رسائل الأدباء رَسائلُ إلى تَوْفيق صَايِغ

.
منْ أدَبِ الرَّسَائِل: رَسائلُ إلى تَوْفيق صَايِغ
بقلم: عبدالجبار العلمي
على سبيل التقديم:
عرفَ أدب الرسائل ندرة في أدبنا العربي المعاصر، ولهذا النوع من " الأدب التراسلي "بين الأدباء دور في الكشف عن المشاعر الحميمة، والبوح بأسرار المتراسلين المختلفة، والإعلان بصدق وصراحة عن لواعج النفس ومعاناتها الدفينة وقول ما لا يباح قوله في وسائل التعبير الأخرى سواء بين الجنس الواحد أو الجنسين. ويفسر الناقد محمد برادة في الكتاب الحِواري بينه وبين محمد شكري الموسوم بــ" ورد ورماد" تراجعَ هذا النوع الأدبي على المستوى الكمِّي بقوله " أظنُّ أن كتابة الرسائل تستجيبُ للحظات جد حميمة، تستشعرُ فيها رغبةَ البوحِ والمكاشَفةِ والتفكيرِ بصوتٍ مرتفع. ومع الأسفِ إنَّ تقاليدنا في المراسلات بين الأصدقاء المبدعين قليلةٌ إلَّمْ تكنْ منعدمة .."
ومن الجدير بالملاحظة أن محمد شكري لجأ إلى كتابة أدب الرسالة حين شعر بالإحباط بسبب رفض الصحفِ والمجلات معظمَ قصصه، فتوقف عن الكتابة القصصية. يقول : " للتفريج عن نفسي صرتُ أكتب رسائل مطولة إلى بعض أصدقائي من المغرب والمشرق... إنَّ بَوحي في رسائلي كان علاجاً لنفسي، فالذين كنتُ أَكتُبُ إليهم رسائلي لم يكونوا يمارسون علي الرقابة نفسَها التي كانتْ تمارسُ على قصصي ومقالاتي" ( كتاب حوار مع محمد شكري ، أجراه الزبير بن بوشتى ويحيى بن الوليد، سليكي أخوين، طنجة ، 2005، ص: 116 و117 ) وهذا ما ذهبنا إليه أعلاه من كون أدب الرسائل يتيح لكاتب الرسالة مجالاً أكثر حريةً للتعبير عن مكنوناته وهمومه وهواجسه التي يمكن أن تتجاوز حدود التعبير التي لا تبيح القواعدُ المرعيةُ تجاوزَها في مجتمعاتنا العربية.
ومن كتب الرسائل أو المراسلات بين الأدباء، يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى النماذج التالية : " زهرة العمر " بين توفيق الحكيم وصديقه أندريه؛ "الشُّعْلة الزَّرقاء " رسائل جُبْران خليل جُبران إلى ميّ زيادة ؛ مراسلات بين الناقد المصري أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان؛ مراسلات بين غسان كنفاني وغادة السمان؛ رسائل متبادلة بين محمود درويش وسميح القاسم.
رسائل إلى الشاعر توفيق صايغ ( 1923 ـ 1971 ):
لعبت المصادفة المحض دوراً أساسياً في كتابة هذه القراءة المتعلقة بمجموعة من الرسائل، كتبها أدباء وأديبات ذائعُو الصيت في المشهد الأدبي العربي المعاصر إلى شخص واحد هو الشاعر الفلسطيني ـ السوري" توفيق صايغ "، ألفيتها وأنا أتصفح بعض أعداد مجلة " الناقد "، ( العدد: 7 ، يناير 1989، ص: 30 ) التي كان يصدرها الأديب الصحافي رياض نجيب الريس من لندن. وهؤلاءِ الأدباء والأديبات هم على التوالي: لويس عوض ـ سلمى الخضراء الجيوسي ـ ليلى بعلبكي ـ أدونيس ـ رياض نجيب الريس ـ بدر شاكر السياب ـ نزار قباني ـ جبرا إبراهيم جبرا. ومن الجدير بالملاحظة أنَّ تاريخ هذه الرسائل يبتدئ من سنة 1952 إلى 1965 مروراً بالسنوات: 1960 ـ 1961 ـ 1962 ـ 1963. ويُعْنى المُرْسِلُ بتحديد تاريخ اليوم والشهر والسنة في تأريخ رسالته، كما يُعْنى أيضاً بتحديد بلدِ المُرْسِلِ الذي تمَّ إِرسالُ الرسالة منه، والبلد الذي يقيمُ فيه المُرسَلُ إليه: توفيق صايغ؛ مثلاً ( من سلمى الخضراء الجيوسي في لندن إلى توفيق صايغ في كامبردج ). وقد يتغيرُ مكان إقامة المرسَلِ إليه تبعاً لتنقله من بلد إلى بلد سواء في الشرقِ أو في الغرب. فقد تلقى توفيق صايغ ثمان رسائل في عدة عواصم وبلدان: في هارفارد وكامبردج ولندن وبيروت، ما يدلُّ على أنَّ الرجل لم يكن يعرفُ الاستقرار، بل إنه كان يعاني الغربةَ والمنفى في بعض البلدان خارج وطنه خلال سنوات عديدة، ولم يتلق رسائل من أصدقائه في بيروت إلا في السنوات: ( 1962ـ 1963 ـ 1965)
قراءة الرسائل:
ننتقل الآن إلى قراءة الرسائل التي تلقاها توفيق صايغ من لدن أصدقائه الأدباء والأديبات في الغربة والوطن قراءة مقتضبة، يتم فيها التركيز على أهم القضايا والهموم التي تتضمنها كل منها.
الرسالة الأولى: ( من لويس عوض في برنستون في 2 / 11 / 1952 إلى توفيق صايغ في هارفارد.)
في هذه الرسالة يتوجه لويس عوض في البداية بشكر صديقه على أمرين: زيارته القصيرة التي تركتْ ذكرياتٍ جميلةً لن يمحوها النسيان / توصله بكتاب " سارق النار" لخليل هنداوي هدية كريمة منه. يشيدُ بكتاب صديقه ومن خلاله بتوجه اللبنانيين إلى أدب اليونان يستمدون وحيهم منه. وقد سبقوا بذلك الأدباءَ المصريين، وإن كان توفيق الحكيم قد ساهم مساهمة لا بأس بها في هذا الباب. وقد حذا علي أحمد باكثير حذوه. لكن لويس عوض يأخذ على الكلِّ أنهم أوَّلوا عقائدَ اليونان الدينية تأويلاً غيرَ مناسب، وأنهم لم يفهموا الفهم القويم الجوهر التراجيدي في الحياة. ثم يشكو إلى صديقه العقبات التي تقف دونه والحضور في الملتقيات الهامة، ومنها زيارة بوسطن لحضور مؤتمر كانَ يرغبُ في المشاركة فيه. وفي آخر الرسالة يخبره بحجز الباخرة للعودة رفقةَ زوجته عن طريق فرنسا إلى مصر.
الرسالة الثانية: ( من سلمى الخضراء الجيوسي في لندن إلى توفيق صايغ في كامبردج ) لندن في: 1 / 10 / 1958 )
تبدأ الشاعرةُ الباحثة المترجمة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي (1926 ـ 2023) رسالتها بتوجيه خطابها إلى المرسَل إليه بعبارة عزيزي توفيق ما يدلُّ على أنَّ المُرْسِلة تبعثُ رسالتها إلى شخص بينه وبينها ألفةٌ، وأن الحديث بينهما يخلو من أيةِ كُلْفَة. يدور حديث الكاتبة في رسالتها حول مواضيع مختلفة كما يلي:
أ ـ وصفُ جو لندن بعد أن تتوقفَ الأمطار، وتخلو السماءُ من السحب الدَّكناء، وتبدو الشمسُ سافرةً متحرِّرَةً من أسداف الظلمة، موحيةً بأجواء البهجةِ والحرية والانطلاق.
ب ـ بوحها بكل تلقائية للمرسَلِ إليه بما حدث لها هذا الصباح: رؤيتها شعْرةً بيضاء تنسلُّ من بينِ شعرها الغامق. كان هذا الحدث مبعثَ فرحٍ وانتصار لها على الزمن، فهذه علامة على انتهائها إلى مرحلة النضج. « إنَّ الحياةَ قد قدمت لي أخيراً طبقها الشهي الناضج وهذه الشعرة هي برهانها المادي» «ص: 31»
ج ـ حديثها الشجي عن الشعور بالوحشة التي تلازمها، ولا تدري لها تفسيراً، وأنها لم يبارحها الحزن العميق منذ وفاة والديها. تقول للمرسَلِ إليه: «أقابل ذلك بضحك، لكنهُ ضحكٌ كالبكاء، فإذا رأيتني أضحكُ في بعضِ الأحيان، فاعلَمْ أنني لا أضحكُ للحياة، بل عليها. وما يخففُ شجني حقيقةً، ويجعلني متشبثةً بحب الحياة عندما أنغمِرُ في الكتابة ( كتابة عمل جدي هام )
دـ السؤال عن حال الشاعر وحديث شجي عن الموت الذي ورد في إحدى قصائد يوسف الخال أنه يتمناه, أماهي فلا تهابه إذا اقترب منها، لكنها تمقته أشد المقت لأنه أخذ منها أحباباً، وقد يغيب آخرين في أية لحظة. وتقدم الباحثة في هذه الرسالة تحليلاً مركزاً عن قصيدته عن الموت باعتباره أمراً حتمياً، وعن ما تتوفر عليه من عناصر فنية متمثلة في الأخيلة المجنحة والصور المبتكرة تعبر أصدق تعبير عن المراحل التي ذاق فيها الحلو والمر إلى النهاية المحتومة. وتَرى الناقدةُ أن هذه القصيدة هي من أبدع ما نظم الخال من شعر. إن القارئ في نظرها حينما يفرغ من قراءة القصيدة، يكون قد عرف رؤيا الشاعر للعالم بطريقة بسيطة عميقة تنبثق من أغوار نفس الشاعر الذكية ومن تلك الصور الشعرية النادرة ( انظر الرسالة، ص: 31 من المجلة ) ، ثُم تحدثه عن أمور شديدة الخصوصية، حيث تخبره بأن عينيها تتورم، فيصير منظرها محزناً للغاية ، فتضطر إلى استعمال نظارة سوداء، فيعتقد الناس أنني أخفي دموعي وراءهما بسبب بعض الظروف العائلية، منها فقدان أحد أفراد الأسرة عمله ( برهان) . في ختام الرسالة المُرسِلةُ تعرب عن أمنيتها في زيارة توفيق للعائلة، فــ« الحياةُ تكون تافهة لولا إشعاعات حنون هنا وهناك، وقدرة الإنسان على اكتشاف القيم الحقيقية فيها »
سلامي إلى خليل وديزي وخيري
المخلصة: سلمى

الرسالة الثالثة: ( من ليلى بعلبكي في باريس إلى توفيق صايغ في لندن)
في: 12 / 10 / 1961 ـ ليلى بعلبكي ( 1936 ـ 2023 ) كاتبة وأديبة لبنانية، اشتهرت بروايتها «أنا أحيا» المنشورة في أواخر الخمسينيات.
تبدأ الكاتبة ليلى بعلبكي رسالتها بإخبار توفيق صايغ بسبب التأخر في مراسلته لأنها كانت تود أن تفاجأه بقدومها إلى لندن ، لكن طروفاً قاهرة حالت بينها وتحقيق ذلك، وهي بصدد الإعداد للسفر في شهرآذار، وحين يحين وقت سفرها ستراسله لاستقبالها في المطار: إنني «أحب أن أشاهدَ شخصاً ووجهاً أعرفهُ في المحطاتِ الغريبة. هل ستفعل؟». ومما جاء في رسالة الكاتبة القصيرة : أ ـ إشراكه في لحظاتها الجميلة في باريس: وجودها في ساحة مسرح فرنسا، تنصت إلى أغنية أمريكية حزينة، ورائحة الربيع أخذت تنتشر في فضاءات باريس الجميلة وحدائقها، وكل الناس خرجوا اليوم إلى التفسح في الطرقات والمقاهي / بـ ـ إخباره أنها تشتاطُ غضباً هذه الأيام لأنها علمت بخبر سرقة روايتها «أنا أحيا» في الأرض المحتلة، وإعادة طبعها بالعربية هنالك. تمَّ نقل الخبر في وكالات الأنباء الفرنسية، ولم يبال أحد بالأمر في بيروت وعند العرب. ثم تحيطه علما أنها قررت ـ وهي تهزأ ـ رفع دعوى وحدها ضد إسرائيل، أم / هل تلجأ إلى لجنة الهدنة؟
ليلى
الرسالةُ الرابعة: ( من أدونيس في باريس إلى توفيق صايغ في لندن )
باريس في 10 / 12 / 1960.
أول شيء يبدأ أدونيس رسالته به هو إخبار صديقه بمشكلة إيجاد سكن للاستقرار في باريس ، فمنذ عشرين يوماً وهو يبحث دون جدوى. بعد هذه الشكوى من هذه المشكلة الكبيرة المعقدة في مدينة الأنوار، ينتقل أدونيس مباشرة إلى سؤال صديقه الشاعر عن مشاريعه الإبداعية. من جهته أدونيس لم يدخل بعد عتبة باريس، وإن كان قد تعرف على بعض الشعراء والفنانين بينهم أمريكيون وإيرلنديون ( يذكر له أسماءهم ) ، ثم يحدثه عن مشروع أدبي سبق أن ذكره له في بيروت، وأكد له أنه سيحققه. يقول أدونيس في رسالته: « الجميعُ هنا مستعدون لمساعدتنا، ومتلهفونَ لمعرفةِ حركتِنا الشعرية الحديثة في العالم العربي» . يخبر أدونيس صديقه توفيق صايغ أنه قرأ له بالأمس في «الأوريان الأدبي» قصيدةً مترجمة، ويسأله هل وصلته؟ وفي الأخير يخبرهُ بأنه قبل سفره اتصل به هاني أبو صالح وسأله عن قصيدة معينة لتوفيق هل يترجمها فشجعه على ترجمتها.
المخلص:
أدونيس
حاشية: أرجو أن تسأل عن غسان الأشقر وتأخذَ لي عنوانه، وعنوان أخته نضال. سلِّم عليهما.

الرسالة الخامسة: من رياض نجيب الريس (1937ـ 2020)
(من رياض نجيب الريس في بيروت إلى توفيق صايغ في كامبردج)
بيروت في: 12 تشرين الثاني 1961
يخاطب المرسِلُ صديقَه بحرارة: توفيق، يا صديقي ويا عزيزي،
ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الرسالة هي أطول الرسائل التي بعثها الأدباء والأديبات الذين تَمّ ذكرهم
أنفاً المنشورة في مجلة الناقد العدد السابع، السنة الأولى، يناير 1989.
في البداية يحدث الصديق ـ المرسِل صديقهُ بمرارةٍ وحرقةٍ وحزنٍ عن وضع غير راض عنه في بلاد
إقامته بيروت ـ لبنان، فيصفه بمهرجان الذل الكبير الذي يعيشه، ومأساة الأخلاق والكرامة التي تهان
مراراَ وتكراراً في كل يوم، ويصور له كيف انقلبت الأوضاع في هذا البلد، وكيف انهارت القيم فيه انهياراً فظيعاً، يقول: «البغايا يحاضرن في الفضيلة، والخونة في الوطنية، أنصافُ الشعراء في الشعر، والأميونَ في الثقافة». من هذا الفضاء السُّوريالي، يحاول الأديب كتابة هذه الرسالة إلى صديقه.
يعبر كاتب الرسالة عن حيرته من أين وكيف يبدأ كتابتها، معاناته الذاتية ومقاساته لما يحدث في البلاد من تغير الأحوال «كأنَّ دنيا الأمسِ لم تعُد دنيا اليَوم». ثم يذكر له بمرارة بأنه لم يكتبْ له قبل الآن لعدة
أسباب: أولها قلقه ومعاناته من حالةٍ نفسية أمست تعذبه، ورغم محاولاته مواجهتها باللامبالاة والضحكات التي ترن، لكنها غير نابعة من القلب؛ وثاني الأسباب انغماره في عمله الصحفي المرهق الذي ازدادت مسؤولياته فيه، هذا فضلاً عن عراقيل أخرى كثيرة ومتنوعة كانت تقف حاجزا منيعا إزاء الكتابةِ إليك. إن الكاتب ـ المرسِل مازال في حيرته يكرر سؤال من أين يبدأ؟ وهذا ينم عن أن هموماً مؤرقة تحاصره بل وتأكل حياة الناس جميعاً. يبدأ حديثه مع صديقه عن السياسة، وبدؤه بالسياسة لأن هذه الكلمة أصبحتْ مرتبطة أيما ارتباط بحياتنا اليومية للدرجة التي لا يمكن تجاهلُها مهما كرهنا . ويحدث صديقه عن هموم السياسة ومتاعبها وأخطارها. فهو الأن ممنوع من دخول وطنه سوريا «وطني بلدي» ( ص:33 ) لأنهُ كتبَ مقالين في «الصياد»، هاجم فيهما حزب البعث لموقفه من الحركة الانفصالية. ثم يعرب له عن تمنيه لوكان مواطناً من الهمالايا أو من هونج كونج أو الواق واق، فذلك أفضل له من أن يكون في وطن يسوده الاستبداد والظلم وخنق الحريات. يصف حديث السياسة بقوله المفعم مرارة: «حديث السياسة الذي أصبَحَ حديثنا اليومي ...، يكادُ يكونُ سُمًّا بطيئاً يزحفُ في أجسادنا» ( ص: 33) ثم يبوح له بضرورة اتخاذ مواقف واضحة مما يحدث في الواقع العربي، وأن الالتزام بقضايانا أصبحَ ملحاً أكثر من أي وقتٍ مضى. ولا يخفي عنه أنه مازال ملتزما بمبادئه العروبية الوحدوية التي تؤيد عبد الناصر. بعد هذا الحديث المرير عن السياسة وأهوالها وما تعرض له من منع من دخول وطنه وتهديده عبر رسائل تصله من وطنه تصيبه بالذعر، ينتقل إلى وضع الشعر في لبنان، فثمة حرب شعواء بين المثقفين المستنيرين وبين عدة طوائف: متحجري العقول، أوما أطلق عليهم مشايخ الطرق الشعرية ـ ألهة الشعر الحديث الذين يفرضون أذواقهم واتجاهاتهم عليهم ـ أصحاب دور النشر الذين يحرِّمونه عليهم. وهكذا فإنهم يحاربون في عدة جبهات. وإن ما يزيد همه وغمه، هو أن العمل الصحفي لم يعد بالجدية التي كان عليها في السابق. إنهم يطلبون لملء الفراغ بموضوعات تتسم بالسطحية والسرعة. يخبر صديقه بأمر يهمه، وهو أنه كتب مقالاً عن شعره، رفضوا نشره لأنهم لا يؤمنون باتجاهك في الشعر بل يحاربونه، لكنني أصررت عليه وهددت بالاستقالة. وبعد معركة
أجري بعْدها بعضُ التعديل، تم نشر المقال، وهو على أي حال بقي محافظاً على الأشياء الأساسية. وفي
الأخير يعتذر لصديقه بقوله: عذراً إذا لم يكن مقالي في مستوى إبداعك. بعد ذلك أفاد رياض من عمله
الصحفي إفادة كبيرة وتعلم الفن الصحفي وطرائق إصدار الجرائد والمجلات وغيرها من التقنيات
الضرورية في مجال العمل الصحفي المرهق اللذيذ. ثم بعد ذلك يشكو له من ارتباطه بأي صديق، فلا
أصدقاء له ولا رفاقاً مطلقاً، وينقل له حديثاً محزنا عن الشاعر محمد الماغوط «المشرد الأبدي» الذي
فُصل من عمله في «الزمان» منذ شهر. يقول له بحزن «ما أفظعَ ألم هذا الإنسان»، ويخبره أنه لم يوفق
إلى الآن أن يجد له عملاُ في إحدى الصحف. ( ص:33). يحكي له عن حياته اليومية وخاصة يوم الأحد
الذي يعتبره يوماً ميتاً يضيع في السينما أو في جدل سياسي عقيم في إحدى المقاهي، وعن إحساسه بتفاهة حياته، وبالغربة رغم وجوده في وطن عربي، كما يحكي له عن مشروع طبع ديوانه الذي بدأ خطواته الأولى. إن للرجل هموماً كثيرة متنوعة يفضي بها إلى صديقه الحميم توفيق صايغ، تتعلق بغربته خارج الوطن ومنعه دخول بلده سوريا من لدن سلطاتها، والإحساس الذي لا يبارحه بالتفاهة والعدمية، وافتقاد الأصدقاء في بلد إقامته لبنان، وعدم القدرة على التواصل مع الناس وغير ذلك من الأمور التي تجعله يخشى من الموت البطيء في هذا البلد. في نفس الحين الذي ينفس فيه عن همومه وأوجاعه ومعاناته الذاتية والموضوعية في رسالته إلى الصديق الحميم، يريد هو أن يستطلع أخبار هذا الأخير، ويطمئن على أحواله وظروفه ومشاغله. يسأله بقوله: «كيفَ أحوالك؟ الجامعة. لندن .. والحياة كلها. كيف كانت روما ومؤتمرها؟ سمعتُ أخباراً عن أنك اتفقت من جديد مع الخال ( يقصد الشاعر يوسف الخال) لتحرير «أدب» هل هذا صحيح؟ أعطني كل التفصيلات التي عندك وأخبرني عن كل الذي تمّ هناك ودار بين الكواليس لا في قاعات المؤتمرَ» (ص: 33)، ولا ينسى أيضاً أن يسأله عن بعض أحبابه وخلانه هناك، طالباً منه أن يبلغهم مدى اشتياقه إليهم، كما يعبر له عن اشتياقه إلى أجواء لندن وضبابها وقطاراتها ومطرها. ثم ينتقل إلى حديث الشعر الذي يعشقه، فيذكر أخر قصيدة نشرت لتوفيق في مجلة «شعر»، ويرى أنها قصيدة مرهقة، لكنها دسمة، رائعة. إن رياض الريس هنا، يقدم نقداً قصيرا لقصيدة صديقه، ويخبره في نفس الآن بأن له فيها رأياً مفصلا. بل إنه يوجه نقداً لاذعا لذاك العدد من المجلة مفاده أنه عدد فاشل لولا قصيدة توفيق صايغ التي أنقذته بالإضافةِ إلى قصيدته وقصيدة جبرا إبراهيم جبرا، لكان في الحضيض. (انظر ص: 33) يحس الكاتب ـ المرسِل بطول الرسالة، فيعتذر لصديقه عن التعب الذي تجشمه في قراءتها ، ويبرر له ذلك بمعاناته التي يعانيها هذه المدة « أحسُّ بجراحي تدميني هذه الأيام. ويرجو أن يتلقى رداً على رسالته. ويُقْرؤه سلامَ محمد الماغوط الحار جداً، وكذا سلام ليلى. ويختم الصديق رياض نجيب الريس رسالته المطولة بالعبارات التالية «إلى لقاء قريب يا صديقي، معَ حُبِّي وَشَوْقي، واسلمْ بكلِّ إخلاص»
رياض
عنواني : رياض نجيب الريس/ ص. ب: 31 / الجامعة الأمريكية في بيروت / بيروت ـ لبنان.

الرسالة السادسة: من بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964)
(من بدر شاكر السياب في البَصْرة إلى توفيق صايغ في بيروت)
البصرة في 2 /10 / 1963
يبدأ بدر شاكر السياب رسالته بخطاب صديقه بأخي العزيز توفيق
رسالة السياب قصيرة يبدأها بهذه العبارة المختصرة «على عجلِ أكتُبُ لك »، وليس في الرسالة إلا الإخبار عن أحوال صحته التي طفقت تتحسن تحسناً طفيفاً، يأملُ أن يستمر (ص: 34)، أو سؤاله عن أحوال صديقه هل هي على ما يُرام؟ ، وعن أخبار صديقه جبرا إبراهيم جبرا ، وأين مقامه؟ ثمَّ عن حديث قصير عن الشعر مركزاً على قصيدة جديدة له هي «شناشيل ابنة الجلبي»، يخبره أنه أرسلها له ضمن هذه الرسالة، متمنياً أن تعجبه. وعن «معلقة توفيق» التي أخرجها في طبع أنيق جذاب، أعجب به السياب إلى درجة أنه طلب من صديقه أن يخبره إن كانت المؤسسة التي طبعت ديوانه بإمكانها أن تدفع له ألفَ ليرةٍ مع خمسين نسخة هدية في ديوانه الجاهز « شناشيل ابنة الجلبي»، ويخبره بالأمر. وفي ختام رسالته يسأله عن أمور عائلية مثل: هل نالت أُميَّة شهادة الماجستير؟ وفي ختام الرسالة يعد السياب صديقه بزيارته في بيروت في فصل الشتاء إن مَنَّ الله عليه بالشفاء. ويذيل رسالته بالعبارة التالية: «تحياتي لجميع الأصدقاء ودُم لأخيك»
المخلص: بدر شاكر السياب

الرسالة السابعة: من نزار قباني (1923 ـ 1998)
( من نزار قباني في مدريد إلى توفيق صايغ في بيروت)
مدريد 5 / 1 / 1965
يبعث نزار قباني إلى صديقه أشواقه الطيبة مهنئاً إياهُ بالعام الجديد، راجيا أن يحمل إليه البهجة والفرح
والسعادة والهناء، ويكون عاما مفعما بالخير والبركة عليه وعلى أحبابه.
يمكن تلخيص رسالة نزار القصيرة فيما يلي :
أ ـ إخبار نزار صديقه بتوصله بمجلة حوار واطلاعه على قصيدتيه المنشورتين فيه ، ويشكر صديقه على عنايته بعمليه الشِّعريين، وخلوهما من الأخطاء المطبعية. وهو أمر نادر.
ب ـ تعبيره عن حزنه العميق لوفاة صديقهما المشترك بدر شاكر السياب الذي لم يسمع بخبره إلا من
صديقه توفيق. يتحدث الشاعر عن مكانة السياب في المشهد الشعري العربي الحديث، وعن الخسارة
الكبرى باعتباره من رواد هذا الشعر وفرسانه المتميزين. ويبدو من خلال السياق أن توفيق طلب منه
كتابة دراسة عن السياب، وهو هنا يعتذر له عن ذلك لعدة أسباب، منها أنه في مدريد ولا يتوفر دواوين
الشاعر ولا على مراجع تسعف للقيام بهذا العمل الجليل، فضلا عن عدم امتلاكه الوقت للتفرغ لكتابة
موضوع في مستوى يليق بالشاعر.
ج ـ في ختام الرسالة يطلب نزار من صديقه أن يوافيه ـ مشكوراً ـ بعدد «حوار» الخاص بتكريم السياب
فور صدوره.
ويختم رسالته بالعبارة التالية: «لك مني أطيب مشاعر المودة»
نزار قباني

الرسالة الثامنة: من جبرا إبراهيم جبرا (1919 ـ 1994)
(من جبرا إبراهيم جبرا في العراق إلى توفيق صايغ في بيروت)
شركة نفط العراق/ بغداد
22 شباط 1962
تتضمن رسالة جبرا إلى صديقه توفيق صايغ ما يلي:
أ ـ عتابه الرقيق صديقَه لعدم اتصاله به كما عوده. لذلك يسأله جبرا عن سبب ذلك. هل هو الانغمار في
كتابة الشعر؟ أم الانشغال في تحرير مجلة؟ أم علة أخرى؟ يخبره عن قراءته قصيدة له أبكتهُ في بعض
مقاطعها.
ب ـ إنه قد بلغه حدوث شنأن بينه وأحد الإخوة العاملين في مجال الكتابة (ذكر اسمه)، فأسف لذلك أسفاً
كبيراً. وهو يرجو الآن أن تكون مياه الأخوَّة والمحبة قد عادت إلى مجاريها.
ج ـ إخباره أن رياض الريس قد بعث إليه قصائدَ ليكتب لها مقدمة، وأنه سيفعل نكاية بخصوم الشعر الحر.
د ـ إعلامه بأنه يفكر إن سمحت الظروف المادية أن يقضوا هو وأسرته الصيف في لبنان، ويقرؤه سلام
لميعة. ويعرب له عن مدى شوقهم إلى الأهل.
في ختام الرسالة يعود جبرا إلى موضوع الكتابة، فيخبر صديقَه بأنه منذ مدَّة قليلة كتبَ عدة قصائد متصلة من حيث المعنى سيدعوها «مُتوالية شِعْرية»، وسيبعثها إليه لأنه الصديق الوحيد الذي يرى كل ما يكتبُ من شعر.
جبرا إبراهيم جبرا








تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى