سعيد فرحاوي - تمفصلات الأنساق الدلالية في سورة البقرة... الجزء -5-

الجزء -5-


يبتدئ المقطع الرابع من الآية رقم 40:
- (يابَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ (40)).
يتحول المرسل إليه ، بصفته عامل تواصل مركزي، اعتمادا على أسلوب النداء ،إلى خطاب مباشر لبني إسرائيل ، الذي سيصبح الموضوع المركزي في هذا المقطع. إن تغيير الضمير والتركيز على خطاب جديد سيشكل عاملا مهما في جعل المقطع مستقلا بذاته.
وأسلوب النداء يشكل أرقى أساليب الخطاب والطريقة المثلى لتبليغ الرسالة، لهذا الغرض جاء الخطاب الإلهي راقيا في التواصل مع شريحة برغبة تحويل الحال من وضع إلى آخر ، كما شكل صيغا ربانية يرقى فيها التواضع رغم الجلال والعظمة المميزة للطرق المخاطب بصفته الخالق يوجه الرسائل للمخلوق ، ذاك الذي لم يرق بعد للمستوى الإيماني الباعث من الضلال والولوج في حياة الهداية ، مرورا من الطاقة و التقوى ، لهذا صاحب أسلوب النداء مقومات سياقية عديدة ، منها : الوفاء بالعهد ، أداء الزكاة ، القيام بالصلاة ، لكن في نفس الوقت نجد الصياغة التي ستشكل الأسلوب المقابل لأسلوب الارتقاء ذاك الذي حددته الصيغة التالية : وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ) .في هذا المجال سيصبح الموضوع محددا بالعلامات التالية :
-نداء من أجل الخوف من الخالق/فارهبون.
-نداء من أجل الإيمان به وبما أنزل على الرسول (ص).
طلب التقوى من نفس المنادى.
-طلب القيام بكل أنواع العبادة( الصلاة ، الزكاة).
هذه المقومات السياقية ستشكل مظاهر تصويرية بصفتها عاملا مركزيا يسهم في بلورة الانتقال من وضع إلى آخر ،بناء على كل شروط التواصل المركزية التي تتأسس بين أقطاب الثلاثية المتشكلة من :
-العامل التواصلي المركزي الأول : الخالق.
العامل التواصلي المركزي الثاني المرسل إليه الأول: الرسول( ص) ، بصفته الوسيط.
العامل التواصلي المركزي الثالث المرسل إليه الثاني : بني إسرائيل.
هذا التعالق على مستوى عوامل التواصل الأساسين في هذا المقطع سينتج عنه ظهور أفعال جديدة تحدد بنيات التواصل السردية التي ينجزها ممثلون وعوامل سرد ، كل ذلك يمهد للعمليات التحويلية التي تتم من خلال فعل كل العمليات التي تشتغل عليها البنيات العميقة ، التي تتشكل فيها بوادر البنية الدلالية الأولى ، ليتم الانتقال إلى البنيات السطحية التي سيتم فيها التحول من حالة سردية إلى أخرى ، وهو انتقال سيقوم به ممثلون أساسيون يؤدون دورين مزدوجين :
-من جهة هم ممثلون يؤدون أدوارا تيماتيكية تتحدد حسب الخطاطة التالية :
-الممثل الأول : المرسل المركزي : ينجز دورا تيماتيكيا ربانيا ، بصفته الخالق المتحكم في كل شيء.
-الممثل الثاني : الرسول (ص) ينجز دورا تيماتيكيا مزدوجا :
2-1- من جهة هو رسول مبعوث من الخالق إلى المخلوق. ينجز فعل تبليغ الرسالة .
2-2- من جهة أخرى ينجز فعلا روحيا ودينيا/ المخلوق المهتدى ربانيا.
2-3- ممثل ثالث يتمثل في بني إسرائيل القوم المتلقي للرسالة.ينجزون أدوارا تيماتيكية محددة في المقطع ككل ، لذلك يتمظهرون بالصفات التالية :
2-3-1.دور تيماتيكي متمرد :كفار.
2-3-2.دور تيماتيكي ضلالي.يخفون الحق- يلبسون الباطل-
بعد تحديد الأدوار التيماتيكية التي ينجزها مجموعة من الممثلين المتمفصلين حسب الترتيب في المقطع ، يتحول الفعل السردي إلى حالات عاملية يتطلب برنامجا سرديا دقيقا ، ذلك ما سنبينه في الخطاطة التالية :
عامل-ذات أول : الخالق.
موضوع قيمته : طلب قوم بني إسرائيل بضرورة الإيمان بالرسالة.
-الطاعة.
-القيام بطقوس العبادة: الصلاة والزكاة.
- الصبر .
-الدعوة إلى الحق.
تشكل هذه المكونات عناصر مهمة في البرنامج السردي الذي يطالب به عامل الذات من أجل ما قال عنه :
( وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ (48) ).
عامل –ذات ثاني : الرسول (ص).
لديه نفس البرنامج الذي يحمله عامل الذات الأول.
يشكلان معا عاملين يمتلكان نفس العناصر المساعدة والأخرى المعاكسة التي تتحدد على الشكل التالي :
العامل المعاكس للعامل الأول والثاني تتحدد في خاصية الكفر ، واشتغال الشياطين بدون توقف .
العامل المساعد لعامل الذات الأول هو : الرسول (ص) بصفته المؤهل لتبليغ الرسالة.
العامل المساعد الثاني لعامل الذات الأول : الترهيب بقدوم يوم الكل سيحاسب فيه حسب الأفعال التي قام بها .
العامل المساعد الثالث لعامل الذات الأول والثاني هو : التاريخ القصصي / قصة موسى في علاقته بفرعون.
العامل المساعد الأول لعامل الذات الثاني هو : الخالق..
العامل المساعد الثاني لعامل الذات الثاني هو الإيمان بالقضية.
النتيجة : فشل البرنامجين السردين لأن القوم المخاطب / (بني إسرائيل )في الرسالة لم يستجبوا للدعوة فكانت النتيجة :
-( لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ (88)).
ينتهي المقطع عند الآية التالية:
) وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُون).
وقفت عند هذا المقطع لأن عبره سيتم تحول المجال السردي في سورة البقرة إلى خطاب جديد بفعل أمر واضح (قل) مخاطبا الرسول (ص) بتنبيه كل الناس بموضوع الرسالة/ التي تشكل النص المحوري التي كان أساس القضية ، بما فيهم المقصود في الضمير السابق والآخرون المتسمون بصفات الإيمان ،لهذا سيتشكل الموضوع الجديد متمظهرا بحضور عدة مقومات خطابية جديدة ، ذاك ما سنقف عندها في تحليل المقطع الخامس.
لنا عودة بدراسة لبقية المقاطع في سورة البقرة.

سعيد فرحاوي/ الصويرة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى