مقتطف مجدي جعفر - المُعلم الجوّال - رواية - الفصل الأول (1)

( 1 )



لماذا خدعتني أيها الصديق، ولم أعرفك مُخادعا؟.

لماذا راوغت، ولم أعرفك مُراوغا؟.

هكذا .. وببساطة، تضع ذيل جلبابك في أسنانك، وتخرج لسانك لي، وتقول "هات يا فكيك " ! لم يكن هذا اتفاقنا، فآخر مرة التقيت بك، كنت قد بدأت تسير على عكازين، وألمح بصيص من الأمل يطل من عينيك المجهدتين المنطفئتين.

تقول لي بثورة، وعروق رقبتك التي وهنت تنتفض :

" سأتمرد على تعليمات الأطباء، وسأنزل رغما عنهم إلى الشارع، أفتح باب السيارة، وأتحسس مقعدي، وألقي بجسدي المٌتعب ".

وتشير لي بيديك المعروقتين :

" فور أن تسمع كلاكسي السيارة تحت شباكك، تنزل لي بسرعة؟.

انتظرني في أي وقت، ليلا أو نهارا، ولا تكن سخيفا، وتتركني محشورا بالسيارة، لا تتركني أنتظر طويلا، وتعنفني بحجة أن الوقت غير مناسب ".

كنت دائما تأتيني أيها الصديق في أوقات غير مناسبة، نتفق على أن نلتقي في العاشرة ليلا، أتفاجأ بك تأتي في الثانية بعد منتصف الليل!.

نتفق على أن نذهب لأداء واجب عزاء عصرا، فتأتيني آخر الليل، ونذهب لنجد سرادق العزاء قد انفض!.

تلوح لي بيدين مرتعشتين، ومفتاح السيارة في يدك، يكاد يهوي بها إلى الأسفل :

" حين أضع قدمي على الدوّاسة، والسيارة أوتوماتيك، لا تحتاج إلى مجهود، سأنطلق، سأنفك من هذا القيد، سأتخلص من هذا الأسر، أخرج من هذا السجن.

قرابة العام يا صاحبي وأنا حبيس هذه الحجرة، بل حبيس هذا السرير، لا أغادره إلا لعيادة الأطباء، تقرّح جسدي من التمدد على هذا السرير، الساقان في الجبس، شرائح من المعدن، ومسامير من البلاتين، عقاقير، وأدوية، وحقن وأمصال وأكياس دم، أكثر من عشر عمليات في أقل من عام!!.

لم تفلح المرتبة الجديدة والمجهزة لمثل حالتي من منع إصابتي بقرحة الفراش، ما أسوأ سجن الجبس وخاصة في هذا الجو الحار.

مللت من مشاهدة التلفاز ومن قراءة الجرائد والمجلات، رغم سخونة الأحداث التي تجري على أرض مصر وفي بلاد العرب.

أتابع أحداث ثورتين من على هذا السرير، وأحداث ثورات الربيع العربي، مصر منقسمة يا صاحبي، والعالم كله منقسم، فأما مع أو ضد، ليس هناك منطقة وسطى رغم أن بين الأبيض والأسود مساحات واسعة ودرجات متباينة، أصبحنا لا نعرفها.

قبل الحادث كنت أجهلها، الآن أصبحت أتأملها، وأجدني فيها، أعتقد أن درجتيّ الأبيض والأسود الواضحتين وضوح النهار والليل، للشباب الذين لا خبرة لهم بالحياة، أما من في أعمارنا الذين عركتهم الحياة وأثقلتهم التجارب، نميل إلى الوسط، ونقبع في المنطقة الرمادية.

سأنطلق بالسيارة يا صاحبي، وأنت ترافقني، نجوب شوارع مدينتنا شارعا شارعا، أملأ صدري بالهواء النقي، أرى النهار، صُبحا وضحى، ظهرا وعصرا، وغروبا، أشتاق لرؤية الشمس وقت الغروب، وللسهر، ويمتد بنا السهر في الليل حتى السحر، الليل والنهار آيتان من آيات الله، لا يعرف قيمتهما إلا من جرب الحبس في هذه الغرفة المظلمة.

ربك أقسم بالفجر، وبالضحى، وبالليل وبالنهار.

سنزور كل الأصدقاء، حتى الذين لم نكن على وفاق معهم، سنزورهم، فالدنيا فانية، ويجب أن نخرج منها ونحن على وفاق مع الجميع.

أول من نزوره الولد منصور ..، نحتسي معه القهوة، كم أوحشني ابن الإيه؟!.

= هو اللي أوحشك أم القهوة؟!.

ونضحك

وقبل أن أغادره أكون قد ألممت بمعظم الأحداث التي تجري على الساحة، فقد أصبح من كثرة متابعته لشاشات الفضائيات، وقراءته لمعظم الجرائد والمجلات، مُلما بكل الأحداث الجارية، وفي زحمة انشغالاتي لا أستطيع أن ألم بها، فكان الجريدة التي لم أقرؤها، ومحطة الإذاعة التي لم أسمعها، وقناة التلفاز التي لم أشاهدها.

وقبل أن أغادره تماما، وأنا أقبض على يديه المعروقتين، الناحلتين، المرتعشتين، أنظر في عينيه الغائرتين والمنطفئتين، وأتأمل وجهه الشاحب الذي استطال ومال إلى الاصفرار، وبروز عظام خديه، ورقبته التي برزت عروقها، ونفرت، وأجدني أنصحه بالالتزام بتعليمات الأطباء، ورغما عني أجد دمعات حارة، ساخنة، انفرطت من عيني، جاهدت كثيرا ألا تنفرط، ولكني لم أفلح في منعها من الانهمار بغزارة.
يتبع

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى