رسائل الأدباء 8 رسائل من تيسير سبول الى صادق عبدالحق

* الرسالة الأولى


"فليدق الله عظامكم وليحسن الدق"

عمان في 9 ـ 10 ـ 1967


ايها الصديق المرمي بعيدا ها ان حلقة الشيطان تطبق يسمونها بالانجليزية Vicious Circle الحلقة الشريرة، نعم، عمان في 9 ـ 10 رسالة حزينة وبعد غد الكويت في كذا او الخ رسالة حزينة - ان الله القدير وحده عندما يتكفل بقصف رقابنا الهشه غير الجيدة الحياة ، نعم وحده ينهي فراغ خلقه الشر.

عندما كنت في البحرين كنت دائم التأثر بمنظر قارب مهجور على شاطئها حيث كنت اتسلى - لا بل اسلي النفس وفي ذهنك ان لم يكن في مقلتك عجل كاوتشوك على شاطىء وذات امسية كئيبة في الرياض اجهش صديق بغصة حلق فقال: قال الصديق: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على ان قرب الدار خير من البعد ويعلم الله ان الحزينة التي وعدت بيوم تفرح فيه فقدت اوانها ويعلم الله ان الشيخوخة على الابواب فهلا اعطتها الحزينة الوعد الحق.

استقالتك قبلت، هكذا اخبرني فاروق الذي قابلته بعد قليل من استلام رسالتك - رئيسك يرغب في ان يرسل جوابها لك مباشرة في الكويت، ها انني احاول بدوري الانتقال الى جهة ما في العالم - ربما الى الكويت حيث لا ذباب في المطار، الحمد الله يا ربي اذن على اللاذباب الذي انعمت - مرسي يا ربي. ربما الى جهنم العراق التي كانت امي تتمناها لي في شقوة طفولتي ـ اعتقد ان السيدة العراق مناسبة جدا.

المشكلة يا سيدي الاخ الحزين والحبيب انها امسية شتائية - وفي الشتاء تبدأ قدمي تتفكر ورأسي يقوم باعمال اخرى والله لا ادري كنهها تماما انما هي من فصيلة: احلام - تأمل - كسل - دور الركود الشتائي عند الضفادع وما شابه. انت ترى، اكتب لك متأقلما مع كونك غائبا. متأقلم تعبير سخيف، اعني انا اكتب وانت حضور غائب معترف به، في فمي - انا لا اتحدث عن غيابك بل انني لا اتحدث الا عن غيابك فبعد رحيلك الذي تموضع نهائيا ورحيل قطعة كبدي الجيدة المذاق الصغيرة محمد زيدان وبعد تلك الكوكبة الممتازة من فرسان الحزن الشجعان الذين عبروا بسنابك خيلهم طريق قلبي البري، بعدكم ها ان الحياة كلمات كلمات. فليدق الله عظامكم وليحسن الدق يا ربي. احب ان تحملني عاصفة فتطوف بي فوق حقول الزيتون المغبرة - لا ارض لقدمي المفكرة العظيمة. وبعد: فإن شهادة حسن السلوك قد ارسلها جودت، ها انت فتى حسن السلوك وحسن الطلعة ولكن: حسن طلعتك ايه من غير صديق يهواك؟ الشتاء يدق الباب - اقتربوا ايها الاصدقاء - الواحد من الاخر اقتربوا اقول - صادق ومحمد لكما حبي مدفأة


******


* الرسالة الثانية


وجودنا كله مر.. مر يا الله ما اشد مرارته"


أخي الحبيب صادق

تحية لقلبك الكبير

بعد قراءتي رسالتك الاخيرة بدقائق كتبت لك رسالة من تسع صفحات لا تزال معي ـ وسأمزقها لانها وتر مشدود قاس. واما الآن فلعلي في لحظة تعادل. فالاحرى اذن ان اكتب لك نموذجا مختلفا لا حبا في التجديد بل سأما من التكرار. احزنتني رسالتك في وقتها.. بدوت لي جد بائس رغم انك لم تكن متوترا.. والآن يا صادق في هذه اللحظة بالذات - والساعة تقارب العاشرة مساء - وانا استمع الى موسيقى كلاسيكية لا اعرف اسمها. الآن افكر بقليل من العمق بحياتي وحياتك اعني الجانب المرتبط منهما... فأجد ان تلك الصداقة الرائعة التي شدتنا الى بعض، تلك المحبة النادرة الوجود، كلها كانت اشبه بسمفونية شوبرت التي لم تتم. ولاعد الى ذهنك ان سمفونية شوبرت الناقصة لم تترك هكذا بدون نهاية لان الموت عاجل شوبرت - كما يظن كثيرون - بل لانه هو لم يرد ان يتمها... ولكن على اي ضوء احكم بأن صداقتنا الرائعة لحن لم يتم؟ لقد كنت اتوقع واريد من اعماقي ان تكون خاتمة تلك المحبة هي حياة مشتركة... لا يهم جزيرة سعادة او مكتب محاماة مشترك - او مزرعة مشتركة - او دكان اقمشة او خضراوات مشترك غير ان الواقع انحسر عن غير هذا.. انا ادرس الحقوق هنا، وانت تفكر في الدراسة بالقاهرة او المانيا او من يدري.. لقد استسلم كل منا لواقعه وسار في الطريق اللاانتمائي رغم انه في جوهره متطرف في لا انتمائيته.. نحن ادركنا من غير ضلالة او تزييف كم هي تافهة الحياة - والامل والسعي الدائب لتحقيق النسبيات - ورغم ذلك نحن نسعى وراء حياة من التي يسمونها كريمة او متوسطة او... الخ "قال المذيع الآن ان الموسيقى الكلاسيكية هي لباخ" آسف لهذه الجملة المعترضة واعود: ان الامل جد ضئيل في ان يجد كل منا شخصا يعوض الآخر... ومن هنا سأظل اشعر بالاسف - وهذا الاسف تنقصه الايام - لفقدي لك، واظن الحال معك تشابه.
اذن: فقد التقينا ذات مرة - وكان لقاؤنا حادثة لها اهميتها عند اثنين في حالة سقوط مريع، وهذا ما شدهما بعنف.. وعندما اموت اعتقد انني سأتذكرك واتمنى بشدة لو انك عندي تلفظ انفاسك معي.. لماذا؟ نعم الا تتساءل: لماذا بقي هذا الالتقاء السقوطي المريع سمفونية ناقصة؟ استطيع ان اجيب على القسم الذي يخصني من السؤال ولست واثقا من ان جوابك مشابه ام لا. كنت ولا زال على استعداد كلي لرفض المستقبل كله، والدراسة واحلام الزوجة والفيلا والسيارة الخ... لو انني وجدت في وضع خاتمة للسمفونية خلاصي الكبير.. ولكن يا صادق - يا اروع الناس واحبهم.. انت قلتها.. سيدخل السأم حتى الى جزيرة السعادة..رغم كل هذا فإن تحقيق حياة مشتركة يبقى من اعز امنياتي. قلت في مطلع رسالتي انني شبه متعادل - غير انه من الصعب عليّ ان اكتب لصادق وابقى متعادلا - لان صادق ليس شخصا عاديا في حياتي، حتى حينما يسخف فلست ادري لماذا احاول ان اعطي سخفه معنى عميقا واتأمل بمحبة واسف محاولا تمثل وضعه وهو يقرض شعرا يا رب سيجارة اشعلتها بيدي طارت وفي القلب دخان. هكذا كانت سمفونيتنا يا صادق الحبيب - وهي قصة مهما تآكلت بفعل السنين فسيبقى منها ذكرى لانها ليست بالمأساة اليومية العادية التي يمكن اعطاء حلول لها - انها كابوسنا المريع الذي فتحنا اعيننا عليه دون ان يفيق منه: الحياة ليست احب العبارات التي مسخها العشاق بتفاهاتهم - لكن الفراق مر
والموت مر
وكل ما يسرق الانسان من انسان مر
والحياة مرة
والملل - والليل - والوحدة - والضياع اشياء مرة
وجودنا كله مر.. مر يا الله ما اشد مرارته.
وريقي هو الاخر في حلقي مر.

لا يحق لاحد ان يحكم - ان الرب هو الذي يجرجرنا في الدروب التي يختارها. هل قرأت هذا؟ هل يمكن لنا ان نحقق راحة الاستسلام واليأس.. ونترك ذواتنا للرب؟؟ لقد فشل تفكيرنا كليا فهل يمكن لحواسنا ان توصلنا الى الحقيقة التي وراء كل ظاهرة: فلأردد جملا موسيقية واقول مع وليم بليك: «حين تطبق الكهوف على الفكر فإن الحب سيبعث جذوره حتى في اعمق اعماق الظلمة... من يدري؟»
كل الفاظ الوداع مرة
والموت مر
وكل ما يسرق الانسان من انسان مر
كم رددت مرارة حجازي وبدلت كلماتها
الكراهية مرة.. والحب مر... الفراق مر - مر - مر - مر - من حسن

حظنا اننا نموت يا صادق لان الموت آخر مر نتذوقه.. ثم... اللاشيء الكبير.. فليوفقك الرب يا صادق.. وليحفظك لسن الستين ليقلل الرب من ضياعك - ويساعدك على تحمل وحدتك وبأسك المتغلغل - وليخفف من تمزيق انياب الوحشة لك.. ولينق المساء امام عينيك من الدخان والغبار.. واعذرني يا صادق الحبيب لقسوة الفاظي.
المراسلة مرة
والموت مر
وكل شيء مر .


*****


* الرسالة الثالثة


"لا شيء في القلب سوى الريح المعولة في الخارج"

الحبيب صادق

تماما وكما يمكن لقلبك المشعشع بالصفاء ان يعي يكتب المرء لصديقه الطيب حين يفتقد ما هو رمزه.ولو كان الحزن عميقا - او لو كان في القلب قدر جيد منه لكتبت اذن بحنو زائد. ولكن.. لا شيء سوى الريح المعولة في الخارج - اتلمس بعض صدى ولكن لا انه لا يوجد. لو كان الحزن يخيم (يزرع خيمة) في جناح روحي الهادئة لكتبت لك عن الندم ازاءك... ولكنك ايها الغالي (الغالي في المآل، رغم النسيان الذي يبتعد بك كثيرا.. والصفاء غير المشعشع الذي تسير اليه روحي الان والذي هو ضد ذكراك)ـ ايها الغالي قلت واقول - انادي بخفوت دون مس من اللهب للتو، او بعد ساعات من خصام مع الاحمق (رسمي طبعا). جلست هادئا ساكنا صافيا دون شعشعة. والريح معولة في الخارة ولا صدى. اقول ان ذكراك يطيب لها ان تأتي هادئة هي الان. وانت صغير الحجم تنسل في مجال العقبة الغريب وتدفىء نفسك ولا بد تنسى وننسى نحن ـ وهكذا ايها الصديق فمحور الخلاف بيني وبين الاحمق كامن في هذه الزاوية بالذات. هل نسير طائعين مع الآنية ـ بمعنى ـ هل لأننا ننسى الان يجب ان لا نستسلم لداعي التذكر الذي يهيب بنا ان نبقى ممهدين الدرب امام الاشياء الحبيبة حينما يخطر لها ان تفقد ـ هو ـ يقول لا... اعني ضميره الاحمق يقول ـ لا ـ والآن بدأت قطرات من المطر تتشكل مع النافذة وكما وددتُ ان اكتب ـ على نافذتي ـ ولكن تنبهت ونكصت. وانني اهدي لشفتيك الارجوانيتين النضرتين بذكراي ـ حبي ـ عن ـ السيد ـ هدوء قلبه.


******


* الرسالة الرابعة


جلست الى مكتبي واستوعبت حياتي كلها في برقة واحدة"

الصديق الطيب صادق

انما في وضح الظهيرة تسقط علي رسالتك، حيث يكون التعاطف سائخا لا يحبه احد. وكان العطاء الوحيد امنية لو انها جاءت في امسية الحياة البدائل وهذه الامور الشديدة الدقة. عجبا والله.تأتي رسالتك على حين اخيك (انا) اتخبط في سلسلة من القرارات المفاجئة المربكة، حيث اضناني التفكير الممنهج بسبل الدَيْن لانني لن استمر في حياة معلقة، لانني اكره كل هذا واحب كل ما هو سواه نكاية والله من بعد قصة عذاب سخيفة طويلة مملة. وهكذا ستراني عندك في مطلع الشهر القادم وقد بدأت منعطف حياة جديدة محملا بمشاكل ظهيرية بالدين والعمل الجدير غير المحدد. لتحل اللعنة على عظامي ان كان قد عذبني امر في العمر كما عذبني الظهر وامور الظهر التافهة في ابيضاضها.النغمة الحبيبة الاسيانه التي تنسل من سطورك الحزينة يا قلبي افضل الف الف مرة من صفاقة البحث عن النقود واشباهه - ستقول لنفسك تراه هذا الرجل نسي طعم الحسرات كي يتحدث بهذه الطريقة؟ لا والله يا اخي - انما الضيق الضيق يفجر دماغي.انت قد وعدتني وقد اقتنع دماغي الملعون ان عليّ ان اتأخر شهرا اخر ، وفيما بعد جلست الى مكتبي واستوعبت حياتي كلها في برقة واحدة، كان المكتب امامي اسود اللون ملعونا - الى متى؟ الى متى؟ ما الذي تفعله انت يا هذا؟ لو انك فيما بعد ترى الى الطرق التي اتبعتها لكي احصل على بعض النقود... وبسرعة لكي انسف الجسور من ورائي قدمت طلب اجازة هو في الحقيقة استقالة وبدأت استدين.. ان افهم تماما اين هو الصواب واين هو الخطأ... ولا زلت هكذا انا. ويا اخي ليت الصفاء يفرش قلبي الان.. انني لا اعرف كيف اكتب لا اعرف البتة والله.. استودعك الله. ربما اكتب لك ثانية.. اكتب لي انت وعفو قلبك من اجل رسالتك المسكينة.


******


* الرسالة الخامسة


" يبدو ان سوء افتراض عام مفاده ان ما يكتب يجب ان يكون حارا او عظيما او ما شابه"

اخي العزيز

كتابة الرسائل مهمة عسيرة على كل الناس. هكذا لاحظت اخيرا حول نفسي وحول اصدقائي - وغيرهم. لكن - يبدو ان سوء افتراض عام مفاده ان ما يكتب يجب ان يكون حارا او عظيما او ما شابه - هو المشكلة وهذا خطأ. انني اكتب لك الان وليس في ذهني اي شيء تقريبا، ما عدا انه غير معقول ان نظل هكذا صامتين. امس قرأت رسالة من محمد الى جودة يقول بها انك تخشى ان يراك احد في الكويت فيسألك (لماذا انت هنا؟). احدى ملحك الجميلة. وكان محمد يتحدث بطريقة هادرة حول تعقيد الحياة والعمل - الامر المفهوم جدا طبعا - وكان اجمل ما في كلامه الحديث حول بقالية ما امتلاكها خير من وظائف العالم كله - وهذا ضمن الصورة العامة لماضي الاحلام وحقيقة اللاانسجام مع الحياة امر وارد للغاية. عودة الى جزيرة السعادة. لقد فكرت بان احثكما على جمع مبالغ من المال تكفي لحكاية ما من هذا القبيل. والحق انني كنت افكر في تجارة الارانب. ومعها طبعا بعض الدجاج والبقر وما شابه.حدثني عن مثل هذا بأقل بلاغة ممكنة ارجوك.. حبا بأخيك بأقل بلاغة ممكنة حدثني عن مثل هذه الامور. اظن بانك قادم في شهور - اليس كذلك؟.. انني مشتاق لك ولمحمد ولرسمي - والمؤسف انه شوق بلا لوعة.. ولكن فعلا مشتاق، واكتب لي عن حياتك اليومية ومشاريعك الفكرية والشعورية فأنا بعد اتعامل بهذه الاشياء. عن شخصي، فان الاكلين بعد ان ينهشوا من حقيقتي. وانني بعد محسوب متدربا عند صليبا ولكن عنواني في الحقيقة "عمان ص.ب 6165"، ودعك من حكاية مركز البلدة فهل كل الوقت للدعابة. انني احبك كثيرا وتعلم ذلك جيدا..


********


* الرسالة السادسة


" من يعطيني رصيدا مطلقا من الغفران"

ايها الصديق

هذا المساء - احبك واذا وفدت عليّ رسالتك في الغروب الرمادي ان احسنت وفادتها، انني احب اللغة، هذا المساء ايضا. وقديما، اذكر ، كنت استشعر الحنين للحزن عندما ارى جمالا ما يعبر - وهكذا فأنت تدرك حزني هذا المساء. لا ليس هذا هو الامر تماما رغم انني حزين وموحد هذا المساء. كان رسمي معي عندما وفدت رسالتك في الغروب وكانت زوجة - ابو وليد الذي حمل رسالتك فقرأتها بصوت مرتفع دون تردد للجميع - سعد الجميع - ولسبب ما بدأ الحزن يقطر ثانية اذ نزلت الشارع وعدت. انهم يحبونك طبعا - جميعهم - دون استثناء وعلى درجات كما تقدر تماما انهم لطيفون جميعا وحزانى ايضا لعلهم. بالطبع ان في رأسي افكارا مسبقة كانت تجتمع متهيئة لتخلق عبر العضو المفكر فيّ اذ عدت من الشارع عازما على الكتابة. كنت اتذكر مقولتك: لا بد ان يفترق كل اثنين يوما ما. شيء من هذا. انك مخطىء ايها الصديق لا في المقولة ذاتها، ولكن للنتائج النفسية شبه الموضوعية المحملة بالخيبة لهذه الحقيقة. ان في رأسي لفكرة جوهرية: اقول: ان خطأ لا مرئيا هو الاهم عبر هذه السخافة المسماة حياة.

ان الامكانات هي المهمة على كل نحو قلبتها. ان هذا ليسعدني بحزن، فاذ يفترق وهكذا ترى. اثنان محبان على منعطف ما (حتى بالمعنى الآخر الذي تفكر به) فان امكانات محملة بالجمال الحزين الملحاح المبهج المبكي ستولد - وسيكون هذا كله جمالا في جمال - ان كل شيء جميل تحت السماوات ايها الصديق ولعلي مخطىء ولكن: قليل من الخطأ لا بد منه دائما.خرج رسمي شبه مدحور من منزلي - منزلي الجليل له جنينة وله فرندات ايضا - اذ خرج رسمي في عتمة المساء المتكاثفة - انت تعرف تقطيبة رسمي ذات الحركة المألوفة المدحورة وخرج الجميع وعدت وقلت لنفسي: اريد ان اكتب. اقول: بالطبع احب رسمي كثيرا ، لا استطيع ان لا اكون الا محبا له وانني لا سر لك ما لا يجرح قلبه العاني المسكين - احبه واشعر ان جزءا من تكويني الخاص المحبوب قد لصق به - ربما الى الابد. لا خير في قبلة طاهرة كهذه اليس كذلك؟ لا اقصد شيئا والله ولكنني اغفلت ان اقول بان مسكني الجديد هو في عمان في جبل اللويبدة وله جنينة كما قلنا. قحطان كان معي هذا الصباح. لعلي اغضبته اذ ودعني في الظهيرة. هي ذي قصة لعينة لا تنتهي.

اغضابي للناس اعني يا من يعطيني رصيدا مطلقا من الغفران فأشرح له قلبي هدية متواضعة. كانت معه فتاة وكان يود ان يتسلى وبدوري كنت محتاجا للتسلية فلعلي اغضبته، مجمل الحكاية تحدثت غامزا عن الزواج ملمحا لضرورته فأخذته البنت الملعونة قصة جدية - وقحطان من هو ليتحمل هذه السفالات؟ انني لارغب في الانعتاق قليلا من اسار هذه اللحظة الملهوجة لأكتب شيئا مستقرا. اخبار مثلا: رسمي قدم فحص الاذاعة وكذلك انا وكنا من الناجحين - هذا يعني ان نعمل معا حسنا ان زوجتي ترى غير هذا ولا ادري نهائيا ان كنت سأقبل في الجامعة خلال اسبوع لأحظى بعمل. ابو صخر عندي كان امس واول امس. ان سلوكي المرخي دون اكتراث لا يرضيه ـ ان بقاء حبه لي مشروط بأن نبقى بعيدين لان عالم روحي قد تشكل وانتهى ومنذ الازل كما تعلم - انه ليرضيني جدا ان يستلمني كيميائيو الحياة ويصيغوني امرءا رضيا مرضيا عنه فالحق انني سئمت كوني محبوبا لجلسة او جلسات متباعدة. ان توحيدي لا حد له انك واحد من بعض صوى قليلة تلوح في الافق كأنها تومىء لحد ما - وبالطبع فانت تدرك ان هذا هو سر كل الحكاية ولكن بحق السماوات الن تنتهي هذه اللوحة الابدية. اقصد القول لا تنزعج اذ تدرك هذا في لحظة اطراق مطلقة (وكنت دائما على صلة بالحقيقة اياها). فالعلماء الممتازون (تعبيرك) يقولون ان حزن المساء مفهوم كالمعادلات الحبرية. وانت اذ تبكي امام الجمال المطلق - المرأة - اقصد اذ تستشعر البكاء فليست هناك ظلال اضافية حول هذه الحقيقة ايضا نعم، نعم، اقول ولكنني احب الحزن النبيل احبه جدا. هذا يثير في ان اقول: بودي لو اهداني زيدان تحياته (اشكر محمد رشيد لتحياته طبعا) ولكن تحيات زيدان لماذا هي ربما؟ الا تراه؟ ان زيدان لواحد من افضل خلق الله الماضين والمستقبليين. فعلى درب رسالتك الطويلة هذه اضعت حزني - انني اتماثل للتعادل - لم اقل شيئا عن ليدا، كتبت لها رسالة تافهة؟ هو كذلك لا تأسف كثيرا حول هذا الموضوع. فانا ننتظرك مشوقين - واليوم قبل رسالتك كنا نعد اياما ونتساءل: متى يعود صادق وكما نقول لقد شاقنا صادق وشقناه - كنا نقول. عمْ ظهرا ايها الصديق.. انه اليوم التالي وفي الظهيرة تاريخ 11 الجاري بعد كل ما اسلفناه من قول نعتقد ان ما قلناه هو حق ولا يتلبسنا ايما ارتياب حوله.

ان ظهيرتنا هذه هي حق ايضا وامامنا 25 سنة قادمة وربما تريد في كل واحدة منها 360 ظهيرة ذات خصوصية ولو لم تكن مميزة جميعها. رأيت قحطان صباح اليوم وكان يفكر انه عليه تحديد هدف ما خاص بحياته ونصحته بالدراسة الجامعية. كان عليّ بعد ذلك ان اتركه بحثا عن نجار ليصلح ما فسد من اثاث البيت بسبب الرحيل. واذ اسر اليك انني اضعت تعاطفي بسبب البحث عن النجار فغفلت عن قحطان الحق ان انسانا بالغا راشدا مثلك، لا يقيم كبير وزن لهذه الامور والامور الكثيرة الاخرى المماثلة. ايها الصديق: انني انصح قلبك الطاعن في السن بمزيد من اللااكتراث وفي نفس الوقت بمزيد من الدراسة انصحك وليقبل الحب نفسه خديك. والله الموفق


******


* الرسالة السابعة


"هل نملك خلاصاً روحياً مشتركاً؟ هل نملك ان نعمل معاً شيئاً من جزيرة السعادة؟"

اخي الحبيب

23 ـ 12 عمان

وجدت بطاقتك على مكتبي. كنت عائدا من القاهرة. استمر واثقاً من ان بطاقاتك وكلماتك لها دائما اثر عميق جداً في نفسي.. ومنذ فترة طويلة وانا اخشى انك قد تسيء فهم صمتي وربما مرة اخرى يخطر ببالك شيء مثل (وتعلم انك لم ترحمني قط..) تلك الجملة التي احزنتني وتظل تفعل. اريد ان اقول فقط انني متعب، انني مفترش ومن الصعب عليّ حصر القضايا والمشكلات التي تتعاور قلبي هكذا. ان غيابك بعض من الاسف الثقيل الذي يستقر في روحي، وانني كما تعلم مفرد تماما - اعني روحي.. في القاهرة التقيت بمي طبعاً، بالاطفال الاعزاء طبعاً وبصديقي فؤاد التكرلي وتعرفت الى عدد من الادباء، وعدت منذ اربعة ايام للاسف فقد مرضت آخر يومين وما زلت نهب الانفلونزا.. رسمي هنا. لقد آذى روحي جيدا وبتخطيط. رأيته ثلاث مرات وكنت اريد ان يؤذيني ففعل ثم انقطع عني. اننا ضحيتان بائستان لقوى غامضة رهيبة واشعر الآن انني لا احبه، ولا احب نفسي بشكل كاف ولو كنت انت هنا فانك الوحيد الذي يمكنه ان يقيم لنفسي شيئاً من العزاء الضروري. ارجو ان تشكر عني الاخت نوال لتحياتها وارجو ان تبلغها احترامي، وبالنسبة لك فلا تسىء قط اي صمت آخر قد يبعدني عنك. اذا كنت مرتاحاً فاكتب لي. ان ذلك أمر حسن.

اخي الحبيب

مؤكد ان صمتي لا يغتفر وكذلك صمتك والآخرين.. والمشكلة ايها الاخ ـ ولا بد انك تعرف ـ ان المرء بات يخجل من الشكاة حتى للصديق الذي يعرف ان هناك شكاة ومرة جداً. والمشكلة الاخرى انني وانت ورسمي نعرف اشواقنا المشتركة ونعرف التيه وانا اعتقد انك تعرف سلفا كل ما يمكن ان ازجي من مرارة وتوحد.. الخ ففيم اذن؟ هل نملك خلاصاً روحياً مشتركاً؟ هل نملك ان نعمل معاً شيئاً من جزيرة السعادة؟ هذا فقط هو التساؤل المهم ومطلوب الاجابة عليه ـ لأن العمر بدأ بالاختفاء.. ام ان هذا الكلام يبدو عاجزاً ومضحكاً لرجال جاوزوا الثلاثين او يكادون. الانسجام مع الحياة اليومية، تلك قصة غير معقولة بالنسبة لي، اين هو ذلك الزنبرك الفلتان؟ الله وحده يعلم.. ولكن ما الذي يمكن عمله؟ هل تعلم؟ مزرعة مشتركة، ما رأيك؟؟ بقالية؟؟ فندق؟ صياغة؟ وطبعاً هناك المشروع ذو الجلال المضحك اعني العبور الى مملكة الموت الاخرى - جزيرة سانت باول الاخرى؟ ها؟ اين هو صديقي رسمي واين انت؟ كيف هو محمد هل يعمل معنا في المزرعة او الفندق او الخ... طبعاً هناك اخبار عتبة ورواية صغيرة كتبتها واخرى اكتبها وانقطعت عنه، وعيني المريضة اشرت لمحمد عنها، اكتب لك الآن مغمضاً العين اليمنى، انها مسائل عجيبة لا علاقة له بالموضوع - الذي هو المزرعة او الفندق او الخ.. شجعني بالكتابة مزيداً، واكمل نقص هذه الرسالة مما تعرفه في قلبك عني وفي ذهنك الحبيب طبعا.

الله يحفظنا جميعاً ويوفقنا


******


* الرسالة الثامنة


صادق الحبيب

اذا استمريت امزق كل ما اكتب اليك فان قطيعة غريبة ستمد ظلها فوق كلينا. هذا ما يملؤني تصوره اشمئزازا. مرتين. رسالتين طويلتين ثم امزق.. ما هو كائن يجب ان يكتب بطريقة ما تعيد حالته في ذهن صديقك الذي سيقرأ كما انه شاهد على ما هو كائن. وصديق ابن عبدالحق شكا من ان «اين دمك يا تيسير» والحق ان تيسير لن يستطيع ان يجعلك تتنفس نكهة دمه ربما.. ربما.. هو لا يدري. "الفو سافوا" ذلك خير ما جاء في رسالتك والله هذا رائع رائع بحيث لا يصدق. شيء من هذا القبيل دائما. واللذيذ ان لا احد يعرف لماذا في قلب سوزان بكاء فهي كما ترى سويسرية نشيطة الملامح وشاعرة وتخرج في الامسيات مع boy friend وتحتسون من البيرا ما قدر الله. ومع ذلك، ذلك كله في قلبها بكاء يا حرام. الحكاية طبعا ليست سوزان، فهي تبقى مجهولة بالنسبة لي اولا واخرا ولكن قلبها هذه القطعة المدللة من اللحم المبلل بالدم فيه بكاء. المهم قلب فيه بكاء وعليه ان يضحك «الفو سافوا».. وفي المآل لتذهب سوزان ان ارادت الى الجحيم لكن تاركة - هذا القلب الصغير الشجي.. يا مغرورا - والحق انني احببت «داريل» اكثر مما استطعت ان احب دزينة من عشيرتي وذوي طيلة عمري، والحق ان في قلبه نشيجا اكثر اخلاصا مما حملت قطعة اللحم المدللة الخاصة بالانسة سوزان.. وشكرا لقصيدة «المدينة» الرائعة بالانجليزية اكثر منها بالعربية او هكذا احسست.

Ah don't you...?
Yes I do, I swear I do

ولكن.. «الفو سافوا» قالت الانسة suzan واما ما كان من السيد والسيدة

ماكبث فانت تعرفه.
What is done is done
What is done is done can not be undone

كل هذا يعني نفس الشيء. يعني ان في الخاطر الما ما لسبب ما او لغير ما سبب ما.. هكذا المهم هو الاسى او الشيء الذي من هذا القبيل وليس شرطا ان يقترن باليأس او السخط فهو قد يمطر مع الصباح المولود حديثا وقد ينغل في عظم البهجة اللاكاملة وقد يداهم في اية لحظة وقد يغيب اسبوعا او شهرا او عاما ولكن يعود وجهه مشفقا وممروضا غير انه رقيق صاف كأنه عصير اله مقطر..

No other please always this

هذه حقيقة الاسى الذي حاولنا دائما الامساك بعرفه لنذبحه في عيد الصغار الممجدة جباههم حاملي امانة التاريخ، ابنائنا. هو عصفور صغير ليس مهما بذاته بل بجنسه مهما ذبحته فهو عائد باذن سلالة خالدة من دمه عائد بنفس الوجه المشفق الرائق الصافي الحنون والملوح.. لا تظن ان الحكاية بعمومها انني مسحوب خلف داريل في كل هذا.. لا... هذا دم يا عزيزي دعني فقط اسألك: هل انت آسف لهذه الحكاية؟ بالنسبة لي: انا فقط احيانا اسف من اجلها.. اما عموما فاتقبل بنوع من الرضى كل ما كان وسيستمر.. بحيث تصبح «الفو سافوا» بحاجة الى تعديل ما... لانه: صحيح ان في قلبك بكاء.. ولكنه بكاء بائت منذ امس امس، فهو ليس تماما كالبكاء، وانما شيء من هذا القبيل.. تصبح الاغنية "تعلم ان تضحك وفي قلبك
شيء كأنه البكاء..".



اليك احدث قصائدي..

"من؟"

كان المساء
نهنهة طرية تنسل في مجاهل السماء
وواحدا مثلت فوقه ضجعة الخليج
للحظة منسية بغير ما يقين
تراشقت في خاطري اصداء
كأنما نشيج
انا الحزين ام هي الاشياء؟
خطوة خطوتان
اسفت ان وطئت فوقه مهجة السكينة
اعود والزمان للوراء
من قبل الف دورة وقفت والمساء
نهنهة طرية تنسل في مجاهل السماء
عيناي اين كانتا؟
تناءتا
تناءتا
كنقطتين في الظلام غاصتا
لكنما الفضاء
ينصب - كي يكون - عبر مقلتين
قد كانتا
ما عادتا
ومن بعيد ارجع الظلام نقطتين
ما كانتا
من الذي يرى
ترى انا
ام تلكم الاشياء

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى