أبووردة السعدني - الشيخ الخضر بين المقصلة ومنصب شيخ الأزهر

... علم من أعلام الحضارة الإسلامية ، لم يترك بابا من أبواب العلم إلا زانه ، فكان عالما عاملا مجاهدا بلسانه وقلمه نصرة للإسلام والمسلمين...
إنه الشيخ : محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني ، تونسي من أصول جزائرية ، ولد في تونس عام 1876/1293 ، نشأ في بيت دين وعلم ، درس العلوم الدينية والعربية في جامع الزيتونة ، واشتهر بين أقرانه بحدة الذكاء وقوة الحفظ والفهم ، فكان عالما موسوعيا ، اشتغل قاضيا في مدينة ( بنزرت ) فحمدت سيرته ، غير أنه كان ناقما على الفرنسيين الذين يحتلون بلاده ، فلم يدع مناسبة إلا ندد بهم ، مصوبا سهام قلمه للمطالبة بحرية بلاده ، اعتزل العمل القضائي احتجاجا على نطبيق فرنسا نظام ( القضاء المختلط ) في تونس ، ورفض أن يكون قاضيا به ، فحكم عليه بالإعدام لمناوءته الاستعمار الفرنسي في دروسه التي يلقيها في جامع الزيتونة ، وفي مقالاته التي ينشرها في الصحف والمجلات التونسية ....
... اضطر الشيخ الخضر حسين إلى مغادرة تونس ، تلاحقه مقصلة الفرنسيين ، فحط رحاله في مدينة دمشق ،حيث كانت شهرته قد وصلت إليها ، واشتغل مدرسا في المدرسة السلطانية ، ونشر مقالاته في جريدة المقتبس الدمشقية ، لكن حدث ما عكر صفو حياته حين وصل إلي بلاد الشام " جمال باشا السفاح ، قتل سنة ١٩٢٢ م " - أحد قادة جمعية الاتحاد والترقي التركية ، وكان طاغية جبارا - ، فألقى به في غيابات سجونه ، لمعاداته لكل ذي رأي وصاحب فكر ، فلما فرج الله كرب الشيخ وأطلق سراحه ، لم يطب له العيش في دمشق ، فشد رحاله إلى مدينة " إستانبول " -عاصمة الدولة العثمانية - ، فاختاره القائمون على الحكم - لعلمه وشهرته - ضمن وفد من العلماء - من بينهم الشيخ عبدالعزيز جاويش* - لحمل رسائلهم إلى حليفتهم " ألماتيا " - أثناء اشتعال الحرب العالمية الأولى ، وهكذا تردد الشيخ الخضر على ألمانيا غير مرة ، وظل مقيما في العاصمة العثمانية إلى أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها - أواخر 1918 م - فقرر العودة إلى مدينة دمشق...
.... أقام الشيخ الخضر في دمشق ناشرا علمه وفكره ، حائزا مكانا عليا بين جموع الدمشقيين ، و طارت شهرته في الآفاق ، إلى أن احتل الفرنسيون سوريا سنة 1920م ،فلم يكن أمامه بد من مغادرة سوريا إلى القاهرة ؛ خوفا من مطاردة الفرنسيين له تنفيذا لحكم الإعدام الصادر ضده !!...
.... كانت القاهرة تعرف قدر الشيخ الخضر ، فاحتضنته فور قدومه إليها ، واشتغل - في بداية إقامته - " مصححا " في دار الكتب المصرية ، ثم تراءى له - للانخراط في صفوف الأزهريين - أن يتقدم للامتحان للحصول على " العالمية الأزهرية " ، فلما مثل أمام لجنة الامتحان ، وجد أعضاؤها أنهم أمام بحر فياض من العلم ، فما كان من الشيخ " عبدالمجيد اللبان " **- رئيس لجنة الامتحان - إلا أن قال لأعضائها :" هذا بحر لا ساحل له ، فكيف نقف معه في لجاجة " ...
.... أثرى الشيخ محمد الخضر حسين الحياة العلمية والفكرية في مصر ثراء عظيما ، وعرف له الأزهريون مكانته العلمية ، خاض معارك فكرية ضد الطاعنين في الحضارة الإسلامية ، من بينهم " الشيخ علي عبدالرازق ت ١٩٦٦ " صاحب كتاب " الإسلام وأصول الحكم " ، والدكتور " طه حسين ت١٩٧٣ " مؤلف كتاب " في الشعر الجاهلي " ، ورأس تحرير " مجلة الأزهر " - وقت صدورها - وكانت تصدر باسم " نور الإسلام " ، وحاز عضوية " جماعة كبار العلماء " ، وعضوية " مجمع اللغة العربية ، وانتخب رئيسا " لجبهة الدفاع عن شمال إفريقيا " في مصر ، وله مؤلفات تجل عن الحصر في الفقه المالكي واللغة العربية وآدابها ، فقد كانت حياته عامرة بالعلم تدريسا وتأليفا...
..... شاءت الأقدار أن يقع اختيار قادة ثورة يوليو عام 1952م على الشيخ محمد الخضر حسين ، التونسي الوافد إلى مصر ، ليتبوأ منصب " شيخ الجامع الأزهر " ويحظى بلقب " الأستاذ الأكبر " - لقب شيخ الأزهر في تلك الآونة - ، وهو الأمر الذي لم يفكر فيه مطلقا ، لذا يروى عنه قوله : " لقد سقطت المشيخة في حجري من حيث لا أحتسب " ، ويروى - أيضا - أن أمه كانت تهدهده في طفولته بقولها : " تكبر يا أخضر وتكون شيخ أزهر !!" ،ويعد الأستاذ الأكبر محمد الخضر حسين الأزهري " الوحيد " الذي تولى منصب شيخ الأزهر من غير المصريين ، منذ وجود منصب " شيخ الأزهر " في العصر العثماني ...
.... ظل الشيخ محمد الخضر حسين شيخا للجامع الأزهر إلى أن اصطدم مع القائمين على الحكم في مصر ، لإصرارهم على إلغاء المحاكم الشرعية ونقل اختصاصاتها إلى القضاء المدني ، فقدم استقالته من منصب " شيخ الجامع الأزهر " في السابع من شهر يناير سنة 1954 م ...!!
... عاش الشيخ محمد الخضر حسين معتكفا في بيته ، مؤتنسا بكتبه ، مستكملا تآليفه ، ملقيا متاع الدنيا وراء ظهره ، حيث اشتهر بتقواه وورعه وزهده ، وأثر عنه قوله : " يكفيني كوب لبن ، وكسرة خبز ، وعلى الدنيا بعدهما السلام " ، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثالث عشر من شهر رجب سنة 1377، الموافق الثامن والعشرين من شهر فبراير سنة 1958 م...
..... رضي الله عنه وأرضاه ....

******
* من رواد الإصلاح ، مناصر للخلافة العثمانية ، توفي في الإسكندرية سنة ١٩٢٩م
** أول من تولى منصب " شيخ كلية أصول الدين " وقت افتتاح كليات جامعة الأزهر عام ١٩٣٢ م ، وكان عضوا في مجلس النواب ، ت سنة ١٩٤٢ م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى