الحال في بلده، لأنه في مجتمع يبقي العقوبة المادية إجراء مؤجلاً..
حريصٌ هو الباحث على ما يقول، يقظ إلى أبعد الحدود، في انتقاء الكلمات التي يُراد لها أن تُقرَأ في كتابه، والحيطة والحذر تجاه ما يتعارض مع إيديولوجيا ماكرة، متوارية وراء سردية مفبركة إسلاموياً. مثلاً حين يشير إلى الشعوب التي سعت إلى نيل استقلالها في معمعان الحرب العالمية الأولى، فيذكر الأرمن فقط( وكان الأرمن من ضمن هذه الشعوب التي كانت لها تطلعات بإنشاء وطن قومي. ص 29). طبعاً ليس للكرد وجود يُذكَر في جعبته الإسلاموية، وما لهذا التجاهل من أنوية طاغية وشحنة الكراهية إزاء الآخر" الكردي، هنا " الذي ربما يكون جاراً له في ألمانيا حيث يقيم، أو أكثر من كردي في محيطه الجغرافي. وحين يأتي كأمثلة على مآسي الهجرة، على ذكر ذلك الطفل ( المنكفىء على وجهه على ساحل البحر..ص45)، دون أن يأتي على ذكر اسمه، أو من يكون، كما تصرف آنفاً، وحتى السيارة التي وجدت فيها جثث مكدسة ( في بلدة بادروف النمساوية)، وإشير إلى أصحابها هكذا ( يعتقد أنهم من الجنسية السورية..ص46). من كان هؤلاء؟ ليس لدى باحثنا شجاعة الاعتراف بالحقيقة هنا، أي كونهم عموماً كرداً..أهكذا يكون المسلم في ضميره الحي وشهادته التاريخية ؟
إن تركيزه على أعداد المهاجرين المسلمين، رغم الجانب الإحصائي والتوثيقي، لا يُعتد به، ليس لعدم دقة عمله، وإنما لأنه منذ البداية أغفل ما كان عليه الحرص عليه: عدم وضعهم جميعاً في سلة واحدة، والتساوي فيما بينهم.
عدا عن تناول المهاجرين لا يسير في مسار خطي واحد، وبالنسبة لأوربا قاريا، ومفهوم المسلم أوربياً هنا.
( كم عدد المسلمين في أوربا؟ السؤال ليس بهذه البساطة كما يبدو. بعض الدول، مثل فرنسا، لا تجري تعدادًا دينيًا، في حين أن دولًا أخرى، مثل ألمانيا، تجري تعدادًا رسميًا. ثم يتعين علينا أن نتفق على التعريف الذي لدينا لأوربا: هل تندرج تركيا وروسيا ضمن هذه المجموعة؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن العدد يزيد بشكل كبير. وأخيراً، فإن المتغير "كون المرء مسلما" ليس من السهل تعريفه. من أي مستوى من الممارسة الدينية يصبح الإنسان مسلماً؟ هل يمكن أن تكون مسلماً ولا تمارس الإسلام؟ هل يعتبر الأطفال المسلمون مسلمين "ثقافياً" قبل أن يكبروا بما يكفي ليقرروا بأنفسهم ما هو دينهم؟
رغم أن الغالبية العظمى من المسلمين في أوربا الغربية يأتون من موجات الهجرة الأخيرة، إلا أن التاريخ بين الإسلام وأوربا أقدم بكثير. وعلى عكس الاعتقاد السائد، فإن أوربا ليست قارة ذات جذور مسيحية فقط، على الرغم من استياء أولئك الذين أرادوا، أثناء المناقشات حول دستور أوربا، أن يروا الالتزام بالقيم المسيحية كعامل ضروري للانضمام إلى الاتحاد. بالإضافة إلى ألبانيا والبوسنة والهرسك، الدولتان الأوربيتان الوحيدتان اللتان تضمان أغلبية مسلمة؛ وتوجد في مقدونيا الشمالية وقبرص وبلغاريا أقلية مسلمة كبيرة يعود وجودها إلى الأيام الأولى للتوسع العثماني في البلقان، منذ بداية القرن الرابع عشر. وفي الوقت نفسه، شاركت الحملات الصليبية، التي قادها على وجه الخصوص الفرسان التيوتونيون، في تبشير شعوب بروسيا وليتوانيا وليفونيا وإستونيا...إلخ) " 5 "
تجلي الهوية إسلامياً
الإسلام معبراً إلى العلاقة مع الآخر، كدين، الهوية إسلامياً كبناء علاقة مع الآخر ثقافياً. كيف يمكن التقريب بينهما، عندما يركّز الباحث على الإسلام كهوية وهي تعميمها، لأنها تضم تنوعاً هائلاً وتعارضياً في المتن، بين قائمة الهويات العملية والرسمية التي تميّز حامليها عن بعضهم بعضاً: التركي، العربي، الفارسي، الأفغاني، الباكستاني، الهندي ، الكيني والإثيوبي...إلخ( يشعر المهاجر بمزيد من الحيرة والغربة حين يصل إلى تخوم القيم العميقة للمجتمع الجديد، في المناسبات الحميمة والعاطفية، وأمام معايير الجمال والمتعة، ومقاييس السعادة والنجاح، وفي مناسبات الأفراح والأعياد، وفي طقوس الزواج والولادة والوفاة..ص58 ) .
نعم، ثمة حيرة، قلق، هاجس خوف مما هو فيه" المهاجر" وهو في مجتمع مختلف. ولكن وفق أي طريقة تفكير يمكن الإصغاء لقول يأتي بهذه الشاكلة، وليس من تفريق بين مهاجر وآخر؟ ومن هو هذا المهاجر، بالنسبة المعلومة، الذي يعاني كرب الغربة، ومأساة العالم المغايَر، وهو محمول بذاكرة منجرحة سببها وطن لم يكن وطناً في واقع أمره، وفي ظل نظام، كان الحائل الأكبر أمام نشوء مجتمع بمعناه الفعلي، وبشر في مجتمع فعلي؟
إن النظر إلى الهوية من زاوية دينية، والتعريف بمحتواها، وفي ضوء ذلك تتم سَلسَلة المعلومات التي تمنحها قواماً فكرياً أو تقصياتياً بصدد المفهوم هنا" الهوية " لا يبعدنا عن " بيت القصيد " بالنسبة لأس الكتاب " أي عنوانه الرئيس " وإنما يمارس تشويشاً مضاعفاً للعنوان، اعتماداً لا واقع يجري تبكيمه وتخريسه، ليكون المسطور هو المشير إليه، وما هذا الاستطراد في الحديث عما يكونه " الاندماج " بوصفه " مزجاً وإدخالاً لعناصر أو أفراد في كل أكبر..ص59 ) و( الالتحام والاتحاد بين مكونين أو أكثر ) و( التكامل والتضامن والتآلف بين مكونين أو أكثر..إلخ . ص60)،وما للغة من دور في ذلك( تحتل اللغة الأم الركن الثابت في رحلة الكفاح من أجل حفاظ المهاجرين على هويتهم..ص66)..إلخ، وما في ذلك من استغراق في مفهوم هلامي يخص الهوية.
إذ كيف يجري تناول الهوية وهي ممزقة في بنيتها الأولى؟ في وعي الفاجعة المتمثل في هوية أعطيت للشخص في بلده ليس حباً به، وإنما لجعله تحت الطلب، هوية تذكّره دائماً بأنه في وضعية " تحت اليد " وخرافة الاسم بالنسبة لمن تفرَض عليه كرهاً، في نظام لا يحترم الآخر في لغته وقوميته وثقافته الخاص، حال الكرد مثلاً؟
وأن مراقبة هؤلاء تجري حتى في البلد المضيف، وباعتماد أساليب في التهديد والوعيد، ممن جرى عجْنهم نفسياً وعقلياً في بوتقة نظام ، يعظّم شعارات الأمة، والشعب، والقومية، ليشرعن طغيانه، ومن خلال من يدعي تمثيلهم ضد المجردين من خاصية الاختلاف في اللغة والثقافة، أي الهوية الدالة عليهم، ولا أكثر من الأمثلة هنا.
لأن تاريخاً انقسامياً واحترابياً وباسم دين مختزل إلى عبادات محددة، وطقوس موجهة، وأدعية مناسباتية تعبوية.
هوية تحيل حاملها إلى كيان أسطوري، فرادة عنصر، نموذج إنساني لا يعلوه آخر عنصرياً، لا يهزَم أبداً، وما لذلك مع الزمن ومن خلال تربية محروسة، وثقافة رائجة وإعلام موجه، في مجتمع " خردة " في نوعية المعاش فيه، تسقط الفردية في بوتقة الشيئية المصنعة من الخارج، لصالح داخل خدَمي للنظام القائم .
يصدق هنا ما ذهب إليه علي حرب ( علي حرب: ليست الهزيمة أن يندحر جيش أو يسقط نظام أو يُغلَب حاكم بأمره على أمره. بل الهزيمة أن لا يصدق المرء أنه هزم أو أن لا يدري كيف هزم ولم هزم.)، وربما من هذا المنطلق، وفي سياق هذا التعاظم الكارثي كان قوله الآخر(الهوية مركَّبة- إنني أرفض حقاً أن أصنف في خانة معينة لأن مآل التصنيف هو الاستبعاد والاتهام ولأن هويتي ليست محددة سلفاً.) " 6 " .
الباحث حدد مفهومه للهوية، منذ البداية، كما تقدم، هوية دون هوية إن جاز التعبير، هوية تتقدم إلى الأمام شبح الاسم المصوَّر، أو الجاري تخيله، بناء على ثقافة هي نفسها تعرضت لكم وافر من الابتسامات، لأنها" الهوية " تجد نفسها كينونة حية، في جملة مؤثرات متداخلة مع بعضها بعضاً، حيث يكون الأنا والآخر داخلاً وخارجاً.
وفي الغرب، حيث يكون المهاجر موجوداً، وقد اكتسب صورة هوياتية أخرى، تضاف إلى صورته التي حملها معها، وليس كما، يكون الكارثي حاضراً بكل عنفه، لأن الثنائية تتكلمها قسراً، وفي عالم اليوم، وفي ضوء ذلك، لا أرى في تلك التعريفات والشروحات ذات الصبغة التاريخية واللغوية عن المسلم، وماذا يكون وكيف يكون، أي فائدة لتنوير حقيقة الاسم المطروح في واجهة الكتاب" مسلم أوربا "( إننا نستخدم مصطلح الإسلام ) ، ونقصد به الدين الذي بُعث به محمد، ويقوم على مبدأ التوحيد، ويعترف بكل الأنبياء والرسالات والكتب السماوية، والكتب السماوية، وكتابه المقدس هو القرآن و( المسلم ) محل البحث هو كل من صدق بدين الإسلام الذي بُعث به محمد ، بمبادئه ورسالته ونبيه، وعرَّف نفسه بأنه مسلم.ص 77) .
ما مغزى توصيف وتعريف كهذا في الواقع؟ أليثبت الباحث أنه حافظ الإسلام شرعة ومنهاجاً، وفي هذا المقام ؟ تُرى، في ضوء هذا الذي أوردنا، أين يكون موقع أوربا، وكيف يكون؟ لا بل كيف ينظَر إلى المسلم والآخر، في ضوء ما هو منظور إليه إسلامياً، حيث التراتبية الدينية لا تسمح بالتقابل، إنما بالتفاوت لصالح الإسلام، والآخر لا يعدو في علاقة كهذه، أن يكون الداخل في ذمة المسلم، أو الذي يكون تابعه، لأن الإسلام يشترط ذلك، ومن ثم، فإن الذي يُرتجى منه، ويراد اعتمادُه في ضوء الآيتين، من " الممتحنة " يتراجع إلى الوراء، حيث يتم الروحي بالزمني، ما يلغي أي مساحة اعتبار، أو تقدير، أو هامش للآخر " غير المسلم " أو المسلم نفسه في ظل من يحكمه " 7 ".
الهوية معقَّدة، بشكل غير مسبوق كما هو تعقيد عالم اليوم، ومستجداته، ووضع المسلم مغاير لما كان عليه حتى الأمس القريب جداً، لأن تسارع الأحداث والتحديات الكونية والعابرة للحدود، هو الذي يتطلب ذلك . من هنا يكون أي تصنيف للهوية: أن يدعي احدهم أنه مسلم، هكذا بإطلاق، أو عربي، أو تركي، أو فارسي، أو كردي...، كما لو أنه لمجرد تفوهه هكذا حتى يؤمّن على نفسه، وتصادق عليه الحقيقة، بينما يكون قد عزل نفسه عن نفسه تماماً، وتكون أحبولة السقوط المريع في هاوية الهوية تعبيراً عن حالة استهواء إيمانية تلذذية إجمالاً .. وجملة الصراعات التي تشهدها المنطقة، بعنفها وضحاياها وألوان الكوارث والآفات التي نجمت عنها، ما هي إلا السردية المترتبة قطعياً على سردية الاستهانة بالواقع، بالذات، بالآخر، وبالانتماء النوعي والجنسي معاً. أكثر من ذلك، إن الكم الوافر من المعلومات التي يحشدها الباحث، ومن خلال إحالات مرجعية، بلغات مختلفة، إنما يثقِل على المعنى، بقدر ما يزيد المفهوم المراهَن عليه في جمعه الغفير والملياري: إسلامياً رعب محتوى، طالما أن العلاقة مع الذات أبعد من أن تكون واضحة، فكيف بها وهي مع الآخر، رغم التحفظ على تقابلهما هكذا، جرّاء المشهود له بالتداخل في ثقافة تشدهما إلى بعضهما بعضاً، ومصير يُسمّيهما معاً، ويحتّم وجوب عقد مجتمعي كوكبي، تكون العلاقات الشاملة لكل ما يشغل الإنسان وكونه مرجعاً مشتركاً لهما.
لهذا، يأتي كلام حازم صاغية ذا دلالة، لحظة التدقيق في المسوغ المعرفي الذي صاغه هكذا ( لا غرو في أن العرب المهجوسين بالهوية والآخر لم يتعدوا مرحلة طفلية موضوعها الرحم وحبل الصرة. وما العناوين الكثيرة التي يتداولها كتابنا على هامش الهوية ومسائلها، كالحداثة والأصالة، والتراث والمعاصرة، والذات والكونية، غير تعابير على أننا لم نهجر السلطنة العثمانية وأسئلتها، ولم ندخل بعد، زمن انشطار العالم دولاً ومجتمعات، والذي هو زمن تعرضنا للعالم وتحديه لنا كبالغين أسوياء، وتالياً كأبناء دول ومجتمعات وجنسيات لا يملكون في جعبتهم أية وسيلة يتعرفون بها إلى معناهم .)" 8 ".
إن مزيداً من القراءة للكتاب، يفصح عن ذلك الطابع المدرسي والقالبي إجمالاً، كما في تناوله لـ" الخريطة الدينية لأوروبا . ص 86" وأنه حيث ينتقد مفهومي " دار الإسلام ودار الحرب في الفصل الرابع، و ما ينوه إليه في الختام( أرجح ضرورة إعادة النظر في هذا التقسيم. ص 124 )، يخل بمفهوم الأصل من حيث لا يدري، النص الذي يجب النظر إليه عميقاً في ضوء كل مستجد، ليكون نص حياة، نص ثقافة وحضارة لا نص ندْب لهما.
وإذا حاولنا النظر إلى الموضوع في بنيته التاريخية، لرأينا أنه حصيلة تجاذبات مختلفة، على صعيد التكوين الذي يبقى خاضعاً لمنطق التاريخ الحي تنوعاً، وتفاعل أضداد بالمقابل، حيث إن المسلم هذا الذي يجري تناوله في أدبيات التاريخ ليس وليد " الداخل " كما في مفهوم " دار السلم " مقابل " دارالحرب " خارجاً، بتأطيره الديني القطعي تعبيراً عن ذهنية انضباطية صارمة، يتدخل فيها الديني والدنيوي، فلا تكون جملة الوعود بالجنة، لم يخلص للداخل، وقواعد الولاء والبراء، إلا تجسيداً لمخاوف لها حسابها الزمني الطويل المدى من قبل الذين رفعوها إلى مستوى العجائب. هوية لا تكف عن طرح نفسها خارجاً، جرّاء هذا " السياج المضروب داخلاً، وكما هو الحال هنا في الكتاب.
يمكن الحديث هنا عن صرخة القوميات المكبوتة في مجتمعات سمّيت مجتمعات جزافاً، عن شعوب أعطيت أسماء بمفهومها السوسيولوجي، وأطّرت في حدود سياسية تشارك فيها الخارج الإمبريالي، الممثّل لقوى ابتزاز كوكبية، أبعد مما يؤرّخ له بالاستعمار الحديث، حال ما يعرَف بالإمبراطوريات المقامة تاريخياً بالقوة، طبعاً تكون الإمبراطورية العربية – الإسلامية، فالفارسية، فالعثمانية ضمناً، لتكون تلك المعرَّف بها أوربية لاحقة، متداخلة معها، ومشاركة إياها في عمليات التوسع السلطوية، تحت مسميات دعوية ومهدوية وغيرها مشرقاً ومغرباً.
ما يتطرق إليه الباحث السوسيولوجي بوزارسلان في مسحه الأركيولوجي لجرثومة العنف العريقة وهي محمولة بخواتم أشكال من الهويات ذات الخلفية العصبوية والسياسية ينير ذلك بقوله( مما لا شك فيه أن العنف السياسي ليس ظاهرة حديثة، لا في الشرق الأوسط ولا في سائر أنحاء العالم... وفي تاريخ أقرب إلينا، شهدت القرون العثمانية الطويلة( 1299-1922) موجات من التمرد والقمع الشديدين، وقد نشط بعض منها على امتداد عقود من الزمن.
بيد أنه في خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وتحت ضغط شروخ قاسية ناتجة عن نشوء القوميات المنافسة، اتسع العنف والقمع مجدداً سواء في بلاد فارس أم في السلطنة العثمانية. كما ارتدى التداخل الاستعماري وحشية كبيرة، تحت شكل الاستيلاء على أراض، من اقاصي روسيا وصولاً إلى الجزائر..) " 9 "
من هذا المنطلق، وفي ضوء هذا التشابك من التفاسير والمؤثرات التاريخية التي تعرّي أنظمة بالكامل، مشرقاً ومغرباً، وكيف أنها تعاونت ماضياً، وهي تتعاون حاضراً متشاركة في بقاء هذا العنف الكوكبي الطابع وإنتاج المزيد من نماذج منه وتوسيع حدودها وصبغها بما هو تاريخي.
والهوية لم تكن حصيلة ما هو محلّي يوماً، حتى لحظة الحديث عن أكثر الجماعات انعزالاً، أو تواجداً في أماكن نائية، يكون وراء ما تحصّن به نفسها هذا الاحتزاز والحيطة من الخارج.
يصبح حديث الباحث عما يعزز فكرته المسماة من بدء العنوان، عن النقاط التي تقاسمت الكتاب دائراً في فلَك المرسوم تخيلياً، واستجابة له، دينياً، وبالصيغة الإسلاموية، كما في توسّعه البحثي في نوعية العلاقة بين كل من الولاء للدين والدستور في ألمانيا " ساحة بحثه إجمالاً " كقوله بصيغة استفسارية( ما هي نقاط الاشتباك التي يمكن أن تجعل الولاء متصادماً ومتناقضاً مع الولاء للدستور وما هي مآلاتها ؟..ص130 ) .
إن تعرضه لخاصية الدستور في العالم الإسلامي، وكإضاءة لخلفية الموضوع، لا يكسِبه ثواب السؤال عن الحقيقة الضائعة أو المغيّبة في تلابيب التاريخ المحلي والإقليمي والعالمي، بقدر ما يقرّب صورة المسكون بهاجس الهوية التي ارتضاها لنفسه، بمفهومها الرعوي هنا، وانخراطه في تلك اللعبة المموهة ، لعبة " سالِم غانم " التليدة إسلامياً، كقوله في بنية الدستور في العالم الإسلامي، كما يسمي( فإشكالية الدستور ما تزال محل تجاذب وأخذ ورد بين الاتجاهات الإسلامية وغير الإسلامية من جهة، وضمن الاتجاهات الإسلامية ذاتها من جهة أخرى.ص134).
إنه التحرك في " المصعد الهوائي " في العمارة الضخمة لهوية قيّض لها أن تتشكل داخله، مصعد محكوم بحركة تحكم وسيطرة وتوجيه ضمن المساحة المعلومة والمراقَبة .
كان في الإمكان معرفياً، وفي مسعى البحث عن نقطة توازنية عقلانية النظر في الجهتين، وتقريبهما من بعضهما بعضاً، لرؤية تلك المؤثرات التي " تبلقن " عالماً كاملاً، حيث ( إ إن أشكال الإرهاب المتنوعة التي تزدهر اليوم في العالم، إنما هي ترجمة للصدوع البركانية المتعددة في ثقافاتنا، هذه المعاجِم الحبلى بالألفاظ المتحجرة، وتلك المفاهيم الهوجاء، التي تُتستخدَم كيقما اتفق وبطريقة متناقضة ..) " 10 "
وحتى في إمكانية الذهاب مع صاحب هذا الاقتباس إلى توسيع أفق الرؤية للموضوع، ومكاشفة ما هو مستولد للعنف بطابعه الأوربي الاستعماري وما بعده، ومن موقع القوة المعتبَرة، جهة الموقف من الإسلام ( ومما لا شك فيه أن الرهاب من الإسلام قد حل اليوم في الثقافة السياسية التي تسود على الفضاء الغربي، مكان الرهاب القديم من اليهودية...وبالتالي، بات كل مهاجر من بلد إسلامي إلى أوربا أو إلى الولايات المتحدة، وكأنه يمكن أن يخفي إرهابياً احتمالياً، أو بات حلقة في سلسلة الإرهاب المسمى بالإسلامي..) " 11 "
رغم أن المقروء هنا لا يعني إبقاء الغرب في خانة المساءلة جهة المسئولية عن الويلات التي شهدها عالمنا حديثاً وراهناً، وبالنسبة إلى كوارث المنطقة، ومنها كوارث بلادنا، وإنما إبقاء مفهوم " الشراكة " في اعتماد العنف، واستثماره، بنسَب مختلفة، وتحت مسميات مختلفة، وأن وراء مفهوم الهوية المركَّب، وما يستثار باسمها تُرتَكب أعمال عنف وحتى مجازر، والنظر إلى الهجرة لا يكون من زاوية واحدة، أو من إحداثية مسنودة بتخيل مولَّف، وفي التالي ما يفيد:
( إن الهجرة ليست بمثابة كارثة طبيعية من شأنها أن تنزل على أوربا لا محالة، مثل وباء الجراد أو عاصفة رعدية صيفية. إن الفوضى الهاجرة التي نشهدها في أوربا هي ظاهرة إنسانية بحتة، تسبب فيها السياسيون والقضاة.
إن الاستيطان الجماعي للسكان المسلمين في أوربا ــ 50 مليون نسمة في عام 2030، وفقاً لمركز بيو للأبحاث ــ تتم تجربته بطريقة مؤلمة وحتى دراماتيكية عندما يصبح جزء كبير من هؤلاء السكان متطرفين في الوقت نفسه. على سبيل المثال، في أعقاب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في فرنسا، يرتكب المسلمون الغالبية العظمى من الأفعال والهجمات المعادية للسامية. وفي بلجيكا، تنتشر الكراهية ضد السامية بشكل أكبر بين المسلمين. لقد كانت المسيرات المؤيدة للفلسطينيين منذ السابع من تشرين الأول في كثير من الأحيان بمثابة ذريعة لإطلاق شعارات معادية للسامية مليئة بالكراهية، وهي شعارات لم تشهد شوارعنا مثيلاً لها منذ مسيرات الحزب النازي الألماني في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.) " 12 "
في هذا الإطار لا أكثر من الأمثلة الحية والدامغة على العنف الدائر وكيف تتم إدارته، وعلى صعيد ديني غير مبرَّأ من تلك اللعبة السياسية الصارخة بمكرها( يحصل الإسلامويون في تركيا على نسبة كبيرة من أصوات الأكراد وإذ يُسالون عن القضية الكردية يكون الجواب المعهود أن المواطنين الأتراك كلهم مسلمون وبالتالي لا توجد مشكلة..) " 13 "
هذا ما يمكن تعميمه في جهات جغرافية مختلفة، حيث يتواجد الكرد، وفي بلد الباحث نفسه، في بلدنا المشترك، إن اعترف بي شريكاً له في الجغرافيا والتاريخ، رغم بؤس الاحتمال واقعاً.
ما يخفيه الولاء والبراء
تفصح الهوية بطابعها الديني المعمم عن فراغ مفهومي فيها، في ظل هذا الاستمرار على مسعى عقلنتها واقعاً وتاريخاً، زماناً ومكاناً، عندما يتحدث عن " مسلمي أوروبا بين الانعزال والاندماج : دراسة نقدية لمفهوم ( الولاء والبراء ). " وهو حديث يكمّل ما قبله، ويمهّد لما بعده .، على أرضية الديني المحض، وإن كان يحاول تطعيمه بما هو تاريخي، إنما بالطريقة التي يسيّده. إن مسحة النقد الملطفة لمفهوم " الولاء والبراء " بمؤثره الاعتقادي والإيديولوجي في المتن" ص 158 ، وتالياً " تبقيه كما هو في النقاط السابقة، ليس عاجزاً عن تأمين موقع له تاريخياً، وكما تقول الوقائع، إنما دائراً في فلك الذات التي ابتدعها لنفسه، ومن ينظّر للواقع من هذه الزاوية.
ثمة ما يشد الذهن، ما يدفع بالناظر إلى التفكير في قول هنا وهناك، لكنه سرعان ما ينهار تحت وطأة الواقع الذي يشهد على مدى مصداقيته بمكوناته الاجتماعية والسياسية، والدينية داخلاً، كقوله( لا يمكن عزل مشاعر عزل مشاعر الإنسان وسلوكه عن معتقداته وأفكاره ومسلماته..ص165 ) .
السؤال الناهض هنا، يتركز على مفردة ليست بريئة في بنيتها" المسلَّمات "؟ ماذا تعني هذه؟ وهي تذكّر بالثوابت " ثوابت الأمّة " أي " مقدساتها". من صعد بها إلى هذا المستوى من الأسطرة بحيث يعاقَب كل من يستفسر عن حقيقتها، ومنذ متى أفصحت المسلَّمات عن كونها ثوابت تاريخ، تتزحزح جبال رواس ٍ عن أماكنها، بينما تبقى هي راسخة قواعدها؟ وفي ضوء المستجدات التي شهدنا بكوارثها، ماذا تقول لغة " المسلمات " ومنها وفيها مسلّمات الباحث بالذات، وأين تجد الهوية التي يحملها هو نفسها " سوري عربي " نفسها ضمناً ؟ " 14 "
هذا ما يمضي بنا إلى حلقة " مفرغة " أخرى من دمها ولحمها وعظمها الاجتماعي والنوعي ثقافياً، وهو يتناول " المرأة المسلمة في أوروبا : جدل الدين والهوية والاندماج ..)، مكملاً ما قبله، والأصح مكرراً ما تفوَّه به، أو سطَّره تحت مظلة " مسلمو أوروبا " كمنهج رؤيوي صراطي يجّب ما قبله وما بعده، دون أي اعتبار لشهادة الواقع، كما الحال هنا، نعم امرأة مسلمة، ولكنها معروفة بانتمائها القومي، وفي ذلك يحصل اختلاف وتمايز، وربطها بما هو اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف وحتى خلافي، وفي ذلك ينبري العنف بمسبباته وأسبابه، والمساحة الجغرافية لهذا العنف، وفي " بلده " بالذات تفنّد كل إشارة إلى هذا المفصَح عنه دون مسمى واقعي، وما ينظَر إليه، قاعدياً، وتسييسه، يعزّز هذا التوجه، أي حيث يكون الموضوع القديم جداً، والحديث بخلفياته اللادينية طبعاًن طارحاً ثقافة مفارقة لما هو قائم، في أذهان من يدشنونها هكذا. حيث تكون ( المرأة المسلمة " اختزالاً لحقيقتها " وجعلها مرئية ومرئية في الحجاب أو النقاب أو البرقع، ومن وراء هذا الستار المحمول، تمارس " آلة الحفْر " العقائدية مهمتها .
ربما أمكن النظر إلى الموضوع، جهة المرأة وسواها، على صعيد عام، أي حيث تكون الهوية هي المحك بحقيقتها الاجتماعية ومغزاها، وكيفية تعاطيها في المجتمع الواحد نفسه، إنما هي حيث تبرز ثقافات مجتمعاتية متداخلة، ويكون للإقامة في بلد ما، حيث تفرض الضيافة بمفهومها التاريخي والرمزي نفسها، وتطالب بالمقيم أو مكتسب حق الإقامة وحتى الجنسية، في أن يراعي هذا الانتقال ومشترطاته، في نظام مختلف، وثقافة مختلفة، وليس في أن يفرض نفسه من خلال ثقافة تسمّيه على خلفية دينية، تربّى من خلالها فرداً رعوياً في جماعة رعوية وراع قاهر.
حسبي أن أشير هنا إلى المفكر والباحث الإسلامي بمعناه الواسع طارق رمضان، والمقيم في سويسرا والمعروف بطروحاته العالمية في إطار التنظير للإسلام والمفكّر في موقع عالمياً، وهو يجيب على سؤال محوري يضيء موضوعنا، وأظنه يخيب أمل الباحث" نفيسة " بجوابه:
( - تتحدث عن موقف الضحية الذي تلعبه الأحزاب الشعبوية في أوربا، ولكن ماذا عن المسلمين الأوربيين أو المسلمين المندمجين في أوربا؟ أليسوا أول من يلعب دور الضحية؟ يجب على الأغلبية أن تبذل جهدًا، ولكن ماذا عن الأقلية؟ وفي سويسرا وأوربا، هناك نقص في الأصوات الإسلامية التي تعبر عن الحاجة إلى التكامل ومراعاة الأغلبية. في كثير من الأحيان يكون من الصعب العثور في وسائل الإعلام على أصوات تحمل رسالة أخرى غير رسالة بلانشو في مواجهة فرايسينجر. ونحن ندور في دوائر...
- إنها مشكلة حقيقية. وفي صورة طبق الأصل، لدينا داخل المجتمعات الإسلامية عملية ستكون من النوع نفسه تماماً. وهذا يعني رد فعل عاطفي: "نحن ضحايا، نحن غير محبوبين". وندخل في حلقة مفرغة، في نوع من العلاقة التي هي سلبية للغاية ونحن نحافظ على هذا. هناك ثلاثة أشياء يجب أن تقال في هذا الشأن. أولاً، يستغرق الأمر بعض الوقت لرؤية ظهور الجيل الثالث أو الرابع في إنكلترا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا. لقد ظهرت قيادة تضم العديد من النساء، وهي قيادة لا تتبنى على الإطلاق موقف الضحية. لقد أصبح لديهم فهم أفضل لما هو المواطن. له حقوق وعليه واجبات وفي سويسرا، نحن في بداية هذه العملية. نحن نميل أكثر إلى استيعاب حقيقة أن السكان المهاجرين تاريخيًا كانوا من الإسبان والإيطاليين والبرتغاليين. نحن ننتقل إلى شيء آخر: كان لدينا البوسنيون والأتراك في الجزء الناطق باللغة الألمانية... أنا غير نمطي تمامًا. أنا لست على الإطلاق نتاجًا للهجرة الاقتصادية. أنا هنا من وجهة نظر سياسية. ويجب أن نأخذ العملية التاريخية في الاعتبار. الأمر الثاني الذي يجب تسليط الضوء عليه هو فهم الإسلام، وهنا يلعب الوضع الاجتماعي دوراً. انظر إلى ما يحدث في الولايات المتحدة، حيث يتكون السكان المهاجرون من المهنيين والأطباء وعلماء الكمبيوتر. إنهم يواجهون مشكلة معاكسة تقريباً. يتعرضون لانتقادات من الأميركيين من أصل أفريقي بسبب تمسكهم بالحلم الأميركي. إنهم مجهزون فكريًا ويأتون بتعليم مختلف تمامًا. إنهم ليسوا على الهامش الاجتماعي، ولا يبحثون عن عمل.
هناك ثلاثة أحرف للتكامل الناجح. 1- معرفة قانون البلد: أنت في بلد ما، وتحترم القانون، فهو جزء من هويتك. 2. اللغة: لن تكون مواطنًا كاملًا أبدًا إذا لم تتقن لغة البلد. 3. الولاء للوطن: وهذا يعني أننا نريد الأفضل لبلدنا. هذا الولاء ليس أعمى، بل هو أمر بالغ الأهمية. عندما تفعل حكومتي الخير، فأنا معها. المواطن الصالح هو المواطن الناقد، وليس المواطن المطيع. يتعين علينا التمييز بين الاستغلال السياسي لمخاوف الشعبويين ومخاوف مواطنيكم.) " 15 "
هناك ما هو أبعد بكثير مما أعدَّ الباحث له نفسه، أعمق مما سبره بمنظاره المقرّب على طريقته، في أي تناول للإسلام، أو المسلمين وحقيقتهم التصارعية أساساً، وزيف المأخوذ به توحداً، في ضوء ما يصرّح به ممثلوه، ويمثّلونه من سلوكيات، يكون مفهوم الإسلامي عائماً .
تناول ما هو ديني في عالم اليوم، مشروع طبعاً، إنما في ضوء المستجدات، وعدم نسيان أن ليس الديني هو من يدلي بشهادته، ويقرّ حقيقة واقعة معينة ، وليس من شاهد إثبات، أو قرينة تاريخية، أو نموذج حي في الواقع، يقدّم شهادة تصادق على وجود مسلم مجرد من تحديد له اجتماعياً وسياسياً، وهذا نوع آخر من الاندماج الذي يغفَل عنه، لدواعيَ مقرَّرة وتصلّب الواقع نفسه .
ثمة ثقافة تعمل في صمت، وإنما تعزّي بما ينبغي التفكير فيه بالنسبة لوجودنا، ولطبيعة أفكارنا وهي موصولة بالواقع وحيث ( إن معتقداتنا الخرافية المتنوعة، لايمكنها أن تحجب عنا طويلاً ما يدفع الإنسان لإخفاء ضعفه وانحطاطه تحت ستار كائن متعال.) " 16 "
وربما في إطار تصور كهذا، وهو منفتح على واقع مرصود، يمكن تناول الدين، حين يجرَّد من كونه وليد واقع، في الوق والفعل، ولا يمكن التعامل معه معلقاً في الفراغ، أو فضاء تخيلات، بعيداً عما يجري على أرض الواقع، وماذا يحصل للفرد إذا اكتفي به دون ربطه بالحياة القائمة و(إذا كان للدين المنظَّم أي تأثيرات نهائية على الإطلاق، فمن خلال قدرته على زعزعة الفرد في أعمق دواخله. إذ يمكن تكرار الكلمات بلا عقل ودون لمس الأعماق الشخصية، بغضّ النظر عن مدى صدق أو جمال معناها، وكذلك بالنسبة للأفعال الرمزية من أي نوع، كتحية العلم، أو أي احتفالات أو طقوس أو أساطير. ) " 17 "
أتذكر هنا مثالاً لافتاً بمأساويته، وعنف المؤثر فيه تاريخياً، جهة تنوير الهوية وواقع حالها، يخص المفكر الإيراني داريوس شايغان، حين يقول، كما لو أنه يسجّل اعترافاً جارحاً ومؤلماً في هذا المقام( وإنني، بوصفي، فارسياً، أجسّد الحرمان المزمن لشعب عظيم مرشح لأعمال عظيمة، ولكنه بقي بفعل الاستبداد التاريخي، خارج التاريخ..) " 18 " .
ربما كان في مقدور كل من يستشعر تاريخاً حياً نازفاً بقيمه، ويستنزف أهليه، بمكوناته القهرية، كما الحال هنا، في نطاق ما جرى النظر فيه، والحوار معه بالمقابل، أن يعيش وهج مكابدة متنامية بدلالتها، وعميق أثرها مجتمعياً، حيث الهوية تعبّر بجلاء عن وضع متشرذم كهذا.
نعم ، الغرب هنا: إنما ليس واحداً، ولو كان واحداً، لما احتمى به باحثنا، وليس بجهة أخرى" إسلامية " طبعاً، لأنه ربما جرّب ذلك ولم يفلح، وهذه نقطة لا يُستخف بها كما أرى. نعم، الشرق نفسه ليس واحداً، بالمقابل، إنما تنوع. وهذا ما يخص المسلم، ليس واحداً، كما لم يكن هكذا من لحظة ظهوره، في زمان ومكان معلومين، وتاريخ معلوم بمآسيه وضحاياه وانقسام الهوية على نفسها " الهوية الإسلامية " ووهم المعتقد بوجودها بعيداً عن علامات فارقة تمارس فيها افتئاتاً.
نعم، أنا مسلم، حين أتحدث هنا، كباحث وكمعني بما يجري، ومن موقع المسئولية الأخلاقية، ولكنني كردي، وهي حقيقة ليس في مقدوري، تجاهلها، إن راعيت مطلب الحقيقة، والباحث مسلم، كما هو مقروء عنه، ولكنه مسلم ينتمي إلى ثقافة ولغة وسلوكيات تحدد أفقه الاجتماعي، ومحيطه الاجتماعي، والذين يعيش بين ظهرانيهم، بصفته عربياً وله توجه فكري معين.
وربما نلتقي في هم مشترك، لحظة الاعتراف بحقيقة كهذه، وفي تنوعها. بعيداً عن مزاعم تاريخ مسطور قهراً، وشعب متشكل قهراً، ووضعاً مرسوم قهراً، جرّاء اللعب بالذاكرة والتاريخ معاً، وهو الذي يرينا أفانين هواه ومداه وصداه وعماه في آن. لهذا، ربما لهذا فقط، فـ ( إن كل بناء للذاكرة انطلاقاً من تطهير التاريخ من شوائبه هو بحد ذاته" ثغرة في التاريخ "، لأنه يطمس بوعي أو دون وعي أحداثاً أخرى أو حقائق تاريخية أخرى.) " 19 "
مصادر وإشارات
1-محمد نفيسة: مسلمو أوروبا " تحدّيات الدين والهوية والاندماج "، منشورات دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024، في " 252 " صفحة من القطع الكبير. وترد الإحالات المرجعية في المتن للإيجاز.
ملاحظة: التزمت بطريقة كتابة الباحث لـ" أوروبا " بينما حاولت كتابة الكلمة هكذا " أورُبا " وهو إجراء مختلف عليه، لكنه متَّبع تبعاً لتقديرات الباحث لغوياً.
2-ينظر في نص الحوار : الباحث محمد نفيسة حول كتابه (مسلمو أوروبا): الجهل بالآخر هو أساس الفجوة القائمة، العربي القديم، 31 كانون الثاني 2025.
3-ينظَر كتابي: الفتنة المقدسة " عقلية التخاصم في الدولة العربية – الإسلامية، منشورات الريس، بيروت، ط1، 1999، طبعة ثانية موسعة، دار رؤية، القاهرة، 2016 .
4-أشير هنا، إلىهامش " 2 " في الصفحة " 13" وهو يأتي على ذكر الهجرات، الأوربية والعربية والفارسية والحثية..إلخ، إنما دون أي إشارة إلى السومريين أو الميديين والبابليين وخلافهم، وما في ذلك من عمى تاريخي.
-5 Samuel Touron : L’islam, une religion européenne ?19-5-2021
صموئيل تورون: الإسلام دين أوربي؟
6-ينظَر، تساؤلات حول الهوية العربية، لمجموعة باحثين، دار بدايات، جبلة، سوريا، 2008. ص 20-33.
ربما تحت وطأة الشعور بالهوية وبقائها متأثرة بالمتغيرات، ظهرت دعوات بصدد المهاجرين " المسلمين " إلى أوربا لأن يكتسبوا هوية أوربية، مراعاة للوضع المختلف.وأنا أشير إلى مقال أناييد ليندمان: هل هناك إسلام أوربي؟
Anaïd Lindemann: Existe-t-il un islameuropéen؟
وأنا أورد هذا الاقتباس، الذي يعيد بنا إلى عقود زمنية عدَّة خلَت:
وقد حاول العديد من العلماء، وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية، معرفة ما إذا كان من الممكن الحديث عن إسلام أوروبي نموذجي. على سبيل المثال، اخترع عالم السياسة الألماني بسام طيبي مفهوم "الإسلام الأوربي" في وقت مبكر يعود إلى عام 1995 في العمل المنشور "الإسلام في أوربا: التكامل أم الاندماج المجتمعي؟"، وهي الفكرة التي لا تزال موضع نقاش ساخن حتى يومنا هذا.
وبحسب بسام الطيبي، فإن على المسلمين في أوربا أن ينشئوا شكلاً جديداً من الإسلام يتبنى القيم السياسية والاجتماعية الغربية.
7-المفكر الأكاديمي جورج قرم، يقدّم صورة حية، ودقيقة حول هذه النقطة، حين يأتي هو نفسه، ومنذ نصف قرن على هاتين الآيتين، مظهِراً ذلك الرواق الذي يحتكره ولي أمر الأمة " الإسلامية " لحياة السلطة، أكثر بكثير مما يتقدم به تفسيراً أو محاولة تبيين علاقة لهما ، أي حيث أوردهما وأوردهما في سياق مناقشة عقيدة الولاء والبراء من خلال النصوص"ص176." حيث يقول قرم، في كتابه: تعدد الأديان وأنظمة الحكم، دار الفارابي، بيروت، ط4، 2011 :
( دمج الروحي بالزمني، إعلاء من شأن الحاكم، وشرعنة لسلطته، وما جرى في ذلك من مآس وانعكاس سلبي على الدين نفسه، وإلى الآن، في ظل هذا الدمج البراغماتيكي"ينظر صص 256-272 ").
وما يخص( توسع الإسلام وانتشاره ومقتضيات السيطرة الإسلامية هي التي أوجبت البحث في القرآن، والسنة عن مصدر للاجتهاد القانوني. ص270.) ...إلخ .
8- تساؤلات حول الهوية العربية، المصدر المذكور، ص 139 .
وأضيف هنا قولاً آخر لباحث مغربي، كان له حضوره في الثقافة الفرنسية، وبلغتها، هو جمال الدين بن شيخ " 1930-2005 "، لما له من عميق أثر ودلالة مقارنة لما انطلق منه نفيسة والتزم به إسلامياً( لم أكن أبحث في اللغة الفرنسية لا عن هوية ولا عن منفى، وإنما عن يقين يكفل لي الإقامة فيها حراً، وحيداً.ص207.)، وقد أمضى عقوداً زمنية من عمره في فرنسا؟!
9-حميد بوزارسلان: قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة، ترجمة: هدى مقنّص،مراجعة المنظمة العربية للترجمة، ومن منشوراتها، بيروت، ط1، 2015، ص 28 .
في هذا السياق، حسبي أن أشير إلى ما أفصح عنه ادوارد سعيد ببراعة، في كتابه المأثرة الثقافية: الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية وقدَّم له: كمال أبو ديب، منشورات دار الآداب، ط1، 1997، وفي الفصل الأول منه: أقاليم متقاطعة وتواريخ متواشجة( إن موضع الرهان والمجازفة إنما هو الأراضي، والممتلكات، والجغرافيا، والقوة . كل شيء يتعلق بالتاريخ البشري متجذر طبعاً في الأرض. وهذا يعني أن علينا أن نفكّر بالسكنى والمعاش، لكنه أيضاً يعني أن البشر قد وضعوا الخطط للتفكير بامتلاك مزيد من الأراضي، وأن عليهم لذلك أن يفعلوا شيئاً ما بساطنيها الأصليين..ص78).
10- د. جورج قرم: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب، ترجمة: د. رلى ذبيان، مراجعة وتدقيق المؤلف، دار الفارابي، بيروت،ط1، 2011.ص 32 .
11- المصدر نفسه،ص 409 .
-12 DrieuGodefridi:L’islamisation de l’Europe : qu’enest-il vraiment ?
دريو جوديفريدي: أسلمة أوربا: ما هي في الحقيقة ؟
13- فريد هاليداي: الأمة والدين في الشرق الأوسط، ترجمة: عبدالإله النعيمي، دار الساقي، بيروت، ط1، 2000، ص 192.
يحصل الإسلامويون في تركيا على نسبة كبيرة من أصوات الأكراد وإذ يُسالون عن القضية الكردية يكون الجواب المعهود أن المواطنين الأتراك كلهم مسلمون وبالتالي لا توجد مشكلة.ص192.
14-لايخفي الباحث المعروف هاشم صالح تهكمه العقلاني من مفهوم الثوابت وهي في عداد المسلّمات، وسخريته من جملة المحافظين في العالم العربي (فالمحافظون في العالم العربي، سواء أكانوا قدامى أو جدداً، يحاولون إيقاف حركة التاريخ أو عرقلتها من طريق طرح الشعار التالي: ممنوع المس بثوابت الأمة!! والمقصود بها بالطبع اليقينيات المطلقة والعدوانية للإيديولوجيا القومجية والإيديولوجية الأصولية في آن. ولكن ماذا تبقى لنا لكي نفكر فيه ؟ وعن أي شيء سنتحدث إذا كانت هذه الثوابت تملأ الساحة وتسد الأفق ؟ نحن نمشي في أرض ملغومة. في كل خطوة نخطوها قد نصطدم بأحد ثوابت الأمة، أي بأحد الألغام. وإذا كانت ثوابت الأمة تتجسد في شخصيات من طراز بن لادن، والزرقاوي، وصدام حسين فعلى هذه الأمة العفاء! ... الثوابت الوحيدة التي ينبغي أن يتمسك بها العرب والمسلمون هي تلك التي تتبناها الأمم المتقدمة أو السائرة نحو التقدم: أي دولة الحق والقانون وإرساخ النزعة الإنسانية: أي اعتبار الإنسان قيمة بحد ذاته بغض النظر عن أصله وفصله، أو عرقه وطائفته ومذهبه . ص105 .) ..إنه شريك الباحث ، في الانتماء إلى بلد، كان التمسك بثوابت أو مسلمات من النوع المذكور، وراء انفجارات كوارثية وهي لما تزل قائمة في بلده اللابلد، وهو نفسه ضحية لها عملياً.
-15 L’islamestune religion européenne»
"الاسلام دين اوربي": مقابلة مع المفكر طارق مضان
16- ريجيس دوبري" النار المقدسة " وظائف الديني"، ترجمة: عبدالقادر ملوك، دار رؤية، القاهرة، ط1، 2021.ص28 .
17- أبراهام مازلو: الأديان والقيم والخيرات الذُروية، ترجمع عن الإنكليزية: د. لؤي خزعل جبر، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ط1، 1923.ص57.
18- داريوش شايغان: ما الثورة الدينية " الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة،ترجمة وتقديم: د. محمد الرحموني، مراجعة: د. مروان الداية، المؤسسة العربية للتحديث الفكري، دار الساقي، بيروت، ط1، 2004.ص 23 .
19- د. جورج قرم: نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط " تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية، ترجمة: د. سلام دياب، دار الفارابي، بيروت، ط1،ط1، 2014. ص186.