ج-4-
يبتدئ المقطع الثالث من الآية رقم 21 التي تتكون من:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) .
العلامات الإجرائية المعتمدة في اختيار هذا المقطع نحددها حسب التحليل التالي :
سيتغير الضمير من المخاطب المرسل إليه المباشر إلى مرسل إليه عام (يا أيها الناس)، وهي إشارة تتضمن المرسلين إليهم السابقين :
-المرسل إليهم الثاني : المؤمنون .
المرسل إليهم الثاني : الكفار والمنافقون.
وضمنيا يحضر دائما المرسل إليه الرسمي : الرسول ، بصفته الوسيط والمعني الرئيسي في إيصال الرسالة إلى المرسل إليهما معا، مادام هو المقصود بالدرجة الأولى في تبليغ الهداية للمهديين وإنذار المغضوب علهيم والضالين أيضا ، كما هو محدد في سورة الفاتحة.
تغيير الضمير جعل من عوامل التواصل وعوامل السرد يشتغلان بدرجة واحدة ، فأصبحا هما معا يشكلان المقصود في موضوع قيمة عامل الذات الذي يريد إقناع كل أقطاب التواصل بموضوع الرسالة ، محددا كل ما يلزم من أدوات لتحقيق الغاية ، حسب الترتيب التالي :
عامل – ذات...المرسل الرئيسي: الخالق.
موضوع القيمة.. توحيد الألوهية.
المرسل إليه الأول : الوسيط/ الرسول(ص).
المرسل إليه الثاني : المؤمنون.
مرسل إليه ثالث : الكفار +المنافقون.
-نجاح البرامج السردي ( الهداية) يسهم في الدخول إلى الجنة.
فشل البرنامج السردي : ( الضلال) يسهم في الدخول إلى جهنم.
المحددات لإقناع الطرفين بطبيعة البرنامج السردي تتحدد في عدة مقومات سياقية ، يمكن النظر إليها بصفتها نماذج تصويرية مساعدة لإنجاز فعل الإقناع ، نذكر بعضها حسب الترتيب التالي :
القيمة التصويرية الأولى :
الخالق من جعل :
-الأرض فراشا والسماء بناء.
-أنزل من السماء ماء..أخرج منه الثمار.
حسب الآية 22: (ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) .
وهي حالات تلزم الدخول في تحدي الخالق في علاقته بالمخلوق ، تحدي فلكي/ فيزيائي، تحدي طبيعي /الأرض، وتحدي لساني لغوي :
(وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ).الآية23.
تحدي متقين منه ، مادام درجات الخالق تعلو على درجات المخلوق ، وهي محددات روحية وأنطلوجية تحدد طبيعة العلائق بين ماهوعلوي / رباني(القوة) وماهو سفلي بشري (الضعف).
تتمفصل العلاقات عبر كل الصيغ ، منها التيبونيمات الزمنية المحددة في العجز على مستوى الزمن الدال عليها المكون المركزي ( لم ولن) ، كما هو تحدي مكاني مادام أن الخالق له القدرة في الفعل في كل المجالات سواء العلوية/ السماء والمكونات السفلية الأرض، لهذا نجد فعل التجاوز يظهر بكل الصيغ ، إما عبر نعت الرافضين للرسالة بسمات الكفر والفسق والسفه الفاسدين وأخيرا الخاسرين ، أو بالتحدي الوجودي مادام الخالق متحكما في كل الشروط التي تسهم في بناء الوجود.وهي مقومات تزيد من تمطيط كل الحالات المركبة تركيبا متداخلا بشكل متمظهر.
يتحول الضمير الدال على المرسل من ضمير المتكلم (مِّمَّا نَزَّلۡنَا) / المتكلم الجماعي الدال على الذات الإلهية إلى ضمير الغائب ( هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا) الآية29 ، كما يتحول الضمير المخاطب/ المرسل إليه الجماعي الدال على كل الأصناف البشرية بمختلف مشاربها إلى ضمير المخاطب الجماعي المباشر ( لكم) . تحول الضمير الخاص بالمتكلم من الضمير الدال مباشرة على ضمير جماعي غير مباشر ( تعني =أنا) هو اختيار لغوي يدخل في إطار الاشتغال على الخطاب اللغوي من منظور توضيح التحدي الذي قال عنه الخالق( فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ).الآية23.) .
في هذا المقطع ثم الاشتغال على عدة مقومات دلالية لتوضيح طبيعة تحدي الخالق للمخلوق مازال في مرحلة الشك / الريب ، لم يؤمن بعد ، متعصب لقوامة النفس الباطلة ، من هذه المقومات نستحضر :
-قوة اللغة وتوظيف تقنية الاشتغال على الضمير بشكل سلس لا يجعل المتلقي يشعر بالانتقال من حالة إلى أخرى ، مما يسهل عملية تغيير وضعية القارئ وفق المشنقة التي يوفرها النسق الدلالي بقوة لغوية مكثفة.
- كما اشتغل على خاصية الغيب ، خاصة عندما تكلم عن الملائكة في علاقتها بربها .
- تحقق التحدي بتوظيف تقنيات الطبيعة كالشمس والليل والنهار ، وتقنيات الفضاءات غير مرئية /جعل السماء طباقا ، كما اشتغل على اللغة فجعل المتتبع لا يشعر بتقنية تغيير الضمير.
-كما اشتغل على خاصية العلم بالغيب ( وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ...31).
يشكل توظيف القصص في سورة البقرة إجراءا مهما يزيد من بناء شكل الدلالة في بعدها المركب، لأنها تمثل قصصا تتضمن مجموعة من المحتويات تفيد بناء الدلالة الأم/ بتوطيد العلاقات المركبة في بعدها الثلاثي :
-علاقة الخالق بالمخلوق..الرسول بصفته الوسيط والمسؤول عن تبليغ الرسالة.
علاقة الخالق بالمخلوق/ المرسل إليه الأول من أجل إنذار الكفار والضالين والمنافقين.
علاقة المخلوق/ المرسل إليه الأول بالمخلوق الثاني المرسل إليهم الثاني في بعده المزدوج : هنا نتكلم عن المستجيب والرافض.
علاقات منسجمة في كليتها، تعمل في بعدها المتلاحم بخاصية الامتثال والتمرد ، على أساس إنتاج خطاب يستوجب إعطاء أدلة من التاريخ/ القصة ، كما يستوجب الارتباط بالجزاء/ الجنة وجهنم ، ثم إنتاج علاقة تتأسس بالخطاب الحجاجي الذي يركز على الأدلة العلمية كأساليب موظفة لإنجاز فعل الإقناع ، وهي نماذج منطقية يستحضر فيها الخالق عدة نماذج كأدلة تفيد وجود الله ، منها كيف خلق السماء والأرض وكيف استعمل الماء كوسيلة لإنتاج الثمار واللائحة طويلة.
تفوق الخالق وقدرته على توضيح ما يعجز عنه الإنسان جعلت من الخطاب هنا يرتكز على نماذج من تاريخ ما قبل وجود الأرض ، مما جعله يوضح انبهار الملائكة من علم الله وجزاء آدم وإبليس عندما خرجا من باب الطاعة. والخلاصة السقوط من العالم العلوي إلى العالم السفلي حيث الأرض وما عليها من قصص كثيرة تكلم عنها بتفصيل كبير لإقناع جيل الرسول (ص) ومن معه ليحدد مآل من نهج مسلكا شبيها بمسلك الأولين ، والخلاصات التي نتج عنها أداء الضريبة كما قال عنها الخالق () وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (34) وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ )الآية(36) .
نلاحظ تنوع الاشتغال على الضمير تتحكم فيه عدة خصائص إجرائية ، سنحدد هذا التنوع على شكل الترتيب التالي :
-وظف ضمير المتكلم الجماعي الدال على الذات المتكلمة/ المرسلة : () وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ..34).
نسجل هنا أن طبيعة الضمير يتحكم فيها تعظيم جلالة الخالق.وإرسال الرسالة بأمر حاسم.
-وظف ضمير المتكلم المفرد الغائب : فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37).
طبيعة التوظيف هنا لها علاقة الخالق بكل المخلوقات ، لهذا شكلت نتيجة طبيعية نتيجة لها صلة بالرضا كجواب عن طلب المخلوق الإله.لهذا جاء الخطاب الدال على سمو الذات الإلهية متفوقا وساميا على الشكل التالي :
- وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (34.
-الاستجابة والرفض دلالة على الطاعة والتمرد شكلت صيغا مهمة ستجعل الذات الإلهية تتعالى عن الخلق : قلنا).
-تواضع الخالق وتقربه من المخلوق ، عندما يكون التجاوب لصيقا بفكر التوبة :(من ربه).
( فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37
هي رسائل مشفرة يفهمها كل من أدرك رحمة الخالق وقوة التواب الذي جعل كل الأطراف لصيقة برضا المخلوقات في علاقتها بالخالق .لكن السمو والعظمة تحضران كلما كان الجواب من المخلوق مرتبطا بالكفر .
ينتهي المقطع عند الآيات التالية :
(فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37) قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (38) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (39) ).
تشكل القصة نموذجا يحدد طبيعة التلازمات التي تجمع كافة العوامل ، سواء منها التواصلية والسردية ، في إطار الاشتغال على موضوع واحد دلاليا يفيد الطاعة وما ينتج عنها من جزاء ، كما يحدد التمرد والعصيان والمآل الذي يقود الخارج عن طاعة الله ، فوظف قصة النبي آدم في علاقته بالأنبياء وبإبليس ، وبالأخطاء التي ارتكبت من المخلوق وما نتج عنها من جزاء من الخالق .
كل هذه العلاقات في تلازمها تسهم في تأسيس الخطاب القرآني/ سورة البقرة نموذجا ، بشكل تام و منسجم ، كما تؤسس معمار المقطع بشكل منسجم ، مما جعل من التحليل إجرائيا يقود إلى عزله بشكل مستقل عن باقي المقاطع، ودراسته من زاوية نظر خاصة تتوفر فيه كل الشروط التحويلية والتركيبية والدلالية لتجعل منه نصا قائم الذات.
لنا عودة بدراسة لبقية المقاطع في سورة البقرة.
سعيد فرحاوي/ الصويرة
يبتدئ المقطع الثالث من الآية رقم 21 التي تتكون من:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) .
العلامات الإجرائية المعتمدة في اختيار هذا المقطع نحددها حسب التحليل التالي :
سيتغير الضمير من المخاطب المرسل إليه المباشر إلى مرسل إليه عام (يا أيها الناس)، وهي إشارة تتضمن المرسلين إليهم السابقين :
-المرسل إليهم الثاني : المؤمنون .
المرسل إليهم الثاني : الكفار والمنافقون.
وضمنيا يحضر دائما المرسل إليه الرسمي : الرسول ، بصفته الوسيط والمعني الرئيسي في إيصال الرسالة إلى المرسل إليهما معا، مادام هو المقصود بالدرجة الأولى في تبليغ الهداية للمهديين وإنذار المغضوب علهيم والضالين أيضا ، كما هو محدد في سورة الفاتحة.
تغيير الضمير جعل من عوامل التواصل وعوامل السرد يشتغلان بدرجة واحدة ، فأصبحا هما معا يشكلان المقصود في موضوع قيمة عامل الذات الذي يريد إقناع كل أقطاب التواصل بموضوع الرسالة ، محددا كل ما يلزم من أدوات لتحقيق الغاية ، حسب الترتيب التالي :
عامل – ذات...المرسل الرئيسي: الخالق.
موضوع القيمة.. توحيد الألوهية.
المرسل إليه الأول : الوسيط/ الرسول(ص).
المرسل إليه الثاني : المؤمنون.
مرسل إليه ثالث : الكفار +المنافقون.
-نجاح البرامج السردي ( الهداية) يسهم في الدخول إلى الجنة.
فشل البرنامج السردي : ( الضلال) يسهم في الدخول إلى جهنم.
المحددات لإقناع الطرفين بطبيعة البرنامج السردي تتحدد في عدة مقومات سياقية ، يمكن النظر إليها بصفتها نماذج تصويرية مساعدة لإنجاز فعل الإقناع ، نذكر بعضها حسب الترتيب التالي :
القيمة التصويرية الأولى :
الخالق من جعل :
-الأرض فراشا والسماء بناء.
-أنزل من السماء ماء..أخرج منه الثمار.
حسب الآية 22: (ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) .
وهي حالات تلزم الدخول في تحدي الخالق في علاقته بالمخلوق ، تحدي فلكي/ فيزيائي، تحدي طبيعي /الأرض، وتحدي لساني لغوي :
(وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ).الآية23.
تحدي متقين منه ، مادام درجات الخالق تعلو على درجات المخلوق ، وهي محددات روحية وأنطلوجية تحدد طبيعة العلائق بين ماهوعلوي / رباني(القوة) وماهو سفلي بشري (الضعف).
تتمفصل العلاقات عبر كل الصيغ ، منها التيبونيمات الزمنية المحددة في العجز على مستوى الزمن الدال عليها المكون المركزي ( لم ولن) ، كما هو تحدي مكاني مادام أن الخالق له القدرة في الفعل في كل المجالات سواء العلوية/ السماء والمكونات السفلية الأرض، لهذا نجد فعل التجاوز يظهر بكل الصيغ ، إما عبر نعت الرافضين للرسالة بسمات الكفر والفسق والسفه الفاسدين وأخيرا الخاسرين ، أو بالتحدي الوجودي مادام الخالق متحكما في كل الشروط التي تسهم في بناء الوجود.وهي مقومات تزيد من تمطيط كل الحالات المركبة تركيبا متداخلا بشكل متمظهر.
يتحول الضمير الدال على المرسل من ضمير المتكلم (مِّمَّا نَزَّلۡنَا) / المتكلم الجماعي الدال على الذات الإلهية إلى ضمير الغائب ( هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا) الآية29 ، كما يتحول الضمير المخاطب/ المرسل إليه الجماعي الدال على كل الأصناف البشرية بمختلف مشاربها إلى ضمير المخاطب الجماعي المباشر ( لكم) . تحول الضمير الخاص بالمتكلم من الضمير الدال مباشرة على ضمير جماعي غير مباشر ( تعني =أنا) هو اختيار لغوي يدخل في إطار الاشتغال على الخطاب اللغوي من منظور توضيح التحدي الذي قال عنه الخالق( فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ).الآية23.) .
في هذا المقطع ثم الاشتغال على عدة مقومات دلالية لتوضيح طبيعة تحدي الخالق للمخلوق مازال في مرحلة الشك / الريب ، لم يؤمن بعد ، متعصب لقوامة النفس الباطلة ، من هذه المقومات نستحضر :
-قوة اللغة وتوظيف تقنية الاشتغال على الضمير بشكل سلس لا يجعل المتلقي يشعر بالانتقال من حالة إلى أخرى ، مما يسهل عملية تغيير وضعية القارئ وفق المشنقة التي يوفرها النسق الدلالي بقوة لغوية مكثفة.
- كما اشتغل على خاصية الغيب ، خاصة عندما تكلم عن الملائكة في علاقتها بربها .
- تحقق التحدي بتوظيف تقنيات الطبيعة كالشمس والليل والنهار ، وتقنيات الفضاءات غير مرئية /جعل السماء طباقا ، كما اشتغل على اللغة فجعل المتتبع لا يشعر بتقنية تغيير الضمير.
-كما اشتغل على خاصية العلم بالغيب ( وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ...31).
يشكل توظيف القصص في سورة البقرة إجراءا مهما يزيد من بناء شكل الدلالة في بعدها المركب، لأنها تمثل قصصا تتضمن مجموعة من المحتويات تفيد بناء الدلالة الأم/ بتوطيد العلاقات المركبة في بعدها الثلاثي :
-علاقة الخالق بالمخلوق..الرسول بصفته الوسيط والمسؤول عن تبليغ الرسالة.
علاقة الخالق بالمخلوق/ المرسل إليه الأول من أجل إنذار الكفار والضالين والمنافقين.
علاقة المخلوق/ المرسل إليه الأول بالمخلوق الثاني المرسل إليهم الثاني في بعده المزدوج : هنا نتكلم عن المستجيب والرافض.
علاقات منسجمة في كليتها، تعمل في بعدها المتلاحم بخاصية الامتثال والتمرد ، على أساس إنتاج خطاب يستوجب إعطاء أدلة من التاريخ/ القصة ، كما يستوجب الارتباط بالجزاء/ الجنة وجهنم ، ثم إنتاج علاقة تتأسس بالخطاب الحجاجي الذي يركز على الأدلة العلمية كأساليب موظفة لإنجاز فعل الإقناع ، وهي نماذج منطقية يستحضر فيها الخالق عدة نماذج كأدلة تفيد وجود الله ، منها كيف خلق السماء والأرض وكيف استعمل الماء كوسيلة لإنتاج الثمار واللائحة طويلة.
تفوق الخالق وقدرته على توضيح ما يعجز عنه الإنسان جعلت من الخطاب هنا يرتكز على نماذج من تاريخ ما قبل وجود الأرض ، مما جعله يوضح انبهار الملائكة من علم الله وجزاء آدم وإبليس عندما خرجا من باب الطاعة. والخلاصة السقوط من العالم العلوي إلى العالم السفلي حيث الأرض وما عليها من قصص كثيرة تكلم عنها بتفصيل كبير لإقناع جيل الرسول (ص) ومن معه ليحدد مآل من نهج مسلكا شبيها بمسلك الأولين ، والخلاصات التي نتج عنها أداء الضريبة كما قال عنها الخالق () وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (34) وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ )الآية(36) .
نلاحظ تنوع الاشتغال على الضمير تتحكم فيه عدة خصائص إجرائية ، سنحدد هذا التنوع على شكل الترتيب التالي :
-وظف ضمير المتكلم الجماعي الدال على الذات المتكلمة/ المرسلة : () وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ..34).
نسجل هنا أن طبيعة الضمير يتحكم فيها تعظيم جلالة الخالق.وإرسال الرسالة بأمر حاسم.
-وظف ضمير المتكلم المفرد الغائب : فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37).
طبيعة التوظيف هنا لها علاقة الخالق بكل المخلوقات ، لهذا شكلت نتيجة طبيعية نتيجة لها صلة بالرضا كجواب عن طلب المخلوق الإله.لهذا جاء الخطاب الدال على سمو الذات الإلهية متفوقا وساميا على الشكل التالي :
- وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (34.
-الاستجابة والرفض دلالة على الطاعة والتمرد شكلت صيغا مهمة ستجعل الذات الإلهية تتعالى عن الخلق : قلنا).
-تواضع الخالق وتقربه من المخلوق ، عندما يكون التجاوب لصيقا بفكر التوبة :(من ربه).
( فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37
هي رسائل مشفرة يفهمها كل من أدرك رحمة الخالق وقوة التواب الذي جعل كل الأطراف لصيقة برضا المخلوقات في علاقتها بالخالق .لكن السمو والعظمة تحضران كلما كان الجواب من المخلوق مرتبطا بالكفر .
ينتهي المقطع عند الآيات التالية :
(فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37) قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (38) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (39) ).
تشكل القصة نموذجا يحدد طبيعة التلازمات التي تجمع كافة العوامل ، سواء منها التواصلية والسردية ، في إطار الاشتغال على موضوع واحد دلاليا يفيد الطاعة وما ينتج عنها من جزاء ، كما يحدد التمرد والعصيان والمآل الذي يقود الخارج عن طاعة الله ، فوظف قصة النبي آدم في علاقته بالأنبياء وبإبليس ، وبالأخطاء التي ارتكبت من المخلوق وما نتج عنها من جزاء من الخالق .
كل هذه العلاقات في تلازمها تسهم في تأسيس الخطاب القرآني/ سورة البقرة نموذجا ، بشكل تام و منسجم ، كما تؤسس معمار المقطع بشكل منسجم ، مما جعل من التحليل إجرائيا يقود إلى عزله بشكل مستقل عن باقي المقاطع، ودراسته من زاوية نظر خاصة تتوفر فيه كل الشروط التحويلية والتركيبية والدلالية لتجعل منه نصا قائم الذات.
لنا عودة بدراسة لبقية المقاطع في سورة البقرة.
سعيد فرحاوي/ الصويرة