صباح يوم الثلاثاء الخامس عشر من نيسان عام 1980، سألَت ما إذا كان المريض قد نام جيداً، أجابتها الممرضة: «نعم» ولكن حين دخلت إلى غرفته، وجدت أنه كان يتنفس بقوة، من الواضح أنه في غيبوبة، إذ دخلها منذ مساء الأمس. أخذَت تطيل النظر إليه لساعات، تذكرت المرة الأولى التي شاهدَته فيها، كان ذلك قبل أكثر من نصف قرن، كانت في الحادية والعشرين من عمرها، تستعدّ لخوض الامتحان التنافسي لنيل شهادة الأستاذيةفي الفلسفة. حوالي الساعة السادسة تركت المستشفى وطلبت من الممرضة أن تتصل بها إذا حدث له شيء. في الساعة التاسعة رنّ جرس الهاتف قالت لها الممرضة: «لقد توقف».
في عام 1977 تراكمت المشكلات الصحية على جان بول سارتر، سكتات دماغية، خلل في الذاكرة، لحظات من الشرود، وعندما تسأله سيمون دي بوفوار عما يفكر به، يجيب وهو يهز رأسه: «لا شيء أنا لست هنا». في السنوات السابقة كان رأسه مزدحماً بالكلمات والأفكار التي يلقيها صباح كل يوم على الورق، أما الآن فأنّ الحيوية نفدت مثلها مثل الكلمات.
في شهوره الأخيرة كان يتلقى رعاية خاصة من سيمون دي بوفوار، وأرليت إلكايم() الفتاة التي تبناها ومنحها حقوقاً قانونية. تدهورت صحته في التاسع عشر من مارس- آذار عام1980، ونُقل إلى المستشفى، وعلى مدى 27 يوما قضاها تحت العناية الطبية الصارمة، لم يسلم من ملاحقة الصحفيين الذين حاولوا الدخول إلى غرفته متظاهرين بأنهم ممرضين وممرضات. في مساء الرابع عشر من نيسان دخل في غيبوبة بسبب الفشل الكلوي، وفي اليوم التالي أُعلنت وفاته.
انهارت سيمون دي بوفوار وهي تشاهد رفيق دربها جثة مغطاة بشرشف أبيض، تكتب: «موته فرّقنا، وموتي لن يجمعنا مرة أخرى. هذه هي طريقة الأشياء. وانه لمن الرائع في حدّ ذاته، أننا استطعنا عيش حياتنا في انسجام لفترة طويلة».
طلبَت من الجميع أن تُترك وحيدة مع سارتر، أرادت أن تتمدّد إلى جانبه، فمنعتها احد بأن وهي تقول لها: «انتبهي ربما تصابين بالغنغرينا». استلقت إلى سرير قريب منه. بعد ساعات جاء بعض الممرضين لنقل الجثمان.
في باريس التي وصل إليها النعش يوم السبت التاسع عشر من نيسان، كان مئات الآلاف قد تجمعوا لاستقباله وهم يهتفون تحية للراحل، فيما الخيالة تتقدم الموكب ، وأرتال لا نهاية لها من المشاة تحيط التابوت الذي كان يجد صعوبة في شق طريقه. كانت باقات الزهور ترمى من النوافذ.بعث الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان برقية إلى سيمون دي بوفوار يقول فيها إنه كان يعرف بأن سارتر لا يريد جنازة وطنية، مقترِحاً أن تقوم الحكومة الفرنسية بدفع تكاليف الجنازة، رفضت طلبه وأصرّت على تنفيذ وصية سارتر، جنازة جماهيرية لا دخل للحكومة فيها.
ما أن أُعلن خبر الوفاة حتى وجد جميع المختلفين مع سارتر أنفسهم في موقف جديد، فالجميع رجالاً ونساءً تجمعوا بشكل عفوي لمرافقته إلى مثواه الأخير، طلاب،نقابيون، يساريون وشيوعيون، نجوم سينما وعمال، ديمقراطيون أوربيون وإسلاميون،أفارقة مناهضون للاستعمار، وثوريون من امريكا اللاتينية. كان ذلك شهادة لا على مواقف سارتر العالمية فحسب، بل على عالمية تراثه الإنساني. تكلم ريجيس دوبريه باسم جميع الحاضرين قائلاً: «من بوينس ايرس إلى بيروت، انتمى مثقفو عصرنا كلهم في وقت ما من حياتهم إلى أسرة سارتر،حتى خصومه كانوا رغم عداوتهم يتقاسمون معه ألفة عميقة». صعدت سيمون دي بوفوارإلى سيارة الجنازة كانت الجماهير قد تجاوز عددها عشرات الآلاف.
قال المخرج السينمائي جان لوك غودار وهو يتابع حركة الناس: «إنها آخر التظاهرات التي يحضرها سارتر»، تطلعت سيمون دي بوفوار إلى أفواج الناس فتذكرت رفيق رحلتها يقف وسط جموع الطلبة والعمال وقد صعد على برميل ليعلن بصوت واضح: «إذا اختار المثقف الشعب، علية معرفة أن زمن توقيع البيانات، وعقد ندوات الاحتجاج الهادئة، أو المقالات التي تنشرها الصحف الإصلاحية قد ولى».
على مدى عقود اعتادت باريس على منظر سارتر الذي كان ديغول يناديه بـ «الاستاذ العزيز » رغم ضيق سارتر بالرئيس الفرنسي. بملابسه البسيطة، مرة يوزع المنشورات، ومرة يساعد منظمة ماويّة في بيع صحيفتها. فقد ظل يعترف أن الكلمات هي حياته «استثمر كل شيء في الأدب» كما يعترف بأن الكلمات كانت تعني بالنسبة له أكثر من حروف ومعانيها، إنها كائنات حية: «كنت إشعر بصوفية الكلمات، محاولاً أن أعرفماذا يعني الكلام».
في كتابه (ما الأدب) يكتب سارتر: «فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصياً، وليقتصر حديثه على عواطف فردية أو ليهاجم نظام المجتمع، فهو في كل أحواله الرجل الحر، يتوجه إلى الأحرار من الناس، وليس له سوى موضوع واحد، هو الحرية" .
بعد 45 عاما على رحيله نتساءل : مالذي بقى من سارتر ؟ ، يضع أنا صاحب الوجود والعدم عدد من المهام التي يجب ان يقوم بها المثقف لعل ابرزها : ان يستخدم معارفه لخلق ثقافة الحرية ، وان يجعل من نفسه حارسا للغايات التي ينشدها الناس ، وان يتفحص الغايات المستخدمة لتحقيق هذه الغايات ، لكن الاهم في ما حدده سارتر هو تصوره للمثقف الذي طالبه ان يتحول من فيلسوف منغلق على افكاره الى ناشط ثقافي ، وان يتجاوز المؤسسات الثقافية التي يعمل فيها – وكان يقصد الجامعات – ليضع اختصاصه في خدمة الخير العام الذي هو غاية كل علم . ويبدو اننا بعد 45 عاما على رحيل جان بول سارتر نجد ان السؤالين الذين طرحهما في كتابه " ما الادب ؟ " – ترجمه محمد غنيمي هلال – وهما : لماذا نكتب ؟ ولمن نكتب ؟ صالحان لكل العصور وبالاخص عصرنا الحاضر ، فنحن لا يمكننا ان نفصل الثقافة من وظيفتها الاجتماعية.
عاش سارتر ومات وهو يتعرض للهجوم، تتهمه الكنيسة بانه ملحد ، ويتهمه اليسار بانه يميني، واليمينيون بانه يساري .. ولهذا نجده يكتب في سيرته الذاتية " الكلمات " : " اننا جميعا متشابهون في مهنتنا ، كلنا محكومون بالاشغال الشاقة ، كلنا موشومون " ، ولهذا نجده يصر على اننا جميعا متشابهون في مهنتنا كبشر ، واننا لسنا وحيدين في كون كل منا وحيدا ، وان علينا ان نكون من اجل جميع الآخرين .
منذ ايام وانا اقرأ الكتاب الذي وضعته سيمون دي بوفوار بعنوان " مراسم الوداع " والذي تروي فيه السنوات الاخيرة من حياتها مع سارتر ، واتخيل نفسي ايام وقعت في سحر كتاباته ، كنت آنذاك مراهقا وكانت بوابتي للتعرف عليه مسرحيته الشهيرة الذباب ، منذ تلك اللحظة تاثرت رؤيتي للعالم بمفهومه للحرية والعدالة ، وبطريقته في النظر الى الحياة ، وبفكرته عن البشر بوصفهم " صناع " للامل ... وبعد سنوات حين عدت لقراءة كتبه الفلسفية والروائية شعرت بجاذبية قوية نحوه ليشكل حضورا قويا في قصتي مع القراءة والكتب، حيث اغواني بالدخول الى عالم الفلسفة من خلال مسرحياته ومواقفه التي يلخصها بجملة مثيرة: "اذا اعاد احدكم قراءة كل كتبي، فسيدرك اني لم اتغير تغيراً عميقا، واني بقيت لا سلطويا دائما". كان سارتر كما يصفه ميرلوبونتي "رجل خير.. وكان مدفوعا اليه".. عندما سألته سيمون دي بوفوار في احدى حواراتها عن غايته من الفلسفة قال لها : " اشعر انني اهتممت بعالمنا وانني حاولت رؤيته وفهمه".
في كل مرة اعود فيها الى كتب سارتر ادرك جيدا ان صاحب "الكينونة والعدم ساهم في بلورة رؤيتي الى المثقف ودور الكتابة في الحياة، واكثر من ذلك ألم يكن سارتر اول من نبهنا إلى ان الادب سياسة وان الثقافة التزام وان حريتنا تمر عبر حرية الآخرين ، وان الفلسفة ليست بالضرورة عملا اكاديميا او اغراقا في التأمل وان مكانها ليس الجامعة وكواليس المؤتمرات ، بل انها يمكن ان تٌكتب وتناقش على طاولات المقاهي .. يكتب ريجيس دوبريه في رثاء سارتر مقالا بعنوان: " هذا ما كان يسمى مثقفا " : " اننا عشرات الالوف الذين دفعنا سارتر ذات يوم ، ومن غير ان يريد ذلك، الى ما كان يسمى سابقا (امتحان ضمير). ولو انه لم يكن (ضمير) عصرنا الأكبر، لما ازعجنا الى هذا الحد، ولكنا تركناه معلقا مرة والى الابد على صخرة من مرمر ، انه لم يعطنا كتابه عن (الاخلاق) لكنه فعل افضل من ذلك: كان يضعنا كل مرة ، على طريقته ، في موقف عند اسفل جدار".
لقد كان سارتر في شغفه الادبي والفلسفي ، اكثر وعيا من اي كاتب آخر بان الانسان اذ لم تكن له قيمة إلا باثاره ، فان هذه الاثار بالمقابل ، لا قيمة لها إلا بالانسان الذي ينتج فيها ، ولهذا فاننا في اي اثر نقراه له ، امام نشاط انسان ينتج نفسه انسانا آخر من اجل الاخرين.
يكتب جيل دولوز : إنّ سارتر إنّما كان ذلك بالنسبة لنا (بالنسبة إلى جيل العشرين من العمر عند التحرير). من، عندئذ، عرف كيف يقول شيئا جديدا، إن لم يكن سارتر؟
في عام 1977 تراكمت المشكلات الصحية على جان بول سارتر، سكتات دماغية، خلل في الذاكرة، لحظات من الشرود، وعندما تسأله سيمون دي بوفوار عما يفكر به، يجيب وهو يهز رأسه: «لا شيء أنا لست هنا». في السنوات السابقة كان رأسه مزدحماً بالكلمات والأفكار التي يلقيها صباح كل يوم على الورق، أما الآن فأنّ الحيوية نفدت مثلها مثل الكلمات.
في شهوره الأخيرة كان يتلقى رعاية خاصة من سيمون دي بوفوار، وأرليت إلكايم() الفتاة التي تبناها ومنحها حقوقاً قانونية. تدهورت صحته في التاسع عشر من مارس- آذار عام1980، ونُقل إلى المستشفى، وعلى مدى 27 يوما قضاها تحت العناية الطبية الصارمة، لم يسلم من ملاحقة الصحفيين الذين حاولوا الدخول إلى غرفته متظاهرين بأنهم ممرضين وممرضات. في مساء الرابع عشر من نيسان دخل في غيبوبة بسبب الفشل الكلوي، وفي اليوم التالي أُعلنت وفاته.
انهارت سيمون دي بوفوار وهي تشاهد رفيق دربها جثة مغطاة بشرشف أبيض، تكتب: «موته فرّقنا، وموتي لن يجمعنا مرة أخرى. هذه هي طريقة الأشياء. وانه لمن الرائع في حدّ ذاته، أننا استطعنا عيش حياتنا في انسجام لفترة طويلة».
طلبَت من الجميع أن تُترك وحيدة مع سارتر، أرادت أن تتمدّد إلى جانبه، فمنعتها احد بأن وهي تقول لها: «انتبهي ربما تصابين بالغنغرينا». استلقت إلى سرير قريب منه. بعد ساعات جاء بعض الممرضين لنقل الجثمان.
في باريس التي وصل إليها النعش يوم السبت التاسع عشر من نيسان، كان مئات الآلاف قد تجمعوا لاستقباله وهم يهتفون تحية للراحل، فيما الخيالة تتقدم الموكب ، وأرتال لا نهاية لها من المشاة تحيط التابوت الذي كان يجد صعوبة في شق طريقه. كانت باقات الزهور ترمى من النوافذ.بعث الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان برقية إلى سيمون دي بوفوار يقول فيها إنه كان يعرف بأن سارتر لا يريد جنازة وطنية، مقترِحاً أن تقوم الحكومة الفرنسية بدفع تكاليف الجنازة، رفضت طلبه وأصرّت على تنفيذ وصية سارتر، جنازة جماهيرية لا دخل للحكومة فيها.
ما أن أُعلن خبر الوفاة حتى وجد جميع المختلفين مع سارتر أنفسهم في موقف جديد، فالجميع رجالاً ونساءً تجمعوا بشكل عفوي لمرافقته إلى مثواه الأخير، طلاب،نقابيون، يساريون وشيوعيون، نجوم سينما وعمال، ديمقراطيون أوربيون وإسلاميون،أفارقة مناهضون للاستعمار، وثوريون من امريكا اللاتينية. كان ذلك شهادة لا على مواقف سارتر العالمية فحسب، بل على عالمية تراثه الإنساني. تكلم ريجيس دوبريه باسم جميع الحاضرين قائلاً: «من بوينس ايرس إلى بيروت، انتمى مثقفو عصرنا كلهم في وقت ما من حياتهم إلى أسرة سارتر،حتى خصومه كانوا رغم عداوتهم يتقاسمون معه ألفة عميقة». صعدت سيمون دي بوفوارإلى سيارة الجنازة كانت الجماهير قد تجاوز عددها عشرات الآلاف.
قال المخرج السينمائي جان لوك غودار وهو يتابع حركة الناس: «إنها آخر التظاهرات التي يحضرها سارتر»، تطلعت سيمون دي بوفوار إلى أفواج الناس فتذكرت رفيق رحلتها يقف وسط جموع الطلبة والعمال وقد صعد على برميل ليعلن بصوت واضح: «إذا اختار المثقف الشعب، علية معرفة أن زمن توقيع البيانات، وعقد ندوات الاحتجاج الهادئة، أو المقالات التي تنشرها الصحف الإصلاحية قد ولى».
على مدى عقود اعتادت باريس على منظر سارتر الذي كان ديغول يناديه بـ «الاستاذ العزيز » رغم ضيق سارتر بالرئيس الفرنسي. بملابسه البسيطة، مرة يوزع المنشورات، ومرة يساعد منظمة ماويّة في بيع صحيفتها. فقد ظل يعترف أن الكلمات هي حياته «استثمر كل شيء في الأدب» كما يعترف بأن الكلمات كانت تعني بالنسبة له أكثر من حروف ومعانيها، إنها كائنات حية: «كنت إشعر بصوفية الكلمات، محاولاً أن أعرفماذا يعني الكلام».
في كتابه (ما الأدب) يكتب سارتر: «فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصياً، وليقتصر حديثه على عواطف فردية أو ليهاجم نظام المجتمع، فهو في كل أحواله الرجل الحر، يتوجه إلى الأحرار من الناس، وليس له سوى موضوع واحد، هو الحرية" .
بعد 45 عاما على رحيله نتساءل : مالذي بقى من سارتر ؟ ، يضع أنا صاحب الوجود والعدم عدد من المهام التي يجب ان يقوم بها المثقف لعل ابرزها : ان يستخدم معارفه لخلق ثقافة الحرية ، وان يجعل من نفسه حارسا للغايات التي ينشدها الناس ، وان يتفحص الغايات المستخدمة لتحقيق هذه الغايات ، لكن الاهم في ما حدده سارتر هو تصوره للمثقف الذي طالبه ان يتحول من فيلسوف منغلق على افكاره الى ناشط ثقافي ، وان يتجاوز المؤسسات الثقافية التي يعمل فيها – وكان يقصد الجامعات – ليضع اختصاصه في خدمة الخير العام الذي هو غاية كل علم . ويبدو اننا بعد 45 عاما على رحيل جان بول سارتر نجد ان السؤالين الذين طرحهما في كتابه " ما الادب ؟ " – ترجمه محمد غنيمي هلال – وهما : لماذا نكتب ؟ ولمن نكتب ؟ صالحان لكل العصور وبالاخص عصرنا الحاضر ، فنحن لا يمكننا ان نفصل الثقافة من وظيفتها الاجتماعية.
عاش سارتر ومات وهو يتعرض للهجوم، تتهمه الكنيسة بانه ملحد ، ويتهمه اليسار بانه يميني، واليمينيون بانه يساري .. ولهذا نجده يكتب في سيرته الذاتية " الكلمات " : " اننا جميعا متشابهون في مهنتنا ، كلنا محكومون بالاشغال الشاقة ، كلنا موشومون " ، ولهذا نجده يصر على اننا جميعا متشابهون في مهنتنا كبشر ، واننا لسنا وحيدين في كون كل منا وحيدا ، وان علينا ان نكون من اجل جميع الآخرين .
منذ ايام وانا اقرأ الكتاب الذي وضعته سيمون دي بوفوار بعنوان " مراسم الوداع " والذي تروي فيه السنوات الاخيرة من حياتها مع سارتر ، واتخيل نفسي ايام وقعت في سحر كتاباته ، كنت آنذاك مراهقا وكانت بوابتي للتعرف عليه مسرحيته الشهيرة الذباب ، منذ تلك اللحظة تاثرت رؤيتي للعالم بمفهومه للحرية والعدالة ، وبطريقته في النظر الى الحياة ، وبفكرته عن البشر بوصفهم " صناع " للامل ... وبعد سنوات حين عدت لقراءة كتبه الفلسفية والروائية شعرت بجاذبية قوية نحوه ليشكل حضورا قويا في قصتي مع القراءة والكتب، حيث اغواني بالدخول الى عالم الفلسفة من خلال مسرحياته ومواقفه التي يلخصها بجملة مثيرة: "اذا اعاد احدكم قراءة كل كتبي، فسيدرك اني لم اتغير تغيراً عميقا، واني بقيت لا سلطويا دائما". كان سارتر كما يصفه ميرلوبونتي "رجل خير.. وكان مدفوعا اليه".. عندما سألته سيمون دي بوفوار في احدى حواراتها عن غايته من الفلسفة قال لها : " اشعر انني اهتممت بعالمنا وانني حاولت رؤيته وفهمه".
في كل مرة اعود فيها الى كتب سارتر ادرك جيدا ان صاحب "الكينونة والعدم ساهم في بلورة رؤيتي الى المثقف ودور الكتابة في الحياة، واكثر من ذلك ألم يكن سارتر اول من نبهنا إلى ان الادب سياسة وان الثقافة التزام وان حريتنا تمر عبر حرية الآخرين ، وان الفلسفة ليست بالضرورة عملا اكاديميا او اغراقا في التأمل وان مكانها ليس الجامعة وكواليس المؤتمرات ، بل انها يمكن ان تٌكتب وتناقش على طاولات المقاهي .. يكتب ريجيس دوبريه في رثاء سارتر مقالا بعنوان: " هذا ما كان يسمى مثقفا " : " اننا عشرات الالوف الذين دفعنا سارتر ذات يوم ، ومن غير ان يريد ذلك، الى ما كان يسمى سابقا (امتحان ضمير). ولو انه لم يكن (ضمير) عصرنا الأكبر، لما ازعجنا الى هذا الحد، ولكنا تركناه معلقا مرة والى الابد على صخرة من مرمر ، انه لم يعطنا كتابه عن (الاخلاق) لكنه فعل افضل من ذلك: كان يضعنا كل مرة ، على طريقته ، في موقف عند اسفل جدار".
لقد كان سارتر في شغفه الادبي والفلسفي ، اكثر وعيا من اي كاتب آخر بان الانسان اذ لم تكن له قيمة إلا باثاره ، فان هذه الاثار بالمقابل ، لا قيمة لها إلا بالانسان الذي ينتج فيها ، ولهذا فاننا في اي اثر نقراه له ، امام نشاط انسان ينتج نفسه انسانا آخر من اجل الاخرين.
يكتب جيل دولوز : إنّ سارتر إنّما كان ذلك بالنسبة لنا (بالنسبة إلى جيل العشرين من العمر عند التحرير). من، عندئذ، عرف كيف يقول شيئا جديدا، إن لم يكن سارتر؟