مقتطف مجدي جعفر - المُعَلِّمُ الجَوَّالُ - رواية- الفَصْلُ الأوَّل ( 2 ) مجدي محمود جعفر

( 2 )

قبل الحادث بشهرين ماتت أمك.

قلت لك معزيا :

= ماتت من كنت تُكرم من أجلها.

اغرورقت عيناك، ثم سرعان ما تدفقت دموعك.

دموعك كانت ساخنة، أحسست بها تلسع جلد وجهي.

باكيا تقول :

" قبل أن تموت طلبت مني أن تركب السيارة، وأمرتني أن أجوب بها شوارع المدينة.

وكأنها يا صاحبي كانت تودع الشوارع.

كانت تتدلل كعروس :

اذهب بي لأختك؟.

اذهب بي ..؟

اذهب بي ..؟

اذهب بي لبيت خالك في " القرية "؟.

وذهبت بها لكل الأحبة.

هات لي كوز ذرة مشوي؟.

لا أريد أن أذهب إلى البيت.

هات لي كباية عصير قصب؟.

سر بي في الشوارع؟.

" ولأول مرة، منذ سنوات طويلة، طويلة جدا، أراها تنهض على قدميها، وتصعد السلم بخفة، وتسير دون أن تتكيء عليّ.

أمي البدينة، والقعيدة منذ أكثر من عشرين سنة، أراها مثل طائر مُحلق، تعود قوية، عفية، كما كانت في صباها. "

باكيا يأتيني صوتك عبر الهاتف :

" ماتت أمي! "

كنت أظنك تمزح.

" والله ماتت يا صاحبي "

.. عرفتك منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، تعارفنا ونحن ننعي حظنا العاثر الذي أوقعنا في أحد الفصول الخشبية بمدرسة ديرب نجم الإعدادية للبنين، والمعروفة شعبيا باسم مدرسة يحيي، نسبة إلى يحيي باشا صفوت الذي بناها.

كانت المدرسة الإعدادية الوحيدة، لم تعد تستوعب التلاميذ الذين تضخ بهم المدارس الابتدائية التي بدأت تنتشر في القرى منذ أن أعلن الزعيم جمال عبدالناصر أن التعليم حق لكل مواطن، وبالمجان.

زيادة كثافة التلاميذ بالفصول لم تحل المشكلة.

تفتقت قريحة المسئولين عن بناء فصول خشبية، الجدران من الخشب، والشبابيك من الخشب، حتى الأرضيات من الخشب !! .. والمقاعد خشبية، والطاولات خشبية، والسبورات خشبية.

ضاحكا تقول :

" لو بقينا في هذا الفصل، على نهاية العام الدراسي سنتخشب!!.

من يومك وأنت ابن نكتة.

تقول مهونا الأمر علينا :

" وعموما الفصول الخشبية أفضل من الفصول الطائرة!!.

نندهش :

= فصول طائرة!!.

وتروح تشرح لنا حكاية الفصول الطائرة، التي لا مكان مخصص لها، فالفصل الطائر يحل تلاميذه ضيوفا على الفصل الثابت الذي ذهب تلاميذه لمعمل العلوم أو المرسم أو غرفة الزراعة أو الملعب أو المكتبة.

ونضحك :

= يعني مثل اللاجئين والمهجرين؟.

وكنا دائما نخلط بين كلمتيّ لاجئ ومُهجّر، ولم تكن أي من الكلمتين بالغريبة على أسماعنا، فالشرقية هي الأقرب جغرافيا إلى مدن القناة، وعقب هزيمة يونيه 1967 نزح إليها عشرات الألوف من تلك المدن، وعشرات الأسر استقرت بمدينة ديرب نجم.

في البداية افترشوا المدارس، وأقاموا فيها، وسرعان ما وفر الأهالي لهم الشقق بأسعار رمزية، وأحيانا بالمجان.

تفتح وعينا على هؤلاء المهجرين الذين أقاموا بيننا، وعاشوا معنا، وكما اقتسموا مع أهالينا الدار واللقمة، اقتسم أولادهم معنا مقعد الدراسة والقلم والكراس.

وكلمة لاجئ كانت قد بدأت تنتشر وتشيع فيما أظن مع نزوح الفلسطينيين إلى مصر عقب هزيمة 1948، وأقام عدد غير قليل منهم بالشرقية، واستطاب المقام لبعضهم بمدينة ديرب نجم، لم تكن ديرب نجم مدينة في ذلك التاريخ، ولكنها استقلت عن السنبلاوين ومديرية الدقهلية عقب ثورة يوليو 1952، وانضمت إلى محافظة الشرقية، فهي ابنة شرعية لثورة يوليو، ومن أوائل المدن التي نشأت عقب قيام الثورة المجيدة، وكانت حظوظها وفيرة من الخدمات في ذلك الوقت.

وتسربت إلى آذاننا كلمة لاجئ من أفواه أهالينا، واستقر في وعينا أن كلمة لاجئ مرتبطة بالفلسطيني، وكلمة مهجر مرتبطة بأبناء مدن القناة الذين هجروا الديار إثر الاجتياح الإسرائيلي الغاشم، ولكننا كنا نخلط أحيانا بل كثيرا بين كلمتيّ لاجئ ومُهجر، وتلك الكلمتين رغم أنهما كلمتان عربيتان، بيد أنهما كانتا مهملتين، أو تم اشتقاقهما خصيصا لتعبرا عن حال أهلنا في مدن القناة، وحال أهلنا من الفلسطينيين، وكلا الكلمتين السبب المباشر في رواجهما هي إسرائيل!! وهذا ما لمسناه بأنفسنا، ورأينا أثاره بأعيننا، ونحسب أن الكلمتين من الآثار السيئة والمقيتة والمميتة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين والأردن وسوريا ومصر ولبنان، وبدت إسرائيل في أعيننا وحش هستيري وشيطان رجيم، ولأن لغتنا العربية لغة ثرية، استطاعت أن تعبر في اللحظة والتو عن حال الفلسطينيين وحال أهل مدن القناة، ورغم سلامة الاشتقاق للكلمتين في لغتنا العربية، ولكن يظل أثرهما غير طيب، ووقعهما على النفس مريرا.

كنا نخلط أحيانا بين كلمتيّ لاجئ ومُهجر، وأول إدراكنا للأثر السيء للكلمتين، عندما كان يحدثنا زميلنا ناصر عن الفصول الطائرة، فضحكنا، وقلنا في نفس واحد : يعني لاجئين!! وفور أن خرجت الكلمة من أفواهنا، وقع في قلوبنا، وأحسسنا أننا اقترفنا ذنبا، وارتكبنا إثما، فكان بيننا ونحن نتحدث، ومعنا في نفس الفصل الخشبي، تلاميذ من أبناء فلسطين، ومن أبناء مدن القناة، ورأينا بأعيننا وقع الكلمة السيئ على نفوسهم، ووجوههم، التي تحول لونها إلى ألف لون.

لعنة الله عليك يا إسرائيل!.

وعندما قلت بعفوية، وببراءة لا تخلو من سذاجة الأطفال:

= أنا لن " أتخشب "، ولن " أطير"!!.

جاء ردك أيها الزميل سريعا وعنيفا :

" ليه؟ على راسك ريشة! ".

قلت بزهو الأطفال :

= سأنتقل إلى فصل 1/ 5.

ساخرا وغاضبا في آن تقول :

" اللي له ضهر ما ينضرب على بطنه! .. أيوه يا عم .. كوسة!.. عشان أنت ابن مدرس يعني؟!".

ولأول مرة أسمع كلمة " كوسة " بدلالة جديدة، وتعني الوساطة والمحسوبية، وصرت أسمعها فيما بعد كثيرا، فكانت الوساطة والمحسوبية قد بدأت تتفشى في المجتمع المصري، وعرفت منذ ذلك الوقت أن حدودها الدنيا نقل تلميذ من فصل إلى فصل، أو ربما تبدأ هكذا، وتصل لذروتها بالتعيينات في المناصب الرفيعة بالدولة، وشغل وظيفة لا تستحقها وحرمان من يستحقها منها، وبلوغ منصبا في .. أو في .. وأنت لست أهلا لهذا المنصب.

وجاءت أمك، ثائرة، غاضبة، مزمجرة، تطرق باب الفصل، وتأخذني من يدي، وتسير بي إلى حضرة الناظر.

كانت تلوح له بيدها وهي تقول :

ابني أحق بالنقل من الفصل الخشبي عن أي تلميذ آخر.

بالتأكيد كانت تقصدني.

ابني أبوه حارب في اليمن، وأُسر في 1967، ومات من تأثير التعذيب في سجون إسرائيل، ألقوا به بعد شهور من الأسر في قلب صحراء سيناء الواسعة، عاريا بلا طعام ولا ماء ولا حتي خرقة بالية تستره.

رحمة الله عليه أسماه ناصر، حبا في الزعيم ناصر.

أحب عبدالناصر، وتعلق به، ولم يستفد من قوانين الإصلاح الزراعي مثل غيره، وحمل روحه على كفه، وتطوّع في الجيش، ومات .

هممت أن أقول لها بأن ناصر مات، والسادات هو ...، لكني لم أقل، فكانت تبدو لي من فرط حماستها لعبدالناصر كأنها لا تعرف أنه مات، أو كأن الزمن توقف بها عند عبدالناصر، ولا تريد أن تبرحه.

لا أدري هل كما قيل فيما بعد – أن حضرة الناظر كانت له ميول ناصرية، أم لا، كل ما أدريه أنه فور أن سمع اسم عبدالناصر، خلع نظارته الطبية، وأخرج منديلا من القماش، ومسح عينيه.

حضرة الناظر الذي لم يُضبط ضاحكا أبدا، والخيرزانه في يده بطول مترين، لا تفارق يده أبدا، يلفح بها كل من يقابله في الطرقة، أو من جاء متأخرا عن موعد دق الجرس، أو وقف متراخيا في طابور الصباح، أو أثناء تحية العلم، أو من أهمل في حل واجباته، أو من تلفظ بألفاظ نابية أو .. أو ..

حضرة الناظر الذي يأتي بالتلاميذ الذين تغيبوا، أو الذين هربوا من الحصص، بالقفز من فوق سور المدرسة، يأتي بهم في طابور الصباح، ويأمرهم بخلع أحذيتهم، ويطلب من العامل رَبْطَ رِجل كل منهم على سارية العلم، وينهال بالخيرزانة على أرجلهم، ثم يأمرهم بعد أن تورمت أرجلهم بالجري حول الملعب عشر مرات!.

حضرة الناظر الذي إذا سمع الواحد منا اسمه ينتفض، وشعر رأسه يقف انتباه.

رأيت بعيني منديله قد ابتل بدموعه، فور أن سمع اسم ناصر.

سمعنا أن ناصر لما مات، جاءت الأوامر بإنزال صوره من على جدران غرف مدراء المصالح الحكومية، وإحلال صور السادات بدلا منها.

قيل أن حضرة الناظر بكى ولم يطاوعه قلبه على إنزال صورة عبدالناصر.

قال الوكيل له مقترحا:

الحائط خلفك يسع لصورة عبدالناصر، وصورة السادات، وصور كل من يحكم مصر حتى قيام الساعة، وكلهم رؤساء مصر!!.

استراح حضرة الناظر لهذا الحل، ولم يُنزل صورة عبدالناصر، ووضع إلى جوارها من جهة اليسار صورة السادات.

لم يعجب هذا الحل لجان التفتيش والمتابعة، فكتبوا تقريرا للإدارة التعليمية بالواقعة، وقيل أن حضرة الناظر جوزي بالخصم من مرتبه، وتم تجميد ترقيته.

ولم أنتقل وحدي أيها الصديق إلى فصل 1/5 بل انتقلت معي، ومنذ ذلك التاريخ عافت نفسي أكل الكوسة التي كنت أحبها!.

***
يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى