إبراهيم محمود - القماش نصاً قراءة في كتاب الباحثة فهميدة سليمان: قماش حياة "منسوجات الشرق الأوسط وأواسط آسيا"

ينظَر إلى النسيج على أنه سلعة. هو كذلك. إنما منذ متى كان النسيج مجرَّد سلعة، وليس حاملاً ومحمَّلاً لقيمة مادية، وما يبقي القيمة هذه معزَّزة بقيمة رمزية تسمّي في الأولى، نشأة وتكويناً، تاريخها، نوعها، جهتها، وحتى لغتها. نعم ، النسيج صاحت، ولكنه يتكلم بمادته، بالنقطة التي نبض فيها في " نطفته " الطبيعية الأولى، ومن كان وراء اكتشافه، رعايته، وطرْحه باسم معين، إنما، كذلك، كتاب تاريخ نشأة" ميلاد " له في الزمان والمكان؟

1744087881120.png


يعيد بنا هذا الكشف الموصول بالواقع، إلى ما كان، إلى أن النسيج هو تاريخ على طريقته، يُقرأ من الداخل، مهما كان بالغاً في الشفافية والرقة. الأصابع بخاصيتها اللمسية تتكفل بقراءة تميّزها، وبوجود العين، تصبح العلاقة مع جملة المؤثرات الحسية الملمسية النَّسب، مؤكّدة على حميمية قائمة، للجلد بأدائه أو دوره، شهادته في إقرار مثل هذا النوع الملمس، والمختلف، تبعاً لمرجعية النسيج، وما يتركز على القيمة المادية، تتشكل خاصية تقدير أخرى.
هذا النسيج، في تنوع أصوله المكوّنة له، يسمّي طبيعته ظاهراً وباطناً، ومراحل تشكيله يدوياً أو صناعياً، ويعزز مكانته، في تلك العراقة التي ربما يعجز التاريخ نفسه عن الإحاطة بحقيقته الجامعة، كونه أكثر من مجرد نسيج، غطاء، أو كساء، أو زخرفة قماشية، حيث يُبَثُّ فيه " نبض " شعب، أو جماعة، بصمة أمَّة أحياناً، ومن هذا المنطلق يتجاوز النسيج، ما هو مكتوب، لأنه هو نفسه كتابة وفاعل كتابة في بنيته، ولهذا، كان ويكون شاهد حياة، وممرّر رهانات، ومعزّز آمال، وفي الوقت نفسه،حامل مؤثرات، ومجسّد دلالات عبرها هنا وهناك، حيث يصبح معروضاً ليس لمجرد النظر، أو للملمس، وإنما ترجمان إبداعات جماعة، لسان حال فولكلور خارجاً.
وينظَر إلى النسيج إلى أنه تاريخ، لكنه تاريخ محسوس، يكون الإنسان بخياله وتفكيره وسلوكه العملي حاضراً. إنما منذ متى تم ذلك؟ منذ متى ظهر هذا المسمى بـ" النسيج " في حياته، وعرِف به، من خلال استعمالاته: يحيط أو يلف جسمه به، وفي الأجزاء الأكثر لفتاً للنظر، كما هو معروف، ويحمي جسمه" في تأمين الحرارة المطلوبة " وما يعزز مكانته في البيئة التي يعيش فيها، وما يجعل منه لغة ملموسية ضمن علاقات بينه وبين سواه؟

سؤال مقمَّش
منذ متى ارتقى هذا النسيج، وقد استحال قماشاً، إلى المستوى الذي اكتسب في ذلك صفة أخرى، منحته متعة وشعوراً بنشوة داخلية، وتنشَّط خياله، أكثر فأكثر، وهو يرى في الذي تصنعه يداه متجاوبتين مع طاقة خيالية كامنة فيه، تجسيداً متنامياً لقوة ديناميكية داخله، من خلال المكان الذي تحوَّل إلى سكنى له، وفي العناصر التي ارتبطت به حماية وزينة وزخرفة؟
منذ متى ظهر النسيج في هيئات مادية ومعنوية، وفي القماش المذكور بمناقبيته المسجَّلة ما يقرّب الصورة حسياً، وبتنوع مواده هنا؟ حيث يبرز النص من جنسه، وخلافه، في الدور والوظيفة التي بات يعرَف بها، وشهد تطورات كثيرة، إلى الوضعية التي نعيشها راهناً، من خلال التقدم الهائل في التقنيات الحديثة كتابياً وإعلامياً؟
ليصبح هذا المفرد الجامع حاضراً بذلك الزخم، والمشهود له بالتوسع واللاتناهي، والظهور بلغات بصرية كما هي لغات الأمم والجماعات والشعوب، وفي حقب التاريخ المعهودة، بفنونها البصرية خصوصاً، وصِلاتها بثقافاتها ومعتقداتها، وكما هي وشائج القربى متناهية الدقة والصغر ونفاذ المعنى والأثر إبداعياً، على صعيد الفرد. لكل منا نسيجه، قماشه؟
لعلّي أجدني هنا في متنزه قراءة، وما في ذلك من استجمام نفسي مركَّز، ومعايشة نفسية يلتقي فيها النسيج الداخلي" نسيجي الحيوي " بالنسيج الخارجي، كما هو مطروح صنعة أو نتاجاً أو هماً معاً، في كتاب لا يخفي رهانه المباشر، حِرفيته البيّنة، بعنوانه: قماش حياة، وفي تسمية موقعه جغرافياً: منسوجات الشرق الأوسط وأواسط آسيا، لمؤلفته : فهميدة سليمان " 1 " وما يتيسر في عملية القراءة هذه من حوار معزَّز بلغة البصر والبصيرة، والمتابع لمستجدات الكتاب .
واللافت هنا مجدداً، هو أن المؤلفة، كما يظهر عايشت النسيج تاريخاً وتحولات عبر القماش، من زوايا مختلفة، وبحكم عملها، كما المذكور عنها في الفقرة الثانية من الغلاف الخارجي( عملتْ سابقاً أمينة لقسم الشرق الأوسط الحديث في المتحف البريطاني. ومشرفة رئيسية على معرض " الوجوه والانتماء: فنانات معاصرات من العالم الإسلامي وخارجه " ( يوليو 2023- يناير 2024)، وغير ذلك من المهام والأعمال التي أدارتها وعنت بها، ومن أعمالها هذا الكتاب الصادر بالإنكليزية سنة " 2017 ".


إضاءة أولى
المؤلفة تهدي كتابها إلى امرأتين " رائعتين" كما وصفتهما، لأنهما ساعدتاها في " مشروعها ": الكتاب. حيث جرى تمويل منصبها في المتحف البريطاني الذي شكّل المرجع القويم والموسوعي لنماذجها في عملها، وهي التي تأتي على ذكر ذلك في كلمة " شكر وتقدير" في نهاية الكتاب" ص 239 "... وربما أمكن تنوير خلفية الإهداء بالمقابل، أو التذكير بما هو مهم هنا، وهو ما للمرأة من صلة بالنسيج تاريخاً وصلات قربى، على صعيد المؤالفة بينهما" هي والنسيج "، حيث النسيج الظاهر خارجاً، يثير الفضول لمعرفة ما في الداخل، أو أبعد، وإن كان شفافاً، كما لو أن المرأة تودِع النسيج هذا بعضاً أثيراً من روحها وأبعد وأبعد. وربما كانت المؤلفة نفسها مقدّرة لهذه العلاقة النوعية المسمّاة هنا، وهي تحصر ميدان عملها، في مجموعة دول " 11 دولة/ بلد – ص6 " لها تاريخها العريق في نطاق المنسوجات، وسردياتها المنصبة على ما هو عائلي واجتماعي..وربما كان في تذكيرها بعائلتها ودعم هذه لها، وهي مقيمة في لندن، ووالدتها، خصوصاً، ذلك التعزيز اللافت على مثل هذه العلاقة اللصيقة بما هو روحي، وحتى بطبيعة المادة " النسيج " وربطها بالإبداع الأنثوي وخصوبته. النسيج الذي يثيرنا، وعبرها ننفتح على بعضنا بعضاً.
وما يستحق التأكيد عليه، هو أن المساحة الجغرافية التي خصصت به المؤلفة كتابها، تمثّل قاسماً مشتركاً ثقافياً لجملة الدول/ البلدان هذه، بوصفها مانحة للقماش، كما عُنوِن به الكتاب هذا، قيمة أكثر من كونها إشعارية وظيفية في المتن، إنما هي إشهار مرفوع بعلامة فارقة، وهي أنها تشد على ماضيها" مرتدية " ما صنعته وتصنعه يداها مما يخص جملة المنسوجات المسماة بأدوارها، أكثر من كونها فولكلورية التي يُحتفى بها مناسباتياً، حيث تجد نفسها من خلالها كثيراً، ومن خلال وضعيتها الاجتماعية، السياسية والصناعية والثقافية والدينية...إلخ، حيث " الوجه " يكون كاشفاً عن محيّاه كثيراًن بالطريقة هذه في " مرآة " ما كان، وما في ذلك من تنفيس ودلالة.
بالمقابل، هناك ما يجدر التذكير به، جهة " المتحف البريطاني " الذي اعتمدتْه عموماً في متابعاتها الكشفية. ومن خلال سؤال، لا أظنه بريئاً في تسميته لهذا المتحف: لماذا المتحف البريطاني بالذات؟ ذلك يذكّرنا بجملة المؤسسات والمراكز البحثية ذات التنوع في دراساتها " الغربية " وصولاً إلى ماوراء البحار" أميركا " وهي تتناول العالم الآخر، في اختلاف قاراته " غير الأوربية "، في دراسات مركَّزة، تفيد المعنيين بالعالم هذا. ثمة ما يجب إبرازه، وكيف يجد هذا العالم الذي " يتنفس " في متحف مصنف علمياً بطريقة معينة، ومن قبل باحثيين متخصصين بالمقابل، صورته، صوته، نبضه الروحي، حتى هويته الفعلية، وليس " الكرتونية " خارج أسوار مجتمعه العالية والشائكة، والمسلَّحة بكم هائل من التابوهات أو المحظورات، وفي الوقت نفسه، ما أن يؤتى على ذكحرها تساق في المسار الضيق والخانق للاستشراق، وهو ما يزيد طين رؤية الآخر بلة ووبالاً، ذلك يشمل أصناف المعرفة المختلفة( لو تذكرنا الجانب العربي ماذا نجد؟ لا شيء يمكن تبينه أو تسميته، إلا ويجد موقعاً اعتبارياً: بحثياً ومعرفياً، على أكثر من صعيد في هذا السياق، من الدراسات الدينية" القرآنية " مروراً بالشعر العربي " القديم " وتحقيقاته، وليس انتهاء بالأزياء والفولكلور على وجه العموم). أين هي الجهات التي تدّعي حرصها على " هويتها " القومية، أو الوطنية، لحظة التعرض لما يُسمى بـ" الأصالة " أو " التراث "؟؟؟
أذكّر بما أفصح عنه ادوارد سعيد في القسم الأخير من كتابه " الاستشراق " حول علاقة تباينية كهذه( فالعالم العربي اليوم كوكب تابع، فكرياً، وسياسياً، وثقافياً للولايات المتحدة... ،( وإنها لصدمة موقظة أن تجد، على سبيل المثال، أنه فيما توجد عشرات من المنظمات لدراسة الشرق العربي والإسلامي في الولايات المتحدة، فليس ثمة مؤسسة واحدة في الشرق لدراسة الولايات المتحدة، وهي أعظم المؤثرات الاقتصادية والسياسية إطلاقاً في المنطقة..) " 2 "
هوذا عرْي القاع " الهرمي " المدشن والمحروس سلطياً، وكيف تعمل الذهنية المزكاة لإدارة الجاري ! بذلك تصبح عبارة " الدراسات الاستشراقية " وفي ضوء المتداول في المنطقة، أكثر من كونها حقاً يراد بها باطل، لسبب غاية في الوضوح والبساطة، وهو أن الذين يحرصون على تلفظها، وتداولها بالصوت والصورة، وفي مراتكز القوى والنفوذ في المجتمع، يجسّدون هذا " الباطل " وجل كتابهم ومثقفيهم المعتبَرين طوع أمرهم.

المقدمة: قماش حياة
ماذا يعني العنوان الرئيس هذا، والفرعي هنا، والمشكّل في الوقت نفسه مفتتحاً للكتاب في المقدمة؟
العنوان يلوّح بموضوعه الملموس في مصدره الطبيعي والمصنَّع: القماش في أبوته: النسيج، بذلك ينطلق المسطور مظللاً، ومحمَّلاً بظلال هذا النسيج والمتداخل مع هذا المسطور وهو نفسه نسيج على طريقته.
( تنقل المنسوجات قصصاً، قراءة بعضها أسهل من غيرها..ص9 . بيد أن القصص التي ترويها غالبية المنسوجات أكثر غموضاً، وتتطلب قراءة أكثر دقَّة، إذ تحتوي العديد من المنسوجات رموزاً مرئية تشير بشكل صريح، أو بشكل ضمني إلى مجموعة واسعة من العوامل الثقافية والاجتماعية...ص10 .) .
ذلك صحيح، وأكثر من ذلك. لأن هذا الاسم الذي يعيدنا إلى بدايات يستحيل التأريخ لها بالدقة، يذكّرنا ومن خلال طبيعتنا الجسمية، والثقافة التي انعجنّا بها، بالكيفية التي وضعنا حواجز رقيقة، ولكنها ضامنة للمطلوب، أي اللباس الذي يحتفظ بتاريخه، وتاريخه يفتقد نقصاً وثغرات وغموضاً، لتعرضه لعوادي الزمن.
لكن صورته في ضوء الحاضر، وتعددية أدواره، ومكانته، تعلّمنا بما جرى تسلسلياً، حقبياً جهة النسيج هذا.
في ضوء ذلك، أي وكما أضيء بمحركه المعرفي، يصبح أي كلام، أي توصيف، أي مسعى تأريخ للقماش، وقبله بداية: النسيج بداهة. لحظة أخذ ما هو تاريخي في الحسبان، أي الخضوع لمنطق المستجدات، ومؤثرات الزمن المكانية .
أن يكون العنوان هكذا " قماش حياة " ذلك مؤثّر في بنية الموضوع. لماذا قماش حياة، بالصيغة هذه؟ أهو قماشٌ حياة، حياة يجري تحديدها، وفي النطاق الجغرافي المعلوم ببلدانه؟ إن عبارة " العالم الإسلامي " التي يستسيغها كتّاب ينتمون إلى هذا العالم دينياً، أو حباً بالعبارة، وتأكيداً على انتماء معتقدي يخفي الانتماء العرقي- الاثني- القومي في الداخل، وما في ذلك من إقلاق للمعنى بالذات، ولأن صياغة كهذا ، كما يظهر، تكون مجازة أكثر، أي تجد ظريق عبور لها إلى داخل هذا العالم، وحتى سهولة تنقل من جهة جغرافية لأخرى، وما في ذلك من تقديم إيماني استقطابي، لا بأس أن يكون له صدى انتقادي من الطرف الآخر: استشراقياً، لإنماء رصيده أكثر .
وفي الوقت نفسه، مع التأكيد على وجود مِهنية ظاهرة لدى الباحثة في كتابة موضوعها، وتنويع عناصره، وحتى تطرقها هنا وهنناك إلى نقاط ساخنة، أو كوامن مجتمعية تسمّي السياسي عميقاً .
لا شك أن الجهد الميداني البصري والبحثي وما فيه من جمع ومقارنة وتنويع ليس بالأمر السهل. حين نقرأ التالي:
( يتضمن هذا المجلد أكثر من مئتي قطعة من منسوجات الشرق الأوسط وأواسط آسيا، اختيرت من مجموعة المتحف البريطاني الشهيرة التي تضم حوالي ثلاثة آلاف قطعة من المنطقة، وهي مجموعة كبيرة ومتنوعة: ملابس رجالية، ونسائية، وملابس أطفال، وقبعات، وأغطية رأس وستائر المساجد وسجاد الصلاة، وفرش الأرضيات، وتعليقات الخيم، ومناشف يد ووسائد وأكياس تخزين ومحافظ وحقائب مستحضرات تجميل ودمى وهدايا تذكارية وزخارف حيوانات وتمائم وأعمال فنية حديثة ومعاصرة..ص11.) .
يعني أن ليس هناك ما يُسمى مادياً، في نطاق النسيج قديماً وحديثاً، إلا وينخرط في لعبة معنى أو أكثر، ويكون مركَّباً في العلاقة: عملية ونظرية. حيث كل نوعية قماش، تظهر لغاية عملية، تحمَّل بتاريخ وقيمة رمزية .

ما يمكن تتبعه بالتوازي
ما قرأته في " قماش حياة " في هذه اللّمامة، في هذا الجسم المركَّب من ألياف وأنسجة، دفع بي إلى النظر بعيداً، بغية إثراء الاسم نفسه، ومن خلال حيوية العلاقة بين الكتابة، أو اللغة والنسيج:
النسيج ليس اسمًا للقماش ولكنه أحد طريقتي إنتاج القماش الأساسيتين إلى جانب الحياكة . هناك مجموعة واسعة من الأقمشة المنسوجة. (انظر: الأقمشة المنسوجة) على سبيل المثال، القمصان أو أطقم أغطية الألحفة مصنوعة من قماش منسوج ونظرًا للخاصية الهيكلية للنسيج، فهي ليست مرنة ولا تستطيل.
النُّسُج هي خلايا مرتبطة ببعضها بعضًا.
القماش هو ما تحصل عليه عندما يتم تحويل النسيج إلى مادة قابلة للاستخدام. هو نتيجة نسج (الأقمشة المنسوجة) أو الحياكة (الأقمشة المحبوكة) أو ربط (الأقمشة غير المنسوجة) المواد النسيجية معًا لتشكيل منتج لغرض محدد، والذي غالبًا ما يخضع للتشطيب والمعالجة الإضافية. بالإضافة إلى ذلك، فإن القماش غالباً ما يكون المنتج النهائي جاهزًا للقطع والخياطة وتشكيله على شكل ملابس أو منسوجات منزلية أو عناصر مفيدة أخرى.
باختصار، القماش هو المادة التي يستخدمها مصمم الأزياء أو المتحمس للخياطة في صنع الملابس أو الأشياء الزخرفية أو أي منتج نسيجي آخر. بدون القماش، لن يكون لدينا الجينز المفضل لدينا، أو الأغطية الناعمة، أو الستائر الأنيقة. القماش هو المادة النهائية، جاهزة للاستخدام.
والقماش هو نوع من القماش المصنوع عن طريق النسج والحياكة وتبطين المواد الخام وما إلى ذلك. وهو أيضًا نوع من القماش يستخدم غالبًا في الملابس والعلامات التجارية للملابس.
ولماذا من المهم توضيح هذه المصطلحات المتشابهة؟
قد تبدو هذه الكلمات وكأنها مرادفات بسيطة في المحادثات اليومية، ولكن في الصناعات مثل الأزياء والتصميم الداخلي والتصنيع، فإن معرفة المعنى الدقيق يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا. إن سوء استخدام هذه المصطلحات قد يؤدي إلى ارتباك في تطوير المنتج، وتوريد الأقمشة، وحتى توقعات العملاء. لذا، سواء كنت تختار قماشًا لقميص جديد، أو تقوم بتصميم طلاء، أو الحصول على مواد لنسيج طبي، فإن فهم الفروق الدقيقة بين هذه المصطلحات يمكن أن يساعد في تبسيط العملية بأكملها.
الفرق الرئيس هنا هو أن مصطلح "النسيج" يمكن أن يشير إلى مجموعة كبيرة من المنتجات القائمة على الألياف، بما في ذلك المواد الخام والمنتجات الوسيطة التي تتم معالجتها وتحويلها إلى قماش. لذلك، فإن المنسوجات هي المكونات والمنتجات النهائية لوصفة ما، وكلها متشابكة مع المواد، سواء كانت نهائية أم لا. أما الأقمشة فهي عبارة عن أرغفة كاملة مصنوعة من بعض المنسوجات (عجينها الخام)، تنتظر التشكيل النهائي ثم تقدم إلى المخبز.

وما يفيد – مثلاً- أشكال الملابس الداخلية القديمة والحديثة
كان المئزر هو الشكل الأول للملابس الداخلية. في عصور ما قبل التاريخ، كان يرتديها الرجال والنساء على حد سواء، وكانت تتكون من شرائط من القماش تمر بين الساقين وتربط حول الخصر.

1744088197693.png


وقد: قام المصريون القدماء بصنع شرائح مثلثة من الكتان وربطوا عليها خيوطًا. قد يربط نظرنا الحديث هذا النوع من القطع بالتنورة الاسكتلندية، ولكن أطوال الشينجيت تختلف. كان يرتديها الفراعنة، وفي وقت لاحق، أفراد الطبقات الاجتماعية الدنيا. تم دفن توت عنخ آمون مع 145 شنجيت، وهي مجموعة كبيرة من المآزر التي أخذها معه إلى العالم السفلي...." 3 "
ومن يتابع تلك الخطوط العريضة التي تصل النسيج بما يتجاوره، أي كونه مجرد نسيج، يتلخص هنا وهناك في كلمة " قماش "، والكتابة واللغة في الواجهة، سوف يعثر على ما هو غائب عن الذهن، أو غير متوقع. أي حين يعلم أحدهم الآخر، بأن الكتابة أو اللغة، أو ما ألفناه حديثاً في أجهزة الكتابة والاتصالات " حال الكمبيوتر " و" الموبايل " إنما يتمثل في الخاصية المعقدة والمثيرة للألياف، وتشابكها مع بعضها بعضاً، وهو ما يدفع بمن يريد التعمق بحثياً في النسيج بالذات، والقماس، في المتن، سوف يكتشف الأبعد من مسمى الثوب أو مرادفه .
وأنا أورد التالي:
هناك العديد من أوجه التشابه بين إيماءات النسيج وإيماءات الكتابة.
في اللغة الفرنسية، على سبيل المثال، يشترك النص والنسيج في الأصل اللغوي نفسه: فكلمة "نسج" تأتي من الكلمة اللاتينية texere ، والتي تعني التضفير، والنسج، ولكن أيضًا التخطيط والكتابة والإخبار. في اللغة الإنكليزية، تأتي كلمة "نسج" من كلمة "wefan" وتعني النسج والاختراع والجمع والترتيب. تسلط هذه الأصول اللغوية الضوء على جانبين أساسيين لفهم ما تمثله هذه التقنية في حضاراتنا اليوم: إيماءة الكتابة والمنطق التركيبي. واليوم يذهب البعض إلى حد اعتبار النسيج هو أصل الحوسبة. على ماذا تستند هذه الفرضية، وفوق كل شيء، ماذا تعلمنا عن هذه المعرفة؟
لنبدأ بلفتته التقنية: تشابك الخيوط بزوايا قائمة. وعلى عكس صناعة السلال، فإن عدد الخيوط اللازمة لصنع القماش يرافقه تطوير الأدوات لرفعها في طبقات ووضعها تحت التوتر.
في إطارات النسيج الأولى، يتم تطوير الأنماط على الأداة نفسها. من المهم أن نفهم أن النسيج يعتمد على مبادئ رياضية معقدة. ولكن إتقان هذه المبادئ والخبرة في التعامل مع الخيوط تسمح بالفعل - من الأقمشة البيروفية ما قبل كولومبوس على سبيل المثال - بالتطور الاستثنائي للأنماط والصور المتماثلة: "حتى العمليات المعقدة كانت قد تطورت بالكامل في هذه الفترة القديمة"." 2 "
يعتبر النسيج جهدًا يدويًا وذهنيًا، ويعتمد على عملية معرفية معقدة. إن حركات النسيج "العد والفصل والتصنيف ووضع الخيوط حسب الترتيب" " 3 ": النسيج ينتمي إلى "مجال الرياضيات"" 4 ".
يتوافق الرسم التخطيطي مع كتابة القماش. وفي المخطوطات التي عثرت عليها باتريشيا هيلتس، نلاحظ أن التدوينات التخطيطية الأولى من النمسا أو توسكانا تشبه التدوين الموسيقي. ثم يرافق تعقيد الجهاز التقني تطوير نظام كتابة مشفر للغاية: في الرسم التخطيطي، نرمز إلى الدروع وجميع الإجراءات التي يجب تنفيذها لصنع القماش. هذه هي بداية التمثيل الذهني للنسيج: رسم الخرائط.
يعتبر نول الجاكار بشكل عام بمثابة سلف الكمبيوتر. تتبع هذه الحرفة خطى الاختراعات الأخرى التي تعمل على أتمتة حركات النسيج. إنه يسمح بتنشيط الحزام (المسئول عن رفع خيوط السدى) عن طريق قراءة البطاقات المثقوبة التي تشفر النمط.
لم يخترع جاكار هذه اللغة، بل قدمها لعامة الناس وألهم المهندسين، بدءًا من آدا لوفليس، التي تعتبر رائدة في برمجة الكمبيوتر ومبتكرة أول آلة تحليلية. وتتحدث عن ذلك بهذه العبارات:
" إن المحرك التحليلي ينسج أنماطًا جبرية، تمامًا كما ينسج نول الجاكار الزهور والأوراق." وهكذا، فإن النسيج يزود أجهزة الكمبيوتر بلغته الثنائية، والتي لا تزال تستخدم لتخزين كافة بياناتنا ومعلوماتنا.
" لقد كان الكمبيوتر دائمًا بمثابة محاكاة للنسيج: خيوط من الأصفار والواحدات تحاكي شاشات الحرير في الحركات الدائمة للفضاء الإلكتروني."
لكن الرابط بين النسيج والكتابة يتجاوز بكثير مسألة لغة الكمبيوتر. من المؤكد أن الكتابة والنسيج يشتركان في لفتة نشر الخطوط: الانتهاء ثم البدء من جديد. ومع ذلك، فإن النسيج كان موجودًا قبل الكتابة بكثير، ويسبق اختراع الحروف الأبجدية. ومع ذلك، قبل وقت طويل من النقش، كان عمل الخيط يرافق بالفعل نشر الفكر. على سبيل المثال، بين حضارة الإنكا، وهي الحضارة التي طالما اعتبرت بلا كتابة، نكتشف الآن أن الكيبو (أو الكيبو)، المصنوع من عقد من الخيوط البيضاء والصفراء والحمراء المجمعة في حزم، كان يستخدم في المحاسبة وكتابة الرسائل. كان في الواقع نظامًا من الرموز التي يجب تفسيرها للسماح بتسجيل المعلومات باستخدام لعبة العقد والألوان على الحبال.
يبدو أن عمل الخيوط هو نظام يعمل على بلورة الفكر والكتابة. في مالي، في لغة الدوجون، كلمة "soih" (نسيج) تعني أيضًا أن الشخص هو الكلمة، و"soihti" (نساج) هو من يصنع الكلمة. الخيط يصلح الكلام البشري. وإلى جانب وظائفها النفعية، ساهمت صناعة النسيج في نشر الرموز والمعرفة وتطوير حضاراتنا. بهذا المعنى، فإن النسيج هو أكثر من مجرد مهارة: إنه لغة. " 4 "
وما هو وارد في حوار حول ذلك:
(... منذ البداية كنا متناغمين مع العصر من خلال هذا العنوان، الاتصالات النسيجية، وكلمة الاتصال تجعلنا نفكر حتمًا في الاتصالات الحاسوبية... ولكن على الرغم من كل ذلك، فإن الأمر يتعلق بالفعل بالمنسوجات والنسيج، مع هذه الخيوط التي ترمز إلى الحياة والوقت. وهكذا يجمع عشرة فنانين بين الإبداع والفن الشعبي حول الخيوط. من أين جاءت كلمة النسيج؟ من الفعل اللاتيني texere والذي يعني نسج، ولكن في الواقع لم تظهر الكلمة إلا في عام 1752، للإشارة إلى أي مادة يمكن تقسيمها إلى خيوط مناسبة لصنع القماش. وإذا فهمنا، على سبيل المثال، أن الكتان أو القطن يُطلق عليهما اسم نباتات نسيجية، فقد نتفاجأ عندما نلاحظ أن الأسبستوس، هذا المعدن الموجود في الطبيعة، يُعتبر حجرًا نسيجيًا... صحيح أنه كان يُستخدم لفترة طويلة في صناعة الأقمشة والشراشف لتقليل تأثير النار. من الواضح أنه يجب علينا التراجع الآن... لأننا نعلم أنها مادة مسببة للسرطان بدرجة كبيرة. وبالعودة إلى المنسوجات، لا يمكننا إلا أن نعتبر أن الكلمة قريبة جدًا من كلمة أخرى، وهي النص، حسنًا، هذا ليس من قبيل المصادفة...
هل تقصد يا جان أن الكلمتين "نص" و"نسيج" تنتميان إلى العائلة نفسها ؟
في الواقع، فإن كلمة "نص"، والتي تعود جذورها إلى عام 1265، تأتي أيضًا من الكلمة اللاتينية "texere"، والتي تعني "نسج"، وذلك ببساطة لأنه عند الفحص الدقيق، فإن الصفحة المليئة بالحروف على خطوط، مثل تلك الموجودة على سلسلة من الخيوط الأفقية، تذكرنا بالنسيج، في الكلمة اللاتينية "textus"، وقد أثارت هذه الصورة الخيال منذ العصر الإمبراطوري الروماني. في الواقع، بالنسبة للروماني، كانت كلمة textus تعني النص والنسيج في نفس الوقت. لذا، فإن كل هذه الملابس اليوم التي تحمل عبارات مكتوبة عليها، مثل "أنا أحب إيل دو فرانس"، تضفي شرفًا مضاعفًا على القماش... آه، ما أجمل الملمس الذي يتمتع به هذا النص المنسوج!) " 5 "
وما يعمّق هذه العلاقة، ويدفع بنا إلى النظر فيما يمتد بنا إلى الآتي البعيد:
( إذا كانت التعددية في التحديدات التي تلقاها مفهوم النص في العقود الأخيرة تجعل من غير المحتمل التوصل إلى نظرة شاملة، فإن هناك جانبًا واحدًا على الأقل لا يزال قائمًا: الاختراع المجازي للمفهوم. النص هو ما يتم نسجه، textus، النسيج، الناتج عن نشاط النسج، والضفر، والتشابك، ثم البناء عن طريق التشابك، وبناء (كاتدرائية)، أو حتى تأليف الحروف أو الكلمات. الكلمة التي ليس لها معادل حقيقي في اللغات القديمة (العبرية، المصرية، الأكادية، اليونانية) ، فرضت نفسها، مع صورتها: نسيج مصنوع من خيوط متشابكة في ترتيب منتظم، غرزة واحدة على الجانب الأيمن، وغرزة واحدة على الجانب الخطأ، يشكل كلاً يقدم خصائص أخرى غير مجموع عناصره. وتكون نتيجة النسيج وحدة جديدة، أقوى وأكثر اتحادًا، تستفيد من صفات المكونات، ولكن لتصنع منها شيئًا مختلفًا تمامًا. يمكن تمزيق القماش أو قطعه أو خياطته أو إصلاحه، لكنه يظل نسيجًا. يتقاطع النسيج مع الخيوط كما يتراكم النص عبر السطور أو الجمل أو الأبيات، والتي تأتي منظمة في تركيبها. باعتباره أثرًا مرئيًا لتراكم منظم، فإن النص المكتوب هو الذي ينتج تشابهًا مع النسيج الذي تكون مادته ملموسة، ولكن إذا نظرنا فقط إلى عملية تصنيعه، فإن أي مجموعة من الجمل مجتمعة يمكن أن تشكل نصًا لأن كل شيء متماسك، ويتم نطقها ككتلة. ومن ثم، يمكن اعتبار الخطاب بمثابة نص، حتى ولو أدى ذلك إلى إقامة تمييزات فيما يتصل بأسلوب الكتابة أو وضع الخطاب نفسه. إن المعارضة في هذه الحالة ليست شفهية أو مكتوبة.
على أية حال، إذا عدنا إلى العصور الوسطى، فإن التعبير أصبح الآن معجميًا، وأصبح textus ينطبق على الحرف أو النص، أو حتى على العمل، حيث يشير texere، إلى جانب النسيج، إلى تأليف نص، أو قول، أو تقديم، أو كشف، أو إخبار4. في أغلب الأحيان، يكون الموضوع أكثر تحديدًا، مما يجعل textus اسمًا رسميًا تقريبًا، يشير إلى مخطوطة Evangeliorum . ونصادف أيضًا الصفة textualis، التي تشير حصريًا إلى معنى النص ولم تعد تشير إلى القماش الذي نستخدم له textilis. وأخيرًا، سنذكر أيضًا كلمة مشابهة بما يكفي بحيث يصبح أي تلوث أو ارتباط مغريًا: الشاهد، testis، وهو شخصية قانونية أساسية في إثبات الإثبات، والمسؤول عن تحديد الاستشهاد في العصور الوسطى.
ومن خلال هذه المؤشرات المعجمية البسيطة، من الممكن استخراج عدد معين من الأحرف التي يمكن تعبئتها وفقًا للتعريفات. نحن نتعامل مع كل يتمتع بقدر معين من التماسك، والذي يتجاوز حجمه مستوى الجملة البسيطة ليتم ممارسته على المستوى الأكثر تعقيدًا من تكوين الجمل المنظمة بينهما. ويبدو أن افتراض الوحدة والمعنى يشكل جزءاً من الخصائص العادية للنص. وفي هذا الصدد، فإن تعريف إيزيدور للخطابة، الذي ورثه من التقليد البلاغي، واضح: سياق الفعل بالمعنى. يبدو أن مفهوم السياق باعتباره تجمعًا أو لقاءً أو تسلسلًا أو سياقًا لخطاب يحدد بشكل مفرط مفهوم النص الذي سينبثق بدوره من سياقه. لا تزال هذه السمات قائمة في المناقشات الحديثة، استنادًا إلى التعريف الذي اقترحه فرانسيس جاك عام 2002: "مجموعة من الجمل تتمتع بتماسك شامل يمثل بداية ووسطًا ونهاية. يمكن أن تكون وحدتها التعبيرية موضوع ترميز زائد يجعلها كليًا". ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المصطلح استغرق وقتًا طويلاً للغاية لترسيخ نفسه، بما في ذلك في التخصصات التي يبدو أنها مع ذلك تعتبره هدفها الأساسي، مثل علم اللغة: لا في الإنسانية، ولا حتى بطريقة مهمة في علم اللغة في القرن التاسع عشر، كان مفهوم "النص" حاضرًا بشكل كبير. ويبدو أنه لم يكن حتى ستينيات القرن العشرين أن أزاحت معاني الكلام أو العمل عن عرشها.)" 6 "
في محاولة كهذه، ثمة محفّز معرفي، يترجم ما ليس معهوداً، جهة التشارك في أكثر من معنى مشترك بين النسيج بداية، النسيج في براءته الطبيعية، أو كمادة خام، والكتابة أو اللغة وعالمهما المسطور ورقياً أو تقنياًـ ووعوددهما.
أولاً، من باب لفت النظر إلى مدى قابلية الموضوع نفسه للتوسع، أو – على الأقل- التذكير، بما يصل الإنسان بما لم يفكّر فيه، أو يشغل ذهنه، لحظة تنوير هذه العلاقة اللابينية، إنما الأهلية، إن جاز التعبير .
ولأن القماش، قماش حياة هنا، يستدعي ضمناً ما يترجمه من مساحة بصرية قابلة للقياس لمسياً ووزناً، إلى مساحة يمثّلها النص، وفي معنى قائم أو فاعل في النص، الذي يتدفق بعلاقاته تخيلياً أو فكرياً. إنه القماش الذي يشكل قطعة واحدة، بالنسبة للعين، وما لكل ذلك من تفعيل تركيبي لكل من القماش- النص، أو النص القماش، كما لو أن الذي يرتديه أحدنا قماشاً أو نسيجاً، أو في الاستعمال المنزلي أو للزينة، ثمة النص الذي يتشربه الذهن أو " يرتديه " عندما يتقدم الذهن نفسه جسماً مرناً ويتقبل التفاعل مع تصور من هذا القبيل .
الجسد المرسوم أو المصوَّر، ينظَر فيه، أو تتم قراءته داخلاً، كما في الصفحة" 12 " لوحة تمثل امرأة جالسة على سجادة مزخرفة بالأزهار، تطّرز نسيجاً ممدوداً على إطار تطيرز أرضي، ألوان مائية معتمة على ورق، من ألبوم أزياء فارسية، مدرسة قاجار، حوالي 1842..ترتدي المرأة الرصَّعة بالجواهر، والتي تلوّن الحنّة يديها، غطاء رأس مصنوعاً من صوف مخطَّط ناعم منسوج يدوياً..

1744088257401.png


امرأة في لوحة فنية، تضخ ألواناً، وللألوان إشارات وعلاقات، حيث إن الألوان ذاتها داخلات في بلورة معنى أو أكثر لكل من النسيج: القماش، النسيج النص، وتتداخل مع كل ملمح من نوع تاريخي إلى ذلك، حيث ( يُسرَد في قصة الألوان هذه، بإيجاز، سواء الملمح الرؤيوي والرمزي أم ذلك المادي والتصويري. وغلب على اللون ، قروناً مديدة، سحرُ وإغواءُ الأقمشة، والمواني، والزَّلّيج ، والمنمنمات، والتصاوير...) " 7 ".
المرأة نفسها مولّدة ألوان بخاصيتها الخصبية، ومن خلال جسدها، حيث تتشارك ألوان ذات دلالة " الأحمر وتدرجاته، مع وجود مساحات بيضاء، هندسية، لجعل المعاني تتماوج داخلاً وخارجاً. والمرأة نفسها، وفي المشهد البصري الذي برزت فيه، تحث على التأمل، التأمل في تأملها أو انشغالها بما يشير إليها. إنها كتابة في قلب كتابة، إن جاز التعبير، كتابة لونية، تطريزية، وكتابة تنتظر من يقرأها من خلال فضاء اللوحة بالذات.


النسيج الذي يمضي إلينا
إنه تاريخه الذي يعرَف به، تاريخه الذي يعرَف بنا، ونحن نتحفز للنظر فيه ماضياً، وما له من حضور بيننا.
النسيج الذي يتقدمنا وجوداً طبيعياً، والنسيج الذي يلحَق بنا، لأنه من صنعنا، أو مزيج الطبيعي والصناعي. إنما هو النسيج الذي يعبّر عما نفكّر فيه، ونحلم بهن’ ونتوخى حضوره، وعما يشير إلينا إحباطاً وتمنّ كذلك .
لكنه المنفتح، رغم " عماه " المقدّر لما نقوم به، ولما نتكتم عليه كذلك، جهة المطروح في وعبْر النسيج هذا، أو القماش الذي أخضعناه لمنطق التجربة اليومية، بناء على ما هو جماعي، أو معتقدي، أو طقوسي وغيره.
الكاتبة حين تقول( أسهم العديد من العوامل في تآكل بعض تقاليد النسيج في الشرق الأوسط وأواسط آسيا، بما في ذلك عدم الاستقرار السياسي والتوطين القسري لشعوب الرحَّل، والصعوبات الاقتصادية والتصنيع والتغيرات في الذوق..يرجع ذلك" أيضاً " إلى حد كبير، إلى ارتباط هذه التقاليد ارتباطاً وثيقاً بطقوس العبور في الهوية العرقية. ص16.)، إنما تحيط، كما تحيطنا علْماً، على طريفتها، بطريقة التفكير لهذه المنطقة، وكيف تدار وتتحرك.
إن كلاً من الكلمات وألياف النسيج، أو القماش تتنور ببعضها بعضاً، تعتّم كما تنير بؤرتها، تبعاً للرهان عليها.
هكذا يجري التفاعل الفيزيائي تجاذباً، والكيميائي تفاعلاً، بين حركية الكلمة المكوّنة لنصها، وحركية النسيج بأليافه شهادة على الأيدي الصانعة، وهذه على العقول التي وقفت عليها تاريخياً، في الكلمات والأنماط حيث ( لا يربط علم أصول الكلمات بينهما كنصوص ومنسوجات، حيث إن المفردة تأتي من الكلمة اللاتينية المتأخرة muttus، والتي تعني الشخير، والنمط مشتق من الفعل movere، والذي يعني الحركة، أي الشيء الذي يبدأ في الحركة ويتحرك.
الكلمات تتلامس، والأقمشة تتلامس (مع بعضها بعضاً). وبالتالي، وراء كل ذلك، هناك ارتباط أساسي، حتى في الجوانب التي تبدو الأكثر بعداً.
الكلمة المكتوبة أو المطرزة على القماش تكتسب مادية مختلفة عن تلك الموجودة على الورق (أو الشاشة الآن). يعيدنا كل من النص والمنسوجات إلى فكرة السطح والدعم، بالإضافة إلى النقوش البارزة (للخيوط والنسيج)، وبالتالي العمق الحقيقي أو المقترح.) " 8 "
وما يخص مسالة تعاطي الاقمشة، والنظر فيها، والنقاش حولها، ففي ذلك تمارس الأذواق بقالبها الجماعي، دورها رواجاً وتأثيراُ .
( وعلى مر التاريخ أثَّرت منسوجات الموضة وأشكالها في الشرق الأوسط وأواسط آسيا في الأذواق التجارية الغربية عبر طرق السفر والتجارة التي يعود تاريخها إلى قرون. هذا هو الحال في العصر الحديث كذلك، لكن السياق تغيَّر كثيراً كنتيجة للحرية النسبية في حركة الأفراد، وتغيير الحدود الجغرافية للأوطان.ص19. ) .
إنها حياة مجتمعات تسعى إلى التعبير عن رغباتها، تطلعاتها، مراميها، وحتى احلامها، بصرياً، الحاسة الأكثر اعتباراً، واعتماداً في رسم حدود للعوالم التي يعيشها البشر، ومن خلالها يعبّرون عن أنفسها.
ذلك يعني أن ليس من حقيقة قائمة بذاتها، وينظَر إليها كما هي. إنها هي نفسها نسبية، وخاضعة لمنطق متغيرات الزمان والمكان، حتى في المجتمع الأكثر تشدداً، وتجلياً بأعرافه وتقاليده وشعائره في المطروح نسيجياً، أو عبر سجلّها لقماش بهيئاته المختلفة طبعاً، ثمة تاريخ يعتمل في الداخل، وعلى صعيد كوكبي .
أي حيث ( تتمتع المنسوجات بتاريخ غني ومثير للاهتمام يمتد إلى العصر الحديث. في الماضي، كان الناس ينسجون الملابس والمواد الكتانية البسيطة، ولكن اليوم، يمكن للمنسوجات أن تنقذ أرواحًا في الصناعة الطبية وتعيد تعريف الموضة.) " 9 "
إنما ما يجب التنبّه إليه، هو أن النسيج، والقماش في الصميم، لا يعطينا تاريخاً دقيقاً عن نوعه وجنسه ومحتواه، ويشار من خلاله إلى مجتمعه. لأن النسيج هذا لا يستطيع مواجهة عوادي الزمن، وقابلية الحفاظ على " نفسه ".
أي إن عبارة " قماش حياة " ما أن تُلفَظ، حتى تستحيل حياة قماش المحصورة بين بداية زمنية ونهاية زمنية، كما لو أن الذي " سطّر أليافياً، وجرى صبغه أو لونه، لم يكن له من وجود إطلاقاً، وفي هذا تكون خطورة الرهان على المودع نسيجياً أو قماشياً، ولحظة الحديث عن عهود خلت، عمرها مئات من السنين وأكثر .
أي ( إن تصميم النسيج المجرد ليس جديدًا. في الواقع، هناك عدد قليل من عناصر الثقافة الإنسانية التي هي أقدم من ذلك. من الصعب أن نقول على وجه التحديد منذ متى وُجدت المنسوجات، لأنه على عكس الفخار أو الأدوات الحجرية، يتحلل القماش المنسوج بسهولة بمرور الوقت. لكن الأدلة الحالية تشير إلى أن أسلافنا البدائيين كانوا يرتدون الملابس منذ نصف مليون عام. تعود ممارسة النسيج إلى ما لا يقل عن 40 ألف عام، وأقدم الأقمشة المصبوغة التي تم اكتشافها يعود تاريخها إلى 36 ألف عام. ومن الجدير بالذكر أن كل ثقافة على كوكب الأرض لديها تاريخ نسيجي. وفي نهاية المطاف، توصلت كل ثقافة إلى نوع ما من التقاليد المجردة في تصميم المنسوجات. ولكي نفهم تقاليدنا النسيجية المجردة العالمية والمعاصرة، فمن المهم أن نعود ونستكشف جذورها القديمة.) " 10 "
إزاء علاقة كهذهن تكون مكانة المتحف البريطاني كبيرة، في مهمتها الإنسانية والتأريخية المصنفة بدقة، وحيث إنه يعرض كل ما يمكن للمرء التفكير فيه، أو المساءلة حوله ولو بحذر، لحساسية موضوعه:
( ومن ضمن مجالات البحث وعمليات الاقتناء التي بدأ المتحف البريطاني بأخذها بعين الاعتبار هي الظاهرة العالمية التي يشار إليها باسم ( الموضة المحتشمة)، أو ( الموضة الإسلامية) بالمعنى نفسه. ص 21.) .
وفي هذات الإطار، ثمة ما يضيء صفحة هذا الموضوع إثارة وحيوية وتحفيزاً لمزيد من الدرس والبحث، إذ
( في السنوات الاخيرة تناول علماء الانتروبولوجيا والمختصون في مجال التوثيق بالثقافات هذه الأسئلة وغيرها، وأجمع رأيهم على أن الأزياء المحتشمة يختلف معناها مع اختلاف النساء. ص 23. ) .
ليقَل ما يُراد له أن يقال، على صعيد شبهة المثار في رواق المتحف، أي ما هوم مغرض، إنما المفيد هو ما يتجاوز كل هذا الغبار المثار، وما يمكن لتاريخ ناء، مهمَل، أن يقرَأ عن أيد مبدعة، بأهلها، يتم تجاهلها.
الآخرون هم الذي أهدوا إلينا تاريخاً، ما كان في مقدورنا الاهتداء إليه، أو معرفة من نكون من خلاله، لولاهم، أي هؤلاء الآخرون الذين لا يخفون تلك المسحة البراغماتيكية في تنقلاتهم وأفكارهم المطعَّمة بمؤثرات بيئية واجتماعية، وثقافية تعنيرهم، إنما ثمة من يوقظ عالماً مصمَتاً، أو جرى تصميته، في عالمناً. أي حيث يكون في مقدور أحدنا، وهو مجهول الاسم قسراً، أن يسمع صدى صوته المكتوم، أو ظل حركة يديه المطرّزتين، في صورة أو لوحة مرسومة، فنية، تمثّل تفاعلاً بين عين ناظرة ومدققة ويد عاملة وماهرة، وواقع يحوَّل فنياً.
( تشكل المنسوجات عنصراً أساسياً في حياتنا اليومية. إنه موجود في ملابسنا، وأغطية الأسرة، وديكورات المنزل.
لكي نكتشف أصل القماش يجب أن نعود بالزمن إلى ما قبل التاريخ، إلى العصر الحجري الحديث من 10200 إلى 2000 قبل الميلاد، عندما بدأ البشر في ربط العشب والسيقان وأغصان الأشجار لإنشاء السلال والملاجئ. وهكذا ظهرت الصورة البدائية للنسيج.) " 11 "
هم أولئك الذين يجري نبذهم، أو التشهير فيهم، من نبّهونا، ولا زالوا ينبهوننا إلى هذه النوعية من الذخائر الحسية.

وفي الطفولة أكثر من خبر يقين
مَن منا لا يهمه السؤال عن طفولته. عن غضاضته، وكيف حل في العالم، وضمن كساء بنوعية معينة، وكيف يكون التعامل مع القماش وصنفه ومناسباته، والقيم المسقَطَة عليه؟ طفولتنا هي شعرية محلّقة بأرواحنا.
فـ( لا يمكن تجاهل القيمة الممنوحة للأطفال والأسرة ضمن المنطقة الجغرافية الواسعة التي يغطيها هذا الكتاب. حتى عهد قريب لم يكن الزوج والزوجة يُمنحان وضعاً بالغاً كاملاً إلا بعد إنجاب أطفالهما. ص 26 .) .
وحين يظهر اللباس تقسيماً لمراحل العمر، وتعليماً اعتبارياً وفصلاً بين مرحلة عمرية وأخرى، وإبرازاً لحقيقة الجسم الواحد وهو يعيش هذه التحولات، ومن خلال اللباس وخضوعه لمنطق التحول المحروس.
فـ( المنسوجات كانت تشكل عناوين دالة على التمييز بين مرحلة عمرية وأخرى: استخدمت منسوجات أخرى في طقوس العبور، مثل الختان، الذي يعني تقليدياً في المجتمعات الإسلامية التحوّل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الصبا..ص28. ) .
اللباس مفهوم ثقافي، فيه ما هو مصنَّع، وفيه ما هو موضوع بيقظة، وفيه ما يعايَن بدواعي اجتماعية وتقليدية، وليس الفولكلور المطروح هنا، إلا كواجهة كبرى وشفافة لرؤية ما يودَع داخلاً، في تاريخ مؤطر كذلك.
اللباس إشكمالي في مفهومه، بالنسبة للجسم الذي يلفه داخله، أو يغطّيه، وبالنسبة للقيمة المسقَطة عليه، وكذلك فيما يجر ي التعريف به، ضمن قيم الجماعة الواحدة في تنوع مناسباتها:
( إن وجود الملابس كما نعرفها هو أمر حديث نسبياً في تاريخ البشرية. ومع ذلك، فمن المؤكد أن أسلافنا كانوا لديهم بالفعل طرق لإخفاء أجزائهم الخاصة. تعرف في هذا المقال على متى بالضبط بدأ البشر في استعادة خصوصيتهم.
الموضة تشكل محيطنا. اليوم، يسمح لنا بتأكيد أنفسنا في المكان والزمان. اليوم، عندما تخرج، أول شيء سيجذب انتباه الأشخاص من حولك هو ملابسك أو نمط ملابسك. وبناءً على هذا، فإن هؤلاء الأشخاص سوف يصدرون حكمًا عليك. باختصار، الملابس تعكس ثقافتك وحضارتك وقيمك. وإذا كانت الملابس اليوم تحتل مكانة كبيرة في مجتمعنا، لدرجة أنها تجمع الآلاف من الأشخاص في كل عرض للأزياء، فإن هذا لم يكن الحال قبل 1000 عام. وهو ما يثير التساؤل حول متى بدأ البشر في ارتداء الملابس لإخفاء أعضائهم الخاصة؟ نقدم لكم بعض الإجابات في هذه المقالة.
و:ما الثوب؟
الثوب قطعة من الملابس التي تلبس على الجسم. عادة ما تكون الملابس مصنوعة من القماش ويتم ارتداؤها لأسباب عملية أو ثقافية أو جمالية. يمكن أن تشمل عناصر مثل القمصان والسراويل والفساتين والتنانير والسترات والمعاطف والقبعات والأحذية وغيرها من الملحقات. تلعب الملابس دوراً في حماية الجسم من العوامل الخارجية والتعبير عن الهوية الثقافية والاجتماعية والفردية للإنسان.) " 12 "
ووراء هذا الكم الكبير من الأداءات العملية، يتراوح الثوب أو اللباس في قيمته بين ما هو متناه في القيمة، وما هو ميتافيزيقي أو متعال، يصلنا عبره بالغيبي أو المسنود إلى ما هو ديني وميثولوجي، وتمثيلاته المتنوعة.
دمغة المرجعية التوراتية غائرة في مسامات الجسد، كما لو أننا نشهد هنا وشوماً، هي ذاتها تحويل للجلد الذي يغلفنا " ورق الجسد من الداخل " وعتبته خارجاً، إلى قماش، وهو ذو يقوب، ومسند باللحم والعظم والشرايين، ليبقى محافظاً على ليونته، ولدانته وقدرته على الحياة، وما يصل المسطور بالمستور تعبيراً عن سطوة متعال:
( عندما طرد الله آدم وحواء من جنة عدن في سفر التكوين، أعطاهما أقمصة ليرتدياها. يعتبر هذا المقطع رمزيًا للغاية: فهو يربط الملابس، وكذلك العمل، بالحالة الإنسانية. في الكتاب المقدس، يصبح القماش تعبيرًا عن خطيئة الرجل والمرأة، اللذين أدركا الآن عُريهما، وتعبيرًا عن إنسانيتهما الساقطة. ومن المفارقات أنه على مر العصور، ومع تطور المنسوجات، أصبح النسيج مرتبطًا بشكل من أشكال الكرامة الإنسانية، مما يسلط الضوء على الرابط الجوهري بين المادية والمعنى. ومع ذلك، يجب على المشاركين في إنتاجه وتسويقه أن يكافحوا من أجل كرامتهم في المجتمع الذي يساعدون في كسوه، وفي محيط النسيج وصناعته تنشأ بعض أعنف الثورات بعد التصنيع.
يعود اختراع القماش، وهو سطح مكون من خيوط متشابكة بانتظام، إلى ما قبل التاريخ ويستجيب للحاجة إلى ارتداء الملابس لحماية النفس من العناصر الطبيعية وتلبية القواعد الثقافية. منذ الولادة، يتم لف الطفل، وعند الوفاة، تتم تغطية جسد المتوفى بكفن. عادة ما يعيش القماش لفترة أطول من مالكه؛ وتجري إعادة استخدامه وإعادة قطعه وإعادة صياغته لمتابعة التغييرات التي تمليها الموضات العابرة. وعندما يتمكن من العودة بالزمن رغم هشاشته، فإنه يصبح شهادة ثمينة على حضارة ماضية.
القماش بحد ذاته يحمل وزنًا مثل كلمات الماضي؛ تتغير أزياء الملابس مع تطور اللغة. هناك كلمات عفا عليها الزمن مثل "خارج الموضة" أو الأقمشة القديمة. وبالمثل، يمكن للنسيج أن يصبح عصريًا مرة أخرى، مثل الكلمة (أنا أفكر في كلمة thune للدلالة على المال، على سبيل المثال، أو إهانة "مهرج")، مع تصور مختلف أحيانًا للكلمة (أو للنسيج) لأنها سوف تتناسب مع عصر آخر. بعض الأقمشة التي أصبحت رائجة اليوم هي نسخ من تلك الأقمشة التي كانت موجودة في السبعينيات...) " 13 "
زفْق هذا التصور، ترينا المؤلف كيف ( تنتشر التمائم القماشية المثلثة المطرزة في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط وأواسط آسيا..ص39. ).
وتكون التمائم علامات تحيل الوجود إلى المقلق لموجوده، ليكون هناك أكثر حجاب يغلف الجسد.

1744088321143.png


وفي الزواج والمراسم، يتابع القماش حضوره منوّعاً أساليبه
كل ما في الحياة يجري فصله كما هو عن الحياة، ويعاد تركيبه، أو التغيير فيه، ليكون هناك تأكيد حياة بالصيغة المرسومة أو المقدَّمة، وكأن الأقمشة هنا يُعهَد إليها دور المستحيل، في ضبط الجسد وتقعيده مجتمعياً، وليس من استثناء في الحالة هذه، إنما الأجسام الموجودة، وتلك المهجنة تترجم هذه " السياسة " العملية بخاصية فنية:
( إن شرائح البطيخ المبسَّطة أو الأزهار باللون الوردي والأحمر والأرجواني الداكن المحاطة بلفائف الكرمة السوداء المتعرجة، على سوزاني الزفاف، هي رمز للخصوبة والوفرة ..ص 56. ) .
وهذا ينطبق على ما هو ديني ومتطلباته
( تطلبت قواعد اللباس الإسلامية واليهودية من النساء المتزوجات تغطية شعرهن كدليل على الاحتشام والتقوى..ص61. ) .
وفي مسار التمايز الديني وجنسانيته:
( كانت أنماط التطريز على الملابس، واختيار لون الخيط من العلامات المهمة عن الهوية الإقليمية الفلسطينية، وفي بعض الأحيان، عن الحالة المدنية. ص 74. ) .
لكن ذلك لا يعني الانغلاق على الذات، لا يعني الفصل بين ثقافة وثقافة، وفي عالم اليوم بالذات، أي في عالم الموضة، حيث لم يعد في مقدور المشدَّد عليه فولكلوراً له قيمة اعتبارية جدودية، كما كان في ضوء مستجدات اليوم والأمس، وما يمكن أن يجري غداً، ويغيّر في بنية النسيج أو القماش وتلك المكانة الممنوحة له .
( يرتبط عالم الموضة ارتباطًا وثيقًا بالمواد التي تتكون منها. كل ليفة وكل نسيج لديه قصة ليحكيها، متجذرة بعمق في التراث الثقافي لشعب أو منطقة. خذ الكتان، على سبيل المثال، والذي تم استخدامه منذ مصر القديمة ولا يزال يحظى بالاحتفاء لخفته ونضارته. في الواقع، يعد استكشاف تاريخ المنسوجات رحلة رائعة عبر العصور والحضارات.
إن النسيج التقليدي ليس مجرد منتج، بل هو كبسولة زمنية تحتوي على التقنيات الحرفية والمعرفة التي اكتسبها أولئك الذين صنعوه. على سبيل المثال، يتم تصنيع قماش كينتي الغاني يدويًا باستخدام تقنية نسج فريدة من نوعها، تعكس روح الأمة. في عالم الموضة المعاصرة، غالبًا ما يتم تسليط الضوء على تقنيات التراث هذه لإضفاء لمسة من الأصالة والعمق على المجموعات التي تتجاوز الحدود.
غالبًا ما يستلهم مصممو الأزياء الراقية والمعاصرة الإلهام من المنسوجات التقليدية لإعادة النظر في أنماطهم وتقنياتهم، مما يخلق جسورًا بين القديم والجديد. لا يتعلق الأمر فقط بإعادة إنتاج الزخارف التقليدية، بل يتعلق أيضًا بنفخ حياة جديدة فيها، والسماح للتراث الثقافي بالتكيف والاستمرار في الحداثة.) " 14 "
هذا ما يمكن، ما يمكنني، تتبعه في أمكنة أخرى، وفي علاقات أخرى، ليست ثابتة ، لكنها معززة بأبعادها الاجتماعية، وحدود تلاقحها مع مؤثرات رحالة عبر الحدود، والثقافات، والترجمات وسواها. كما في هذه المقارنة:
(هل تعلم أن المشد الذي كان يشكل أجساد النساء كان مستوحى من ملابس الرجال؟ مع اقتراب أسبوع الموضة في باريس من نهايته، هناك فرصة للتفكير في كيفية تأثير الملابس على جسم الإنسان عبر التاريخ.
وعلى عكس ما قد يظن البعض، فإن التحولات الأولى التي يطرأ على الجسم بفعل الملابس تنطبق على الرجال. تسلط المؤرخة أوديل بلانك، المتخصصة في العصور الوسطى، الضوء على أصول وتطور هذه الملابس التي تشكل أجسادنا.
أوديل بلانك: "حوالي أربعينيات القرن الرابع عشر، ظهر نوع جديد من الملابس، وهو نوع من المشد الذي يُشكل جسم الرجل، وكان قصيرًا جدًا، وضيّقًا جدًا، ومستديرًا جدًا عند الصدر، وكان ثوبًا مبطنًا أيضًا على كامل سطحه. كان يُحصل على هذا الجذع المستدير جدًا بارتدائه تحت درع صدري يُسمى "الصدرية". كان ثوبًا عسكريًا يُرتدى تحت درع معدني، لتجنب الإصابة بالحديد.

بيع مشدات نسائية
المشد في الواقع شكلٌ معماريٌّ ذو دعائم، يُقيّد الجسم لفترةٍ طويلة. على سبيل المثال، بالنسبة للشكل الأنثوي الذي كان محل تقدير حتى نهاية القرن التاسع عشر، فهو عبارة عن صدرٍ ضيقٍ وصغيرٍ جدًا، شيءٌ مُقصوصٌ عند الخصر ثم تحته ما يشبه المرينغ الضخم. يمكننا أن نرى أنه صُنع للأشخاص الذين لم يمارسوا أي نشاطٍ بدني أو الذين كانوا يمشون قليلاً. إنه عصر المرأة المُزينة الذي زيّن أيضًا هذه الديكورات الداخلية في القرن التاسع عشر، والتي كانت تُعتبر نوعًا من المناظر الطبيعية، ديكورًا لكل شيءٍ مكانه، حيث كانت المرأة في نهاية المطاف مجرد زينةٍ كأي شيءٍ آخر.) " 15 "
أليس لذلك صلة بكل من المكانة والهوية؟

ما في المكانة والهوية/ ما ليس فيهما
الربط بين كل من القماش، قماش حياة، والمكانة والهوية، لا بد أن يقنَّن، ويجري ضبطه زماناً ومكاناً. يمكن لما هو مؤطر، ومشار إليه بأنه " هناك " حتى الأمس القريب، في هذه المجتمعات موضوع الدراسات، أما حديثاً، وراهنا، فليس هناك ما شهد بمصداقية ذلك على وقْع المتحولات الكبرى عالمياً
( شهادة اللباس مهمة، مثلاً في منتصف القرن التاسع عشر، ما يخص العادات والتقاليد داخل الحريم العثماني( حيث كان اللباس مؤشراً واضحاً على مكانة المرء وموقعه، بما يتماشى مع التسلسل الهرمي الاجتماعي الراسخ. ص 80.
كذلك: كان الزرادشتيون الذين يعيشون في إيران القاجارية، ومثل الأقليات الدينية الأخرى، مطالبين بتحديد هويتهم من خلال اللباس. ص 82.
ينطبق الأمر ذاته على أغطية الراس النسائية في الشرق الأوسط وأواسط آسيا، من الأمثلة البارزة على ذلك القرقوش، أو غطاء المرأة،والذي كان من أكثر قطع الملابس تميزاً، ترتديها النساء اليهوديات المتزوجات والفتيات المسلمات غير المتزوجات في صنعاء اليمن، وكان علامة على الهوية الدينية والاجتماعية.ص83.
في معظم أنحاء العالم الإسلامي، يغطي الرجال والنساء عادة رؤوسهم، بغض النظر عن المعتقد الديني..ص107. ) .

1744088418742.png


دمى باللباس الإماراتي

إنه لقيا تاريخ في زمان ومكان كانا يوفران مثل هذه المكاشفة المتحفية، الأرشيفية، لكن استنطاق الصامت في القماش يحيل القماش نفسه إلى فضاء شديد السخونة، إلى حياة تتنفس خارجاً بعمق أكثر.
هكذا الحال مع قول كهذا ( تلعب الألوان ونوعية النسيج دوراً في التمييز بين النساء على أساس مذهبي وحسب البيئة " ص113".) .
إذ سريان فعل الموضة، وانتشارها بمؤثراتها، عبر منصات الواصل الاجتماعي، وأجهزة الموبايل، نزعت القدسية عن أكثر العتبات أو النقاط تميّزاً بالهيبة ، وحيث تشهد جماعات كبرى، كانت متماسكة حتى الأمس القريب ، تفككها، وتلاشيها، كما هو فعل الزمن في النسيج أو القماش وهو يتحلل .
حيث ( الموضة لا تقتصر فقط على تغطية أجسادنا. إنها بمثابة منصة لسرد القصص البصرية، ودمج الجماليات والمعنى. وتفتح الأنماط نافذة على القصص الشخصية أو الجماعية. اليوم، دعونا نستكشف كيف يمكن للمنسوجات أن تصبح وسيلة قوية لسرد القصص.) " 16 "

ذلك ما يمكن قوله في الدين والمعتقد وغيرهما
هناك إشارات إلى الملابس ومكانتها في القرآن من باب التأكيد( ومما لا شك فيه أن النسيج الديني الأكثر شهرة في السياق الإسلامي هو الكسوة، أي الغطاء القماشي للكعبة المقدسة في وسط المسجد الحرام في مكة المكرمة. ص 122.
وما يخص لباس الدرويش في رقصة المولوية. ص 124.
الديني عالق هنا، ولكنه يحذّر مما يغفَل عنه، كما في نطاق التعامل مع الآيات القرآنية عبر القماش.
هناك اختلاف فقهي في هذا السياق، بين تحريم كتابة آيات قرآنية، ومعها، في الاعتبار نفسه، أحاديث نبوية على القماش، أو داخل النسيج،لأنه قد يتعرض لتدنيس أو جلوس عليهن وهذا غير جائز، وتحليله، طالما أن ذلك يجري عن غير قصد أو عمداً " 17 "
والمنزل ليس متنحى من لعبة قماش حياة
( المنزل هو انعكاس للسلوك البشري، ومكان الأسرة، وللديناميكيات الاجتماعية الأخرى.ص144. )
وكذلك مع ( أكياس مزخرفة من جميع الأشكال والقياسات تتدلى من الجدران الشبكية للخيم البدوية، تُستخدَم لتخزين مجموعات من الحاجات الاساسية المنزلية ابتداء من أدوات المطبخ ومستلزمات الشاي والمواد الغذائية، وصولاً إلى المقص والمرايا والأمشاط. ص 166 . )
وفي مثال ثالث ( تخصص اللاكاي الأوزبك في تربية الخيول وتدريبها، كما ركل كل من الرجال والنساء الفحول، لأن ركوب الفرس الأنثى كان يعتبَر أمراً مخجلاً. كانت سروج النساء مزخرفة أكثر من سروج الرجال، وغطاء رأس الخيل مطرز بدقة بغرزة أريكة بخارية بالحرير...ص173 .).

وهكذا الحال مع السياسة والنزاع
فـ( في العالم الإسلامي، استخدمت المنسوجات الفاخرة بوصفها رموزاً بارزة للمكانة والقوة الإمبراطورية على مدار التاريخ...لم يقتصر استخدام النقوش القرآنية على المنسوجات لأسباب سياسية على فترة العصور الوسطى فحسب، إذ إن ستارة حريرية من القرن التاسع عشر مصنوعة بأمر من السلطان العثماني محمود الثاني( حكم بين 1808-1839)، مطرزة بعدة آيات قرآنية مختارة بعناية من أجل عرضها للعامة في المسجد البنوي بالمدينة المنورة..ص178. )
و( أمثلة من النسيج على الهوية الوطنية: غطاء للرأس للهوية الفلسطينية، والمعطف المخطط بالأزرق الذي اعتمده الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي. ص 180.
وشاح يحمل صور بورتريه سياسيين، ضخّم هذا الوشاح من أجل الترويج لتأسيس اتحاد عربي جامع في ستينيات القرن اللعشرين. ص 188.) .

1744088468821.png


و( تعكس أعمال مليحة أفنان ( 1935-2016) هويتها المتعددة الأوجه وتجاربها مع الاضطرابات السياسية بوصفها فنانة فلسطينية المولد من أصل بهائي فارسي. تستخدم العربية والإنجليزية وحتى كتابات خيالية كنقاط انطلاق لأعمالها، على الرغم من أن الكلمات غير قابلة للقراءة، ولا معنى لها. ص 193.

1744088504029.png


سجادة تحمل بورتريه لينين، تركمانستان 1970


1744088536032.png


سجادة عليها صورة الإمام الخليفة علي" أورفا" حوالي العام 2000


1744088564561.png



سجادة تحمل بورتريه الفارابي، ألماتي، كازاخستان،1991-1995

إن إيقونات سجادة الحرب هذه مستوحاة من الشاهنامة، الملحمة الوطنية الفارسية التي ألفها شاعر العصور الوسطى الفردوسي ( توفي 1020 )..ص196.) ..


1744088604406.png


إيقونة سجادة الحرب مستوحاة من الشاهنامة للفردوسي

إيراد هذه الاقتباسات دون مكاشفة نقدية، أو مقاربة تفسيرية معينة، كسابقاتها، يرتبط بأن الذي قيل في تلك، على أكثر من مستوى، يمكن أن يقال هنا، في هذه، بالنسبة لمقام القماش وأي حياة يتضمنها، أو يعرَف بها .
وبشكل خاص في أيامنا هذه:
وذلك في مناقشة بين ماريا جواو فيريرا وليزا أوليفر وكورين تيبوت كاباسيت بقيادة ماريا لودوفيكا روساتي:
( تلعب المنسوجات دورًا مهمًا في خلق أرضية مشتركة بين الشعوب والثقافات، ولكنها قد تكشف أيضًا عن سوء فهم عميق. وفي حين انضم الأوربيون في الهند إلى ممارسات تبادل الهدايا في المحاكم الملكية في جنوب آسيا من أجل إقامة تحالفات والحصول على حقوق تجارية، فإنهم غالباً ما أساءوا فهم هذه الممارسة باعتبارها شكلاً من أشكال الفساد، وليس شرفاً أو تكريماً.) " 18 " .
ذلك يتم اعتماده في المجتمع الواحد نفسه، وفي مجمل هذه البلدان، عندما يكسَب أي قماش من جمهرة الأمثلة المذكورة، قيمة اتئثارية تليدة، رمزية وطنية، ومسحة أوليائية يُتبرَك بها، حيث يُشتمَّ عرِق الأجداد / الأسلاف، كما تقام جلسات أرواحية، في ساحات مخصصة لذلك، أو مهرجانات، لا تخفي صخبها، بنوع من الهستيريا الرعوية المتماوجة، تعيد دورة الزمن الواحد، زمن هو نفسه، وبشر يجري ابتداعهم بمقاييس وجاهية واحتوائية لمشاعرهم وأحاسيسهم وقدراتهم الخفية، تنفيساً عما هو مكبوت، وتأجيلاً للمكبوت في تصريف جانبي، وهو ما يشكل شراكة مركَّبة، نسيجية من نوع خاص جداً، بين داخل مسيطَر عليه، بالطريقة هذه، وخارج مفصَح عنه بالطريقة التي تشعِر الداخل بمكانته، وهو في مكانه دون حرِاك يُذكر، وفي فولكلور محوَّر اسماً ومسمى..!
قماش حياة مضروب بزمن يختزل حياته، وربما يجدد في نسيجه مع رصيد بالكاد يُرحَّب به تاريخياً .

مصادر وإشارات
1-فهميدة سليمان: قمش حياة " منسوجات الشرق الأوسط وأواسط آسيا"، ترجمة: يسرى مرعي، منشورات دار المحيط،الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2025، في 234 من القطع الكبير والعريض، وفي تجليد فني أنيق جداً، ولوحات داخلية ملونة.وأرقام الصفحات ترد في المتن للإيجاز.
2-ادوارد سعيد: الاستشراق" المعرفة، السلطة، الإنشاء"، نقله إلى العربية: كما أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت، ط2، بيروت، 1984، ص 319-321.
-3Dessous de l’Histoire : les sous-vêtements à travers les âges
تحت التاريخ: الملابس الداخلية عبر العصور
-4 Le langage du Tissage,PUBLISHED INTools Magazine
لغة النسيج، نُشرت في مجلة الأدوات
-5Jean Pruvost:Les mots du jour : Texte et textile
جان بريفو: كلمات اليوم: النص والمنسوجات
-6 Denis Thouard:Les conceptions du texte : un conflit d’interprétation
دينيس ثوارد: مفاهيم النص: صراع التفسير
7-مانليو بروزاتين: قصة الألوان، ترجمة: السنوسي استيته، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة،ط1، 2018، صص 7.
-8 Mots et tissus
Extraits d’une réflexion sur les liens entre mots, tissus et arts textiles.
الكلمات والأقمشة
مقتطفات من تأمل حول العلاقة بين الكلمات والأقمشة والفنون النسيجية.
-9Textiles : Définition, types, histoire et utilisations
المنسوجات: التعريف، الأنواع، التاريخ والاستخدامات
-10Phillip Barcio: L’histoire du design textile abstrait
فيليب بارسيو: تاريخ تصميم المنسوجات التجريدية
-11 Ma Petite Mercerie :L’histoire du issue : origine, évolution, fabrication
مابيتيت ميرسيريه : تاريخ النسيج: الأصل، التطور، التصنيع
-12 Koffi Serge N’Guessan: Quand les humains ont-ils issue e à se vêtir pour cacher leur intimité ?Photo de Koffi Serge N’Guessan
كوفي سيرج نجيسان: متى بدأ البشر في ارتداء الملابس لإخفاء أعضائهم الخاصة؟ تصوير كوفي سيرج نجيسان
-13Transmettre par le issue : matérialité et representations
النقل عبر القماش: المادية والتمثيلات
-14 Le Pouvoir du Tissu: Exploration de l’Impact Culturel des Textiles dans la Mode
قوة القماش: استكشاف التأثير الثقافي للمنسوجات في عالم الموضة
-15 Elsa Mourgues: Quand les vêtements façonnent nos corps
إلسا مورجيس: عندما تشكل الملابس أجسادنا
-16 L’art (in)visible : Quand le textile raconte des histoires
الفن (غير) المرئي: عندما تروي المنسوجات القصص
17-ينظَر:
Porter des vêtements sur lesquels sont inscrits des versets du noble Coran
ارتداء الملابس التي عليها آيات من القرآن الكريم
-18textiles à la période moderne : circulation, échanges et mondialisation
Une discussion entre Maria João Ferreira, Liza Oliver et Corinne Thépaut-Cabasset, menée par Maria Ludovica Rosati, Thépaut-Cabasset.
المنسوجات في العصر الحديث: التداول والتبادل والعولمة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى