سعيد فرحاوي - المقاربة (9). التحليل السيميوطيقي للخطاب القرآني. تمفصلات الأنساق الدلالية في سورة البقرة.

المقاربة 9.


يتحكم تغيير الضمير في تغيير الأنساق الدلالية ، لأن كل الأفعال تتأسس بتمفصلات جد متحولة ، وأحيانا يصبح نفس العالم متجليا بعدة تمظهرات ، مرة يكون الخالق هو المتكلم بضمير المرسل المفرد ، ومرة أخرى يصبح عاملا تواصليا بضمير الجماعة ، ثم يتحول إلى ضمير الغائب ليصبح موضوع الرسالة .وهكذا نتلقى رسائل سردية متعددة لنفس العامل وبدرجات مختلفة من الوظائف.هذه الأفعال البنائية تنظم الخطاب القرآني بدينامية لم نر مثيلا لها في باقي الأنساق الأخرى ، وهي الخاصية التي جعلت منه معجزا بلفظه.
على ضوء هذه الملاحظة نقف المقطع الجديد الذي يبتدئ من الآية رقم 127 :
- )وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ).
آية جديدة بتمظهرات مختلفة عن ما توصلنا إليه سابقا ، نحدد هذه المظاهر المتغيرة حسب الملاحظات التالية :
-المرسل : الخالق.
-المرسل إليه الأول : الرسول "ص".
-المرسل إليه الثاني : كل أصناف القوم بمختلف مشاربها العقدية.
نلاحظ هنا أن المرسل الرئيسي / الخالق يتكلم عن النبي إبراهيم ، في نفس السياق يتحول المتكلم عنه إلى سارد والسارد الرئيسي يصبح مسرودا له ، مما أعطى السياق بأقطابه المتحركة دينامية تتحرك بأبعاد تواصلية جد محكمة ، تتحدد بصيغ جد مركبة ، إلى درجة لا يظهر تحول السارد ولا المسرود له في إطار التمظهرات السياقية التي أنجزت خطابين مترابطين :
- خطاب تواصلي ، على أساس أن العاملين معا يشكلان قطبين مهمين في إنجاز الرسالة ، كما ينجزان مهمتين سرديتين لأنهما سيتمفصلان في إطار البرامج السردية المحددة لكل واحد منهما . هنا تتحدد معالم الصيغة البلاغية المرتبة ترتيبا بنائيا محكما.
- إذن ، على ضوء ماسبق ، تعتبر هذه الآية (وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ )، بنظام زاد من ترتيبات النظام الخطابي في سورة البقرة بتجليات يصعب على القاترئ البسيط التوصل إليها في غياب أجهزة معرفية مسعفة تؤهل الدارس والمتتبع لفك هذه العلامات المنظمة تنظيما محكما.
- مباشرة يتحول المرسل إلى مرسل إليه، في حين يبقى كل المرسل إليه في الموقع المحدد له سياقيا في نفس درجات التلقي ، ليصبح الخالق مخاطبا بصيغتين في آية تتوجه مباشرة بخطاب أفقي للخالق على الشكل التالي :
- المرسل ... النبي إبراهيم.
- تكلم بضمير المتكلم الجماعي لأنه يوجد في وضعية دفعت به أن ينوب عن البشرية ككل.
- المخاطب ...الخالق/ ربنا.
- موضوع الرسالة متعدد أحدده حسب التجليات التالية :
- الدعوة إلى تقبل الرسالة.
- تحول المرسل الأول/ الخالق من صاحب رسالة إلى متلق لنفس الرسالة ، ذاك الذي أوضحه حسب الملاحظة الأولى :
- دعوة الخالق للرسول بأن يكون مبشرا ونذيرا للناس.
- يتحول نفس العامل في رسالة النبي إبراهيم إلى متلقي يتلقى نفس الرسالة بصيغة مختلفة ، لكنها في العمق تحمل نفس المحاور :
- -" ربنا تقبل منا" : معناها الاستجابة المطلقة لطاعة الله.
- يتحول عامل التواصل الجديد إلى عامل السرد ، له برنامج سردي بمحددات دقيقة تتمظهر على الشكل التالي :
- عامل الذات.....النبي إبراهيم.
- موضوع قيمته ...طلب من الخالق تقبل الهداية.
- العامل المساعد..التقوى والإيمان+الخالق بكونه سميع وعليم.
- العوامل المعاكسة ...النفس الشريرة+ الشياطين.
- الخلاصة :
- توفر كل العناصر الجيهية في عامل الذات ستسهم في نجاح البرنامج السردي :
- عامل الذات مؤهل بالخصائص التالية :
- له القدرة على الطاعة لأنه نبي.
- يتميز بشرط الواجب بحكم أنه الأقرب إلى الله.
- يتميز بخاصية الرغبة النابعة من الإيمان المطلق بمجال القضية.
- يتميز بمعرفة روحانية كبيرة لأنه من المقربين إلى الخالق.
- إذن نجد أنفسنا أمام عامل ذات بخصائص متعددة :
- يتوفر على الشروط التالية بكونها قيم جيهية valeurs maudaux):
- وهي كالتالي :
- الروح الخالصة.
- الواجب : الإيمان اللامشروط.
- الرغبة : النفس الروحانية الصافية.
- المعرفة الصادقة والنفس الطيبة التي ساهمت في الاستجابة السريعة لمطلب رباني كبير.
- عوامل تتعالق لتؤسس كلية نبوية صافية ستسهم بناء على تحقق كل الشروط لإنجاح البرنامج السردي بكل متطلباته الأرضية ولوازمه السماوية الربانية الصافية المتعالية .
- ما سيأتي من آيات في نفس المقطع ما هو إلا تفصيل لهذه المكتسبات في عمقها الروحاني الذي يحدد طبيعة وماهية الصلة بين روحين متلازمين لهما نفس البرامج المطلبية ،يتأهلان في مستوى الروح الصافية ليبلغا الصفاء والكمال ( روح الله الطاهرة وروح النبي إبراهيم المطيعة والمستجيبة) ، سأحدد هذا التلازم والتعالق حسب التفاصيل التالية :
-
- جاء في الآية الموالية :
- (ربَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 128):
- دعوة روحانية في مستوى عال من الترافع بالنفس لتتقرب إلى الخالق الواحد الأوحد.
- ( رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ129):
- الإيمان بقيمة القادم من النبوات التي تحدد طبيعة النفس النبوية في علاقتها بخالقها ، مما جعلها في مستوى عال من التوقع ، كما جعلها تطلب الزيادة من الدعوات باستدعاء رسولا لقوم يحتاجون إلى من يعلمهم الكتاب والحكمة.
أما في آية : (وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ)130 :
تظهر بوادر :
الطلب من الخالق خلق من يتبع ملته بالاصطفاء للصالحين في الدنيا والآخرة.
كل هذه المحتويات المتممة لخصائص البرنامج السردي العام عند عامل الذات النبي إبراهيم تشكل تمطيطا لطلبات متعددة ، الغاية منها إتمام موضوع الترجي الذي جعل من النبي إبراهيم في علاقته بخالقه علاقة تسمو بدرجات كبيرة لتصبح كل شروط الخالق ملزمة وبشكل لا يجعل المخلوق يبحث في أمور لا يعرف عنها شيئا ، وهي المبررات التي جعلت من المرسل الرئيسي / الخالق يتدخل بشكل حاسم محددا عدم الطلب في أشياء يجهلها المخلوق ، خاصة المقربون منه/ الأنبياء والرسول ( لا تسل...).
تشكل هذه السياقات البلاغية والنحوية مرتكزات مهمة تتأسس بمواصفات دقيقة تحدد طبيعة بناء الأنساق السردية في سورة البقرة، بقياسات تستدعي متممات متعالقة ، كل واحدة تصب في أخرى لإنجاز خطاب متكامل منسجم ومتماسك.
ينتهي المقطع عند الآية رقم 131 :
(إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِين).
انتهاء المقطع عند هذه الآية تتحكم فيه عدة شروط ، منها :
- سيتغير الضمير من مخاطبة النبي إبراهيم إلى مخاطبة النبي يعقوب.
- غالبا ما يتحكم عنصر العامل الجديد في بناء دلالة جديدة ، وهي من العوامل المركزية التي ستهم في بناء أنساق جديدة ، ذاك ما سنراه في المقاربة القادمة التي نقوم فيها بتحليل المقطع الجديد بتغييرات جديدة.
في الآية الأخيرة من المقطع المدروس سنجد التمظهرات النصية التالية :
-المتكلم/ المرسل المركزي ....الخالق.
المرسل إليه المركزي الأول ...الرسول 'ص' .
المرسل إليه الثاني المضمر في الخطاب ...النبي إبراهيم.
موضوع الرسالة : الذات الإلهية التي شكلت عامل تواصل ستصبح في نفس الوقت رسالة ربانية تخص المنادى بتقبلها : ( قال له ربه: هو الرب الذي قال للنبي إبراهيم عن ذاته : أسلم لرب العالمين ( أي لذات المرسل).
سنصبح أمام خطاب محدد بتراتبية خاصة :
المرسل : الرب.
موضوع الرسالة : ما قاله الرب./أسلم للرب.
كان رد المخاطب : سأسلم للرب.
تتكرر كلمة الرب ، كل مرة تتخذ معنى خاصا مختلفا عن باقي التكرارات.
الرب الأول : مرسل الرسالة .
الرب الثاني : موضوع الرسالة.
الرب الثالث : ملزم الرسالة .
الرب الرابع : الذي تم الاستجابة له في الرسالة.
خلاصة عامة تخص دراسة المقطع الجديد ، عبارة عن استنتاجات نحددها حسب الشكل التالي :
1-كل تمظهرات الخطاب في هذا المقطع تجعل الدلالة تتأسس بصيغ متعددة ، بشكل يسهم في إنجاز الرسالة ببهاء بلاغي تام.
2-التكرار لعوامل التواصل يتخذ معان متعددة ، مما جعل من التكرار يتأسس بشكل يعيد بناء الدلالة في بعدها الدلالي بأشكال جد متمفصلة ، كل معنى يختلف عن باقي المعاني ، بهدف إنجاز رسالة بأبعاد متداخلة منسجمة ومتماسكة.
3- تتحول عوامل التواصل بدينامية دقيقة ، يتحول المرسل إلى مرسل إليه والمرسل إليه إلى مرسل ، كما يتحول المرسل ليصبح موضوع الرسالة ، والغاية دائما إنجاز خطاب محكم قال عنه الخالق : معجز بلفضه ومعناه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى