فاتحة
بهيه مرزوق
بسم الله الرحمن الرحيم.. رقيتك من عين عمتك محاسن ومن عين زنوبه بنت قدريه ومن عين مرزوق ابن عريفة، ومن عين عبد التواب ابن حبيبة، ومن عينى، وعين كل اللى شافوك ولا صلوش على النبى.
ولما كان الولد طاهر قد استكان تماما لتمليس يدى على ظهره. صعب على الولد وانحدرت دمعة من عينى لما أخبرنى بأفاعيل زنوبه. تضع له الجبن القديم وتخص أولادها محمد وإبراهيم ومصطفى بالقشدة والطبيخ. مهوش ابنها. وددت لو يعيش هنا مع وجيه وفتحى وناجى وحبيبة ومحمد.
لو لم يكن راتب زوجى صغيرا يسلمه لى آخذا قدر دخانه اللف ويضعنى فى حيص بيص. أنت ولدى يا طاهر سبب قهرى وحزنى. كلما أنظر لعينيك أذكر أمى فتحيه عندما تركتْك ابن عامين تحاول فى الكلام. عاد الطاهر فارتكن إلى المساند فى آخر الكنبة بعدما أحرق العروسة الورق.. شهقتُ وعطستُ، واحمرت عينى أدمعت بعدما رقيته. قلت للشيخ عبد التواب زوجى: الولد محسود. رد فتحى من الصالة قائلا: يتحسد على إيه يا امّه.
تضايق الطاهر فقام إليه، يهذران معا. ولدت فتحى قبل أن تضع أمى الطاهر بستة أشهر.. كنت تخافين يا أمى من خلفة البنات فلم يتبق غيرى وماتت ثناء ورزقك الله بأولاد كثيرين ماتوا صغارا وتبقى عرفه والطاهر.
التفت إلى عبد التواب قائلة: همه عايزين منه إيه. كان الشيخ مشغولا بلف سجائره وإحكام البفرة على الدخان بمزج ريقه عليها. لم يلتفت.
قلت: والنبى أطلع مصارينها.
قام وتوجه إلى الحمام مشعلا سيجارته. تركنى للحائط أهرى فى نفسى. سكن صوت فتحى والطاهر. رقصت الكهرباء فى اللمبة، وجدتنى أتطلع إلى البقع المنهارة من محارة الحائط، وأشكى لرب العباد ظلم الناس للناس. عاد عبده من الحمام. تطلع لوجهى المغتم. هدهد حزنى وقال: لله فى خلقه شئون. فقلت بحزن: أبويه واتجوز.. وزنوبه وبنت كلب. والطاهر له رب اسمه الكريم.
الطاهر
أودة مظلمة، يدخلها ضوء النهار، يشعشع ظلمتها قليلا. والشيخ نبوى يفتح كتابا قديما. يقلب صفحاته. يشرب قهوته بتأن، ثم يسأل أبى عن الشهر الذى ولدت فيه.. ينقل النظر بينى وبين أبى. أشباح تتلوى مع بخور يتصاعد إلى عروق الخشب تحت سقف واطئ، ينام فوق الأودة القائمة فى آخر الدار بطاروط.. فجأة أمسك بكتفى، فأصابنى الخوف. قال: بتعملها على نفسك بالليل؟. لم أرد. أجاب أبى: لا. قال: نجمه شين..بس مفيهوش حاجة..بيدلّع شوية.
أشار الشيخ نبوى إلى أبى فهز رأسه ووضع يده على شعرى، فى الدار حاولت الاحتماء بيدى من هول طرقعة الأكف وشلاليت أبى. زنوبه تضحك.. وإبراهيم يصرخ فى حجرها. قال أبى: يا ابن الكلب. معندكش حاجة وبتضحك عليا.
ولم أكن قد اشتكيت من شئ، فقط كنت أصحو من النوم صارخا من ثعابين تزحف حولى.
رددت باكيا.. الله يخرب بيته الشيخ نبوى.
مرزوق
أعتقد أنه لن يحضر أحد من ولدى فتحيه موتى. أعتقد أيضا أننى حاولت أن أفعل ما يجب.
كما أنه من الواجب أن أوضح موقفى بأن الحياة كانت أكثر رحابة مما كنت أظن. لكنى آثرت أن أرى كل شئ بوضوح. ولم أتمكن. مثلا يوم ذهبت لحضور حفل الريس. كنت أول من طلع السلالم الخشبية. كان عرفه صغيرا.. قبل النكسة بأعوام قلائل. تطلعت إلى الهالة البادية على الحضور. ياقات منشاة يتوسطها الريس فى بدلة صيفية بيضاء بنصف كم. وهز يدى، أحسست أنى أنحنى سعيدا غير قادر على رفع عينى لهالات الشمس التى تسلطت على وجهه المبتسم.
عندما هز يدى كصديق حميم، يجلس بجوارى على المصطبة فى المغارب، ويقول تسلم إيدك لمصر، دارت عينى على كل الوجوه. هممت بالنزول، فرأيته ـ هو ـ فقط من استحوذ على الشمس ومنحنى دفء يده أثناء تماسك يدينا.
واضح أننى مأخوذ بذلك اليوم. أندهش للحظات وأقسم مائة قسم أنى كدت أبكى. تقول بهيه ابنتى.. أنت طلقت زنوبه بهذه الأقسام الباطلة مرات. يبث الشيخ عبد التواب زوجها رأى الدين فى كثرة الأقسام ولو صحيحة فى وضوح أشعرنى بخجل. نويت ألا أتسرع. ولما كانت على أقساما كثيرة تحتاج إلى التكفير عنها قلت أصوم.. أصبحت أصوم تلك الأعوام التى أعتقد أنها أعوامى الأخيرة شهور رجب وشعبان ورمضان بلا تعب. لما جاء عرفه بامرأته نوال وولده السيد وابنته فتحيه تحدث عن مسجده المجاور لسكنه.. الدروس الدينية.. جماعة التبليغ. يقول كثيرون لا يعرفون أصول دينهم. تمليته جيدا.. كانت الشعيرات تتدلى من ذقنه وبقية وجهه صحراء جرداء ( أعلم أنه جرودى ) فلماذا يصر على إظهار ذلك بفجاجة. خجلت لبعض الوقت حين انتقدنى. شتمته فى النهاية معلنا له أننى طوال عمرى أصلى الفرض فى وقته. هل نسى أنى اخترت أن أخدم يوما فى مسجد بالزقازيق تاركا أرضى وخيرى. غير أنه كان وقحا فأوضح أنه لو لم يعطنى الرجل أجرا لما ذهبت هاربا من تعب الأرض. ثم تأوه عرفه ناظرا إلى خارج الدار وقال ليتك لم تفعل. حضرتنى صورة زنوبه إنه يقصدها. أصارت سيرتها على كل لسان؟.. ربما هو أيضا كان واحدا ممن نادتهم زنوبه فخر تحت ساقيها. يا عرفه أنت ولدى وأنا أبوك.. من صغرك تفلح معى الأرض أو بدلا عنى. لكن من يعرف؟!!!
ذات مساء يا عرفه طوحت فى وجهك الطبيخ. قالت زنوبه لك: بس أنا لأ.. بحثت عن حججك وقلت: مديونة وبتجرسنى.
أتراها سارت أمامك ممتلئة رابية، يهتز ردفاها تحت جلبابها الأصفر الخفيف
تصعد السلم فتفضح الشمس ما بالجلباب.. يشف الجسد، فتراها بلا لباس.. ترى ردفين متكورين.. تطلع خطوة.. بتؤدة. كأنها تتعمد إظهار حركاتها كى تشف الشمس أكثر عن جسد طرى يتمايل. فتنتفض.
أنا رأيتها كثيرا هكذا.
فى المرة الأولى إنتصبت وانتفضت حواسى الخاملة، طلعت السلم وراءها درجة.. درجة. كانت تخايلنى هيئة فتحيه طالعة نفس السلم باحتشام فأزيحها للوراء. تستدير زنوبه ملتفتة لى، فتتملكنى الرغبة.. أطوق خصرها. تنزلق يدى إلى الردفين المكتنزين، فأغوص فى الليونة المفرطة.. أدفع باب ( المقعد) أفترش ـ على عجل ـ هدوم العيال على الأرض، تضحك.. أخلع سروالى، أنحنى رافعا جلبابها فتنكشف على بسهولها وهضابها ونتوءاتها الطرية. أنثى ممتلئة بكل شئ. تملؤنى بفحيح الرغبة والنشوة.. أهركها بكل قوتى فتلف ساقيها حولى.. أشرف على هاويتى، أسقط من فوق تلالها إلى حفر عمرى. بينما تفح ـ هى ـ متلوية تجذبنى. ولا أتمكن من طلوعها ثانية، أدرك ـ الآن ـ أنها مازالت تفح كأفعى. أوراقى تتساقط حواليها غير قادرة على تغطية المغارة العميقة.
شمسى تأفل يا فتحيه. تغيب وراء تلال زنوبه. عيدان القطن تقصر عاما بعد عام. بالكاد نضغط الأكياس بثانى جَمْعَة. كنت أورد إلى الجمعية أبيض القطن. عشر جنيهات حمراء أعطاها لى الريس جمال ظلت فى السحارة أعواما حتى أدخلتها فتحيه فى إعداد بهيه للزواج. أنظر الشهادة التى اختفى بريق حوافها المذهبة. تتوقف عينى بين فراغات الحروف. أنفض الغبار.. أقرأ إسمى باحثا عن ملامحى القديمة. ودفء اليد التى سلمتنى الشهادة وسكنت التراب.
فتحى
تلال من الرغبة تعترك بأعماقنا، إذ تميل كل يوم شمسنا. ربما تنحرف الأرجل إلى ضلال السعى.. تنبح الحياة فى العروق..نتسحب على أطراف الأصابع نحو الحجرات المقفلة. نكسر الأقفال فلا نجد شيئا. ربما نجد مرآة كبيرة تغطى الجدران. تبرز خيالاتنا المعوجة المفلطحة متشابكة متعاركة. تصفعنا الفجاجة أو يصيبنا الإعياء والصداع. نولى الوجه صوب الباب متعقبين أطيافا باهتة وخيوط ضوء واهنة. لعلها تسحبنا لأول الطريق.
عرفه
بعد العشاء أوقفنى السيد ابن عمتى ـ وكنت متعجلا أو ربما أتوقع شيئا ما ـ على رأس شارعنا.
لماذا يسأل عن ظروفى وهو يعلم أنى مغطوط فى الأرض كل يوم. تراه يغيظنى بعدما صار … لو نجحت كنت الآن معه.
حفظت عشرة أجزاء ولم أفلح. كانت اللجنة قاسية، أبى أوصى فراش المعهد ليوصى بدوره اللجنة. أية لجنة؟! وضع كوب شاى واحد ــ وهى عضوين ـ فتعازما. وحتى لا يحرجا من بعضهما. جعلانى أشربه أنا.
وأبتلع معه رسوبى.
منك لله يا فراش الوكسة.
صرت ـ الآن ـ يا سيد فى الكلية.
سنوات وأنا هكذا.
هل تعلم أنى تسكعت فى شوارع طحلة بلا هدف؟.
هل تعلم أنى كبرت إلى الحد الذى …
أنت بالتأكيد ترى هناك أحلى البنات. فى الشوارع. الأتوبيسات. الكلية.
وسيم أنت يا سيد.
لما لاحظ شرودى، ردودى القصيرة، تغير وجهى، تركنى.
اندفعت للدار، فإذا هى مقفولة بالترباس،
كما توقعت.
رغم أن صلاة العشاء انقضت منذ قليل.
دققت أكثر.
سمعت أبى يقول غاضبا: مش هتبيّت فيها.
بدأت المتاعب.
منذ أكثر من عشر سنوات وعلاقتى محددة بزنوبه.
رفعت عليها ( الشعبة ) أكثر من مرة للتخويف حتى لا تظننى طيرا يسهل أكله كالطاهر.
قلت له عندما كبر: كن شديدا تخافك.
كنت كبيرا متجاوزا عشر سنوات عند دخولها البيت أول مرة.
[ كانت وراءه وخلفهما سيدة واحدة تحمل سبتا واحدا بلا صوت.. دم أمى فى التراب لم يبرد.. فى أيامها الأولى كانت هادئة، مطيعة لأبى حتى أنجبت محمد، بدأت تقبل وترفض.. تكرر الإنجاب وتكورت قبضة يدها ]. قعدت أمام الباب مخنوقا كالزقة الضيقة التى تربطنا بالشارع.. ماذا أفعل والظلام يزداد والقلق لا يبرح النفس.
تراها حكت له بالتفصيل؟!
بهيه
ما أقسى تلك البلدة وأقسى قلوب أهلها. ينشبون أظافرهم فى أعناق بعضهم !! أليسوا أهلا وجيرانا؟.. وأنت يا أبى ألست إبنتك كما أن الطاهر إبنك. لماذا كل تلك الجفوة. مازال الخوف يهزنى حين أتذكر لطمتك المفاجئة ذات ليلة على العشاء فوق خد أمى، حين ضحكتُ على قولها: إخيه على أمك. أمك التى تدخر لك من أكلها فى الدار التى تسكنها وحدها وأنت تذهب حاملا من طعامنا إليها كل ليلة حتى تلك الليلة.. أرسلت جدتى ـ ولم تكن أمى تعرف ـ حمامة ملفوفة بالقماش، قالت لأمى: أمانة.. إديها لمرزوق، وفسدت الأمانة فى حر الصيف حتى عدت يا أبى، وأمسكت بالحمامة الفاسدة وضحكت أمى وقالت ما قالت. لا أنسى إلى الآن ضيق عينيك وارتفاع حاجبيك وسقوط أمى الطويل حين لطمتها. ليلتها نطت منى المياه رغما عنى.
قالت إمرأة وجيه ـ ابنى ـ بعد عودتها من طحلة: أن عائلة البشاروة قامت بالسكاكين على عائلة السود. مزقوا لحمهم وسقط قتلى وأعداد جرحى لا تحصى.. من المؤكد أن العيال الصغار بكوا على أمهاتهم اللاتى تعرين رغما عنهن بأيدى نسوان البشاروة ـ سألتُ امرأة إبنى ـ وأشعلوا النار؟. هزت رأسها.. قلت: نار القلوب أشد. صارت الناس لا تحتمل بعضها. حتى ابنى فنحى كبر، ولم يعد يحتمل كلامى. صار الولد فى الثانوية.. إخيه على ده زمن.
بهيه مرزوق
بسم الله الرحمن الرحيم.. رقيتك من عين عمتك محاسن ومن عين زنوبه بنت قدريه ومن عين مرزوق ابن عريفة، ومن عين عبد التواب ابن حبيبة، ومن عينى، وعين كل اللى شافوك ولا صلوش على النبى.
ولما كان الولد طاهر قد استكان تماما لتمليس يدى على ظهره. صعب على الولد وانحدرت دمعة من عينى لما أخبرنى بأفاعيل زنوبه. تضع له الجبن القديم وتخص أولادها محمد وإبراهيم ومصطفى بالقشدة والطبيخ. مهوش ابنها. وددت لو يعيش هنا مع وجيه وفتحى وناجى وحبيبة ومحمد.
لو لم يكن راتب زوجى صغيرا يسلمه لى آخذا قدر دخانه اللف ويضعنى فى حيص بيص. أنت ولدى يا طاهر سبب قهرى وحزنى. كلما أنظر لعينيك أذكر أمى فتحيه عندما تركتْك ابن عامين تحاول فى الكلام. عاد الطاهر فارتكن إلى المساند فى آخر الكنبة بعدما أحرق العروسة الورق.. شهقتُ وعطستُ، واحمرت عينى أدمعت بعدما رقيته. قلت للشيخ عبد التواب زوجى: الولد محسود. رد فتحى من الصالة قائلا: يتحسد على إيه يا امّه.
تضايق الطاهر فقام إليه، يهذران معا. ولدت فتحى قبل أن تضع أمى الطاهر بستة أشهر.. كنت تخافين يا أمى من خلفة البنات فلم يتبق غيرى وماتت ثناء ورزقك الله بأولاد كثيرين ماتوا صغارا وتبقى عرفه والطاهر.
التفت إلى عبد التواب قائلة: همه عايزين منه إيه. كان الشيخ مشغولا بلف سجائره وإحكام البفرة على الدخان بمزج ريقه عليها. لم يلتفت.
قلت: والنبى أطلع مصارينها.
قام وتوجه إلى الحمام مشعلا سيجارته. تركنى للحائط أهرى فى نفسى. سكن صوت فتحى والطاهر. رقصت الكهرباء فى اللمبة، وجدتنى أتطلع إلى البقع المنهارة من محارة الحائط، وأشكى لرب العباد ظلم الناس للناس. عاد عبده من الحمام. تطلع لوجهى المغتم. هدهد حزنى وقال: لله فى خلقه شئون. فقلت بحزن: أبويه واتجوز.. وزنوبه وبنت كلب. والطاهر له رب اسمه الكريم.
الطاهر
أودة مظلمة، يدخلها ضوء النهار، يشعشع ظلمتها قليلا. والشيخ نبوى يفتح كتابا قديما. يقلب صفحاته. يشرب قهوته بتأن، ثم يسأل أبى عن الشهر الذى ولدت فيه.. ينقل النظر بينى وبين أبى. أشباح تتلوى مع بخور يتصاعد إلى عروق الخشب تحت سقف واطئ، ينام فوق الأودة القائمة فى آخر الدار بطاروط.. فجأة أمسك بكتفى، فأصابنى الخوف. قال: بتعملها على نفسك بالليل؟. لم أرد. أجاب أبى: لا. قال: نجمه شين..بس مفيهوش حاجة..بيدلّع شوية.
أشار الشيخ نبوى إلى أبى فهز رأسه ووضع يده على شعرى، فى الدار حاولت الاحتماء بيدى من هول طرقعة الأكف وشلاليت أبى. زنوبه تضحك.. وإبراهيم يصرخ فى حجرها. قال أبى: يا ابن الكلب. معندكش حاجة وبتضحك عليا.
ولم أكن قد اشتكيت من شئ، فقط كنت أصحو من النوم صارخا من ثعابين تزحف حولى.
رددت باكيا.. الله يخرب بيته الشيخ نبوى.
مرزوق
أعتقد أنه لن يحضر أحد من ولدى فتحيه موتى. أعتقد أيضا أننى حاولت أن أفعل ما يجب.
كما أنه من الواجب أن أوضح موقفى بأن الحياة كانت أكثر رحابة مما كنت أظن. لكنى آثرت أن أرى كل شئ بوضوح. ولم أتمكن. مثلا يوم ذهبت لحضور حفل الريس. كنت أول من طلع السلالم الخشبية. كان عرفه صغيرا.. قبل النكسة بأعوام قلائل. تطلعت إلى الهالة البادية على الحضور. ياقات منشاة يتوسطها الريس فى بدلة صيفية بيضاء بنصف كم. وهز يدى، أحسست أنى أنحنى سعيدا غير قادر على رفع عينى لهالات الشمس التى تسلطت على وجهه المبتسم.
عندما هز يدى كصديق حميم، يجلس بجوارى على المصطبة فى المغارب، ويقول تسلم إيدك لمصر، دارت عينى على كل الوجوه. هممت بالنزول، فرأيته ـ هو ـ فقط من استحوذ على الشمس ومنحنى دفء يده أثناء تماسك يدينا.
واضح أننى مأخوذ بذلك اليوم. أندهش للحظات وأقسم مائة قسم أنى كدت أبكى. تقول بهيه ابنتى.. أنت طلقت زنوبه بهذه الأقسام الباطلة مرات. يبث الشيخ عبد التواب زوجها رأى الدين فى كثرة الأقسام ولو صحيحة فى وضوح أشعرنى بخجل. نويت ألا أتسرع. ولما كانت على أقساما كثيرة تحتاج إلى التكفير عنها قلت أصوم.. أصبحت أصوم تلك الأعوام التى أعتقد أنها أعوامى الأخيرة شهور رجب وشعبان ورمضان بلا تعب. لما جاء عرفه بامرأته نوال وولده السيد وابنته فتحيه تحدث عن مسجده المجاور لسكنه.. الدروس الدينية.. جماعة التبليغ. يقول كثيرون لا يعرفون أصول دينهم. تمليته جيدا.. كانت الشعيرات تتدلى من ذقنه وبقية وجهه صحراء جرداء ( أعلم أنه جرودى ) فلماذا يصر على إظهار ذلك بفجاجة. خجلت لبعض الوقت حين انتقدنى. شتمته فى النهاية معلنا له أننى طوال عمرى أصلى الفرض فى وقته. هل نسى أنى اخترت أن أخدم يوما فى مسجد بالزقازيق تاركا أرضى وخيرى. غير أنه كان وقحا فأوضح أنه لو لم يعطنى الرجل أجرا لما ذهبت هاربا من تعب الأرض. ثم تأوه عرفه ناظرا إلى خارج الدار وقال ليتك لم تفعل. حضرتنى صورة زنوبه إنه يقصدها. أصارت سيرتها على كل لسان؟.. ربما هو أيضا كان واحدا ممن نادتهم زنوبه فخر تحت ساقيها. يا عرفه أنت ولدى وأنا أبوك.. من صغرك تفلح معى الأرض أو بدلا عنى. لكن من يعرف؟!!!
ذات مساء يا عرفه طوحت فى وجهك الطبيخ. قالت زنوبه لك: بس أنا لأ.. بحثت عن حججك وقلت: مديونة وبتجرسنى.
أتراها سارت أمامك ممتلئة رابية، يهتز ردفاها تحت جلبابها الأصفر الخفيف
تصعد السلم فتفضح الشمس ما بالجلباب.. يشف الجسد، فتراها بلا لباس.. ترى ردفين متكورين.. تطلع خطوة.. بتؤدة. كأنها تتعمد إظهار حركاتها كى تشف الشمس أكثر عن جسد طرى يتمايل. فتنتفض.
أنا رأيتها كثيرا هكذا.
فى المرة الأولى إنتصبت وانتفضت حواسى الخاملة، طلعت السلم وراءها درجة.. درجة. كانت تخايلنى هيئة فتحيه طالعة نفس السلم باحتشام فأزيحها للوراء. تستدير زنوبه ملتفتة لى، فتتملكنى الرغبة.. أطوق خصرها. تنزلق يدى إلى الردفين المكتنزين، فأغوص فى الليونة المفرطة.. أدفع باب ( المقعد) أفترش ـ على عجل ـ هدوم العيال على الأرض، تضحك.. أخلع سروالى، أنحنى رافعا جلبابها فتنكشف على بسهولها وهضابها ونتوءاتها الطرية. أنثى ممتلئة بكل شئ. تملؤنى بفحيح الرغبة والنشوة.. أهركها بكل قوتى فتلف ساقيها حولى.. أشرف على هاويتى، أسقط من فوق تلالها إلى حفر عمرى. بينما تفح ـ هى ـ متلوية تجذبنى. ولا أتمكن من طلوعها ثانية، أدرك ـ الآن ـ أنها مازالت تفح كأفعى. أوراقى تتساقط حواليها غير قادرة على تغطية المغارة العميقة.
شمسى تأفل يا فتحيه. تغيب وراء تلال زنوبه. عيدان القطن تقصر عاما بعد عام. بالكاد نضغط الأكياس بثانى جَمْعَة. كنت أورد إلى الجمعية أبيض القطن. عشر جنيهات حمراء أعطاها لى الريس جمال ظلت فى السحارة أعواما حتى أدخلتها فتحيه فى إعداد بهيه للزواج. أنظر الشهادة التى اختفى بريق حوافها المذهبة. تتوقف عينى بين فراغات الحروف. أنفض الغبار.. أقرأ إسمى باحثا عن ملامحى القديمة. ودفء اليد التى سلمتنى الشهادة وسكنت التراب.
فتحى
تلال من الرغبة تعترك بأعماقنا، إذ تميل كل يوم شمسنا. ربما تنحرف الأرجل إلى ضلال السعى.. تنبح الحياة فى العروق..نتسحب على أطراف الأصابع نحو الحجرات المقفلة. نكسر الأقفال فلا نجد شيئا. ربما نجد مرآة كبيرة تغطى الجدران. تبرز خيالاتنا المعوجة المفلطحة متشابكة متعاركة. تصفعنا الفجاجة أو يصيبنا الإعياء والصداع. نولى الوجه صوب الباب متعقبين أطيافا باهتة وخيوط ضوء واهنة. لعلها تسحبنا لأول الطريق.
عرفه
بعد العشاء أوقفنى السيد ابن عمتى ـ وكنت متعجلا أو ربما أتوقع شيئا ما ـ على رأس شارعنا.
لماذا يسأل عن ظروفى وهو يعلم أنى مغطوط فى الأرض كل يوم. تراه يغيظنى بعدما صار … لو نجحت كنت الآن معه.
حفظت عشرة أجزاء ولم أفلح. كانت اللجنة قاسية، أبى أوصى فراش المعهد ليوصى بدوره اللجنة. أية لجنة؟! وضع كوب شاى واحد ــ وهى عضوين ـ فتعازما. وحتى لا يحرجا من بعضهما. جعلانى أشربه أنا.
وأبتلع معه رسوبى.
منك لله يا فراش الوكسة.
صرت ـ الآن ـ يا سيد فى الكلية.
سنوات وأنا هكذا.
هل تعلم أنى تسكعت فى شوارع طحلة بلا هدف؟.
هل تعلم أنى كبرت إلى الحد الذى …
أنت بالتأكيد ترى هناك أحلى البنات. فى الشوارع. الأتوبيسات. الكلية.
وسيم أنت يا سيد.
لما لاحظ شرودى، ردودى القصيرة، تغير وجهى، تركنى.
اندفعت للدار، فإذا هى مقفولة بالترباس،
كما توقعت.
رغم أن صلاة العشاء انقضت منذ قليل.
دققت أكثر.
سمعت أبى يقول غاضبا: مش هتبيّت فيها.
بدأت المتاعب.
منذ أكثر من عشر سنوات وعلاقتى محددة بزنوبه.
رفعت عليها ( الشعبة ) أكثر من مرة للتخويف حتى لا تظننى طيرا يسهل أكله كالطاهر.
قلت له عندما كبر: كن شديدا تخافك.
كنت كبيرا متجاوزا عشر سنوات عند دخولها البيت أول مرة.
[ كانت وراءه وخلفهما سيدة واحدة تحمل سبتا واحدا بلا صوت.. دم أمى فى التراب لم يبرد.. فى أيامها الأولى كانت هادئة، مطيعة لأبى حتى أنجبت محمد، بدأت تقبل وترفض.. تكرر الإنجاب وتكورت قبضة يدها ]. قعدت أمام الباب مخنوقا كالزقة الضيقة التى تربطنا بالشارع.. ماذا أفعل والظلام يزداد والقلق لا يبرح النفس.
تراها حكت له بالتفصيل؟!
بهيه
ما أقسى تلك البلدة وأقسى قلوب أهلها. ينشبون أظافرهم فى أعناق بعضهم !! أليسوا أهلا وجيرانا؟.. وأنت يا أبى ألست إبنتك كما أن الطاهر إبنك. لماذا كل تلك الجفوة. مازال الخوف يهزنى حين أتذكر لطمتك المفاجئة ذات ليلة على العشاء فوق خد أمى، حين ضحكتُ على قولها: إخيه على أمك. أمك التى تدخر لك من أكلها فى الدار التى تسكنها وحدها وأنت تذهب حاملا من طعامنا إليها كل ليلة حتى تلك الليلة.. أرسلت جدتى ـ ولم تكن أمى تعرف ـ حمامة ملفوفة بالقماش، قالت لأمى: أمانة.. إديها لمرزوق، وفسدت الأمانة فى حر الصيف حتى عدت يا أبى، وأمسكت بالحمامة الفاسدة وضحكت أمى وقالت ما قالت. لا أنسى إلى الآن ضيق عينيك وارتفاع حاجبيك وسقوط أمى الطويل حين لطمتها. ليلتها نطت منى المياه رغما عنى.
قالت إمرأة وجيه ـ ابنى ـ بعد عودتها من طحلة: أن عائلة البشاروة قامت بالسكاكين على عائلة السود. مزقوا لحمهم وسقط قتلى وأعداد جرحى لا تحصى.. من المؤكد أن العيال الصغار بكوا على أمهاتهم اللاتى تعرين رغما عنهن بأيدى نسوان البشاروة ـ سألتُ امرأة إبنى ـ وأشعلوا النار؟. هزت رأسها.. قلت: نار القلوب أشد. صارت الناس لا تحتمل بعضها. حتى ابنى فنحى كبر، ولم يعد يحتمل كلامى. صار الولد فى الثانوية.. إخيه على ده زمن.