عبدالرحيم التدلاوي - مكناس بين النداء الشعري والانطفاء الحضاري... قراءة في ديوان "سلام للاقاصي" للشاعرة ماجدة التدلاوي.

توضيح قبل بداية التحليل:
اهتمامي بالقسم الذي خصصته الشاعرة لمدينة مكناس نابع من أمرين، أولهما أنني والشاعرة نحمل اللقب نفسه، وثانيهما، أننا ننتمي للمدينة نفسها، ونحمل في قلوبنا محبة لها.
**
عتبة الغلاف:
غلاف ديوان "سلامٌ للأقاصي" – قراءة تأويلية
عنوان الديوان هو: "سلامٌ للأقاصي" –ينقلنا من الخطاب الموجّه لكائن/شخص، إلى خطاب نحو مكان، نحو موطن بعيد، نحو "الأقاصي" بما تحمله من أبعاد جغرافية، نفسية، وجدانية، وسياسية.
التحليل اللغوي:
سلامٌ للأقاصي"
"سلامٌ": ما يزال يحمل شحنة دلالية روحية، لكن في هذه الصياغة (سلامٌ لـ...) يصبح موجهًا كقرب وجداني، لا كتحية عن بعد فحسب، بل كهبة داخلية، كحنين مضمّخ بالأمل.
"للأقاصي": مفردة تتجاوز البعد المكاني إلى البعد القلبي. فـ"الأقاصي" ليست مجرد أماكن جغرافية نائية، بل هي رموز للحنين، للمظلوم، للمنفي، للمقدّس المُصادر. وفي هذا السياق، كما أوضحت، فإنها تحيل بالأساس إلى القدس وفلسطين، تلك الحاضرة الغائبة، البعيدة عن السيادة، القريبة من الروح. هنا تصبح الكلمة شِعرًا سياسيًا مغلّفًا برقة وجدانية.
البنية النحوية والبلاغية
نحن أمام جملة مبتدأ وخبر، لكنها ليست تقريرية بل وجدانية. ليس "السلام" هنا معلومة تعلن، بل شعور يُهدى. و"الأقاصي" مفعول وجداني به، مما يمنح النص نبرة مناجاة، كأن القصيدة كلها تبدأ من هنا: من اعتراف بالمسافة، لكن دون القطيعة.
التحليل الأيقوني
لون السماء: أزرق أم أخضر؟
بين الأزرق المخضوضر أو الأخضر المزرق، يقف اللون في منطقة التباس لوني، لكنها محملة بالمعنى:
الأزرق: يرمز إلى السماء، الرحابة، المطلق، الحلم، والبعد.
الأخضر: رمز الخصوبة، الحياة، الأمل، وهو في الثقافة الإسلامية لون النبوة والجنة. هذا التداخل قد لا يكون عشوائيًا: فهو يرمز إلى أن "الأقاصي" ليست مكانًا جامدًا، بل موضعًا تتقاطع فيه الأرض بالسماء، النفي بالأمل، النكبة بالنهضة.
البقعة البنية الداكنة في الزاوية اليمنى السفلى
هذا اللون الدافئ، المائل إلى البني الغامق، لا يمكن تجاهله:
قد يُقرأ كأرض متيبّسة، إشارة إلى الواقع القاسي، أو الجراح المغروسة في التراب.
وربما يحيل إلى لون القدس العتيقة، أو حجارة فلسطين، أو ركام الذكرى. إنه لون يقاوم البهاء السماوي، يجرّ الغلاف إلى الواقع، إلى ثقل الأرض، في توازن بصري بين الحلم والمعاناة.
الشمس البازغة تحت الحمامة
هذه الشمس، وإن كانت خجولة، فهي تخلق لحظة ولادة. تشرق لا من الأفق بل من خلف الرمز – الحمامة.
الحمامة هنا تحمل دلالة مضاعفة؛ فهي أيقونة سلام وحامل للضوء، ومبشّر بيوم جديد.
إذا ربطنا الشمس بالقدس، فإن البزوغ يرمز إلى الإشراق القادم، العودة الموعودة، الانبعاث من تحت الأنقاض. إن الشمس هنا ليست خلفية، بل رسالة: "النور قادم من حيث الحلم يُطلق".
تناغم الدلالات النصية والبصرية
بعد هذه التوضيحات، يبدو أن الغلاف يؤسس لثنائية الحنين والمقاومة الهادئة. فـ"السلام" ليس خطاب ضعف، بل اختيار شعري للمواجهة النبيلة، و"الأقاصي" ليست أماكن ضائعة، بل مواضع للقداسة والانتماء.
الحمامة لا تطير عبثًا، بل تحمل الرسالة، وتمرّ من فضاءٍ ملتبس بالأخضر/الأزرق، وتبشر بشمس تظهر من أرض موجوعة. إنها أشبه بصلاة بصرية تخرج من حنجرة الشاعرة نحو قلب القارئ.
لنقرأ الغلاف بوصفه خارطة وجدانية لفلسطين:
اللون البني: الأرض.
الحمامة: الشاعرة/القصيدة.
الشمس: الوعي/النهضة.
السلام: ليس تحية بل إيمان.
الأقاصي: ليست "هناك"، بل "هنا" في القلب، وإن بعدت.
ووفق هذا التصور، فإن الغلاف كله يصبح قصيدة مشهدية، حيث تتجاور الرموز وتتمازج، لتقول ما تعجز عنه السياسة والتاريخ: أن البُعد لا يُقاس بالكيلومترات، بل بالجرح، وأن "الأقاصي" قد تكون أقرب إلينا من أنفاسنا، إذا ما احتضنّاها بالشعر.
مكناس بين النداء الشعري والانطفاء الحضاري
ما بين غلاف يحمل ألواناً تتردد بين الأزرق والاخضرار، وبنية أيقونية تستبطن رمزاً طيفياً لشمس واهنة تشرق من خلف حمامة سلام، وما بين قصائد تهتف بحنين جارح إلى مدينة تُكتب كأنها امرأة تنزف، تقف هذه المجموعة الشعرية على تخوم زمنين: زمن الفقد وزمن الرجاء، زمن يحتضر وآخر يستدعى بالكلمات. هكذا تتشابك الأبعاد البصرية واللغوية في هذا العمل، وتتآلف على غير اتفاق، كأنها صدى واحد يتكرر على درجات متعددة من النبرة والوجع.
الغلاف في ظاهره بسيط، لا يعج بالفوضى البصرية، لكنه في عمقه يحمل حمولات رمزية تحتاج إلى عين تأويلية. تبرز الحمامة البيضاء ككائن خفيف، يتوسط اللوحة بين شمس خجلى تتهيأ للبزوغ، وخلفية لونية مترددة، توهمنا تارة بزرقة، وتارة بخضرة، كأنها تمتحن نظر المتلقي أو تختبر يقينه في الرؤية. في أسفل اللوحة، وعلى حواف اليمين، تتكاثف ألوان الطين والبني، وكأن الأرض تتهيأ لنهوض جديد، أو أنها توشك أن تطوى مثل كتاب تاريخ أُهمل في ركن عتيق. اللون في هذا الغلاف ليس زينة، بل سؤال: هل ما نراه هو ما نعتقد أننا نراه؟ وهل الأمل المرتجى في الشروق آتٍ حقًا أم مجرد سراب بصري؟
في ظهر الغلاف، يبقى التباس اللونين الأزرق والأخضر قائمًا، كأن السماء نفسها تحتار في هويتها، بين أفق الحلم وملمس الأرض. وفي أسفل اللوحة البصرية، ينبسط لونٌ بنيٌّ فاتح، يشكّل ما يشبه الأرضية الرمزية التي منها تنبع الكلمات، وتنهض الحروف كمنارة بعثٍ، كأنها تنهض لتتجنب تكرار مأساة سقوط الأندلس، هذه المرة في فلسطين، كما تعبّر إحدى قصائد الديوان.
وعلى الجهة اليمنى، تبرز صورة نصفية للشاعرة، لا بوصفها مركزًا بصريًا، بل كإيماءة توقيع غير مباشر، وإشارة إلى أن هذه النصوص تنتمي إلى نبضها، وإلى سيرتها الشعرية والشخصية معًا. إنها تُطل لتشهد على القصائد، لا لتتصدرها.
ومن الجهة الشمالية للصورة، يتنفس الغلاف بمقطع شعري مقتبس من إحدى قصائد الديوان بعنوان "جمال المغرب"، تقول فيه الشاعرة:
"يا عيون العالم لا تستغربي
هذا حسن وجمال المغرب
حباها الله من كل مرب
هي المأوى وكل المطلب {...}
أرض الملوك من أهل النبي
من بيت الحسب والنسب
جودك كجود السحب
معطاءة قبل الطلب
تاريخك وضاء على مر الحقب
ترويه كتب التاريخ والأدب {...}
شاع نورك فاق كل الشهب
حفظك الله وسترك بالحجب {...}
رجالك، نساؤك، بابك.. وكل صبي
الكل يهتف: أحميك ولو زحفا على الركب."
هذا المقطع لا يتحدث عن "الأقاصي" بالمعنى الذي يحيل إلى القدس، بل هو احتفاء بالمغرب، ومن خلاله بمدينة مكناس، التي خصّتها الشاعرة بقسمٍ كامل من الديوان، يتضمن أربع قصائد، سيشكّل هذا القسم محور التحليل القادم، حيث تتقاطع في مكناس الجغرافيا بالشعر، والتاريخ بالعاطفة، والانتماء بالافتخار الصامت.
ثنائية الغياب والحضور الحاضرة في الغلاف، كما ثنائية الشروق والغروب، تمتد لتجد صداها في القصائد التي تؤثث هذا العمل. في "عبق التاريخ" و"صرخة مكناسية"، لا تسرد الشاعرة حكايات طفولة فقط، ولا توثق عهداً مضى فحسب، بل تتكئ على الحنين كسلطة احتجاج، وتستنفر الذاكرة لا لتسكنها، بل لتعيد بناء ما تهاوى من مشاعر وانتماء. إنها لا تكتب فقط عن مكناس، بل تكتبها، تعيد تشكيلها بالكلمات، كما لو كانت القصيدة آخر أشكال الترميم الممكنة لمدينة تصدّعت في وعيها الجمعي قبل أن تنهدّ عمرانياً.
في "عبق التاريخ"، نشهد تردّدًا جماليًا بين صوت الجماعة وصوت الفرد، بين ضمير "نحن" الذي يرسم ملامح الطفولة واللقاءات الأولى، وضمير "أنا" الذي يحمل عبء الفقد والغربة. تكتسب المدينة هنا تجليات الأم، والملاذ، والعاشقة المعنّاة، لكنها أيضًا تصبح كيانًا مستقلًا، يتألم ويكابد، ويتماسك حين ينهار الجميع. هذا التماهي بين الشاعرة والمدينة، وإن حمل طاقة وجدانية عالية، إلا أنه أحيانًا يضعف البنية التأملية للقصيدة، إذ تندفع العاطفة على حساب التركيب الدقيق للصور، وتغدو بعض المقاطع أشبه بإعادة صياغة لمشاعر مألوفة دون انزياح كافٍ يجعل من المألوف مفاجئًا أو مدهشًا.
أما "صرخة مكناسية"، فهي أشبه بنصّ خطاب شعري، يلوّح بالإنذار، ويتغنّى بالشوق، ثم ينقلب على ذاته ليعتذر للمدينة عن خذلان أهلها. إنها قصيدة اعتراف، ولكنها أيضًا قصيدة لوم خافت. اللغة فيها تحاول أن تتزن بين البوح والعتاب، بين الحنين والغضب، غير أن كثافة التوصيف في بعض المقاطع تؤدي إلى تراكم دلالي لا يمنح الصورة الشعرية المجال الكافي للتنفس. فبعض التشبيهات، مثل "كعروس تجردت من كل حلية"، رغم قوتها، تتكرر بمعاني موازية لاحقًا دون تعميق أو تطوير، ما يجعل النص أحيانًا يدور في حلقة وجدانية مغلقة.
تتجلّى القيمة الأعلى في هذه النصوص حين تستنجد الشاعرة بالتراث الصوفي، والملحون، والعيساوي، كأعمدة لهوية حضارية مهملة، وتفتح جراح التاريخ لا لتنوح، بل لتوقظ ذاكرة مشلولة. حينها يصبح الشعر فِعل تذكُّر لا كنوع من الحنين الفارغ، بل كوسيلة بقاء ومقاومة رمزية. مكناس لا تُستحضر فقط لأنها مدينة أحبّتها الشاعرة، بل لأنها نموذج مكثّف لوضعية عربية أشمل: مدينة شاخت، ولم تجد أبناءها إلى جانبها، كما لو أن الجميع تآمروا على نسيانها.
وإذا كان للغلاف أن يضع لنا مفتاحًا بصريًا لقراءة هذه الرؤية، فإنه يقدّم المدينة على هيئة أفق مفتوح يحتمل التأويل: مدينة تفتح ذراعيها، لا بوصفها سردية مكتملة، بل بوصفها نداءً مستمرًا، وغيابًا لا يهدأ. والقصائد، على تنوعها، تعكس هذه الثنائية بعفوية وحس صادق، يطغى فيه الوجدان أحيانًا على الصنعة، لكن دون أن يفقد النص تأثيره المباشر.
لقد أنقذت الشاعرة بعض لحظات الضعف البلاغي بقوة انتمائها، وبتكرار أسماء الأمكنة والأزمنة كما لو أنها تعاويذ ضد العطب. لكن ما ينقص هذه النصوص، في مواضع متفرقة، هو المجاز الفجائي، الصورة غير المتوقعة، الانزياح الذي لا يشبه ما قبله. فبينما تحقّق القصائد وظيفة الاستدعاء العاطفي والتمسك بالذاكرة، فإنها لا تخترق بالكامل أفق الدهشة، ولا تغامر بالخروج عن المألوف بما يكفي لتأسيس لغة شعرية متفرّدة.
رغم ذلك، فإن قوة هذا العمل تكمن في صدقه، وفي كونه يكتب من الداخل، لا من موقع المراقبة الباردة. إنه كتابة ميدانية عن مدينة لا تزال تنبض داخل الذات، حتى حين تخفت مظاهرها في الخارج. مكناس، في هذا السياق، تشكل موضوعًا شعريًا، كما تمثل "شخصية" تحاور، وتُعاتب، وتُؤنَّب وتُستنهض. وهي بهذا المعنى تتجاوز الجغرافيا، لتصبح كناية عن الأرض، عن الهوية، عن التاريخ حين يتحول إلى ذاكرة جريحة تبحث عمّن يُعيد كتابتها بصدق وجمال.
في النهاية، تجمع هذه النصوص بين عفوية الحنين ووعي المسؤولية التاريخية، بين الحضور الجمالي والانكسار الواقعي. ورغم بعض التكرار اللفظي، ومناطق الضعف في الانزياح التصويري، فإنها تحمل مشروعا وجدانيا وشعريا صادقا، يرنو إلى أن يجعل من الكلمة ملاذا، ومن القصيدة حضنًا، ومن المدينة مملكة لا يسقط فيها العشق ولا يباع التاريخ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى