فتحي مهذب - العشيان..

في حارة تقع في أقصى المدينة حيث تتقاطع الأزقة الضيقة وتختبىء الظلال في كل ركن، نشأ "ع" ، رجل هادىء الملامح،بارد النظرات يحمل في أحشائه إرثا ثقيلا لم يختره.
ينتسب إلى عائلة معظم أفرادها عشيان أمضوا حياتهم على إيقاع سخرية المجتمع وشفقة الأقارب.
نشأ وهو يتسمع كلمات التهكم تتساقط على رؤوس أمه وإخوته،وتمزق نياط قلبه دون أن يقدر على ردها.
بيد أن الألم الذي يعشش في تضاعيفه تحول مع الزمن إلى هوس بالبصر،بالعيون،بالجمال الذي إفتقدته عائلته.
لقد فعلت المصادفة فعلها في حياته المليئة بغبار البراكين وعويل القطارات في عتمة الجبال الموحشة.
إذ إلتقى ب (س) قاتل متسلسل شهير في مصح عقلي يجمع أطيافا من المرضى يقضون أيامهم ولياليهم تحت حراسة مشددة.
تلقى (ع) دروسا متقدمة جدا في فن القتل،كيف ينقض كوحش ويتلذذ بسينفونية الخنجر وهو يمزق حبال الشرايين والعروق،كيف يكرع من شلال الدم الدافىء ليشعر بالسيطرة والقوة.
غير أن (ع) لا يريد إراقة الدم ولا ممارسة الجنس مع ضحاياه بل سمل العيون... العيون فقط.

بعد حصص علاجية مكثفة تحسنت حال ( ع) من ثم أذن له الأطباء بالخروج من جحيم هذه الزنزانة المليئة بزعيق المجانين والمختلين نفسيا.
عاد (ع) إلى بيته متثاقلا دقات قلبه تشبه رشقات من الرصاص الحي، عيناه مكتظتان بشرار الكراهية للبشر أجمعين.
إن قسمات وجهه تحمل دلالة مركزية واحدة هي الإنتقام.
في كل مرة تهدأ فيها المدينة، يخرج "ع" بخطى خفيفة، يرتدي معطفه الداكن، ويتربص في الأماكن المنعزلة: محطات القطارات المهجورة، المستنقعات،
الممرات المقفرة.
يضرب بسرعة، طعنة واحدة في القلب، ثم ينتزع عيني الضحية قبل أن تبرد. يضعها بهدوء في إناء بلوري صغير، يحمله كمن يحمل قلبه.

جمع أكثر من خمسين زوجًا من العيون: زرقاء كسماء الخريف، خضراء كأشجار الزيتون، عسلية داكنة، وسوداء كالهاوية.
كل عين كانت تروي له قصة، وكل ضحية كانت تقرّبه أكثر من حلمه المريض: أن يصنع من هذه العيون عائلة مثالية، "تُبصر" العالم دون أن يُبصرها.

صار (ع) لا ينتظر الليل، بل يقتل في وضح النهار. صار أكثر وحشية، أكثر سرعة.
لكن الشرطة بدأت تربط بين الجرائم، ومع ازدياد عدد الضحايا، بدأت الدائرة تضيق شيئا فشيئا.

في إحدى الليالي، قرر اصطياد ضحية جديدة: فتاة صغيرة، ذات عيون كستنائية نادرة. تبعها إلى حديقة مظلمة، لكن ما لم يعرفه أنها كانت الشرَك الذي ينتظره.
الفتاة كانت طُعمًا وضعه المحققون. وقبل أن يطعنها، أضاءت الأضواء، وأحاط به رجال الشرطة. حاول الهرب، لكنه تعثر، وسقط على الأرض.

سقط الإناء البلوري، وتبعثرت العيون على التراب... بعضها ما زال يحتفظ ببريق الحياة، وكأنها تنظر إليه بلوم.
وحين اقترب منه أحد الضباط ليقيده، نظر "ع" إلى الأرض هامسًا:
"كلهم عميان... وأنا فقط من كان يرى."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى