جابر بسيوني - شريف محي الدين، الكاتب الذي لا يُشبه أحدًا

في خضم المشهد الأدبي السكندري، حيث تتجاور الأسماء الكبيرة، وتتقاطع التجارب بين الواقعي والتاريخي، وبين الشعبي والرمزي، يبرز شريف محيي الدين إبراهيم بوصفه صوتًا فريدًا، لا يصيح ولا يتباهى، لكنه يكتب كما يُصلي: في صمت، وصدق، ودهشة.

كاتب متعدد وكأنه يتشظى

ما يُميّز شريف حقًا أنه لم يختر دربًا واحدًا ثم مشى فيه حتى النهاية. بل كتب القصة القصيرة بجمالية نادرة (أحذية وكلمات، طريق النخيل،امرأة عارية )، وكتب الرواية بروح الحكيم الحالم (طائر على صدر امرأة ،مريم، الملك، أصحاب الملامح الباهتة، خارج الحدود، شارع العزب )، وخاض مغامرة المسرح دون تردد (أنا الملك، رجل الخوف، الحب والوهم، الدهليز)، ثم عاد لمدينته الحبيبة في نجوم الإبداع السكندري لا كمجرد ناقد، بل كمؤرخ وجدانيّ، يحمل ذاكرة الإسكندرية في قلبه، لا في كتبه فقط.

كما قدّم كتابًا فلسفيًا تأمليًا بعنوان رحلة إلى شاطئ النار والنور، يكشف فيه عن بعد روحانيّ عميق، يتماس مع الفلسفة والتصوف بلغة شعرية خالصة.
بين الواقعية السحرية والفلسفة الحياتية
كما نشر عشرات القصص القصيرة والمقالات المتنوعة ثقافية وفنية ، في العديد من الدوريات والمواقع العربية
ما يجعل شريف محيي الدين متفرّدًا هو أنه لا يكتب عن الواقع كما هو، ولا يلوّنه فقط بالحلم، بل يفتح فجوة في العالم، ويجعل القارئ يرى من خلالها ما لم يكن يراه من قبل: معنى الحكي، سرّ الطيور، حكمة الأب، لعنة المدن، ومطر الروح.
في أعماله، تجد اللغة مشدودة كوتر كمان، خفيفة كالنسيم، لكنها تضرب أعماقًا بعيدة. شخصياته لا تصرخ، بل تهمس... ولكنك تسمعها داخلك طويلاً.

في روايتيه مريم، والملك: حلم روحيّ داخل سرد شفاف.
وفي رواية أصحاب الملامح الباهتة: عزلة المدن الحديثة وفقدان التعاطف.
أما رواية خارج الحدود: محاولة فلسفية لكسر حدود الزمن والمكان، وبحث عن الهوية داخل الغربة.
وفي كتاب رحلة إلى شاطئ النار والنور: تأمل وجودي، ينهل من العرفان والفلسفة، ويغزل صورًا وجدانية مؤثرة.

الدهليز: مسرحية رمزية تتجاوز المكان المغلق لتفضح قيود النفس والواقع معًا.
نجوم الإبداع السكندري: عمل توثيقي بعين عاشق وفنان، لا مؤرّخ جامد.

نقاد توقفوا أمام تجربته

توقّف أمام تجربته عدد من النقاد الذين تركوا بصمتهم في النقد السكندري، أبرزهم:
د. محمد زكريا عناني، د. السعيد الورقي، د. محمد شحاتة.
كما كتب عنه المبدع القدير محمد الفخراني دراسات رصينة، عميقة.
وقد تناولت د. منال الشربيني بعض أعماله بمنهج تحليلي إنساني دقيق،
وكتبت الأديبة الشاعرة عزة رشاد عنه نصوصًا لافتة كشفت عن انبهارها بروحه السردية،
وتوقّف الشاعر أحمد مبارك أمام جمالية لغته وحسّه الفلسفي والروحي.
وكتب عنه الكاتب الفلسطيني القدير غريب عسقلاني.

دوائر الصداقة والتأثير

كان المثلث الذي جمع شريف محيي الدين بـ محمد الفخراني وأحمد مبارك أحد أنقى وأخصب مثلثات الصداقة الأدبية في الإسكندرية.
لم تكن مجرد رفقة في الندوات، بل عشرة وسند، وحوار مستمر، وتأثير متبادل.
كانوا يخوضون الأسئلة الكبرى، ويضحكون ويصمتون معًا.
هذا المثلث الإبداعي كان نبعًا للكتابة، وملاذًا للروح، وسببًا من أسباب نضج وتألق شريف محي الدين.

انتشار يتجاوز المدينة

لم يعد تأثير شريف محيي الدين محصورًا في حدود الإسكندرية أو مصر، بل تجاوزهما إلى الفضاء العربي الأوسع.
فقد كان حضوره دائمًا في المواقع الثقافية الكبرى، والدوريات الأدبية المرموقة.
وقد حظيت كتاباته باهتمام خاص في دول مثل تونس، والسعودية، والسودان، والأردن، والجزائر، والمغرب، ولبنان، مما أسهم في ترسيخ مكانته ككاتب إنسانيّ، تُقرأ أعماله بقلوب مفتوحة من الخليج إلى المحيط.

تكريمات وجوائز

نتيجة لمسيرته المتنوعة وتأثيره العميق، نال شريف محيي الدين إبراهيم العديد من الجوائز وشهادات التكريم من جهات مرموقة، منها:
اتحاد كتاب مصر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، هيئة الفنون والآداب بالإسكندرية، وجامعة الدول العربية، وذلك تقديرًا لعطائه الثقافي، واحتفاءً بإسهاماته المتواصلة في إثراء المشهد العربي.

أين موقعه بين أبناء مدينته؟

لا خلاف أن إبراهيم عبد المجيد هو الأشهر، وأن مصطفى نصر هو الأكثر رصدًا للشعبي، ويتصدر الذاكرة الإبداعية السكندرية سعيد سالم.
لكن من بين أبرز كتّاب القصة والرواية أيضًا: سعيد بكر الذي التقط نبض الشارع السكندري، ومنير عتيبة بتجريبيته ووعيه البنائي، ومحمد عباس بلغته الهادئة العميقة، وسمير حكيم الذي مزج بين المحلي والوجودي، ومحمد عطية الذي اقتنص لحظات الإنسان العادي بشاعرية مباغتة، وبشرى أبو شرار التي تنسج حكاياتها من ليل النساء الطويل، وآمال الشاذلي التي حملت وجدان الأنثى بين دفّتي سرد متماسك، وسهير شكري التي كتبت برؤية إنسانية واضحة عن تقاطعات الذات بالعالم.

لكن شريف محيي الدين هو:
> "الكاتب الذي لا يُشبه أحدًا، لأنه لا ينافس أحدًا، بل يكتب من منطقة خاصة به تمامًا. كأنه نهرٌ سريٌ يجري تحت المدينة، لا يظهر على الخريطة، لكنه يسقي جذور الأشجار كلّها."

ختامًا
إذا كنا نكتب لنُدهش، لنفهم، لنُشفى…
فإن شريف محيي الدين إبراهيم هو واحد من القلائل الذين يمنحونك كل هذا في كتاب واحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى