ليلى تباني - ماذا لو كان كتاب القرآن الذي نمتلكه الآن هو اختراع عبّاسي؟

كان هذا السؤال هو المحور الرئيس لندوة يوم الأربعاء من جامعة قسنطينة 2 عبد الحميد مهري (كلية العلوم الانسانية قسم الفلسفة)؛ من أهمّ الندوات رغم الحضور المحتشم للطلبة والباحثين ، تواترت المداخلات لكلّ من الأساتذة الأفاضل: الدكتور جمال براهمة مديرا للجلسة، الدكتور اسماعيل مهنانة ، الدكتور نور الدين جاري، و الباحثة الصاعدة سميرة مزعاش، تطرّق الدكتور مهنانة ـــ أوّل المتداخلين ـــ إلى موضوع بالغ الأهمّية، تناول من خلاله "نشأة السؤال النقدي في الفكر العربي المعاصر"، وسلّط الضوء على اسهامات طه حسين في نشأة السؤال الفلسفي النقدي، واستعرض مجوعة أعماله التي تناولت الموضوع ،اذ اعتبر مهنانة أن أهمّ أعمال طه حسين التي كرّست السؤال النقدي الفلسفي الهدّام البنّاء، كتابه "في الشعر الجاهلي"، فكان قد أثار نقطة فارقة في مسار تاريخ الكتابة والتدوين ، ومنعطفا خطيرا قد يلغي القناعات الثابتة المتراكمة حول مسلّمة ما يعرف ببلاغة الشعر الجاهلي (شعراء المعلّقات)، وطرح حسين السؤال القوي الذي سيحرّك الفكر النقدي اللّاحق: هل هناك وجود للكتابة في العصر الجاهلي؟ ، ذلك السؤال الذي اعتبر تشكيكا صريحا في وجود شعر قبل الإسلام، وتمتد الخطورة وتتشعب أهمّية السؤال إلى امتداد التشكيك في تدوين القرآن، الأمر الذي أحدث ضجّة في مصر والوطن العربي الاسلامي ، وصودر الكتاب من طرف الأزهر ومنع تداوله. كان ان أصدر الأديب كتابا آخر "الفتنة" لكنّه ليس بنفس حدّة كتابه الأول، كونه لا يتمتّع بنفس التشكيك الذي حظي به كتابه "في الشعر الجاهلي"، كما تطرّق الاستاذ مهنانة إلى كتاب لمعروف الرّصافي "الشخصية المحمّدية" والذي بدوره شكّك فيه في كثير من القضايا، وكان قد تعرض للمصادرة والتوقيف، أمّا رسالة المفكّر محمد أركون في نيله شهادة اللسانس حول طه حسين فقد كانت قوية وجريئة رغم بداياته الأولى ، حيث شكّك في كثير ممّا وصلنا عن الرسول الكريم ﷺ ، تمحور سؤاله النقدي حول ما إذا كان ما وصلنا من سيرة هو حقيقة تاريخية أم أنّه نسج أسطوري يخدم الثورة العبّاسية ضد الأموييين.

IMG-20250501-WA0002.jpg

أمّا عبد الله العروي في كتابه " السنة والاصلاح " فيسأل ضمن نصوص الكتاب من هو محمد ؟ ويعطينا شخصية جديدة مبنية على القرآن ، ويقول ان القرآن هو الوثيقة الوحيدة الموثوق فيها . ضاربا كل المصادر الأخرى عرض الحائط ، و أكّد مهنانة أنّ المفكّر هشام جعيط في كتابه " الفتنة " وهي رسالة دكتراه طرحها في جامعة السوربون ، وكانت قد هزّت أركان الجامعة آنذاك ، كونها تناولت أسئلة نقدية جريئة ، ذهب جعيط إلى الخوض في مسألة الاسلام السياسي وكيف انتهى بفتنة كبرى في معركة صفين ، يرى جعيط أنّ الفتن السياسية حوّرت الإسلام من دين عقيدة إلى دين سياسي جديد فتح جبهات العنف والدماء والكراهية ، والحلّ عنده يكمن في إعادة كتابة السيرة النبوية فقط من القرآن وليس من مصدر آخر ، وهو يبني هذه الفكرة انطلاقا من أن حياة النبي موجودة في شكل صور قرآنية ، ولا مجال لاستقاء السيرة النبوية إلاّ من النص القرآني فقط ، وقد نوّه مهنانة إلى قضية مهمّة ، فترتيب القرآن بهذا الشكل يفتح مجالا للتأويل ، كما يفتح مجالا للتشكيك في السيرة النبوية ونقلها بالرواية الشفوية (العنعنة) ، واصفا الرواية الشفوية قبل الكتابة والتدوين بالعاجزة عن الأمانة في نقل الحقائق ، وهو ما يصدّقه المنطق والعقل ، وكنّا في ذات السياق قد تدخّلنا وعزّزنا موقف الدكتور مهنانة بطرحنا لكتاب المفكّر المغربي رشيد إيلال في مؤلّفه " نهاية أسطورة البخاري "المؤلف المثير للجدل الذي يعدّ من الكتب التراثية التي لاقت انتقادا كبيرا منذ تأليفها ، حيث أنجزت العديد من الدراسات والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها " صحيح البخاري" من أكثر الكتب إثارة للجدل على مرّ التاريخ الإسلامي .

أمّا مداخلة الدكتور نور الدّين جاري ، فلم تخل من إثارة و كانت مكمّلة لسابقتها ، حيث وضع الدكتور يده على أهم انشغالات المشهد الفكري الفلسفي في الجزائر والوطن العربي ، و أعرب عن قلقه و أسفه لما آل إليه الوضع الفكري الفلسفي في الجزائر لأسباب مفتعلة حسبه ، كما أكّد على أنّ التغيير لن يحدث ولن يؤتي أكله إلاّ إذا فعّل السؤال النقدي الفلسفي كما يجب وفق ما يتطلّبه الموقف والحاجة الاجتماعية والنفسية للشعوب .

لم تخل مداخلة الباحثة الصاعدة سميرة مزعاش من جمالية و إدهاش ، حيث تطرّقت لموضوع غاية في العمق والامتداد الابداعي وكانت مداخلتها موسومة ب "سؤال الحقيقة وعين السلطة ــ مقاربة نقدية بين عقلانية العلم وسردية الأسطورة في الفكر الراهن ".

تحدّثت فيها عن مقاربة البنيوي كلود ليفي ستروس عن الأسطورة وكيف خلص إلى أن الأساطير تجتمع كلها وفق غاية واحدة تتجلّى في أسطورة الخلق ، وفقا لذلك فالأسطورة حسب تعاريفها المختلفة ، هي خارقة تتحدّث عن كائنات عليا ميتافيزيقية ، هي قصة خلق تروي البدايات ، مؤثّرة حيث يتّخذها الراوي كمحفّز قوي لإثبات موقف أو رأي ، كما أنّها ملازمة للعلم حسب ستروس ، عزّزت الباحثة رأيها بمؤلف لعالم النفس النمساوي فرويد " الطوطم والطابو" الذي يؤكد فيه على ضرورة تبنّي العقل في مواجهة أمور الدين والدنيا وكافة ظروف الحياة، وفي عصر التنوير كما في عصر الظلام ، فتستشهد من خلاله على متلازمة ارتباط الخيال بالعقل . تعدّ الأسطورة سابقة أسست لعلم لاحق أو ملازمة له ، أو لاحقة يعكسها المشهد التكنولوجي الذي نشهده اليوم ، إذ يستجلي العلم ضرب من الأحداث الموسومة بالأسطرة ضمن ما يعرف بالميتافيرس ، هذا العالم الأزرق الافتراضي الموازي لعالمنا الحقيقي ، ففي عالم أوجده العلم ضرب من الخيال يصنع لنا أشخاصا و أمكنة من الخيال كنا قد حلمنا بها أو تخيلناها ، وهاهو العلم يجسّدها لنا ضمن دائرة الافتراض ، وقد يأتي يوم وتصيّر حقيقة ، استشهدت الباحثة بأنّ الخيال مصدره العقل الانساني ، مؤكّدة أن العقل الذي أنتج الأسطورة هو ذاته العقل الذي أنتج العلم ، و أنّ كلاهما مصدره المخيّلة ، لتصل الباحثة إلى أنّ العقل والخيال في تكامل دائم ، كما أنّ العلم والأسطورة في سيرورة تكاملية دائمة . ليحضرني قول الفيلسوف الالماني فريدريك نتشه ، كي يعزّز موقف ستروس :" لا تحرموا الإنسان من الكذب ، لا تحرموه من تخيلاته ، لا تدمّروا خرافاته ، لا تخبروه الحقيقة , لأنه لن يتمكن من العيش من خلال الحقيقة" ، إنّه بقوله يؤكّد أهمية الخيال في استمرار حياة الانسان وارتباطها الوثيق بالابداع .

كلّلت الندوة بمداخلة الدكتور جمال براهمة مسيّر الجلسة ، بكلمته الموسومة بـــ " جدل التفكير النّقدي ودوغما المطلق والإديولوجي " ، أكّد براهمة أن الجدل الحاصل بين المطلق والاديولوجي هو جدل بين السكون والحركة ، بين ما نصفه بالثابت الذي يأبى التغيّر والمتمرّد الطائر الذي يريد أن يغيّر ، وذهب الدكتور إلى أنّه لا توجد حقائق مطلقة ، لأنّ منتج هذه الحقائق هو العقل ، وطالما ان العقل يتحرّك في حدود المعطيات المتاحة لديه ، فإنّه متغيّر ، فعقل القرون الوسطى يختلف عن عقل العصر الحديث والمعاصر ، والحقيقة أنّ ذلك يؤثّر أيجابا أو سلبا في النقد والخلق ، فالروح النقدية حسبه لها ثلاث زوايا تتمثّل في النقد الذاتي (Autocritique) ، وتقبّل نقد الآخر ، والمشاركة في نقد الآخر ، و نحن إنّما نلجأ إلى هاته الحركات الثلاث ، قصد الفهم والتحليل والتفسير وإصدار الأحكام . و أكّد الدكتور براهمة في ذات السياق أن السؤال الذي يرغب في أن ينقله من شواغله ليتبنّاه المتلقّي هو :
هل التفكير النقدي إجراء منهجي أو هو مهارة عقلية فحسب ؟ أم أنّه يمكن أن يتحوّل الى أسلوب حياة ؟

هنا مكمن الحركة يقول براهمة ،ليؤول تساؤله إلى تساؤل آخر ، فهل نحن نمتلك القدرة على التشكيك ، بل والشجاعة على التغيير ؟ إن كان جوابنا بالإيجاب ، فكيف لنا أن نستعير مطرقة نتشه ، وعلى أي نحو نهدم الألواح القديمة ؟ نحن اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى نحتاج إلى شجاعة تمكّننا من تحطيم " الدوغما " التي تضجّ بها ذاكرتنا ، ويقصد بالدوغما تلك الأحكام اليقينية الوثوقية المسبقة ، ويذهب في رأيه الذي أيده الجميع إلى أنّ العقل هو دليل الحرية ، ووفقا لذلك فالنّقد دليل الحرّية نظرا للارتباط الوثيق بن العقل والنقد . و أكّد ان تلك الحركة النقدية هي دليل وعي الذات بذاتها ورغبتها في الفهم والاحتكام إلى ما هو أكثر متانة و ديمومة ، يقول براهمة أنّنا كلّنا مسؤولون عن السؤال النقدي الذي يطرح في مجتمعاتنا إذا أردنا التغيير إلى الأفضل ، ولا بدّ أن تكون انطلاقتنا من القرن السادس قبل الميلاد ، أين ظهرت أوّل آثار الكتابة ، فيؤكّد على هشاشة دوغما ما توارثناه من مرويات شفوية تثير ألف سؤال وسؤال . فيحيلنا البحث في مرويات الحضارة الاغريقية وما وصلنا منها على اعتبار أنّها حقائق ، ليضعنا في منعطف التساؤل من جديد حول شخصية سقراط التي رآها صناعة أفلاطونية ، واستشهد بِشك الغزالي في ثوابت الحسيات والنقليات والعقليات المطلقة ، ليخلص إلى ضرورة نقل الذات العارفة من التفكير داخل النسق إلى التفكير خارج النسق ، ليختم مداخلته بسؤال :

" هل يمكنكم أن تلتزموا بهاته المغامرة النقدية ؟"



بقلم ليلى تبّاني ، جامعة قسنطينة 2 ـــ قسم الفلسفة .



ندوة حضورية من جامعة قسنطينة 2" عبد الحميد مهري " ، بكلية العلوم الانسانية ، قسم الفلسفة ، عقدت بتاريخ 30 أفريل 2025 بقاعة المناقشات ، صباحا أبتداء من الساعة التاسعة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى