أنس الرشيد - الدقائق الأخيرة قبل وصولِ الإله



المكان:
مقهى (برزخ الصَمتِ الضاحك)

الزمان:
قبل أن تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ، وقبلَ أن يُبرز المقهى للهِ الواحدِ القَهَّار بدقائقَ معدودة.

الوجود:
[طاولتان، فنجانان، وكتابٌ مفتوح على لا شيء.
جُحا يضحك من المعنى، وفتغنشتاين صامتٌ إلى المعنى، واللغة تمشي حولهما كنادلٍ يُقدِّم ما يجب عليه تقديمه]

الحوار:

/جُحا:
يا صاحبي، لِم أنتَ غارق في بِركَة الفنجان؟

//فتغنشتاين:
الفنجانُ طريقي إلى صَمتٍ حقيقي.

/جُحا:
وهل الصَمتُ بطعمِ البُنِّ، أم بطعم النكتة كما هو صمتي؟

//فتغنشتاين:
وهل للنكتةِ طعم، يا من تُثرثِر كثيرًا؟

/جُحا:
للنُكتةِ طَعم الشَّهوة، طَعم موسيقى النَّشوة، أو طعم تَحريك بَظرِ اللغةِ حتى تَنطِق بصمتِ المَاء.
أما ثرثرتي -يا صاحبي في الصَمتِ- فأنا لا أقول منها إلا ما يجعل الضحكةَ تَسبق قولَ النكتةِ. ما يجعل تدفُّق الشهوةِ يسبق فعلَ الجنس...! ذاك صمتي، وذاك حبي، وتلك شهوتي.

//فتغنشتاين:
كنتُ أظنكَ ثرثارًا يا جُحا، ولكنّي شَقيتُ بسوءِ ظني، فأنا وأنت متشابهان في الصَمتِ، أنا أضع المَعنى وأنتَ تمحوه...؛ ثم تَمحوه لأضعه...!
أين فنجاني؟

/جحا:
أنا أُضْحِكُ المَعنى حتى يكشفَ عن لذّته فأضاجعه أمام الناس فيضحكوا دون أن يقولوا شيئًا؛ دون أن تكتمل شهوتهم.
فنجانك سَرقه النادل.

//فتغنشتاين:
هذا أمر جَلل، يا جُحا...!

/جحا:
أن يُسرَق فنجانك؟ أم أن أُضْحِكَ المعنى وأضاجعه؟

//فتغنشتاين:
كلاهما. الحقيقة أني لا أحتمل الضحك.

/جحا:
أنتَ لا تَحتمل الكلام، أمَّا الضَحك فهو من يحتملك.

//فتغنشتاين:
نعم أنا لا أحتمل الكلام الذي لا يُمكِن أن يُقال، فما لا يٌمكِنك قوله يا جُحا يَجب أن تَسكت عنه.

/جحا:
فلِمَ سَمَّيته كلامًا إذن؟؛ دعك من هذا، واسمع -يا صاحبي في الصمت- هذه الحكاية:
مررتُ بقومٍ عُراةٍ مضطجعين بجوارِ بعض، صامتين، ينظرون إلى النجوم...، كأنَّهم على موعدٍ لا زمانَ له، على موعدٍ للذةٍ في السماء تعبر مِن أعضاء أجسادهم التناسلية، الأعضاء الصامتة بصمتِ جدران القرية التي ماتَ بانيها من آلافِ السنين، إنَّهم لا ينتظرون شيئًا، ولا ينتظرهم شيء...؛
وقفتُ عند رؤوسهم، وكان شَعري منسدلًا طويلًا كأنثى فاتنة...! فقال أحدهم وهو يُبحلِق في أعماقِ الشَعر: كم شَعرة في الَّسماء...؟
قلتُ له:
اعددهم بنفسك، إن كان لديك الوقتُ قبل أن تُطوى السماء كطي السِجلِ للكتب...!

//فتغنشتاين (يضحك لأول مرة دون جهد):
يا لك من مهرج يلعب بالمعنى على فراشِ الزوجية...؛ كأنَّ حكايتك مع القوم العراة كشفت نجومَ حكايتي.

///النادل:
ليضحك المعنى إذن كما يضحك بظر المرأة حين يرى وجه الإله.

/جحا:
ها...هاا...هااا... هي، هي، هي

//فتغنشتاين (يقفز كالجدجد):
صررررررررررررررررررررررررررر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى