أدب السيرة الذاتية حسَن الرّحيبي - يوميّات طفل يتيم مغترب بثلاث سيدي بنّور أواسط الستّينات .. (1....3)

1- مَدرَستي الأولىٰ :

في هذا المَكان . وفي يوم خميس خَريفي من فاتح أكتوبر سنة 1959 . اقتلعوا العُرف (الݣَرن) من على جانب رأسي الأيمن . استعدَاداً لمغادرة كُتّاب المسجد والإلتحاق بسكويلة المخزن أو النّصَارى . نظراً لحماس أبي للمدرسة العصرية لما أبانت عنه من نجاعة مُقنعة ، عند سماعه لأطفال يتحدثون باللّغة الفرنسية ، ويدرسونَ عند مادام ومسيو پيرنو . Madame et monsieur pernoud . وأيضاً بعد يأسه من تعليم الطّالب الشّلح الذي كان يقضي الوقت كلّه في البحث عن الكنوز . والتقرب إلى الشّيطان بارتكاب أسوأ الممارسات في حق أطفال أبرياء . بحشرهم داخل غرفة مظلمة ومغلقة ، تحتوي على معدّات نقل الأموات نحو مقبرة دوار الصّديݣات على مرتفع " سيد الضّراوي" : من مرفع ومغسل خشبيين جاد بهما فقهاء الصّديݣات العاملين في مرّاكش . مستعيناً بخدمات التلميذ الأكبر ولد حميدة . وهو يردّد " حبّس آولد حميدة " حين يحاول أحدُنا الإنفلات من قبضَة زمهرير والفرار نحو البراري ! أو مناولة أول من يلتحق بالمسجد في غبش ظلام الفجر كأساً من الشاي الشديد السخونة ، أو قطعة من فأر أو ضفدعة عملَ على شيّها فوق جمر ساخن .. كي تكشف لهُ عفاريت مدينة الغربية عن مكان اختباء كنوز يهود مشترايا الخالدة .
كان الجو ممطراً بغزارة في ذلك اليوم الجميل والواعد . إذ كانت الأمطار تسقط مبكّراً في بداية الخريف بوفرة تشجّع الفلاّحين على الشروع في الزراعات المبكّرة من شعير ولفت محفور . بخلاف سنوات السبعينات عندما بدأت بوادر الجفاف تنخر قرانا ، بفعل بداية تكاسل الأمطار ومجيئها متأخرةً سنة بعد سنة ، إلى أن انقطعت بشكل تام في بداية الثمانينات . لنشهد جفافاً غير مسبوق تخلّى خلاله الناس عن أعزّ مواشيهم وخيولهم ، متنكرين لها ، ومتناسين لعشرتها الطويلة ، وصَداقتها المتينة . أصبح أمامه عام رويزة في أواخر أيام محمد الخامس ، مجرّد لعب أطفال ! كما بدأت أوراق كروم التين تتساقط ، وثمار الصبّار الشّوكي تتهاوى فوق رؤوس المارّة معلنةً انقضاء فصل الصّيف ليحلّ محلّه فصل الخريف بزوابعه العاتية ، وهجران طيور البساتين والحقول أوكارها كي تتجه صَوب الشمال ، لتلتحق ببلادها الأصلية في شمال أوروبا المتجمدة بفعل الصّقيع المبكر .
أدخلني أبي داخل جبّته الصّوفية البيضَاء ليقيني من قطرات المطر المتلاحقة . لأتخذ من فتحة أسفل عنقه نافذة أطلّ منها على البرَك التي بدأت تتكوّن . وفقّاعات الماء تتسابق في المجاري الظّرفية لتنفجرَ قبل بلوغها أهدافها أمام حانوت بلهلالي . وعصَافير الجّاوج الأليفة تتطاير أمامنا في ساحة السوق الشاسعة . أو تتخاصَم فوق أشجار الكالبتوس الضّخمة التي سوف تقتلعها سواعد عمال التعاون الوطني أو " البطالة " في عهد القايد العزمي سنة 1970 . في غمار مشروع البّام أو برنامج التنمية العالمي !
بعد مدة قصيرة خرجَ المعلّم الضخم المدعو سي احمد بن عمران بجلاليبه الأنيقة ، ليشرف على اختيار وتسجيل التّلاميذ الذي سيلتحقون هذه السنة 59/60 بقسم التّحضيري الأول . الذي يشكل تمهيداً للتحضيري الثاني حيث تضاف اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية . وهي من ضمن الحيل المخزنية للتحايل على الآباء وتجزيء السنوات الدراسية وتقسيمها إلى فصُول ومستويات لربح الوقت ، نظراً لغياب البنيات والتجهيزات والمدرّسين . اختير أخي الأكبر مني سناً . ولما جاء دوري حملق المعلم في هيأتي الضئيلة . وطولي الأدنى من جميع الأطفال ليخاطب أبي : هذا علاش جبتيه ؟ سير ردّوا للجامع باقي مَاهواش تاع السكويلة !
أصيب أبي بالإحباط . ورغم توسّلاته كان رأي المعلم هو الأقوى وكلامه هو الكبير . دخل أخي صُحبةَ الأطفال ، مثل الطاوس وسي محمد ولد سي علي والجيد لحسن وولد بّيريكة واحمد ولد الشايظمي ... فقفلنا راجعين إلى الدوار لألتحق مرةً أخرى بالجّامع وقد فرغ من الأطفال المسنين ، لأتزعّم أنا من كانوا تحت سطوة الملتحقين بالمدرسة . وعلى رأسهم زنطرو وبلبشير والبيزّق !

***

2- مَدرسَتنا الأولىٰ باثنين الغربية...

في قسم التّحضيري كدّسُونا في قسم جَديد لا زال موجوداً حتى اليوم ، سقفه من الدّيماتيت الجَاهز préfabriqué ..رَاكمُونا بدَاخله نحن 105 تلميذ صَغير ممّن توَفّقوا في التّحَلق حول مدير فاسي ، بسُحنة أوروبية جَميلة ، وَلباس أنيق جدّاً وسيارة كوكسينة ألمَانية رَمادية اللّون grise (Volkeswagen) يُدعىٰ الغُمَاري سجّلنا في القائمة بخطه الفرنسي والعربي الجَميل .. يأتي كل صَباح من الوَليدية ..قسّمونا نصفين بعد اكتظاظنا وتراكمنا بالجلوس أكثر من 3 بالطاولة الواحدة ، دون معرفتنا بوجود قيمطر لوضع المَحَافظ الهَزيلة:
نصف يشكل فوجاً صَباحياً يضُمّ 53 من القادمين من دوَاوير بعيدة ..زَرݣ والدّهاهجة والطيور والعݣابة والزّرَايب والنواصَر واولاد عزوز واولاد زاير والعيايطة ..يأتون في السّابعة صَباحاً قبل طلوع الشمس لا أعرف كيف كانوا يتبّدرون أمورَهم خاصةً لما تسقط الأمطار الغزيرة ..اولاد الجّعافرة يسرعون كي يلحقوا حَافلة كوبّاطا أو النّحيلي أو اولاد آسفي يتعاطفون معهم ويحملونهم دون شروط لأنهم يقدّرون ظروفهم ..بقوا على هذه الحال لمدة 6 سنوات تقريباً وأصبحوا في النهاية أساتذة ومحامين بل طيارين في الخطوط الجوية الملكية ، والقوّات الجوّية المغربية ..
كان معلمنا من الرّيف لا يقل أناقةً عن المدير ، لكن بالكاد يتدبّر أمره ، بل يسلّك كي يستطيع تعليمنا ..يكمل الحصّة المسائية التي تمتد من الواحدة حتى السادسة ، وتشمل التلاميذ من الدوَاوير الأقرب : البريبرات دوار سي مسعود الصّديݣات الفقرَا اولاد المهدي الݣوايل المناصرَة ..نخرج جماعة ، نسير على تلك الحَال لمدة قصيرة ثم نفترق كل مجموعة تتجه نحو دوّارها ..يكمل تلك الحصّة بنثر الحمّص المݣلي تحت الطاولات ، كي نقضي وقتاً طويلاً لجمعه وأكله ، ثم إنهاض النصَيّص كي يتلو علينا تغريدَة بلاّرج ..ونحن نضحك ..ذات مساء من سنة 1961 خرج تلاميذ Monsieur Pernoud الكبار فرَموا بحَجرة أحدثت صَوتاً مدوّياً مرعباً ، وَثُقباً غَائراً بسقف الدّيماتيت ظلت تتسرّب منه أشعة الشمس ، وقطرات أمطار الشتاء الباردَة ..
في السنة الموالية نجحنا فنقلونا لمدرسة شبيهة بالتي على الصّورة كانت مسكناً لنصرَاني يربي الحلّوف فأخلاها بعد الاستقلال ، وهيّأوها من قسمين تتوسّطهما مطفية كبيرة محاطَة بأزهار جَميلة ، إلى جانب بيت صَغير للحارسة الزّاهية القادمة من اولاد فرَج في عهد القايد بوعلي المختفي . تختزن بها المدَاد والطباشير وشطابة صَفراء عملاقة ، أرقى بكثير من شطاطيبنا العشوائية الهشّة .. المَصنوعة من زرّعيان وحنبازة الحمراء أو الدّوم .. وكذلك تموين المطعم ، بينما الكومير كان يأتي به كارّ ميݣيل Miguel من الجَديدة كل يوم ..كومير قديم يتخلّله الخزّ الأخضَر la moisissure ، بسَبب التقادم ، ورغم ذلك كنّا نتقاتل كي نحصُل على مقعد ، بينما تطل مجموعة أخرىٰ جَائعة تتسوّل بإشَارة من اليدين وَضع شيء من القطاني أو المَاقارُونية المجَعّبَة ، دَاخل الخبز المديني الغريب ..كان لبيت اختي الزّاهية منفذ نحو الخارج ، يبدو كحَانوت يبيع فيه زوجها بللّحسَن البيض ..كان المدرّسون آنذاك سي السّلّومي من واد زمّ ، وسي عبسلام من الفقرَا ، وسي محمون من خريبݣة والشّريف من سيدي بنور وسي العزوي من اللّويجانطي Louis Gentil وسي الهشّومي من الجَديدة .. وعشّاق من اولاد امحمّد ومستحسين من خريبݣة وسي احمد الصّحراوي من طنجة ، وكذلك سُقرَاط المفصُول عن الخدمة لأسبار أخلاقية والذي انتهىٰ بقطاع الكهرباء ثم رئيساً لبلدية ناحية خريبݣة ، ظل يطوف على الخيام من أجل التّوقيع على ملتمس بإعادته لمنصبه دون نتيجة ، ومدام Viviane مرت Pernoud وحِلمي وزَوجته ..كلهك مرّوا من هنا منذ الخَمسينات ..نسمع سي لحبيب (من الصّحرَا) وقد فتح نوافذ (شراجم) دار النصرَاني وهو يحاور تلميذاً نجيباً واحداً بنفس الأسلوب وفي نفس الموضُوع :
بلّعربي ؟
مَاذا تعطينا النّحلة ؟
يكون الجَواب جَاهزاً بالذّكاء الاصطناعي الموحّد standardisé :
النّحلة تعطينا الشّمع والعسَل !
رَحم الله المعلمين وأطال في عمر واحد منهم لا زال يتواصَل معي : سّي محمون من خريݣة ..بينما اختفىٰ التلميذ النّجيب محمد بلعربي ..سمعت مؤخّراً أنه بمكناس ..
ذكريات جَميلة لا زالت تموج بذهني وأذنيّ ..خاصّةً تجمّع الفتيات الأنيقات آنذاك أثناء الاستراحة حول المَطفي وسط الأزهار الزّاهية ، وهن يردّدن أنشودَة :
جَميلة فوݣ الحَجرة مَالها تبكي مَالها تبكي ؟

***

3- ابن الفقير le fils du pauvre

هذا التلميذ أرىٰ فيه صُورتي خلال طفولتي البَعيدة والبَئيسَة ..
ذات يوم اثنين من سنة 1962 لاحَظ المُعلّم القدير سي عبد السّلام السّلّومي قراءَتي المُهترئة والمُمَزّقة ، من سلسلَة « اقرَأ أحمَد بوكمَاخ » الجزء الثّاني . فأخرجني إلى السّوق كي أبحث عن أبي ليشتري لي واحدة جديدة ..لم يكن أهلنا مُستعدّين لمثل هذه الأشياء الهامشية أو التّافهة في نظرهم ، لأنهم يرفعون دعاوىٰ قضائية لنيل حقوق لأقاربهم ، أو يهتمّون بشؤون حياتهم وزراعتهم ، لذلك لم أكن أجرؤ على مفاتحتهم من أجل شراء ولو دفتر أسَد من 12 ورقة ب 3 ريالات حين تكتمل أوراق دفتر المادّة المعنية …
كنت أعمَل بجدّ واجتهاد عند هذا المعلم الوافد من واد زمّ كأغلب المعلمين باثنين الغربية ، والذي غيّر تفكيري وتصوري رأساً على عقب بأسلوبه الخاص وطريقته المتميزة ، حين كان يحكي لنا حكايات جميلة من وحي الخيال ، لكنها ذات دلالة أخلاقية كبيرة جعلتنا ننظر للحياة من زوايا مختلفة مثل حِكاية الطّائر الذي اصطاده قناص ووضعه بقفَص في قصره الفسيح الجَميل ، لكن الطائر المُغترب ظلّ كلما جُنّ اللّيل يردّد أغنيةً حزينة أيقظت مواجع كلّ من في البيت وأحزانهم :
بلاَدي ولو جَارت عليّ عزيزةٌ
وقومي ولو ضَنّوا عليّ كرامُ !
تأثر كل من في البيت بحنين الطائر الحَارق وأغنيته الشّجية الحَزينة .. فقرّر إطلاق سَراحه ، وركب حِصَانه متتبّعاً خطواته حتى بلغ شاطئاً موحشاً خلتُه شاطيء سيدي كرّام الضّيف الذي كانت تقصده أمّي كلما ضاق بها الحال بأرجاء الصّديݣات فنتبعها نحو البحر لنجد طائراً شبيهاً له بمخيّلتي ، مختبئاً بطاقة الشّمع المحترق والذّابل ، بضَريح سيدي بوالشّكوَات ، وكلما حاول الصيّاح أو الاحتجاج احمرّت عيناه بشكل مُتوعّد مُخيف ..
جلس الطائر الشّاعر على رأس صَخرة بالشّاطيء كلما غمرها الموج وداهمها يحلّق ثم يعود ! ورغم ذلك ظل عاشقاً لبلاده رغم قساوة ظروف العيش بها !
كان المعلّم المحب لمهنته بعشق وهُيام من منطلق مبدئي : لا يمكن ممارسة مهنة والنّجاح فيها دون حبّها وحبّ جميع أطرافها وعناصرها ! أو كما قال الإنجليز :
To teach is to love
يحدّثنا مُفتخراً ومتباهياً بتلميذ اسمه بوشعيب كان يدرّسه في السنة الماضية بمدرسة الخوَالدة باولاد سبيطة ، ولا يكفّ عن التنويه بجديته واجتهاده ، حتى خيّل لنا بأنه تلميذ مثالي لا يمكن مضَاهاته أو منافسته ومع ذلك استطعت الاقتراب من صُورته المشكّلة عنه لدىٰ الأستاذ الناجح ، حين لخصت له مغزى قطعة « الله يرانا » بلغة عربية جميلة مع بلوغ جوهر النصّ ، إذ حتى حينما نعتقد أن لاَ أحد رآنا لما ارتكبنا جرماً ما فإن الله قد رآنا ..صَفّق التلاميذ ، لكنه لم يرد أن يرى هذه النّباهة تضيع بامتلاكي لأشياء رديئة وأدوَات مُهترئَة ، في وقت كان أبناء زرݣ الأغنياء يمتلكون أحقاقاً صَغيرة رسم على ظهرها نمر منقّط (مْزرݣط) ، وضَعوا بداخلها قطع الطّباشير والأقلام الملوّنة .. بعدما أفرغها آباؤهم من قطع القرطاس (الرّصَاص) خلال رحلاَت صَيد قصيرة حول بركة الصّبيح الهائلة المزودة لبركتنا العملاقة أيضاً بحملات المياه عندما تدفݣ لها وتتنفس من خلالها رغم بعد المسافة ..هكذا أوّلتُ دافع إخراجه لي لشِراء قراءة جديدة تليق بمقامي المتميّز ، رغم فقري ومظهري البئيس آنذاك !
كان ثمنها آنذاك درهمَين اثنين ، في وقت عزّ فيه الحصول على الدراهم بسبب الكساد ورخص منتوجاتنا من الزرع والدواجن والمواشي.. لم أجد أبي في السّوق فذهبت عند صَديق له يسمى العل..ة من دوار "المناقرة" قرب خميس الزمَامرة يبيع التّين المجفّف أو الشّريحة .. لم يكن ثمنها آنذاك يتجاوز 8 ريالات ومع ذلك رأيته يلصق كمّاً من الشّريحة تحت كفّة الميزان كي يختلس كمية موازية من كل زبون رغم ضَآلته أو تفاهته : ضعُف الطّالب والمَطلوب .. لم أقلها لأحد ، لكن لم أعد أقدّره كما كنت حين أرىٰ طيبوبته عند مبيته عندنا فوݣ نادر الهايشَر خلال بعض اللّيالي السّابقة على السّوق ..
ذهب معي عند البريّق واشترىٰ لي القراءة حتى أتى أبي وعوّضَه عن ثمنها 2 دراهم .. وظلت من بين التجارب والذكريَات الجَميلة والعبَر القاسية التي اكتسبناها منذ بداية حَياتنا الطّفولية الأولىٰ ..
ويضيف الصّديق عبد اللّه التهومي ابن البلد :
ذكرتنا بحالتنا في بداية تعلمنا القراءة والكتابة في الابتدائي ورغم الفقر كنا نتباع تعلمنا وقد كتبت مقولة قيمة كون أن المعلم/الأستاذ المحب لمهنته لا يمكنه العطاء وقد لاحظنا هذا في طريقنا في الدراسة في الابتدائي إلى الجامعة ولازلت أتذكر أن أحد جيراننا في حي * بين المدن * الذي كان شبه قروي لأنه اخر حي مدينة الدار البيضاء وكان * مول لكروصة * يجمع بها * النجارة * لبيعها لأصحاب * الفرناتشي * وكان يصلح * كروصته * وفي يده اليسرى مسمار واليد اليمنى مطرقة وجاءه إبنه وطلب من * ثلاثة ريال * لشراء دفتر 12 ورقة فإذا به تلقى ضربة من أبيه بالمطرقة ... ومرت الدراسة وها هو اليوم يقوم بعلاج المرضى لأنه قرأ وأصبح دكتور طبيب..

***

4- يوميّات طفل يتيم مغترب بثلاث سيدي بنّور أواسط الستّينات ..

التحقتُ بسيدي بنور يوم الإثنين 2 أكتوبر مساءً من سنة 1967 . بعد أن ودّعت أبي المريض وهو مسجّى على فراش الموت . ألقيت عليه النظرة الأخيرة وقد جمعت أشيائي التّافهة في حقيبة خشبية متينة جلبها معه بابا احمد من ألمانيا بعد فراره من معسكر الاعتقال بمدينة بادن بادن . عندما قررت أمي إرسالي لمتابعة دروسي الإعدادية صُحبة أخي الأكبر الذي كان متمتعاً بمنحة في داخليتها المشهورة آنذاك . في عهد المدير المرحوم عيادة الوجدي الذي كان يتحدث فرنسية راقية .
انحنيتُ أودّع أبي الوداع الأخير . تأكدت من ذلك بعدما نخر جسده النحيل روماتيزم القلب اللّعين . لم يعد يقوى على الحركة . لكنه فكر بكل حصَافة في استلال 30 درهماً من بين أوراق أخرى دسها تحت رأسه تبقت له من مصَاريف العلاج المكلف بمدينة آسفي . وتعدد زياراته للطبيب الفرنسي رول rault . ومكوثه في مستشفى محمد الخامس لأسابيع بدون جدوى . ثم مبيته في عدة أضرحة اعتقد الجميع بقدراتهم على إحياء الموتى أو على الأقل إشفائهم : بنيفو وحناوة وأخيراً سيدي عبد الله بنيسّف باولاد بوعزيز . حين اتفقنا مع بوشعيب الحرّيشة لنقله والعودة في اليوم الموالي لإعادته لخيمته أشد ألماً مما كان ! وحين انتقل لبيت أمه امّي حليمة منذ عدة شهور لا يطيق انطفاء الشموع خوفاً من حلكة الظلام التي تذكره بظلمة القبر الذي لم يفكر فيه أبداً . بسبب حبه للحياة وصغر سنه نسبياً إذ لم يبلغ الستين بعد ! لذلك كان يبيت طول الليالي متضرعاً مستذكراً كل أذكار المتعبدين الصّوفية . من أمثال :
وا آلحمامات آلطوْبيات!
آلطالعات فوݣ النخلات
ويݣولوا آلمولى الروح فنات
والهادي بنعيسى ݣالوا مَات !
أذكار حزينة أخرى تمزق أحشاء القلب . وتعتصر مكنوناته وتجعله منفطراً .. تركتني في حزن وأسى أبديين إلى اليوم ..
كان مجموع ما يمتلكه في النهاية : 300 درهماً لبيعه بعيراً بجمعة سحيم . و 300 درهماً أخرى بعد بيعه نصيبه في جنان ضَاية الرّحبي لسي بوشعيب بن الطاهر كشريك له فيه بعرف المغارسة : أي الثلث للغارس والثلثان لصاحب الأرض .
بدا الجو حزيناً بسبب الخريف واصفرار شمس أكتوبر الكئيبة . بعد صيف قائظ قضيناه في المراعي والحقول نرعى المواشي ونصطاد الطيور . لا نفكر في مصير أبينا ومستقبلنا إلا عندما نجتمع مساءً بالقرب من الكانون . فتحاول أمي المسكينة جس نبضنا بتذكيرنا بغموض المستقبل . وطريقة مواجهة ظروف كانت صعبة لما كان الوالد على قيد الحياة . فما بالك وقد توارى خلف كدى بورجيلات وثرى سيد الضراوي ؟ بدأت أوراق الكروم تتساقط . وثمار الصبار الشوكي تتهاوى . وطيور البساتين والحقول تستعد للرحيل نحو الشمال .. خلت الطريق إلا من ذباب أزرق متثاقل ومتمايل سكراناً لفرط ارتشافه من رحيق ثمار أصابها العفن ونخرتها الدبابير . حين يتجمع فوق قشور الكرموص المنتشرة بجانب سدود ضرݣ خالي عباس وعزوز ولد الصّويري . فلول من المتسوقين على ظهور دوابهم بشواريات شبه فارغة بسبب فقر البوادي وقلة مواردها . تذكرت أيام الطفولة البعيدة حين كنا نجلس بقارعة الطريق لاستدرار عطف هؤلاء الفلاحين البسطاء وهم عائدون من السوق نحو دواويرهم البعيدة : حقّنا من حق وليداتكم ! فيجودون علينا ببعض حبات الفول أو الشريحة أو جزء من رمانة فجرها برَد جبال الأطلس . أو سهول ووديان مرامر بشيشاوة . لتفصح عما بداخلها كي لا تبقى مجرد رمانة مغمّضة !
وصَلنا الفيلاج فانحشرنا داخل سيارة الجّيلالي المهترئة متراكمين "كعرام تشيش التحتاني ما يعيش" . مقابل درهم واحد حتى خميس الزمامرة . ثم سيارة البيضاوي بثلاثين ريالاً حتى سيدي بنور لطول المسافة . تراءى لي الجّبل لخضر شامخاً شرق سيدي بنور في بلاد العونات . تذكرت حكايات مامّا عن ذلك الجبل الغامض الذي سكنه هدّاوة والمجذّمى . وأيضاً وحوش الطرائد من غزلان وضُربان وطيور الحيݣون(ذكر الحجل) حين كان علي البغلي ممثل السلطان يكوّن محلته من الرعاة والخماسين والسلاگ الضارية . وينادي على جدي العسري الشاوي : وا العسيري ! لخوض تجربة القنص الدورية والمكوث هناك لأسابيع . قبل حلول الحصَاد والتوجه بالقمح الفائض على مطامير السلطان نحو باب دكالة بمراكش !
التحقنا بعبد الله ولد حميدة بعدما لفظتنا سيارة البيضاوي الشيڤرولي بالقرب من المارشي الحالي . وكان قد اكترى دكاناً على الشارع بعد اتفاق أمي مع خديجة بنت عبد الله على العشرة لكبر سنه ومعرفته بفنون العجن والطبخ . رغم أن ما توفر لنا رخيصاً آنذاك هو البصَل : البصل في الصّباح والغذاء والمساء.. فتذكرت أغنية جميلة وكئيبة كان يرددها كبور وفاتح وبنخالي ونحن نتسامر ليلا تحت ضوء القمر الوديع . وضباب الليل يبلل ثيابنا المتسخة : غذانا بصلة وعشانا بصلة واش هذ الحصلة . غذانا مطيشة وعشانا مطيشة واش هذ العيشة.. في ذلك الوقت كانت مجرد أغنية نظرية أما الآن فقد أصبحت واقعاً نعيشه بكل جوارحنا ونراه "ري العين " كما يقول الحكواتيون ورواة الألغاز والحجّايات ! قليل من الزيت مع القرفة وهالغذا طالع ! يدق علينا عباس خو السي الخلفي صباح مساء لمشاركتنا التغماس رغم ضعف الطالب والمطلوب . وعجزنا عن الاحتجاج لكبر سنه وكونه أخاً لمعلمنا المحترم والقدير باثنين الغربية : سي الخلفي !
ذهبت عند المصور منحني سترة سوداء (فيستا ) لستر قميصي الممزق ولتبدو الصُورة جميلة . لا زلت أحتفظ بنسخة منها كشاهدة على عصر من البؤس وظلمات القرون الوسطى . ضيعتُ وصل الأداء . شبعت بكاء وندماً وحنيناً للدوار وأطفاله وعصَافيره الجميلة وروابيه وبساتينه الغناء . دموع حارقة لم تكفكفها سوى قفشات احمد ولد الشايظمي المرحة . خاصّةً لما تكسرت ݣنبورة الماء بفعل أقدام عبد الله ولد مهيضرة المتينة لضيق المكان ! هزّنا الما بما للكلمة من معنى قبل استعمالها في السياق القدحي المجازي péjoratif من طرف المغاربة الحاليين . باعنا صَاحب الدكان المجاور دفاتر تشبه أوراقها الصفراء الهشة منشفات خو بلهلالي . لا تصلح لشيء ولم نستطع إرجاعها له خوفاً وسذاجة . جاءني خبر نعي أبي بعد أسبوع . بكيت ثم صبرت . سُرقت أمتعتنا . صَمدنا إلى آخر رمق . تعلمت العجن والخبز وطبخ الݣاميلة أو الخردولة بدون لحم (الدواز ). تعلمنا الرياضة البدنية : صُعود الحبل والقفز العلوي والطولي.. بينما الركض كنا نتقنه في أرجاء الدوار والقاق وسهول مّودنان الفسيحة ونحن نركض خلف أسراب حصيوة والزريع التي لا أول لها ولا آخر . لم تعد اليوم موجودة .
جاء رمضان سريعاً لم نجد بما نسد به الرمق . سجلوا الأطفال اليتامى والفقراء الغرباء . أخذنا نصطف مساءً بجانب الداخلية لاستلام خبزة صاينة مليئة بالزبدة والكوفيتير . لم أتذوق مثل لذتها وحلاوتها لحد اليوم رغم انقطاع تلك العادة اللذيذة مباشرةً بعد انقضاء شهر رمضان الكريم . جاءت عطلة عيد الاستقلال . رجعت للدوار في سعادة غامرة رغم غياب أبي الأبدي . زرت القبر . عرفته بسهولة لحداثة وجدة ترابه . وعدم معرفة نباتات الݣرنينة والكركازة والبسباس طريقاً بعد لاعتلاء ظهره ! وقفت أتأمله قليلاً دون تقديم شكوى ولا اعتذار . وعدته بالمثابرة والصّمود وعدم الاستسلام أمام أي حاجز أو عائق مهما كان . أخذت أستغل العطل للعمل باستماتة في الحقول . وجمع ثمن الركوب والألبسة والكراء . أصبحت مواجهتي لظروف الحياة والدراسة القاسية شيءً بديهياً واعتيادياً لا تتطلب مني أي تفكير إضافي . أدرس وأعمل وأجتهد وأنجح كل سنة . لا يعرف الخوف أو الملل أو الكسل طريقاً إلى نفسي الأمّارة بالسوء ولا المطمئنة ولا اللوّامة حتى اليوم . عندما تنضُج حقول الفول والجلبان وزريعة الكتان بنواحي ثلاث سيدي بنور نرعى فيها كالأنعام أو أضل سبيلا ! يتسلى حاكمونا بقدوم كوكب الشرق أم كلثوم . والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ . وبلبل الشّرق الحزين فريد الأطرش .. بينما لا نجد نحن من يساعدنا أو يواسينا سوى رحمة ربك . فقط احتفالات الدورات الموسيقية والمسرحية الجميلة التي كان يقوم بها التلاميذ والأساتذة تشكل عزاءً لنا . تعلمنا خلالها الكثير وعرفنا قدرة البسطاء والفقراء على تغيير ما بأنفسهم . بل تحقيقهم للإبداع . لن أنسى أبداً التلميذ الأسمر الأنيق النّݣّاد عبد الخالق ولد القزدار . وحيد أبويه حين أدى بكفاءة كبيرة أغنية حكاية غرامي حكاية طويلة لفريد الأطرش . سمعتها لأول مرة وأحببتها بل عشقتها إلى اليوم . كان النݣّاد عاشقا لابنة عمه القزدار أيضا ووحيدة أبويها . تواعدا على الزواج لكن للأسف مات بعد أدائه للأغنية الرّائعة بشهور قليلة أي في ربيع سنة 1968 . ترك أسفا في نفسي إلى اليوم . لم أدر ما حصل بعد ذلك لعائلة النݣّاد . انتقلت إلى أسفي دون نسيان الموضوع . ولا ذكرياتي الجميلة بعاصمة دكالة واولاد بورݣيعة وسيدي امحمد العوني واولاد سي بوحيى والعونات وجمعة مطل وجمعة بني هلال وبني يخلف واولاد رحال..
تحية للجميع
لن أنسىٰ أبداً صَوت ولد امّي عايشة احمد الجّيار وهو يصدح بالغناء على أنغام الكمنجة الحزينة ووقع ضرب زوجته حليمة على الدّف كل ليلة ثلاثاء لما يكون العشاء فاخراً بلحم الإبل مع زجَاجة من المَارتيني Martini المعتّق :
وا مولاي شݣاݣان
وا جيتي في الذّرعان !
سمّيناه الشّيخ الضّو لشبهه به قلباً وقالباً !

***

حسَن الرّحيبي..





========
4- مَدرَستي الأولىٰ
2- مَدرسَتنا الأولىٰ باثنين الغربية...
3- ابن الفقير le fils du pauvre
4- يوميّات طفل يتيم مغترب بثلاث سيدي بنّور أواسط الستّينات ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى