فنون بصرية مريم أبوري - "أنماط الوجود : التجريد والتعبير في الفن المعاصر . لوحة ودراسة" ثمرة تآخي ريشة الألوان وقلم الكلمة.

ثمة حكايات يمكن أن تحكى على لسانين مختلفين ، فتصبح الواحدة سندا للأخرى. هذا ما نجده بين دفتي كتاب " أنماط الوجود: التجريد والتعبير في الفن المعاصر . لوحة ودراسة" ، فالحكاية الأولى كانت بفرشاة الرسام الفنان المغربي أحمد الهواري،حيث أبدع لوحات تنطق شخوصها حكاياتها ، والحكاية الثانية أو بالأحرى الحكي الثاني كان بقلم الناقد المغربي نور الدين طاهري، الذي أنجز درسات نقدية لكل لوحة بنَفَس الكاتب الحكاء والراوي والقاص .فكان الحكي حكيان لكن بروح واحدة .

1744831062306.png

قبل أن نفتح الكتاب ونبدأ رحلة تناوب الحكي لنا بين الرسام و الناقد الراوي ، نلقي نظرة على الغلاف الذي يطغى عليه اللون الأصفر، لون الشمس والنور ، كأنه النور الذي ستلقيه الدراسات النقدية على اللوحات، و يرمز كذلك لمشاعر متضادة ومختلطة، الفرح والسعادة والخوف والقلق والسكينة ..، وهي المشاعر التي قد تحملها لوحة وتحمل ضدها لوحة أخرى .
تتوسط الغلاف لوحة رسام في محرابه /مرسمه ، مُنحني و منهمك في الرسم وقد تقوس ظهره من طول الجلوس ، فاللوحة تتطلب وقتا طويلا للتخيل والتأمل و الحصول على الفكرة ثم التعبير عنها بالفرشاة. وهذه المعاناة العذبة ربما هي المعبر عنها بذلك الدخان الذي ينفث من رأسه . ويبقى سيلان الصباغة خيوطا نسجت ملاية الرسام و تعبيرا عن سيلان أفكاره الغزيرة التي لم تنتظر دورها كي تجسد على قماش لوحة.
فلنترك الغلاف و ندخل عالم الكتاب، حيث تناوب الفنان و الناقد في الحكي .
ما أن يضع الرسام ريشته وقد أنهى حكيه صباغة ، حتى يمسك الناقد الراوي بقلمه يفكك اللوحة، ويعيد حكيها من جديد ومن زاويته وإلى أين أوصله تأمله لها.
يقوم بتشريحها كطبيب متمكن من صنعته، بداية بعنوان اللوحة ودلالته ثم البنية الفنية للوحة، التكوين وديناميكية الحركة ، البعد الرمزي والفلسفي،الأبعاد الفلسفية والإنسانية، التقنية الفنية واستخدام الألوان، التأثير العام . هذه تقريبا هي عناصر منهجه في تحليل اللوحة مع زيادة بعض النقط الأخرى كشخصيات اللوحة.
ليخلص في الأخير إلى أن لوحات الفنان أحمد الهواري ، تتطلب " الغوص في فكرته الفنية وعلاقته بالعالم من حوله.. هي انعكاس حقيقي للصراع الداخلي والتجارب الشخصية التي خاضها....يقدم أحمد الهواري رؤى فنية تتجاوز المألوف، حيث يعبر عن معاناة الإنسان في سياق اجتماعي ووجودي عميق '.
فهذه الرحلة مع اللوحات والدراسات النقدية لها، جعلتنا نغوص في نفسيات الإنسان المختلطة والتي تجمع بين مشاعر وحالات نفسية وضدها، الأمل واليأس، الحياة والموت..
الكتاب يستحق القراءة، فهو بمثابة زيارة معرض للوحات الرسام أحمد الهواري والذي ترك الكلمة للناقد نور الدين طاهري كي يشرح للزوار لوحة لوحة من زوايا متعددة، زوايا النفس البشرية.
ستقاومون توريط الناقد لرغبتكم في اقتنائها كلها، وتحتارون بين بين لوحة " الأعمى " ، و " التحدي" و " نهاية اللعبة" " السيد المدير " اللوم" "النسيان " ...." المواجهة " العطر " ..وأخريات، كل واحدة تجعلك مفتونا بها و تجذبك إليها وتتعاطف مع الحزينة و تمرح مع السعيدة وتقف مرتبكا أمام المرتبكة..لما تنهي الكتاب و تغلقه ستشعر أنك محمل بأربعة وأربعين حكاية/ لوحة .
شكرا للرسام الفنان أحمد الهواري على هذه التحف الإبداعية المفعمة بالدفء الإنساني ، وبكل حالات النفسية البشرية ، وشكرا للناقد نور الدين طاهري الذي فكك لوحة لوحة و غاص في عمق تعابير وأفكار الفنان الرسام ، وهذا يتطلب تمكنا ومعرفة بالفن التجربدي والمعاصر ، الذي يتوفر عليه الناقد .
شكرا لدار النشر النورس وعلى رأسها الكاتب عبد العزيز كوكاس على نشر هذه الرحلة و التي جمعت بين ريشة الألوان وقلم الكلمة ، فأثمرت هذا الكتاب الممتع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى