فنون بصرية خيرة جليل - التشكيلية بدة جواد سيميائة الحرف واللون تكسر قيود الأمية وتفجر ينابيع إبداع بلا حدود..

الفن التشكيلي قضية ومجموعة رسائل إنسانية وجمالية وفلسفية أكثر عمقا ودلالة ورمزية بل وأكثر حرية من أن يقيد بأسلوب أو أن يحاصر بنظرية ضيقة تجنسه في الإطار الرجالي أو النسائي.
.....لهذا أقول الفن هو فن بفلسفة جمالية وفكرية تفسر متعدد القراءات والتأويلات في المجال السيميائي لكنه لا يخلو من تحديات واكراهات قد تواجه الفنان سواء كان رجلا أو إمرأة ، هذه الأخيرة التي عانت وما زالت تعاني من الحيف أو الإقصاء الفعلي داخل الساحة الفنية سواء عالميا أو عربية.
وما قد يزيد من معاناتها هو حين تتحدى الأمية بحفظ القرآن الكريم لتلحق بركب الابداع من خلال تعلم الخط المغربي وإعادة نسخ القرآن والجميل ان .
تمزج بين قواعد النسخ والإبداع الفني .
الحديث عن تجربة الفنانة بدة جواد من مدينة خنيفرة هو حديث عن رحلة سفر في رحاب إيمانها القوي برسالة طلب العلم من المهد الى اللحد وجعلها لطلب العلم جهاد في النفس وجهاد ضد الأمية والظلام والألتحاق بركب الحفظ والنسخ والإبداع .
ليس سهل على سيدة بمجتمع محافظ أن تغادر بيتها لتكرس نفسها لحفظ القرآن الكريم والنسخ بالخط المغربي .
إن التحاقها بورشة محاربة الأمية في ظل الخطة الملكية لتشجيع المرأة المغربية على العطاء والألتحاق بفريق عمل
وفر لها بيئة عمل محفزة مثل توفير أدوات وموارد كافية.
مما سهل عليها التعاون مع الآخرين، فساعد على تحفيز إبداعها من خلال تبادل الأفكار. .
وهذا في حد ذاته يرسخ التفكير الإيجابي:
لأن القراءة والتعلم ساهم وبشكل كبير في تعرضها لأفكار جديدة تصقل خبراتها المتراكمة سابقا لديها عملها قد يدخل في السياق الحروفي اي خطاطة بالدرجة الأولى ولكن هي استطاعت أن تدمج بين الخطاطة والمبدعة في آن واحد ، ابداعها هذا يستمد مشروعيته الجمالية من مقوماته الجمالية من الخط المغربي، والذي يشترك في أسسه الفنية مع
التشكيل العربي عامة ، والذي يتخذ هنا القيمة الرمزية والبلاغية والبيانية من التراث الحضاري الإسلامي المحض في نطاق التمثل التأويلي، مما أكسبه طابعا فنيا متفردا. لكنها سهرت على ان تظهر القوة التشكيلية والمجال التعبيري في نطاق تجريدي شكّل دعامة فنية لتمثيل الهوية المغربية في حد ذاتها بعيدا عن الخطابات الفنية المشتثة بين الإخفاقات النقدية التي لم تواكب التطورات التشكيلية الحرفية العملية
والإبداعية،وكما يقول الدكتور محمد الشهري الباحث في الجماليات الفنية والأدبية ... :" في الواقع، عندما تدخل الأنثى غمار تجربة فإنها تُغدق عليها من الرعاية والاهتمام ما من شأنه أن يجعلها تجربة متميزة متفردة"1
لوحاتها الخطية تروم معاني الانسجام بين الفكر الديني الإسلامي والثقافة المحلية لبيئتها والبعد الفنّي الذي تنشده ، وفق مسلك التكتّل والتجمّع وتمثيل الواقع من خلال تشبعها الاسلامي وعمق ثقافتها الأمازيغية ، خصوصا انها متقنة وبامتياز النسيج لانتاج زرابي هي في حد ذاتها تحفا مميزة ويصعب تقليدها من طرف الآخرين ، إنه أسلوبها الخاص في التعبير، أو بالأحرى يمكننا القول ان مشروعها الإبداعي الذي يستمد مشروعيته من طلب العلم كفريضة وحب الجمال الخطي لتحقيق متعة وراحة بصرية تنسجم فيها الراحة الجمالية البصرية والراحة النفسية التي قد تتحقق بالاشباع الروحي والنفسي ، وهي معادلة يصعب تحقيقها إلا إذا كان الفنان ذو إرادة فعلية قوية وهو ما تتصف به السيدة بدة جواد والتي تتوخى التحدي في أعمالها في أبهى صوره.
إنها الخطاطة الباحثة صاحبة الخط الجميل او بالاحرى هي تتحدى التكرار من غير تغيير الصورة القديمة المتبعة في الاذهان للصانع التقليدي الذي يعيد ويكرر كتابة الحروف حسب أصول محددة وقوالب معروفة، أما فعلى قدر ما هناك بقايا فنية من الحياة اليومية بلوحاتها، فالشكل في اللوحة ليس قصدا موضوعا للرسم بألوانه وتركيباته ومواده، بل هو ممر نحو الكشف عن حالة انفعالية تبحث عن فضاء يستوعبها ويعكس بيئتها الغنية بالزخاريف الأمازيغية بالنسيج وحيوانات وطيور منابيع أم الربيع الغنية عن التعريف لتفتح عالم غير محدود من حيث الحجم والامتداد والإحالات، بل تسعى بكل طلاقة للتعبير عن حالة وجدانية ملتبسة هي المحمول الوحيد الممكن الذي تلتقطه العين وتمنحه بعضا من أشكال تحققاته. إنها فيض وينبوع لا ينبض من الابداع سواء على مستوى الخط كخطاطة أو الرسم او النسيج باختلاف زخاريفه ومواده وتركيبته ، هي تعبث بألوانها كطفلة تبحث عن ذاتها في خضم المجهود المبذول لتشكيل حروفها بلوحة هي في حد ذاتها تشكل رحلة البحث عن الذات الطموحة
عموما وعن غير وعي منها وجدناها تحسن التفكير في أربعة مجالات أساسية في حياتها وهو ما يسمى "بالإيكيجايIkigai ". وذلك بدمج ما تحب، وما تجيد، وما يحتاجه مجتمعها، وما يمكن أن يدفعه لها في مسار واحد يعكس الايكيجاي الخاص بها وهذا يعكس قمة وعيها بضرورة العطاء لتجعل ركوب مغامرة الإبداع بكل اطيافه، لتأخذ منه مادة أخرى لاجتياز المستهلك إلى المستجد.
ومما يزيد من رقي أعمالها انها تتمتع في شخصتها انطلاقا من تربيتها بقوانين جد مميزة في علم النفس علمتها إياها جامعة الحياة والجمع بين تربيتها الصحراوية والأمازيغية والإسلامية وهي :قوانين الراحة النفسية في ما تقوم به والذكاء العقلي فيما تمارسه والاستغناء عن كل ما قد يعطل عملها وتطوير الذات في ممارسة الخط كخطاطة وادخال رسومات تشكيلية وقوانين إثباث الذات بنسخ احزاب قرآنية و و التمييز باتقان عملها بضبط قواعد النسخ التحدي للأمية ودخول غمار النسخ والرسم وقوانين إدارة الوقت بين بيتها بأعمالها اليومية والنسيج وبمرسمها والمشاركة في المهرجانات و الأهداف حيث أنها لا تعيش عشوائية المسار بل تضع مخططات لابداعها في إطار قوانين الوعي والتعلم والتغيير المستمرين...خيرة جليل
--------------------------------------------------------------
الدكتور محمد الشهري: بلاغة المؤنثة: دراسة في تجربة الأديبة خيرة جليل ص76 دار النشر الموجة سنة 2023
التشكيل بين التأطير والتنظير: خيرة جليل ...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى