سعيد فرحاوي - (المقاربة العاشرة). التحليل السيميوطيقي للخطاب القرآني... تمفصلات الدلالة في سورة البقرة.

المقاربة العاشرة.


تثير كل التحولات في الآيات القرآنية عدة أسئلة بنيوية تستدعي الوقوف عندها بحذر كبير ، مما أنتج رسالة ربانية في مستوى عال من الدينامية التي جعلت القارئ يعيش حيرة كبيرة ناتجة عن عدة بناءات بأشكال متعددة.
تشكل هذه الملاحظة القاعدة العامة التي توصلت إليها من خلال وقوفي عند كل الآيات السابقة . للبحث أكثر سأحدد طبيعة التمفصلات الأخرى وقوفا عند مقطع آخر يبتدئ من الآية رقم 132 :
) وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ (132) .
الآليات المعتمدة في اختيار هذا المقطع أحددها كما يلي :
- تغيير الضمير ، ليصبح المعني في الخطاب هو النبي يعقوب وليس النبي ابراهيم.
تغير الضمير ضمنيا ستتغيرمعه الدلالة.
- كما ستتغير عوامل التواصل وعوامل السرد.
- لهذه الأسباب اتخذنا هذا المقطع موضوعا لمقاربة جديدة.
- تتحدد عوامل التواصل على الشكل التالي :
- المرسل .....الخالق.
- المرسل إليه الأول ...الرسول'ص'.
- المرسل إليه الثاني ..يهود زمن الرسول محمد 'ص'.
- المرسل إليه الثالث ..المشركون والكفار.
- المرسل إليه الرابع..المؤمنون وأهل الكتاب.
كل هذه العوامل تشتغل بخفاء تام ، تحدد فاعليتها نظام النسق الدلالي ، لأن توظيف القصص المأخودة من الماضي البعيد تتحدد وظيفتها في إقناع الجيل الذي عاشر الرسول'ص' ، كما هي قصص الغاية منها تبقى شاهدة على كل زمن ، لأن الخطاب القرآني يشكل في عموميته رسالة حاضرة في كل الأزمنة.
عوامل السرد :
عامل- ذات مركزي ....الخالق.
موضوع قيمته.... يصبح الكل في النهج الذي رسمه القرآن.
عوامل مساعدة ...القصص القرآنية/ التاريخ.+ قوة الذات الإلهية+ الرسول / وسيلة نقل الرسالة/ آيات الله على الأرض والسماء والتاريخ..
عامل –ذات ثان...النبي ابراهيم.
موضوع قيمته...وصايا النبي لابنه يعقوب( موضوع الرسالة : لاتموتن إلا وأنتم مسلمون)..
العوامل المساعدة ....الخالق+النبوة.
العوامل المعاكسة ..الشرك والكفر.
كما يلاحظ المتتبع أن كل آية تتمظهر بعوامل تواصلية وعوامل سردية متعددة ، كما تتضمن برامج سردية متنوعة ، وهي آليات مهمة تسهم في إنتاج دلالة في كل أبعادها الحركية المتحولة ، مما تسهم في إنجازخطاب بلاغي مميز بدينامية سردية خاصة.
سـتأتي الآيات الموالية لتزيد من تفسير ما طرحته الآية السابقة ، سأحدد هذا التعالق على الشكل التالي :
(أم كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ (133) :
-المرسل : الخالق.
المرسل إليه الأول : الرسول"ص".
المرسل الثاني : النبي يعقوب.
المرسل إليه الثاني : أبناء النبي يعقوب.
موضوع الرسالة : عبادة الخالق وحده.
المرسل الثالث : قالوا/ أبناء النبي يعقوب.
المرسل إليه الرابع : النبي يعقوب.
موضوع الرسالة : نعبد إلهك./ إله النبي إبراهيم.
تمفصلات دلالية كثيرة تحدد طبيعة التعالق بين العوامل بمختلف وظائفها.كل قطب يتحول حسب موقعه السردي / مرة يكون مرسلا فيتحول إلى مرسل إليه بصيغ عجيبة ، بناءات متعددة دون أن تربك الدلالة أو أن تفعل في تماسكها.
سنحلل الآيات التالية لأوضح هذا التلازم الدلالي الذي أسس خطابا مبنيا على عدة درجات من البناء الخطابي :
(تلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (134) وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (135) قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ (136) .
هذه الآيات جميعها اشتغلت على نفس الموضوع الذي حدد طبيعة موضوع قيمة النبي ابراهيم / مما يفسر نجاح البرنامج السردي الثاني كليا ، لأن النبي تمكن من إقناع أبنائه بأن لايموتوا إلا وهم مسلمين ، كما شكل نجاج جزء من البرنامج السردي الأول ( برنامج عامل ذات / الخالق) ، في حين تشكل استجابة الطرف الثاني علامات فشل البرنامج السردي في إطار علاقته بالشريحة المقصودة في الخطاب.لأن الآيات الموالية ستوضح تعجرف البعض وعدم تقبلهم لدعوة الخالق.ذاك ما سأحدد في الآيات التالية:
(فإنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ( 137) :
-هنا تحدد مجموعة من التمظهرات الدلالية يساهم في إنجازها مجموعة العوامل بمختلف وظائفهم :
- الوظيفة التواصلية :
- المرسل : الخالق.
-المرسل إليه المخلوق الأول ( الرسول'ص').
-المرسل إليه الثاني : المهتدون الذين أمنوا .
-المرسل إليه الثالث : الذين مازال فيهم شك ( إن أمنوا..).
-موضوع الرسالة : مكافأة الخالق/ فسيكفيكم الله.
سمات الخالق :
- سميع : له القدرة على سماع كل أنواع الخطابات.
- -قدير : القدرة الخارقة ميزة تحدد تفوق الخالق.
تمفصلات الدلالة في الآية تتحدد حسب الصيغة التالية :
- آية تحتوي على عدة أقطاب تواصلية.
- مرسل واحد/ الخالق.
- عدة مرسل إليه بصيغ تحتمل التناقض في التواصل .
- ساهم الجدل الإثناني بعدة صور في تفعيل كل الأدوار السردية ، لتقوم بوظيفة محورية تتحك في إنجاز رسائل متماسكة.
- كما تتضمن عدة رسائل :
- - رسالة الإيمان.
- رسالة الكفر.
- رسالة المكافأة.
- رسالة قوة الخالق.
- رسالة السماع الخارق عند الخالق.
تمفصلات الآية المواالية :
(صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ (138) .
ظهور الخالق ثلاث مرات بدلالات مختلفة :
-1- صبغة الله : ميزة خاصة بالخالق.
(ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ):
صياغة أسلوب المبالغة تعبيرا على قوة الخالق.
–(وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ) :
التعبير عن الذات بضمير المتكلم الجماعي دلالة على رمزية الله التي لا تشبهها أية ذات أخرى.
ميزة الذات الإلهية :
القدرة على الحماية وعلى الحفاظ على عباده المخلوقين.
هكذا نجد أنفسنا أمام نفس الذات المتكلمة بإشارات عدة ، كل واحدة تحيل على موضوع ، هذا دون أن نغيب الذات الإلهية الرابعة المتمثلة في ضمير الغائب الدالة على وظيفة المرسل للخطاب.
نخلص أننا أمام ذات خالقة واحدة بعدة توظيفات بنائية دالة على إنجاز خطاب بتمفصلات خطابية متعددة.
(قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ (139) :
تتحول الصياغة الدلالية في الآية الموالية بتجليات مغايرة أحددها كما يلي :
- فعل أمر قل دال على صيغة الأمر الموجه من المرسل/ الخالق في المنزلة العليا بالمقارنة مع المخلوق / الرسول 'ص' الذي يوجد في المنزلة السفلى.
- أتحاجوننا : تتضمن مجموعة من التمظهرات تظهر كالتالي :
- المتكلم : نحن/ الذات الخالقة بصفتها المرسل للخطاب ومحور التحدي في الرسالة.
- المرسل إليه :
- الرسول'ص'.
- المحاجون/ المشركين: المحددون بضمير(هم.).
- الرسالة : تحاجوننا.
- في الله : الكلام عن الذات الخالقة التي هي قطب الرسالة التي تتجلى بوظيفة المرسل وفي نفس الوقت موضوع الرسالة.
- وهو ربنا : نفس الخطاب بتأكيد دال على قيمة القوة الإلهية موضوع الخطاب.
- نا: الذات اللأهية/ موضوع الخطاب ومرسلة الخطاب.
- وربكم : نفس الخصائص بصيغ مختلفة.
- ولكم أعمالكم : يخص الطرف المعني في الخطاب الاحتجاجي ، بتحديد المعني /هم ، برسالة واضحة دالة على التخصيص/ أعمالكم.
- ولنا أعمالنا :تمييز الطرف الثاني في الخطاب وهم المعنيون في ضمير' قل" الدال على الرسول "ص" والتابعين له ، برسالة مختلفة :
- رسالة الطرف الأول : أعمالكم/ التمرد.
- رسالة الطرف الثاني / الطاعة.
- الشرائح متنوعة والرسائل مختلفة والبرامج السردية تتوزع بتوزيع وتنويع العوامل بصيغ متعددة.
(َأمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ/ الآية 140:
في هذه الآيات يجمع الكل المعني في الضمائر المتكلم عنها سالفا بصيغ مبهمة تحتفظ بالضمير وحده بدون الدلالة على المقصود منه .يصبح الخطاب واضحا لأن الطرف المهدي المطيع الذي احترم شرط الرسالة يتشكل من الأقطاب التالية :
(إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ ).
يأتي بالآية الموالية ليعمم الخطاب فيصبح الكل معنيا/ تلك أمة، بتمييزواضح :
-التمييز الأول : الخطاب يخص مجموعة محددة :
- طبقة : خلت لها ما كسبت.
-طبقة :لكم ما كسبتم.
-الخلاصة : لا تسألوا عما كانوا يعملون.
كل وظيفة تخص الخالق وحده في علاقته بمخلوقاته ، حسب المراتب وحسب الرسائل والمهمات التي أنجزتها كل طبقة من طبقات الأمة بشكل عام. هذه هي الخلاصات التي استتنجتها من الآية الموالية في علاقتها بباقي الآيات السابقة ، ،خاصة كما قلنا سابقا، لأن الخطاب القرأني يتأسس بناء على عدة علاقات لا يمكن إخراج طرف عن الأطراف الأخرى ، لأننا أمام رسالة تنجزبتمفصلات لا متناهية، تبني الخطاب بشكل عميق يصعب على القارئ السريع استنباطها في غياب وقفات تأملية عميقة تسهم في تحديد كل التعالقات النصية التي تتأسس تركيبيا وتحويليا لبناء الدلالات في بعدها العموي والأفقي.
وقوفا عند هذه الآيات يبرر طبيعة اشتغال المسار التوليدي في كل تجلياته التركيبية دلاليا ، تحويليا ، مما أنجزرسائل مختلفة تنطوي كلها في الرسالة المحور الذي حددت طبيعة البرامج السردية الدلالية في تنوعها الغزير.
ينتهي المقطع عند هذه الآيات لأن المقطع الموالي تتحكم فيه أليات أخرى سأقف عندها في الدراسة القادمة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى