د. علي زين العابدين الحسيني - بين الذكرى والعبرة: مشاهد من حياة أساتذتي (2)

-2-

في الجزء الأول من مقالنا تنقلنا عبر سير العلماء والأساتذة، مستشرفين أعماق تجاربهم ومعارفهم الغنية. ونستعد في الجزء الثاني لغوص أعمق في حياة أعلام آخرين، لنكشف المزيد من اللآلئ المخبأة في تجربة حياتهم، وننهل من ينابيع حكمتهم، تلك التي أسهمت في صياغة فكرهم وشخصياتهم، وكيف استطاعوا بإصرارهم وتفانيهم تجاوز التحديات ليتركوا بصمة لا تمحى في عالمنا.
إنها دعوة متجددة لمواصلة السير على درب العلم، مستلهمين دروسًا من حياة أساتذتنا التي شكّلت منارات إرشاد في طريق الجد والاجتهاد.
(5)
عبد الرحمن بن محمود مضاي الجهني (ت1430)
في زيارةٍ تحمل في طياتها الوفاء والاحترام كان لي شرف اللقاء بأستاذ الأجيال، العلامة الفرضي البارز، عبد الرحمن بن محمود مضاي العلوني الجهني الشافعي المدني. هذا اللقاء الذي جمعني بالشيخ الجليل في مسكنه العامر بالمدينة المنورة، كان لقاءً بحجم الزمن الجميل، حيث كان الشيخ آخر مَن درّس المذهب الشافعي في رحاب المسجد النبوي، يروي من علمه الغزير لطلاب العلم الشافعي صوره ومسائله وتراجم رجاله. وفي هذا اللقاء أهداني كتابه القيم "الروض الأنيق في أحوال الورثة على التحقيق" في علم المواريث، إلا أنه لأسباب ضاع مني الكتاب، مخلفًا في نفسي حزنًا عميقًا.
وفي إحدى زياراتي للمدينة المنورة بعد وفاته بسنوات حملت في جعبتي الشوق لزيارة بيت الشيخ مجددًا، وتقديرًا لهذا العلامة تواصلتُ مع ولده الأكبر، حيث كان بيننا معرفة سابقة. وخلال حديثي معه عبر الهاتف أبديت رغبتي في الحصول على كتاب والده في علم الفرائض. فما كان منه إلا أن رد بخبر كان له وقع الصاعقة على نفسي؛ إذ أخبرني بأن مكتبة والده العامرة قد ظلت مغلقة منذ وفاته؛ متحولة إلى غرفة تكاد تصمت فيها أصوات الكتب. وفي عرض لم يخطر ببال عرض عليّ الولد البار الاحتفاظ لنفسي بكلّ ما في المكتبة؛ إن كنت أقوى على نقلها.
لم أصدق مسامعي وظننته يمازحني، حتى أن الهاتف تهاوى من بين يديّ من هول المفاجأة.
وعندما استعدت زمام نفسي وعاودت الاتصال تأكد لي جدية العرض، فكانت فرصة لا تعوض لأقترب من عقلية هذا العالم الجليل من خلال مطالعة كتبه. أسرعت إلى تحقيق الوعد، وأخبرت صديقي بما حدث، فلم يتأخر لحظة عن مساعدتي، وقادنا طريقنا إلى بيت الشيخ الكائن بقلب المدينة، حيث تتوارى بين جدرانه كنوز العلم.
كانت المكتبة في الدور الرابع، تنتظر من يحررها من وحشة السنين. وما كان منا إلا أن بادرنا بنقلها، بمساعدة مجموعة من الشبان الذين وجدناهم بالقرب من بيت أستاذنا، حتى تحول العمل إلى نشاط يشبه عمل خلية النحل، في صعود ونزول، حاملين كتب العلم بكل احترام وتقدير.
وبعد جهود جبارة وُفقت في نقل المكتبة بأكملها إلى مدينة الرياض، حيث كنت أقيم. ومنحت نفسي أشهرًا من الزمن لا تقدر بثمن، أطالع وأبحث في زواياها، مكتشفًا ملاحظات الشيخ الثمينة على هوامش الكتب، قبل أن أنقلها إلى مصر.
لقد احتوت المكتبة على كنوز في الفقه الشافعي وعلم الفرائض، مؤكدة مكانة الشيخ كعالم فرضي، وفقيه شافعي محقق.
وهكذا، بتدبير القدر صارت مكتبة الشيخ عبد الرحمن الجهني جزءًا من حياتي، إهداء من السماء لم أحلم يومًا بمثله. وفي كل كتاب أقلبه، وكل ملاحظة أقرؤها، كانت تلك المكتبة خير شاهد على عظمة عالم جليل، أسدل القدر ستار الحياة على جسده، لكن علمه سيظل ينير دروب الباحثين وطلاب العلم إلى أبد الآبدين.
أجل، نقلت المكتبة بأكملها إلى الرياض، حيث كنت أقيم في تلك الفترة، وقضيت أشهرًا لا تعوض في مطالعتها والبحث فيها. كرّست وقتي لفحص الملاحظات التي خطها شيخنا على هوامش كتبه قبل أن تُنقل إلى مصر، مكتشفًا ثروة من النفائس والفوائد، لا سيما في مجال الفقه الشافعي وعلم الفرائض، وهما المجالان اللذان تألق فيهما شيخنا.
وتتجلى خصوصية المكتبة في التعليقات النادرة على هوامش كتب علم الفرائض، مثل تعليقاته القيمة على كتاب "فتح القريب المجيب بشرح كتاب الترتيب" للإمام عبد الله الشنشوري. وهكذا، أصبحت مكتبة الشيخ الفرضي عبد الرحمن الجهني تحت تصرفي، وهو ما لم أكن لأحلم به من قبل.
إنها الأقدار التي تهديك النعم بغتة! ولا شك أن مكتبته كانت من تلك النعم التي أرسلها الله إليّ دون أن أسعى إليها، أو أطلبها.
(6)
عبد العظيم المطعني (ت1429)
تجلى بريق العلم والتقوى في شخصية العظيم الدكتور عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الأزهري -عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- الذي شهدت حياته قصة صبر وتحمل تُذكِّر الأجيال.
كانت نهاية حياته مأساوية، حيث تعرَّض لخطأ طبي أودى بحاسة السمع في أذنيه، بعدما أعطاه أحد الأطباء دواءً بشكل خاطئ. ثم كانت معركته الشاقة مع مرض السكري الذي تسبب في بتر ساقيه خلال السنة الأخيرة من عمره، ورغم الألم الذي عانى منه والتحديات التي واجهته، إلا أنه بقي صابرًا محتسبًا، يرفع راية الإيمان والتوكل على الله في كل لحظة؛ تاركاً وراءه ذكرياته وصراعه مع الأمراض كقصة مؤثرة من التحدي والصمود.
كانت حياة الشيخ مليئة بالتضحية والتفاني، حيث استمر في مسيرته العلمية والتعليمية بقوة وإصرار، رغم العثرات التي واجهته. وبينما كان يحمل عبء فقدان حاسة السمع، استمر في خدمة العلم والمعرفة، مُلهِمًا الآخرين بثباته وصموده.
وفي عالم يغمره الألم والصعوبات كان الشيخ المطعني نموذجًا مشرقًا للصبر والتسامح، حيث لم يجعل الظروف الصعبة تثني عزيمته، بل بقي يتمسك بقناعته وإيمانه بالله وقدرته على تجاوز التحديات.
وهكذا، باتت حكايته تُذكِّرنا بقوة الإرادة والثقة بالله، وبأن الصبر والاحتساب هما السلاح الأقوى في مواجهة تحديات الحياة.
عرفته في آخر حياته في رحاب العلم والتعليم بعد أن غابت حاسة السمع عنه، فكانت الورقة تشكل وسيلة الاتصال بيننا وبين شيخنا العظيم، كانت الكتابة تعكس نقاء العلاقة وتقديرنا لعلمه وتوجيهاته، فنقرأ بتأنٍ واهتمام، ونضع استفساراتنا وملاحظاتنا على الورق، وكان يجيب عليها بكلّ فرح واهتمام، دون ملل أو ضجر.
وبينما يتفاعل معنا، لا تفارق بسمته الوجه، فتتلألأ عيناه ببريق الحكمة والتواضع، وتنبعث البسمة من شفتيه كشمسٍ مشرقة تضيء دروب المعرفة. وكان التواضع وإكرام الضيف سمةً تميزه، فكان يستقبلنا بفخر واعتزاز، ويعاملنا بلطف وتواضع، ما جعل كل لحظة نمضيها في حضرته تملؤنا بالرضا والاحترام.
وهكذا تجسدت علاقتي مع شيخنا عبد العظيم المطعني في قلب الورقة، حيث اندمجت الكتابة والقراءة في رحلة البحث عن العلم، واستمرت الحوارات والنقاشات في سعينا المستمر نحو الإثراء العلمي والروحي.
لقد تألق أستاذنا المميز في عالم الفكر والثقافة، فهو المفكر العبقري الذي قضى حياته كلها مكرسًا لخدمة العلم والثقافة. كانت يداه ترفع القلم بكل أناقة وتأنق، والكتاب بيده ينبض بالحياة والمعرفة، محطمًا حواجز الجهل والتخلف.
وكانت حياته مليئة بالمنجزات العلمية والثقافية، حيث كان يعمل بجد واجتهاد، متفانيًا في نشر العلم والمعرفة بين طلابه وجمهوره. فكان يجذب الأذهان، ويشعل الفكر بمناقشاته العميقة، حيث كان الطلاب يحيطون به من كل حدب وصوب، يطرحون أسئلتهم، ويبحثون عن إجاباتهم في بحر علمه الواسع.
ولا تكتمل المحاضرات المحلية والمؤتمرات الدولية إلا بحضوره، فكانت حججه المبينة في بيان الحق ونقل العلم، ما جعله رمزًا للإلهام والتأثير في الأجيال الجديدة. وبفضل عطائه اللامحدود وإسهاماته الثرية استطاع أن يبني إرثًا علميًا وثقافيًا؛ يظل خالدًا في ذاكرة العلم والفكر.
(7)
عبد الحكيم عبد اللطيف الطويري الحنبلي (ت1437)
في عالم مليء بالمعرفة، حيث تتشابك أروقة الفنون بأسانيد عظيمة وإجازات نفيسة يبرز فرسان العلم، حاملين مشاعل النور في طريق المعارف.
في هذا الوقت يتألق العالم الرصين الذي بيده مفاتيح العرفان، محافظًا على أسانيده وإجازاته كأمانات لا يمكن التفريط فيها، أو إهدائها على هوى النفس.
هذا العالم بأمانته وورعه لا يرى العلم مجرد أداة لنيل الشهرة أو التباهي، ولا يعد الإجازات سلعة يمكن بذلها للحاج والداج - على حدٍ سواء - دون تمييز، بل يعرف جيدًا قيمة الأسانيد والإجازات التي بين يديه، ويدرك هيبتها ومكانتها في صيانة العلم وحفظه من التحريف أو الضياع، وأنه لم يتصل بها ولم يصل إليها إلا بعد الجد والكد، فهي من ميراث العلم، ولا حظ فيه ولا يقسم إلا لمن استحقه، ووفى له حقه.
ففي سعيه لنشر العلم يقتصر في منح إجازاته في أضيق الحدود، معياره في ذلك الكفاءة والكفاية واكتساب أدوات محددة، ولا يسمح لنفسه بأن يفتح الباب مكسور القفل أمام الدهماء، الذين قد يسعون وراء العلم لأغراض دنيوية، أو شهرة زائفة، بعيدًا عن طلب العلم الحقيقي، فورعه وديانته يقفان أمام ذلك.
إنه يعلم أن كلّ إجازة يمنحها هي بمثابة شهادة لمستقبل العلم، وإرث يضاف إلى سجل الأمانات التي يتعين على الأجيال القادمة حملها بأمانة ومسؤولية. يرى في كل طالب علم وجهًا للمستقبل، وفي كل إجازة يمنحها خطوة نحو غدٍ أكثر إشراقًا لعالم المعرفة، ولذلك يضيف العلماء في الإجازة غالبا عبارة بالشرط المعتبر.
ومن خلال هذه المعايير الصارمة والعالية يكتسب العالم مكانة رفيعة بين أقرانه، ليس فقط كناقل للعلم، بل كحام لحقيقته، فهو يظهر فارسًا يدافع عن قلعة العلم ضد أمواج التساهل والاستهانة بالأسانيد والإجازات، مؤمنًا بأن الحفاظ على صراط العلم المستقيم هو الطريق الوحيد لضمان استمرارية الهداية والنور للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق يبقى العالم مشعلًا يضيء الدروب، محفورًا اسمه في ذاكرة الزمن، كشاهد على عصرٍ كان فيه الحفاظ على الأسانيد والإجازات ميثاقًا غير مكتوب بين أهل العلم، لضمان ألا يتحول العلم إلى أداة في يد الجاهلين، وأن تبقى راية الحقيقة مرفوعة، شامخة، لا تلين.
لقد تلقيت كلّ هذه المفاهيم العميقة من أستاذي العلامة عبد الحكيم عبد اللطيف الحنبلي -شيخ عموم المقارئ المصرية سابقاً- الذي كان قدوةً حيةً للطلبة والعلماء على مر السنين. لقد كانت لحكمته دور كبير في توجيه النفوس نحو مسارات العلم والتقوى.
وخلال سنوات حضوري بالجامع الأزهر كانت تعاليم الشيخ تنير دروب العلم، حيث كان يحث الطلبة على أهمية الحفاظ على الأسانيد والإجازات كنهج رئيسي في بناء العلم وصونه من التحريف والانحراف، وبفضله تعلمتُ أن العلم ليس مجرد معرفة فنية، بل هو منهج حياة يستند إلى التقوى والإخلاص والاجتهاد المستمر.
يشكل العلم قاموسًا حيًا للقيم الإسلامية الأصيلة، وتراثاً حضارياً ينبغي للجميع الاستفادة منه، لذا فإن كلمات الشيخ العلامة عبد الحكيم عبد اللطيف الحنبلي تبقى مصدر إلهام وإرشاد لنا جميعًا، ونحن ممتنون للحظة النعمة التي أتيحت لنا فيها فرصة التعلم من حكمته وتوجيهاته السديدة.
أحمد محمد منصور
(
😎

علي محمد توفيق النحاس (حفظه الله)
في قلب القاهرة حيث تتعانق أرواح التاريخ مع نبض الحاضر، وفي أحد شوارع حي "المطرية" العريق تقبع صيدلية غير عادية. فما يميزها ليس فقط الأدوية والمستحضرات الطبية التي تحتويها، بل شخصية فريدة من نوعها تديرها، العلامة المقرئ الصيدلاني، الأستاذ السيد علي محمد توفيق النحاس.
هو نبتة علمية زرعت في تربة الأزهر الشريف، نمت وازدهرت في ظلال والده، أحد أعمدة العلم بالمعهد الأزهري في دمياط. منه تعلم مبادئ الفنون وعلوم القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولأبيه عليه أبلغ الأثر في تكوين صفاته وتوجيه حياته؛ ليسلك درب القراءات القرآنية بنبوغ، ثم ينتقل بعدها ليفتح صفحة جديدة من حياته معلمًا ومرشدًا، وقارئاً ومقرئاً، وناظماً ومؤلفاً.
تلك الصيدلية التي يمتلكها في حي شعبي بالقاهرة تحولت إلى موئل لطلبة العلم من جميع أنحاء مصر -كما كنت أراه- حيث الروحانية تتجلى في كلّ زاوية. لقد باتت بحقٍ محراباً لتلاوة القرآن وأسرار التجويد والقراءات، ورغم أعباء الحياة وضغوط العمل كان الأستاذ علي يخصص أثناء عمله وقتاً؛ ليعلم ويُقرأ طلبته في ذلك الفضاء الذي يفوح بعطر الصبر والإصرار.
ولطالما تعجبتُ من طاقته الشديدة وصبره الجم، كيف يحول لحظات يومه إلى دروس في الجد والاجتهاد. كان يرى في الإقراء والتدريس رسالة سماوية يأمل أن يلقى الله وهو يؤديها. حتى في منزله، لأنه يستمر في الإقراء بالصيدلية حتى الساعة الواحدة صباحاً ثم يغلقها ويعود إلى منزله، ولا يكاد يطل عليه الفجر حتى يجلس لإقراء أحد طلابه "صحيح البخاري" دون كلل أو ملل، يسقي بذور العلم، وينير دروب الجهل بنور القرآن والسنة.
في لقاءاتي المتكررة معه تكشفت لي أسرار حياته التي عاهد فيها نفسه على ألا يتوقف عن العطاء والتدريس، ولطالما ذكر لي أنه يتمنى أن يستقبل لقاء ربه وهو في هذه الحال من الإخلاص والعمل. لذا في هذه اللحظات أجدد تحيتي لهذا العالم المقرئ الجليل الذي جعل من صيدليته ومنزله منارات إشعاع علمي وروحي.
يعيش الأستاذ علي محمد توفيق النحاس في ظلال الوقار والسكينة، إنه شخصية تجسد معاني الهدوء والرصانة التي نادراً ما تجدها متجسدة في شخص بهذا العمق. هو كالنسيم العليل في يوم صيف حار، يجلب البرد والراحة لكل من حوله. وبابتسامته اللطيفة التي لا تفارق محياه يفيض كرماً وضيافة، متخذًا من القرآن خلقًا ومنهجًا في الحياة، حيث الذكر والدعاء والاستغفار والقراءات القرآنية تشكل لحن حياته الدائم.
ليس فقط أدوية الأجسام التي يقدمها لزواره من عامة الناس في صيدليته الواقعة في قلب المطرية، بل يوزع أيضًا دواء الروح والقلب لطلاب العلم والمريدين الذين يفدون إليه بحثًا عن العلم والإرشاد؛ متحليًا بآداب السلف في السلوك والعمل، موليًا اهتمامًا خاصًا بأمراض القلوب وشفائها من الأدواء الروحية.
مَن يلتق به يشعر بهيبة تملأ المكان، تنبع من سمته وجلالته، ليس من قسوة أو جبروت، بل من نور يشع من وجهه وتصرفاته التي تحمل في طياتها التذكير بالله عز وجل. هذه الهيبة تدعو مَن يراه إلى الزهد في ملهيات الدنيا والإقبال بقلب صافٍ نحو الآخرة؛ كأن لقائه يعيد ضبط بوصلة الروح لتشير دومًا نحو السماء.
في تعاملاته اليومية، سواء كان ذلك في صيدليته بين أدراج الأدوية ورفوفها، أو في جلسات العلم حيث يتفيأ الطلاب ظلال علمه يعكس الأستاذ علي بوضوح رؤية الحياة التي اختارها، حياة ملؤها العطاء والسعي لإفادة الآخرين، جسديًا وروحيًا.
هو بحق خير مثال على أن العلم والدين والإيمان لا يفترقون، بل هم سبيل لتحقيق السلام الداخلي والرضا، نبراس يهدي السائرين في طريق الحياة إلى مرفأ الأمان والطمأنينة.
أدعو الله أن يحفظه ويطيل في عمره، وأن يجزيه عنا خير الجزاء لما قدمه من علم وعمل صالح!
(9)
ختام وبداية
وها أنا قد وصلت إلى ختام هذه المحطة من رحلتنا في استكشاف بعض المشاهد من حياة أساتذتنا، تلك الرحلة التي أخذتنا عبر مسارات معرفية وروحية عميقة، وكما يقال: كل ختام هو بداية جديدة، فإن كانت هذه السطور التي خُطت تمثل نهاية الجزء الأخير من مقالنا، إلا أنها ليست إلا فصلاً في كتاب واسع النطاق ينتظر أن يُكتب وينشر.
إن الرسالة التي أحملها - رسالة نقل تجارب أساتذتنا وحكمهم، وتقديم قدوات حية للأجيال القادمة- هي أمانة ثقيلة في عنقي، تتطلب مني التأمل والإذاعة. وفي جعبتي الكثير من المواقف والقصص والحكايات التي لا تزال تنتظر أن تروى، تلك التي ستضيء مسارات جديدة للأجيال القادمة.
ومواصلةً لهذه السلسلة الغنية بالعبر والمعاني أعد القراء بأنها ستستمر، مع وعد بالمزيد من الإثراء والغوص في أعماق الحكمة والعلم التي أورثها لنا أساتذتنا. إلا أن كل شيء يأتي في وقته المناسب، وأنا بحاجة إلى الوقت والبركة فيه؛ لأوفي هذه القصص حقها من الرواية والتدبر. أدعو الله أن يمنحني القوة والبركة في العمر لأكمل هذه المهمة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى