مع كلّ روايةٍ أقرأُها للروائي الجزائري (أمين الزاوي) (1956) تتأكّد لديّ فكرةٌ وهي أنّ للزاوي مشروع روائيّ واحد، يبنيه روايةً بعد روايةٍ؛ إذ يُرجّح أنّ القرّاء انتبهوا إلى وُجود تقاطعات بين رواياته الكثيرة، خاصة على صعيد التيمات الروائية، والتي لا تخرج عن إطار الكتابة عن الجسد والدين ونقد الأصولية الدينية التي أدخلت الجزائر في دوامة من العنف الدموي في مرحلة العشرية السوداء.
ما يُمكن أن يعتبره القارئ البسيط تكراراً، واجتراراً لنفس الموضوعات فهو في مستوى آخر من الوعي الفني والجمالي يمثل مشروعاً سردياً يتشيّد من رواية إلى أخرى.
في روايته (لها سرّ النحلة..)، التي صدرت عام 2012 عن منشورات الاختلاف (الجزائر)، ظلّ الزاوي وفياً لأسلوبه ولموضوعاته، فهو دائماً ما يكتب عن الهامش وعن المهمشين، بكل ما يميز هذا الفضاء من تناقضات ومن عنف، ليكشف عن الحياة الداخلية المضطربة لشخصيات مسكونة بهاجس الجسد والدين، ومنذورة لتحوّلات عنيفة.
تدور أحداث الرواية في مدينة (وهران)، أما زمنيا فتقع الأحداث في تسعينيات القرن العشرين، مع بداية دخول الجزائر في نفق العنف الأصولي، وعلى الرغم من أنّ الرواية لم تذكر تاريخا محددا، لكنها رمّزت إليه من خلال الحديث عن التحولات التي طرأت على مدينة وهران، لما بدأت مظاهر الحياة تتغيّر، بانتشار ظاهرة التدين، وصعود الحركات الإسلامية المتشددة.
سردية الهوامش المكانية
جعل الزاوي مدينة (وهران) مكاناً تقع فيه أحداث روايته، لكنّه قدّم هذه المدينة المتوسطية والتاريخية ضمن منظور سردي يرتكز على إبراز فضاءات الهامش التي تقع وراء الواجهات المُضيئة للمدينة.
إنّ الذي يؤسّس هوية مدينة كُبرى، حسب الرواية، هو امتلاكها لمثل هذه الفضاءات التي يكون للحياة فيها منظورا مغايراً لقيم المركز. ففيها تدبّ حياة مُختلفة، وتتشابك فيها تجارب إنسانية تعيش صراعاتها في الظلّ.
تحدثت الرواية عن مفهوم (المكان الحقير)، مشيرة إلى مطعم (آرتو رامبو)، الذي يقع في حيّ، سُميّ بـ(زقاق المعدومين)، إشارة إلى فئة من الناس الذين لفظتهم الحياة، فوجدوا في هذا المكان متنفسا لهم.
((الأشياءُ والأماكن الحقيرة، الحقيرة جدا، هي من قد يُمثّل العلامات التي تمنح المدن الشهيرة خصوصياتها لتصبح هذه الحقارة، مع مرور الزمن، وفي كثير من المرات، أكبر معالم للافتخار والتباهي التي تمنح المدن قسمات تميزها عن غيرها)). (الرواية، ص11)
من خلال هذا المقطع، قامت الرواية بخطوة استباقية لإبراز منظورها لفضاء الهامش، لا بوصفه قيمة سلبية في المُطلق، بل بوصفه هوية عولمية تميز المُدن الكُبرى في العالم التي تفتخر بكونها تضم فضاءات هامشية تحمل قيما مضادة للقيم العامة.
نفهم أنّ (الحقارة) هي قيمة جمالية تمنح دلالة إيجابية لأمكنة الهامش، بوصفها فضاءات لتجارب إنسانية ثرية، وهنا يأتي دور الرواية في الكشف عن تلك العوالم الخفية، وعن تلك التجارب التي تظل حبيسة تلك الفضاءات الضيقة، أو المعادية بتعبير (غاستون باشلار).
وفي تعريفها لمدينة وهران، على لسان الساردة، ركّزت الرواية على جُملة من المواصفات ذات القيمة الثقافية التي تنتمي إلى دائرة المُهمّش؛ فوهران هي مدينة (أغنية الراي)، وهي مسقط رأس مصمم الأزياء اللواطي (إيف سان لوران)، وهي أيضا مدينة العلامة (أحمد بن جمعة المغراوي الوهراني) الذي تعلقت به إحدى شخصيات الرواية (مومو)، وهو الذي ساهم في إصدار فتوى بحواز شرب الخمر والقيام بأي عمل مُحرم في الإسلام لأجل إنقاذ مسلمي الأندلس من محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس.
وكما نلاحظ، فقد ركزت الرواية على التاريخ المسكوت عنه للتأريخ لمدينة وهران، أي تعريفها من جهة ظواهر ثقافية وشخصيات ثقافية تنتمي إلى تاريخ الهامش بالنظر إلى ما تحمله من قيم مضادة؛ فأغنية الراي هي نمط غنائي خرج من الأحياء الشعبية لمدينة وهران وبقية مدن الغرب الجزائري، ليعبّر عن الصوت المقموع والمكبوت والغاضب والمتمرد على الأعراف والتقاليد والأخلاق، وفق معجمية متمردة تطرح موضوعات عن الجنس وعن أحوال المهمشين في الأحياء الخلفية للثقافة المركزية، ولم يكن هذا النوع من الغناء مسموحا به في الفضاءات العامة، لأنه سليل الحانات والعلب الليلية. ونفس الأمر بالنسبة لشخصية مصمم الأزياء –اللواطي- أو المفتي الذي أفتى باستباحة المحرمات. إننا أمام مدينة متمردة، وفق هذا المنظور الذي حرصت عليه الرواية.
وكما هو واضح، اشتغلت الرواية في تشييدها لفضاء المدينة على هذه الرمزيات الثقافية، سواء في شكل ظواهر ثقافية أو أسماء شخصيات ثقافية وتاريخية.
فأحداث الرواية ستقع في أغلبها في حانة أطلق عليها اسم (مطعم آرتو رامبو)، ويبدو أنّ اختيار هذا الشاعر له ما يفسره في الرواية، فالمطعم ملك لسيدة يهودية من أصول إسبانية، يديره ابنها (خوسي) العاشق للفن وللشعر، وفي هذا المطعم –الحانة تخرّج العديد من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات والسراق والمهربين وهو مأوى المنبوذين والحالمين الذين لفظتهم الحياة والذين تحطمت على أرضها القاسية أحلامهم الطوباوية.
تقول الساردة عن سر تسمية المطعم باسم شاعر فرنسا الكبير: ((لستُ أدري كيف ومتى أطلق صاحب المحل هذا الاسم الكبير على هذا الفضاء الحقير؟ أكيد أنّ مالكه الأول ومؤسسه كان قارئاً للشعر ومعجبا بجنون رامبو، وربما كان هو الآخر شاعراً يقرض شعرا عن الحب والخمر والسحاق واللواط والأسفار وتهريب الأسلحة والبن والحشيش)). (الرواية، ص17).
استحضار (رامبو) هو استحضار للقيم التي يُمثّلها: الشعر، التمرد، الانحلال الأخلاقي، السفر، التهريب، الحشيش...إلخ وهي القيم التي ستُعرّف فضاء الحانة على نحو دقيق، لأنه فضاء بلا قيود، فضاء يجتمع فيه الشعر والجنس والإدمان. ومنها يستمد هذا المكان طاقته الدلالية المرتبطة بالشعر وبحداثة الشعر أيضا، حيث لا ننسى أنّ رامبو ينتمي إلى الحساسية الحداثية في الشعر الفرنسي.
في هذا المطعم (الحقير) ستتقاطع حيوات شخصيات الرواية؛ شخصية (فاطمة) أو (فاطي) وهي تعمل مغنية في المطعم، وقبل ذلك كانت طالبة في قسم اللغة والأدب العربي، وقارئة لكتب التاريخ والرحلات والمراسلات، وشخصية (موحند) أو الملقب (مومو) وهو عازف للعود في المطعم نفسه، وطالب سابق في قسم التاريخ، تعلق بوهران بسبب سيرة الفقيه (أحمد أبو جمعة المغراوي الوهراني)، ولأسباب سنذكرها بعد قليل، تحوّل إلى مؤذن في مسجد الحي. ثم شخصية الرجل الخمسيني الذي لقبته (فاطمة) بـ (الرجل الثعبان)، والذي تعلقت به، في وقت كان يذكرها بصورة والدها.
من داخل هذا المكان، ستتناوب هذه الشخصيات في سرد حكايتها الخاصة، مما يجعله مكانا حكائيا بامتياز.
شخصيات الهامش المأزومة:
تعاني شخصيات (أمين الزاوي) من أزمات داخلية، وهذا ما ساهم في تشكيل هويتها السردية، خاصة علاقة الشخصية بالأخرى، وعلاقتها بالمجتمع وبالواقع وبالعالم. غير أن مصير كل شخصية مرتبط ببقية الشخصيات، مستندة إلى فعل (الحكي)؛ فلكل شخصية من هذه الشخصيات حكايتها ترويها على لسانها.
لكن ما يهم في هذا السياق هو ما تحمله كل شخصية من قيم مضادة، بحكم انتمائها إلى الهامش؛ ونقصد بهذا أنها شخصيات مسكونة بأسئلة مؤرقة، متأزمة أخلاقيا، ضائعة في غابة رغباتها المتطرفة أحياناً.
من الناحية النفسانية، تصلح شخصيات الزاوي لتكون نماذجا للتحليل النفسي، لتفكيك ألغام عوالمها الداخلية، وهي عوالم مضطربة، ومثقلة بالأسرار، الأمر الذي جعلها تستأنس بالحكي.
الحب الثلاثي أو لا إمكانية الحب
كان حُلم فاطمة أن تهاجر إلى دولة أوروبية، فقررت التوقف عن الدراسة الجامعية والعمل كنادلة ومغنية في مطعم (أرتو رامبو). هناك ستتعرف على (موحند) أو (مومو) عازف العود الذي سيعلق بها، وعلى رجل خمسيني غامض، لقبته فيما بعد بالرجل الثعبان بسبب اختفائه المستمر.
في حياة الحانة ستجد نفسها في علاقة ثلاثية، مرة مع مومو ومرة مع الرجل الخمسيني ومرة مع صاحب المطعم (خوسي) عاشق الشعر والفن والذي ينحدر من أسرة يهودية.
سنتعرف على طفولتها، وعلى علاقتها بأمها وبوالدها، وكيف انتهت العلاقة بينهما بوفاة والدتها الغامض، بعد أن اكتشف والدها علاقتها السرية بمؤذن المسجد، صاحب الصوت الرخيم، فيدبر مكيدة للإطاحة به، وينصب أختها (يامنة) مكانه مؤذنة في المسجد، لتكتشف فاطمة أن كل هذا لم يكن فقط بسبب غيرة والدها المدمرة، بل لأنه كان عاشقا لخالتها (يامنة)، التي سنتعرف في نهاية الرواية على قصتها.
فقد نشأت فاطمة في هذا المناخ الأسري الملغم بالحب المحرّم، وبالغيرة القاتلة. وعلى الرغم مما حدث، فقد كان تعلقها بوالدها شديداً، بل كانت تحسد أمها التي كانت تنام إلى جواره.
لهذا، كان الرجل الخمسيني يذكّرها بوالدها، لما بينهما من شبه، كما لو أنّ حبها له جاء ليعوض غياب الوالد. وقد يظن القارئ أن الأمر متعلق بعلاقة أبوية طبيعية، بل على العكس من ذلك تماماً؛ فقد أقامت علاقة جنسية بذلك الرجل الذي استدرجها إلى شقته، لتحقق ما كان مستحيلاً بسبب رابط الدم.
وعندما يختفي هذا الرجل، تستعيد صورة (مومو) الذي غادر المطعم، ليترك حياة الغناء والسهر، ويعود إلى أحضان الدين، ويصير مؤذنا في مسجد الحي.
الذكورة الناقصة
نجد بأنّ شخصية مومو هي شخصية مركبة، وقد أحسن الروائي في بنائها، مستغلا تناقضاتها، ومراعيا في ذلك تأثير الظروف الأسرية في بناء هويتها الملتبسة والقلقة.
ما يعاني منه مومو هو الاعتراف بهويته الذكورية في وسط ينظر إليه بأنه أنثى، بل أنّ الطبيعة نفسها قد ساهمت في إحداث هذا الشرخ الداخلي بسبب ما وهبته له من صفات أنثوية، من جهة الصوت، ونعومة الأصابع وهشاشة الروح.
كان في عين والده مجرد فتاة، بل أن معلّم الموسيقى كان يقول له بأنّه يمتلك أصابعا أنثوية، ولم يتوقف عن التحرّش به عندما تُتاح له فرصة الاختلاء به، الأمر الذي جعله يقوم بردود أفعال ضد هذه النظرة والمواقف، ومنها: ممارسة العادة السرية بكثافة لإثبات ذكورته، بل يحكي أنّه كان يسمح لأخته بمداعبة عضوه الجنسي عندما كانا صغيرين، أو التفكير في حياة التدين كأن يصير إماماً لأن الإمامة في نظره هي مرادفة لـ "الرجولة المفقودة"، كما أنه اختار آلة العود لتعلّم مبادئ العزف لأنه تصوّرها بأنّها آلة ذكورية.
وفي مطعم (أرتو رامبو) سيتعلق بفاطمة، وظل متعلقا بها حتى عندما قرر مغادرة المطعم، واللجوء إلى المسجد بحثا عن الخلاص بين كتب الدين والفقه. لم يستطع أن يتخلص من رغباته اتجاهها على الرغم من تدينه، وتلك إحدى تناقضاته العنيفة.
((حين أصعد إلى رأس المئذنة التي بنيت على الطريقة الاندلسية، وقبل أن أرفع اسم الجلالة واسم نبيه العظيم الكريم، يختفي أمامي الخلق فلا أرى إلا صورة فاطي، وأشعر وكأنني أأذن لها وحدها)) (الرواية، ص77).
لكن، مشكلته مع ذكورته لم تنته، فحتى وهو في المسجد، كان هدفا لملاحقات الشيخ الضرير الذي يبدو أنه تعلق هو الآخر بصوته الأنثوي عندما ينادي بالناس إلى الصلاة.
الحلم والطريق إلى الجسد المُشتهى:
قصة الرجل الثعبان هي أغرب قصص شخصيات الرواية؛ لا أحد كان سيتوقع أن تحظى هذه الشخصية بكل هذه الأهمية، لأنّ ظهورها في البداية كان عابراً، الأمر الذي غرس في أعماق فاطمة بذرة الفضول، بالنظر إلى هيبته ووقاره وهدوئه. لكنه كان يغيب من حين آخر، ما أشعل فتيل الأسئلة، قبل أن يتحول غيابه إلى هوس مرضي، انتهى إلى مخدعه بعد ذلك.
كانت له أخت توأم تسمى (شميسة)، وكانت تتقن لغة القطط، ففي المقاطع التي ضمت حوارها مع قطها (غاتا) انتقل السرد في الرواية إلى مستوى آخر، كان أقرب إلى (الواقعية السحرية).
تعلق الرجل بأخته تعلقا شديداً، لكن يوم خُطبت وأذن القدر بأن يفترقا، توقف الرجل عن رؤية الأحلام ليلاً، ولم يسترجع تلك القدرة إلا يوم التقى بفاطمة، فكانت أحلامه مزيجا من الصور الخلاعية ومن مشاهد للأمكنة المقدسة.
لم تتوقف علاقة هذا الرجل بفاطمة عند حدود الواقع، بل امتدت إلى أحلامه المتطرفة، ليجد نفسه أنه يُقدم جسد فاطمة قربانا مقدساً.
يلعب خطاب الحُلم وظيفة رمزية، لأنه يكشف عن الرغبات الدفينة، فتتجسد في شكل مفارقات جمعت بين غواية المدنس، وطهارة المكان المقدس. في مشهد الحلم، تحول الجسد إلى قربان للتقرب من الله، وهذا ما يفسره مشهد قيام الرجل الخمسيني بالصلاة وهو الذي لم يكن يصلي بمجرد أن ضاجع فاطمة.
تعود هذه العلاقة بين الجسد والمقدس في قصة (الخالة يامنة)، خالة فاطمة، والتي كانت على عكس مومو، تخلت على أنوثتها لصالح العمل الدعوي، فأطلقت لحية (؟) وصارت تنافس الذكور في حفظ القرآن وتفسيره، لكنها في لحظة ما، قررت استعادة أنوثتها، والبحث عن رجل يشبعها جنساً ليُشعرها بأنها امرأة وليست ذكرا.
تأملات ختامية:
لا نجد في رواية الزاوي أي إحساس بالمأزق الأخلاقي، إذ تبدو الأخلاق الوحيدة الممكنة في الرواية هي الشكل الفني الذي بنت عبره عوالمها السردية. شخصيات مأزومة جسديا ومحرومة ومكبوتة لا ترى الوجود إلاّ من داخل منظار الجوع الحسي لأجسادها، لتعويض نقص فادح فيها، وهو منظور يعيد القيمة لمكوّن الجسد، بوصفه فضاء هامشياً ذا هشاشة بالغة تم إقصاؤه على حساب قيمة الروح والأخلاق الطهرانية التي تنتمي إلى ثقافة المركز.
عبر رغبات الجسد جسّد الزاوي رؤيته النقدية للثقافة الجزائرية والعربية عموماً، فاضحاً أزمات الفرد التي هي بالأساس ناجمة عن قمع جسده، وضبط وجوده على القانون الاجتماعي والأخلاقي. تبدو الرواية فعلا تدينيسيا من جهة الإشتغال المكشوف على قوة الجسد المحروم على صناعة سرديته الخاصة. وحسب تعبير (لطقي زيتوني) ((تكمن أهمية البحث عن الأخلاق في النص الروائي في إدراك كيفية تقديم النص للمعرفة الأخلاقية من دون استخدام الأحكام أو اللجوء إلى الأنطولوجيا الأخلاقية، فالتبرير الأخلاقي لأفعال الشخصيات في النص يتم داخل الحياة التي تتقاسمها هذه الشخصية مع الآخرين)) (الرواية والقيم، ص87).
وفي نفس الوقت أقام نقدا للثقافة الدينية المتعصبة، مجسدة في التيار السلفي، مقترحا بديلا متمثلا في ثقافة التسامح بين الأديان والمعتقدات (مطعم آرتو رامبو نموذجا) أو تجسير العلاقة بين الثقافة الدينية والثقافة الدنيوية (مومو المؤذن والمغني في الوقت نفسه).
لقد لاحظنا أن الرواية ركزت نقدها على السردية الأسرية، فكل شخصية تستعيد علاقتها المتوترة بأسرتها؛ ففي حالة فاطمة رأينا علاقتها بوالدها ووالدتها وكيف انتهت بالتآمر والمكائد لإطاحة بعضهما بعضا لأجل حب سري، ورأينا هذا أيضا مع مومو وكيف تحولت حياته إلى فصل من كابوس طويل بسبب موقف والده منه، كما رأينا قصة الرجل الثعبان مع أخته التوأم التي بلغت درجة الهيام المرضي. ما قامت به الرواية، وعبر السرديات الأسرية أنها فضحت المسكوت عنه داخل هذه السرديات، وأطاحت بالصورة النمطية عن الأسرة لصالح صورة مفككة وعنيفة ومليئة بالمكائد المتبادلة، وبالرغبات المحرمة والعنيفة.
تنتمي هذه الرواية إلى نمط السرد الانتهاكي، والذي عرّفه (علي حسن الفواز) بوصفه ((مجالا لمخاتلة الواقع، وللتلصص على سرائره المخفية في التاريخ والأسطورة والحكاية، مثلما هو المجال الذي تتحفز فيه عناصر التخييل، وتأنيس الأحداث والوقائع، بوصف التخيل هو سحر الطاقة التأليفية، والدافع إلى اصطناع وجود حكائي مجاور، ضدي وخادع وحمائي في آن معا)) (سرديات الانتهاك في الرواية العراقية، ص32).
ما يُمكن أن يعتبره القارئ البسيط تكراراً، واجتراراً لنفس الموضوعات فهو في مستوى آخر من الوعي الفني والجمالي يمثل مشروعاً سردياً يتشيّد من رواية إلى أخرى.
في روايته (لها سرّ النحلة..)، التي صدرت عام 2012 عن منشورات الاختلاف (الجزائر)، ظلّ الزاوي وفياً لأسلوبه ولموضوعاته، فهو دائماً ما يكتب عن الهامش وعن المهمشين، بكل ما يميز هذا الفضاء من تناقضات ومن عنف، ليكشف عن الحياة الداخلية المضطربة لشخصيات مسكونة بهاجس الجسد والدين، ومنذورة لتحوّلات عنيفة.
تدور أحداث الرواية في مدينة (وهران)، أما زمنيا فتقع الأحداث في تسعينيات القرن العشرين، مع بداية دخول الجزائر في نفق العنف الأصولي، وعلى الرغم من أنّ الرواية لم تذكر تاريخا محددا، لكنها رمّزت إليه من خلال الحديث عن التحولات التي طرأت على مدينة وهران، لما بدأت مظاهر الحياة تتغيّر، بانتشار ظاهرة التدين، وصعود الحركات الإسلامية المتشددة.
سردية الهوامش المكانية
جعل الزاوي مدينة (وهران) مكاناً تقع فيه أحداث روايته، لكنّه قدّم هذه المدينة المتوسطية والتاريخية ضمن منظور سردي يرتكز على إبراز فضاءات الهامش التي تقع وراء الواجهات المُضيئة للمدينة.
إنّ الذي يؤسّس هوية مدينة كُبرى، حسب الرواية، هو امتلاكها لمثل هذه الفضاءات التي يكون للحياة فيها منظورا مغايراً لقيم المركز. ففيها تدبّ حياة مُختلفة، وتتشابك فيها تجارب إنسانية تعيش صراعاتها في الظلّ.
تحدثت الرواية عن مفهوم (المكان الحقير)، مشيرة إلى مطعم (آرتو رامبو)، الذي يقع في حيّ، سُميّ بـ(زقاق المعدومين)، إشارة إلى فئة من الناس الذين لفظتهم الحياة، فوجدوا في هذا المكان متنفسا لهم.
((الأشياءُ والأماكن الحقيرة، الحقيرة جدا، هي من قد يُمثّل العلامات التي تمنح المدن الشهيرة خصوصياتها لتصبح هذه الحقارة، مع مرور الزمن، وفي كثير من المرات، أكبر معالم للافتخار والتباهي التي تمنح المدن قسمات تميزها عن غيرها)). (الرواية، ص11)
من خلال هذا المقطع، قامت الرواية بخطوة استباقية لإبراز منظورها لفضاء الهامش، لا بوصفه قيمة سلبية في المُطلق، بل بوصفه هوية عولمية تميز المُدن الكُبرى في العالم التي تفتخر بكونها تضم فضاءات هامشية تحمل قيما مضادة للقيم العامة.
نفهم أنّ (الحقارة) هي قيمة جمالية تمنح دلالة إيجابية لأمكنة الهامش، بوصفها فضاءات لتجارب إنسانية ثرية، وهنا يأتي دور الرواية في الكشف عن تلك العوالم الخفية، وعن تلك التجارب التي تظل حبيسة تلك الفضاءات الضيقة، أو المعادية بتعبير (غاستون باشلار).
وفي تعريفها لمدينة وهران، على لسان الساردة، ركّزت الرواية على جُملة من المواصفات ذات القيمة الثقافية التي تنتمي إلى دائرة المُهمّش؛ فوهران هي مدينة (أغنية الراي)، وهي مسقط رأس مصمم الأزياء اللواطي (إيف سان لوران)، وهي أيضا مدينة العلامة (أحمد بن جمعة المغراوي الوهراني) الذي تعلقت به إحدى شخصيات الرواية (مومو)، وهو الذي ساهم في إصدار فتوى بحواز شرب الخمر والقيام بأي عمل مُحرم في الإسلام لأجل إنقاذ مسلمي الأندلس من محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس.
وكما نلاحظ، فقد ركزت الرواية على التاريخ المسكوت عنه للتأريخ لمدينة وهران، أي تعريفها من جهة ظواهر ثقافية وشخصيات ثقافية تنتمي إلى تاريخ الهامش بالنظر إلى ما تحمله من قيم مضادة؛ فأغنية الراي هي نمط غنائي خرج من الأحياء الشعبية لمدينة وهران وبقية مدن الغرب الجزائري، ليعبّر عن الصوت المقموع والمكبوت والغاضب والمتمرد على الأعراف والتقاليد والأخلاق، وفق معجمية متمردة تطرح موضوعات عن الجنس وعن أحوال المهمشين في الأحياء الخلفية للثقافة المركزية، ولم يكن هذا النوع من الغناء مسموحا به في الفضاءات العامة، لأنه سليل الحانات والعلب الليلية. ونفس الأمر بالنسبة لشخصية مصمم الأزياء –اللواطي- أو المفتي الذي أفتى باستباحة المحرمات. إننا أمام مدينة متمردة، وفق هذا المنظور الذي حرصت عليه الرواية.
وكما هو واضح، اشتغلت الرواية في تشييدها لفضاء المدينة على هذه الرمزيات الثقافية، سواء في شكل ظواهر ثقافية أو أسماء شخصيات ثقافية وتاريخية.
فأحداث الرواية ستقع في أغلبها في حانة أطلق عليها اسم (مطعم آرتو رامبو)، ويبدو أنّ اختيار هذا الشاعر له ما يفسره في الرواية، فالمطعم ملك لسيدة يهودية من أصول إسبانية، يديره ابنها (خوسي) العاشق للفن وللشعر، وفي هذا المطعم –الحانة تخرّج العديد من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات والسراق والمهربين وهو مأوى المنبوذين والحالمين الذين لفظتهم الحياة والذين تحطمت على أرضها القاسية أحلامهم الطوباوية.
تقول الساردة عن سر تسمية المطعم باسم شاعر فرنسا الكبير: ((لستُ أدري كيف ومتى أطلق صاحب المحل هذا الاسم الكبير على هذا الفضاء الحقير؟ أكيد أنّ مالكه الأول ومؤسسه كان قارئاً للشعر ومعجبا بجنون رامبو، وربما كان هو الآخر شاعراً يقرض شعرا عن الحب والخمر والسحاق واللواط والأسفار وتهريب الأسلحة والبن والحشيش)). (الرواية، ص17).
استحضار (رامبو) هو استحضار للقيم التي يُمثّلها: الشعر، التمرد، الانحلال الأخلاقي، السفر، التهريب، الحشيش...إلخ وهي القيم التي ستُعرّف فضاء الحانة على نحو دقيق، لأنه فضاء بلا قيود، فضاء يجتمع فيه الشعر والجنس والإدمان. ومنها يستمد هذا المكان طاقته الدلالية المرتبطة بالشعر وبحداثة الشعر أيضا، حيث لا ننسى أنّ رامبو ينتمي إلى الحساسية الحداثية في الشعر الفرنسي.
في هذا المطعم (الحقير) ستتقاطع حيوات شخصيات الرواية؛ شخصية (فاطمة) أو (فاطي) وهي تعمل مغنية في المطعم، وقبل ذلك كانت طالبة في قسم اللغة والأدب العربي، وقارئة لكتب التاريخ والرحلات والمراسلات، وشخصية (موحند) أو الملقب (مومو) وهو عازف للعود في المطعم نفسه، وطالب سابق في قسم التاريخ، تعلق بوهران بسبب سيرة الفقيه (أحمد أبو جمعة المغراوي الوهراني)، ولأسباب سنذكرها بعد قليل، تحوّل إلى مؤذن في مسجد الحي. ثم شخصية الرجل الخمسيني الذي لقبته (فاطمة) بـ (الرجل الثعبان)، والذي تعلقت به، في وقت كان يذكرها بصورة والدها.
من داخل هذا المكان، ستتناوب هذه الشخصيات في سرد حكايتها الخاصة، مما يجعله مكانا حكائيا بامتياز.
شخصيات الهامش المأزومة:
تعاني شخصيات (أمين الزاوي) من أزمات داخلية، وهذا ما ساهم في تشكيل هويتها السردية، خاصة علاقة الشخصية بالأخرى، وعلاقتها بالمجتمع وبالواقع وبالعالم. غير أن مصير كل شخصية مرتبط ببقية الشخصيات، مستندة إلى فعل (الحكي)؛ فلكل شخصية من هذه الشخصيات حكايتها ترويها على لسانها.
لكن ما يهم في هذا السياق هو ما تحمله كل شخصية من قيم مضادة، بحكم انتمائها إلى الهامش؛ ونقصد بهذا أنها شخصيات مسكونة بأسئلة مؤرقة، متأزمة أخلاقيا، ضائعة في غابة رغباتها المتطرفة أحياناً.
من الناحية النفسانية، تصلح شخصيات الزاوي لتكون نماذجا للتحليل النفسي، لتفكيك ألغام عوالمها الداخلية، وهي عوالم مضطربة، ومثقلة بالأسرار، الأمر الذي جعلها تستأنس بالحكي.
الحب الثلاثي أو لا إمكانية الحب
كان حُلم فاطمة أن تهاجر إلى دولة أوروبية، فقررت التوقف عن الدراسة الجامعية والعمل كنادلة ومغنية في مطعم (أرتو رامبو). هناك ستتعرف على (موحند) أو (مومو) عازف العود الذي سيعلق بها، وعلى رجل خمسيني غامض، لقبته فيما بعد بالرجل الثعبان بسبب اختفائه المستمر.
في حياة الحانة ستجد نفسها في علاقة ثلاثية، مرة مع مومو ومرة مع الرجل الخمسيني ومرة مع صاحب المطعم (خوسي) عاشق الشعر والفن والذي ينحدر من أسرة يهودية.
سنتعرف على طفولتها، وعلى علاقتها بأمها وبوالدها، وكيف انتهت العلاقة بينهما بوفاة والدتها الغامض، بعد أن اكتشف والدها علاقتها السرية بمؤذن المسجد، صاحب الصوت الرخيم، فيدبر مكيدة للإطاحة به، وينصب أختها (يامنة) مكانه مؤذنة في المسجد، لتكتشف فاطمة أن كل هذا لم يكن فقط بسبب غيرة والدها المدمرة، بل لأنه كان عاشقا لخالتها (يامنة)، التي سنتعرف في نهاية الرواية على قصتها.
فقد نشأت فاطمة في هذا المناخ الأسري الملغم بالحب المحرّم، وبالغيرة القاتلة. وعلى الرغم مما حدث، فقد كان تعلقها بوالدها شديداً، بل كانت تحسد أمها التي كانت تنام إلى جواره.
لهذا، كان الرجل الخمسيني يذكّرها بوالدها، لما بينهما من شبه، كما لو أنّ حبها له جاء ليعوض غياب الوالد. وقد يظن القارئ أن الأمر متعلق بعلاقة أبوية طبيعية، بل على العكس من ذلك تماماً؛ فقد أقامت علاقة جنسية بذلك الرجل الذي استدرجها إلى شقته، لتحقق ما كان مستحيلاً بسبب رابط الدم.
وعندما يختفي هذا الرجل، تستعيد صورة (مومو) الذي غادر المطعم، ليترك حياة الغناء والسهر، ويعود إلى أحضان الدين، ويصير مؤذنا في مسجد الحي.
الذكورة الناقصة
نجد بأنّ شخصية مومو هي شخصية مركبة، وقد أحسن الروائي في بنائها، مستغلا تناقضاتها، ومراعيا في ذلك تأثير الظروف الأسرية في بناء هويتها الملتبسة والقلقة.
ما يعاني منه مومو هو الاعتراف بهويته الذكورية في وسط ينظر إليه بأنه أنثى، بل أنّ الطبيعة نفسها قد ساهمت في إحداث هذا الشرخ الداخلي بسبب ما وهبته له من صفات أنثوية، من جهة الصوت، ونعومة الأصابع وهشاشة الروح.
كان في عين والده مجرد فتاة، بل أن معلّم الموسيقى كان يقول له بأنّه يمتلك أصابعا أنثوية، ولم يتوقف عن التحرّش به عندما تُتاح له فرصة الاختلاء به، الأمر الذي جعله يقوم بردود أفعال ضد هذه النظرة والمواقف، ومنها: ممارسة العادة السرية بكثافة لإثبات ذكورته، بل يحكي أنّه كان يسمح لأخته بمداعبة عضوه الجنسي عندما كانا صغيرين، أو التفكير في حياة التدين كأن يصير إماماً لأن الإمامة في نظره هي مرادفة لـ "الرجولة المفقودة"، كما أنه اختار آلة العود لتعلّم مبادئ العزف لأنه تصوّرها بأنّها آلة ذكورية.
وفي مطعم (أرتو رامبو) سيتعلق بفاطمة، وظل متعلقا بها حتى عندما قرر مغادرة المطعم، واللجوء إلى المسجد بحثا عن الخلاص بين كتب الدين والفقه. لم يستطع أن يتخلص من رغباته اتجاهها على الرغم من تدينه، وتلك إحدى تناقضاته العنيفة.
((حين أصعد إلى رأس المئذنة التي بنيت على الطريقة الاندلسية، وقبل أن أرفع اسم الجلالة واسم نبيه العظيم الكريم، يختفي أمامي الخلق فلا أرى إلا صورة فاطي، وأشعر وكأنني أأذن لها وحدها)) (الرواية، ص77).
لكن، مشكلته مع ذكورته لم تنته، فحتى وهو في المسجد، كان هدفا لملاحقات الشيخ الضرير الذي يبدو أنه تعلق هو الآخر بصوته الأنثوي عندما ينادي بالناس إلى الصلاة.
الحلم والطريق إلى الجسد المُشتهى:
قصة الرجل الثعبان هي أغرب قصص شخصيات الرواية؛ لا أحد كان سيتوقع أن تحظى هذه الشخصية بكل هذه الأهمية، لأنّ ظهورها في البداية كان عابراً، الأمر الذي غرس في أعماق فاطمة بذرة الفضول، بالنظر إلى هيبته ووقاره وهدوئه. لكنه كان يغيب من حين آخر، ما أشعل فتيل الأسئلة، قبل أن يتحول غيابه إلى هوس مرضي، انتهى إلى مخدعه بعد ذلك.
كانت له أخت توأم تسمى (شميسة)، وكانت تتقن لغة القطط، ففي المقاطع التي ضمت حوارها مع قطها (غاتا) انتقل السرد في الرواية إلى مستوى آخر، كان أقرب إلى (الواقعية السحرية).
تعلق الرجل بأخته تعلقا شديداً، لكن يوم خُطبت وأذن القدر بأن يفترقا، توقف الرجل عن رؤية الأحلام ليلاً، ولم يسترجع تلك القدرة إلا يوم التقى بفاطمة، فكانت أحلامه مزيجا من الصور الخلاعية ومن مشاهد للأمكنة المقدسة.
لم تتوقف علاقة هذا الرجل بفاطمة عند حدود الواقع، بل امتدت إلى أحلامه المتطرفة، ليجد نفسه أنه يُقدم جسد فاطمة قربانا مقدساً.
يلعب خطاب الحُلم وظيفة رمزية، لأنه يكشف عن الرغبات الدفينة، فتتجسد في شكل مفارقات جمعت بين غواية المدنس، وطهارة المكان المقدس. في مشهد الحلم، تحول الجسد إلى قربان للتقرب من الله، وهذا ما يفسره مشهد قيام الرجل الخمسيني بالصلاة وهو الذي لم يكن يصلي بمجرد أن ضاجع فاطمة.
تعود هذه العلاقة بين الجسد والمقدس في قصة (الخالة يامنة)، خالة فاطمة، والتي كانت على عكس مومو، تخلت على أنوثتها لصالح العمل الدعوي، فأطلقت لحية (؟) وصارت تنافس الذكور في حفظ القرآن وتفسيره، لكنها في لحظة ما، قررت استعادة أنوثتها، والبحث عن رجل يشبعها جنساً ليُشعرها بأنها امرأة وليست ذكرا.
تأملات ختامية:
لا نجد في رواية الزاوي أي إحساس بالمأزق الأخلاقي، إذ تبدو الأخلاق الوحيدة الممكنة في الرواية هي الشكل الفني الذي بنت عبره عوالمها السردية. شخصيات مأزومة جسديا ومحرومة ومكبوتة لا ترى الوجود إلاّ من داخل منظار الجوع الحسي لأجسادها، لتعويض نقص فادح فيها، وهو منظور يعيد القيمة لمكوّن الجسد، بوصفه فضاء هامشياً ذا هشاشة بالغة تم إقصاؤه على حساب قيمة الروح والأخلاق الطهرانية التي تنتمي إلى ثقافة المركز.
عبر رغبات الجسد جسّد الزاوي رؤيته النقدية للثقافة الجزائرية والعربية عموماً، فاضحاً أزمات الفرد التي هي بالأساس ناجمة عن قمع جسده، وضبط وجوده على القانون الاجتماعي والأخلاقي. تبدو الرواية فعلا تدينيسيا من جهة الإشتغال المكشوف على قوة الجسد المحروم على صناعة سرديته الخاصة. وحسب تعبير (لطقي زيتوني) ((تكمن أهمية البحث عن الأخلاق في النص الروائي في إدراك كيفية تقديم النص للمعرفة الأخلاقية من دون استخدام الأحكام أو اللجوء إلى الأنطولوجيا الأخلاقية، فالتبرير الأخلاقي لأفعال الشخصيات في النص يتم داخل الحياة التي تتقاسمها هذه الشخصية مع الآخرين)) (الرواية والقيم، ص87).
وفي نفس الوقت أقام نقدا للثقافة الدينية المتعصبة، مجسدة في التيار السلفي، مقترحا بديلا متمثلا في ثقافة التسامح بين الأديان والمعتقدات (مطعم آرتو رامبو نموذجا) أو تجسير العلاقة بين الثقافة الدينية والثقافة الدنيوية (مومو المؤذن والمغني في الوقت نفسه).
لقد لاحظنا أن الرواية ركزت نقدها على السردية الأسرية، فكل شخصية تستعيد علاقتها المتوترة بأسرتها؛ ففي حالة فاطمة رأينا علاقتها بوالدها ووالدتها وكيف انتهت بالتآمر والمكائد لإطاحة بعضهما بعضا لأجل حب سري، ورأينا هذا أيضا مع مومو وكيف تحولت حياته إلى فصل من كابوس طويل بسبب موقف والده منه، كما رأينا قصة الرجل الثعبان مع أخته التوأم التي بلغت درجة الهيام المرضي. ما قامت به الرواية، وعبر السرديات الأسرية أنها فضحت المسكوت عنه داخل هذه السرديات، وأطاحت بالصورة النمطية عن الأسرة لصالح صورة مفككة وعنيفة ومليئة بالمكائد المتبادلة، وبالرغبات المحرمة والعنيفة.
تنتمي هذه الرواية إلى نمط السرد الانتهاكي، والذي عرّفه (علي حسن الفواز) بوصفه ((مجالا لمخاتلة الواقع، وللتلصص على سرائره المخفية في التاريخ والأسطورة والحكاية، مثلما هو المجال الذي تتحفز فيه عناصر التخييل، وتأنيس الأحداث والوقائع، بوصف التخيل هو سحر الطاقة التأليفية، والدافع إلى اصطناع وجود حكائي مجاور، ضدي وخادع وحمائي في آن معا)) (سرديات الانتهاك في الرواية العراقية، ص32).