محمد أحمد طالبي - رواد وملهمو الأدب الحديث: بين التوصيف الثقيل ومقياس التأثير الحقيقي

عندما يُطرح مفهوم "الرواد والملهمين" في سياق الأدب الحديث، نجد أنفسنا أمام تعبير فضفاض قد يغدو محرجا إذا ما خضع لميزان القراءة النقدية الدقيقة. فهذه العبارة، على ما تنطوي عليه من مهابة رمزية وإيحاء بالإبداع المؤسس، لا يجوز أن تمنح جزافا أو أن تردد بوصفها لازمة خطابية في المحافل والكتابات دونما تمحيص.

ذلك أن الريادة ليست مجرد أسبقية زمنية، كما أن الإلهام لا يعني بالضرورة كثافة الإنتاج أو الحضور المؤسسي، بل هو فعل جمالي وفكري يزعزع السائد، يفتح مسارات جديدة، ويحدث في الذائقة اختلالا خلاقا يعيد ترتيب الأسئلة، ويترك أثرا ممتدا في أجيال لاحقة.

لقد ألفنا، في المتداول النقدي، حصر "الرواد" في مجموعة أسماء دارت حولها الماكينة الإعلامية والمؤسساتية، فصنفت بوصفها المؤسسة أو الملهمة، لا لشيء إلا لكونها كانت سباقة في النشر، أو لأنها كتبت بلغة المستعمر بأسلوب حداثي، أو لأنها حضرت في مقررات التعليم، أو لأنها حازت جوائز معينة. لكن هل هذه المحددات كافية للحديث عن "ريادة" أو "إلهام"؟

في ضوء هذا التساؤل، يبدو أن هناك فجوة بين ضخامة التوصيف وضآلة الإنجاز الجمالي أو الفكري الحقيقي عند بعض الأسماء المتداولة. فثمة من كتب باسترسال، لكنه لم يأت بجديد في الرؤية ولا في اللغة. وثمة من زج به في لائحة الرواد لأنه اشتغل في زمن مبكر، لا لأنه أسس مشروعا جماليا متماسكا أو أثر في أقرانه ومن تلاهم.

في المقابل، هناك أسماء ظلت في الظل، بعيدة عن الأضواء، لكنها كانت تشتغل بعمق وصدق وصمت، وأنتجت أدبا يشي بنضج فني وفكري، غير أنها لم تحظ بـ"الاعتراف الرمزي" لا لقصور في التجربة، بل لانعدام الحظ أو رفضها الانخراط في شبكات التزكية الثقافية.

الواقع أن مفهوم "الريادة" يجب أن يفهم اليوم بمعناه الإبداعي وليس التاريخي فقط: أي أن الرائد هو من فتح أفقا جماليا غير مسبوق، و"الملهم" هو من أسس لمخيال قابل للانتشار والتجدد، لا من كتب كثيرا أو حظي بمنابر.

ولعل مراجعة هذا المفهوم – بمنهج نقدي رصين – تقتضي أن نعيد التفكير في أدوات تقييمنا، وأن ننتصر لروح الإبداع لا لمجرد التراتبية الزمنية أو الماكينات الدعائية. فالأدب لا يخلد بالكثرة، بل بما يحدثه من تحول في الوعي والذوق والمعنى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى