1- فاطمة حسونة
ارتقت فاطمة حسونة المولودة في العام ٢٠٠٠ في ١٨ / ٤ / ٢٠٢٥ ، قبل حفل زفافها بأيام . في ٤ / ١١ / ٢٠٢٣ كتبت نصا عنوانه " أريد لموتي أن يكون صاخبا ، ومما ورد فيه:
" قلت لكم ، أريد لموتي إن يكون صاخبا ، ولن يكفيني أن يعرف به الأصدقاء فقط ، لأنني لم ابذل حياتي لذلك ، أريد لكل العالم أن يعرف ان موت الفلسطيني الآن يعني أن ثارا ممتدا سيكبر ويحرق قاتله وأخاه الساكت عن قتله ، والسكين التي حزت رقبته ، وأريد لكل العالم أن يعرف أن موتي يعني خسارة العالم نفسه أمامي ، أمامنا ، أمام نفسه ... "
لم يكن ما قتل فاطمة رصاصة ولا شظية ولا صاروخا ، فما يقتلها كل يوم هو عجزها عن كسر اليد التي تطاولت عليها وعلى إخوتها و " قهري من كل الذين سكتوا وقت كان يجب عليهم أن يصرخوا . ما يقتلني شيء لا يرى يدخل خلسة إلى جسدي ونفسي ويعشش ، يمتد كسرطان ثم يفتك بكل شيء بعد لحظة ترقب مثل ثعبان لئيم ... "
ما سيقتلها لن يكون أبدأ هذا الاحتلال ولا الذين عرفت نجاستهم إنما خيبتها وهوان نفسها عليها وصمتها ورضاها عن قتلها وهي لهذا لا تريد لهذا العار أن يلحقها أبدأ " أريد أن أعيش ، أن يعرفني العالم وان تنتهي اللعبة نهاية عادلة " .
( من كتاب عاطف ابوسيف : استعادات مقلقة ، يوميات غزة ) .
ربما يكرر المرء هنا مقولة الشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح : الصمت عار ، وربما يكرر سطر محمود درويش : فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة .
خربشات ١٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
2 - نور الدين حجاج / روائي
فيما أورده عاطف ابوسيف فإن نور الدين حجاج ولد في ٣١ / ١ / ١٩٩٦ وارتقى في ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ - أي وهو في السابعة والعشرين من العمر .
لنور الدين روايتان هما " غريب وغريبة " و " أجنحة لا تطير " .
في يومياته التي نشرها له عاطف في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " يكتب عن قسوة الحياة في الحرب . عن الطوابير وضيق المكان والخوف من الصواريخ والموت في أية لحظة . في غزة تنعدم الاتجاهات " تهرب من صوت صاروخ خلفك فيتلقفك آخر أمامك . في غزة لم يعد هناك اتجاهات أربعة ، لأن جميعها أصبحت تطل على ذات المشهد وهو " الدمار " . " .
يفصح نور الدين عن حبه الحياة ما استطاع اليها سبيلا ، وينشد الحياة ليكتب ويوصل صوته للعالم " أرفض أن يكون خبر موتي عابرا " يكتب ، بخلاف فاطمة حسونة التي أرادت أن يكون موتها صاخبا . يكتب يومياته في الحرب معتقدا أن تكون رسالته الأخيرة التي تجوب العالم الحر [ لو امتد به العمر حتى اليوم لاقتنع أن هذا العالم ليس حرا على الإطلاق ] " تعبنا يا الله . لينته كل هذا عاجلا ليس آجلا .. يا رب " ولا جنازات في غزة فالعائلة كلها ترافق الميت معه إلى القبر .
فيما كتبه نور الدين في ٧ / ١١ / ٢٠٢٣ - قبل ٢٦ يوما من ارتقائه رأى أن غزة الآن تشبه رواية " العمى " ل ( جوزيه ساراماغو ) ، مع اختلاف طفيف هو أن " المرض المنتشر بيننا الآن هو الاحتلال وليس العمى . لكنها تتشابه بشكل كبير مع ... المجاعات ... الأمراض ... المكاره الصحية ... الكوارث ... نفاد المنتجات ... الخوف ... الدمار ... . ما كان خيالا صار الآن واقعا ... بفعل قوة قاهرة ... ومع كل هذا السوء ، الجميع يخشى أن تسوء الأمور أكثر " .٠
وما تنبأ به نور الدين وقع . ارتقى قبل أن تنتهي الحرب وساءت الأمور أكثر وأكثر وأكثر .
خربشات ١٥ / ٥ / ٢٠٢٥
***
3- رفعت العرعير
ولد رفعت العرعير في العام ١٩٧٩ في حي الشجاعية بمدينة غزة وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ . حرر كتابين " غزة تكتب مرة أخرى "(٢٠١٤) و " غزة لا تسكت " (٢٠١٥ ) .
كان يكتب باللغة الإنجليزية ليخاطب القارئين بها هو المتخصص بالأدب الإنجليزي ، وفي الحرب قصفت البناية التي يسكن فيها ، فكتب مقالا عنوانه " قصف بنايتنا " أعاد عاطف ابوسيف نشره بالعربية في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " .
لم يشهد رفعت من الحرب إلا شهرين ، ولهذا لم نقرأ له الكثير .
من القصائد التي شاعت له قصيدة " إذا كان يجب أن أموت " التي كتبها ، كما يرى ابوسيف ، استعادة لقصيدة نشرت لأول مرة في ١٩١٩ لشاعر أمريكي من أصول جاميكية ( كلاود ماكي ) . كان المواطنون البيض يعتدون على المواطنين السود فدعا الشاعر إلى المقاومة .
كتب رفعت :
" إذا كان يجب أن أموت
فلا بد أن تعيش من أجل أن تخبر قصتي
من أجل أن تبيع أشيائي
وتشتري قطعة قماش
وبعض الخيوط
( اجعلها بيضاء بذيل طويل )
حتى يتمكن طفل في مكان ما في غزة
حين ينظر للسماء
منتظرا عودة والده الذي غادر محترقا .
دون أن يودع أحدا حتى جسده
حتى نفسه .
فيرى طائرتي الورقية التي صنعتها لي تطير عاليا
ويذكر لدقيقة بأنها ملاك يعيد له الحب
إذا ما كان يجب أن أموت
ليجلب موتي الأمل
وليكن حكاية " .
في مقابلة معه قال :
" أنا شخص أكاديمي وأصلب شيء عندي في المنزل هو قلم السبورة وإني سأرميه على الجنود الإسرائيليين إذا حاولوا اقتحام منزلي ولو كان ذلك آخر شيء أفعله " ( عن كتاب " استعادات مقلقة ") . ربما هنا نتذكر ما قام به إدوارد سعيد في الجنوب اللبناني قرب بوابة فاطمة يوم قام بحركة رمزية هي قذف حجر على الجانب المحتل من بلده .
قبل ارتقاء المصورة فاطمة حسونة كتب رفعت عن موته طالبا أن يجلب له الأمل ، وقبل ارتقائه بأربعة أيام ارتقى نور الدين حجاج .
خربشات ١٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
4- بلال عقل
بلال عقل من مواليد العام ١٩٩٨ وارتقى في ١٨ / ٧ / ٢٠٢٤ ، وكان خلال أشهر الحرب يتساءل إن كان العمر سيمتد به ليروي قصة الحرب أم أنه سيرتقي فيكون هو جزءا من الحكاية . " هل سنروي القصة أو نكون منها " .
وما أورده له عاطف ابوسيف من يوميات ، كتبت بين ١٠ / ١٠ / ٢٠٢٣ و ١٠ / ٧ / ٢٠٢٤ ، تقع في ست صفحات . أهي كل ما كتب أم كل ما استطاع الحصول عليه ؟
يكتب عاطف " برحيل بلال خسرنا موهبة كان يمكن لها أن تقدم لنا الكثير " وما يعزز رأيه هو اليوميات التي أدرجها له وتستحق أن تقرأ .
" أحن إلى نفسي التي لم يكن يخيفها سوى العتمة في الطريق " يكتب .
يكتب بلال يوميات قصيرة جدا لا تتعدى السبعة أسطر ، ولكنها لا تخلو من جماليات . يرصد ويصف ويصر على أنه سيكتب . يموت صديقه فيدفنه ويصبح جاره وبعد يوم تموت الطفلة و ... " سنظل نخبركم أننا بخير . سنموت جميعا كلنا وستبقى غزة تلعنكم كلكم " .
يكتب بلال ما ترويه له أخته ريمة ذات العشرة أعوام . يكتبه بلغتها هي . تحب ريمة السكن بالطابق الأخير " عشان لو انقصفنا ومتت بيلاقوني بسرعة ، ولو كمان ممتش يلاقوني بسرعة "
في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ يكتب :
" النصر لا يأتي إلينا . نحن نذهب إليه . صباح الخير من غزة "
وفي ٨ / ١ / ٢٠٢٤ يبدي رأيا في الحرب :
" من يعتقد واهما أن تسليم الأسرى ينهي الحرب وان التخلي عن المقاومة المشروعة يجلب السلم لفلسطين ، هو نفسه من يعتقد أن القتل والدمار والخراب سببه المقاومة ، ومن يعتقد أن الفلسطيني لديه خيارات أخرى هو نفسه من يعتقد أن الدول العربية مستقلة ، هو نفسه من يرضى بالذل من أجل العيش " .
إنه يشتاق لغزة التي هو موجود فيها ، وبعد أن كان يقول ان أحدا لا يموت من الجوع في غزة صار إذا ما تقابل مع أصدقائه يسأل أحدهما الآخر :
- هل أكلت جيدا اليوم ؟ .
ويقول مخاطبا معارفه :
" - إذا وصلكم خبر استشهادي فلا تأتوا لوداعي إلا إذا كنت جسدا كاملا كما عرفتموني .... أريد لتراب هذي البلاد أن يحتضنني في الأرض، كلي"
إن المعيار الذي يضعه لاحترام الآخرين هو موقفهم من القضية الفلسطينية ، لا النوع ولا الدين ولا اللون.
في ١٠ / ٦ / ٢٠٢٤ يكتب :
" هل هذه هي أصعب لحظات العمر ؟ وأنا في السادسة والعشرين لا أستطيع أن أتخيل حلما واحدا . هذا العالم ضيق جدا ، والخيال أضيق مما مضى ، لا شيء يلوح في الأفق"
أنه يبدو متشائما وليس غريبا أن نقرأ له بعد خمسة أيام ، قبل ارتقائه بثلاثة أيام ، السطر الأخير :
" لا ترسلوا لي الأغاني ولا التهاني . لا شيء يدعو للفرح ولا وقت للأمنيات".
عندما كتبت ، قبل أيام ، عن شهادة طلعت قديح أمد الله في عمره ، التفت إلى تساؤله:
- هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟
هل نكرر سطر محمود درويش :
تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير
أم أن تكراره مبكر فالشاعر نفسه كتب :
هنالك ليل أشد سوادا ، هنالك ورد أقل !
خربشات ١٦ / ٥ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة
***
5- هبة محمد المدهون
ولدت هبة في العام ١٩٨٠ ودرست الهندسة المعمارية . كتبت الرواية والشعر والقصة القصيرة ولها كتابان ؛ رواية عنوانها " فإذا هم خامدون " وديوان شعر عنوانه " كوني عنقاء " وارتقت مع ابنيها حميد وعبد الرحمن بعد تسعة أيام من بداية الحرب .
وكما يرى عاطف ابوسيف فإنها عرفت بقوة التحدي ، وهو ما يبدو في عنواني كتابها .
"كتبت هبة في الحرب السابقة :
هل الموت مؤلم ؟
أظنه كذلك"
وتصف تركها وغيرها حاراتهم دون أن يغلقوا البيت " لأننا لا نعلم هل سنحيا لندخلها ثانية أو لا " .
كما تصف لحظات الخروج وركضها من الموت شرقا ، مع علمها أنه يحيط بالناس من كل جانب .
ولأنها ارتقت في بداية الحرب ، فلم تكنب الكثير . كتبت في 7 أكتوبر وكتبت في 13 اكتوبر ، وبدت في اليوم الأول متفائلة ، فالحفيد يقول للجدة انه وقت العودة .
في كتابتها في المرة الثانية أتت على الإشاعات التي أسهمت في الخروج الأول في ١٩٤٨ ، ورأت أن الأسلوب نفسه يتكرر ، ولهذا خاطبت الناس :
لا تخرجوا
لا تخرجوا ، فالخروج نكبة جديدة ومجازر جديدة " أكثر مما نتخيل " . كأنها كانت صاحبة نبوءة.
" يا الله قديش تخيلت هالحرب قبل هيك . تخيلت أن غزة هي الأضحية التي تقدم في سبيل صحوة الأمة " لكنها بحياتها لم تتخيل أن " الأضحية تنذبح والأمة ما تصحى " وأكثر من ذلك أنها بحياتها " ما تخيلت أنه ما في أمة أصلا " .
وقد تنبأت برحيلها في الثالث عشر من أكتوبر ، فحين سمعت ان وزير الاتصالات الإسرائيلي قرر وقف الإنترنت عن شركات غزة أبدت قلقها من أن كتابتها ونقلها الصورة قد يكون الأخير ، ولذا خاطبت قراءها :
" تذكروا ، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية " وطلبت منا أن ندعو لهم .
هل نقول ، ونحن نشاهد ما يجري في غزة في هذه الأيام ، إنها نجت مبكرا .
في الأيام الثلاثة الأخيرة جنت الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، ولم يحرك أحد سابقا ، وحتى الذين خاطبوا السماء يئسوا !
غزة تجوع . غزة تباد . غزة تسوى مبانيها بالأرض . غزة تنزح للمرة العشرين وربما أكثر !!
خربشات ١٧ / ٥ / ٢٠٢٥
***
6- هبة أبو ندى
ارتقت هبة أبو ندى في ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٣ عن اثنين وثلاثين عاما ، فهي من مواليد العام ١٩٩١ . التحقت بجامعة الأزهر ودرست الكيمياء ولها رواية عنوانها " الأكسجين ليس الموت " ، وشاركت في عدة مجموعات شعرية.
في كتابات سبقت حرب ٢٠٢٣ كتبت :
" يا وحدنا !
ربح الجميع حروبهم وتركت أنت أمام وحدك عاريا "
وكانت ، كما كتب عاطف ابوسيف عنها في التعريف بها في كتاب " استعادات مقلقة " تريد أن تسافر وان تنشر عملا يصل إلى الفوز بجائزة عالمية . كانت تريد أن تشارك في حدث عالمي ، فتصل بصوت القضية الفلسطينية لشيء عظيم .
في الثلاثة عشر يوما التي شهدتها من الحرب وفي كتاباتها الأولى احتفلت بدخول المقاتلين إلى فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ :
" أي كاتب مجنون هذا الذي وضع كل الأحداث الصادمة في حلقة واحدة ؟ لكن شبابنا لا يجيدون كتابة المسلسلات الخيالية . يجيدون كتابة الواقع بالدم والنار ! أيتها الحلقة المهيبة لا تنتهي كلنا شهود الدهشة " .
لقد أدهشها السابع من أكتوبر ، وكانت ترى أنه " كلما اعوج مسار العالم تصححه غزة " . لقد كانت متفائلة تفاؤلا كبيرا ، وعندما اشتد القصف وتواصل التدمير خاطبت الغزيين :
"- لا تبرحوا مهما حدث . هذه مدينة يحبها الله وتحب الله والحمد لله دائما وأبدا " .
لقد صدرت فيما كتبت عن إيمان عميق وقناعة راسخة وعدم خوف من الموت وكتبت شعرا غنائيا جميلا يدخل إلى القلب منه :
" أعيذ آب الصغار وبعد قصف
يشد البرج حتى لا يميلا
يقول للحظة الموت :
ارحميني
" فماذا لو تأخرت
قليلا ؟!"
يقول : " لأجلهم أحببت
عمري ،
هبيهم مثلهم
موتا جميلا " .
ولأن ليل غزة بعد السابع من أكتوبر غدا ليلا مرعبا مخيفا موحشا قاتلا ، فقد حوطته باسم الله " اسم الله عليك يا غزة من مجيء الليل " .
ورأت في مدينتها رمزا أسطوريا ، وإن ما فعل هو ما يجب أن يفعل " لنسترد حقوقنا ولنقاتل ونثبت بالنيابة عن الأمة والمظلومين في العالم " وتابعت :
" لا شيء لنندم عليه ولا لنحزن عليه " .
" إذا متنا فاعلموا أننا راضون وثابتون ، وبلغوا عنا أننا أصحاب حق ."
وفي يوم ارتقائها كتبت :
" نحن في غزة عند الله بين شهيد وشاهد على التحرير ، وكلنا ننتظر أين سنكون . كلنا ننتظر . اللهم وعدك الحق " .
من الأسطر التي أحفظها لمحمود درويش السطر الآتي :
" ماذا يخسر الفقراء. ؟ ماذا سنخسر غير هذا السجن .
بوركت الحياة فوق الأرض لا تحت الطغاة "
خربشات ١٨ / ٥ / ٢٠٢٥
^^^
7- أحمد الكحلوت
ولد أحمد حسن الكحلوت في العام ١٩٩٥ في مخيم جباليا وارتقى في ٥ / ٢ / ٢٠٢٤ . كتب الشعر والنثر ونشره في مواقع عربية . عندما اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي مخيم جباليا ومشروع بيت لاهيا تم اعتقاله لفترة.
كان حلم أحمد أن ينشر روايته الأولى التي ظل يكتبها لسنوات طويلة ، ولكن ارتقاءه حال دون ذلك ، ولعل الكاتب عاطف ابوسيف في روايته " القبر رقم 49 " أفاد قليلا من شخصيته ، ففي الرواية شخصية روائية تعكف لسنوات على كتابة رواية لم تنشرها .
في الحرب نشر يومياته واختار أبوسيف قسما منها نشره في الكتاب الذي حرره " استعادات مقلقة : يوميات غزة".
في ٩ أكتوبر ٢٠٢٣ كتب :
" لله در غزة ما أجمل نقاءها حين تقرر أن تحافظ على شرف الحرية "
وفي ١٥ من الشهر نفسه تساءل :
من يوقف حقدا أسود ؟
ويردد " هنا باقون "
وفي ٢٤ من الشهر نفسه يأتي على نعي كاتبة لكاتبة ثانية . نعي الفنانة هبة زقوت لمريم ، مريم التي قبل أن تلاقي ربها قالت " ماني مصدقة إني عايشة للحين ، وما بعرف إذا بعد ساعة راح أضل عايشة ، تعبت وأنا بشرد من مكان لمكان ، من مستشفى لشارع لبيت ، والقصف فوقنا " ويضيف فيما كتبه وأورده " إلى رضوان الله أيتها الكاتبتان الصديقتان ، مريم وهبة " ( ارتقت هبة زقوت في ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٣ وهي فنانة تشكيلية ) .
مع استمرار الحرب والموت اليومي صار أحمد يخاف البحث عن حسابات الأصدقاء ، فقد يقرأ نعي قسم منهم . وهو ما كتبه في ١٩ / ١٢ / ٢٠٢٣ " الحمد لله ، نحن بخير . طمنونا عليكم . صرت أخاف أن أبحث عن حسابات الأصدقاء " .
وفي ٣١ / ١٢ / ٢٠٢٣ كتب عن أصعب الليالي التي عاشها . كانت في ٦ / ١٢ / ٢٠٢٣ " لقد كان بيتنا يقصف والجيران ينادون : هل أنتم بخير ؟ لقد تفقدنا بعضنا بعضا ، وكنا بفضل الله جميعا بخير ، ثم خرجنا من المنزل ، لقد قصفت الطوابق الثلاثة العليا . نحن بخير . ليس مهما الباقي ، لقد كانت آخر دموعي بعد رؤية شقتي وأختي واخوتي ، لقد سبقت هذه الأيام أحداث مرعبة ، وتلتها أيام مرعبة ، ولا نعلم القادم ، لكننا متيقنون من رحمة الله وحفظه " .
في ٤ / ١ / ٢٠٢٤ يقتبس من محمود درويش :
" أنا بخير ...
رضوض في المشاعر ، وكسر في الخاطر ،
وبعض خدوش على الذاكرة ...
يقول الطبيب ...
لا شيء مميت . خلع في الروح فقط " .
خربشات ١٩ / ٥ / ٢٠٢٥
***
8- سليم النفار
ولد سليم النفار في ٢٧ / ٨ / ١٩٦٣ وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٥ .
حين تصفحت صفحته في الفيس بوك لم أقرأ له آية كتابة عن أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وبحثت له في الكتاب الذي حرره د. عاطف ابوسيف عن نص فلم أعثر ، وكما أبلغني فإنه لم يعثر له على نص والا كان أدرجه ، فعاطف يقدره شاعرا ويثمنه تثمينا كبيرا ، عدا علاقته الشخصية المميزة به وانتمائهما إلى مدينة يافا التي انحدرت منها أسرتهما ، وحنينهما إليها وإفاضتهما في الكتابة عنها . سليم في الشعر وعاطف في النثر .
كان خبر ارتقاء الشاعر صادما ، فقد ارتقى وعائلته وعائلة أخيه أيضا . ارتقوا كلهم معا .
الشاعر الذي ولد في المنفى وعانى من فقدان الأب ، حيث أبعد إلى الأردن في العام ١٩٦٨ واستشهد في لبنان في ١٩٧٣ ، الشاعر عاد إلى قطاع غزة إثر اتفاقات اوسلو ١٩٩٤ ونشط في الحركة الأدبية في قطاع غزة ، ولما أدرجت له في المنهاج المدرسي الفلسطيني قصيدة ، فقد زار العديد من المدارس يلقيها ويشرحها ويتحاور مع الطلاب فيها .
عندما قتلت الصحفية المقدسية شيرين ابو عاقلة كتب في القدس العربي في ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٢ :
" ثمة أسماء تحيلك بلا تردد إلى رديفها الأجمل ، الأكثر سعة ، وبما يليق بها وبالرديف ... رحيل شيرين كان خبرا فاجعا ولكن هنيئا لشيرين الاسم الحركي لفلسطين ..وداعا شيرين أيتها الشهيدة والشاهدة ، فإنك أجمل القصائد التي لا تنسى ، وأجمل القلائد التي يجب أن تبقى على صدورنا " .
وعندما ارتقى سليم وأسرته كتب فيه أصدقاؤه كلاما مشابها .
من قصائد سليم قصيدة " ايه فلسطين " ومنها :
إيه فلسطين
ان الزمان على محب فيك جوال
لم يصح من تعس
إلا ساءه حال
كل الدروب تحشدت فيها السهام
لكن راعينا على وهم
ينازع وهمه
في غفلة من حالنا .. يمشي ولا يمشي
كأن المشي أحلام " .
في ١٥ آب من العام ٢٠٢١ وقع في غزة ديوانه " حارس الانتظار " .
وأنت تنظر في صفحته وتقلبها تتحسر على غزة . كانت الحياة فيها مزدهرة ، وأناسها على الرغم من حصارها وحصارهم وفقرهم يعيشون ويرددون سطر محمود درويش :
" على هذه الأرض ما يستحق الحياة "
وسطره :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " .
كانوا يمارسون حياتهم ؛ قانعين أو غير قانعين ، راضين أو غير راضين . لقد كانوا في بيوتهم شبه هانئين يعملون ويعملون ويعملون ويبدعون ويتزاورون ثم ... ثم فقدوا كل شيء . من لم يفقد حياته وأسرته مثل سليم النفار ، فقد بيته وبعض أفراد أسرته أو جيرانه أو معارفه ...
من قصائد سليم أيضا قصيدة نشرها في القدس العربي عنوانها " هزها يا أبي " ومنها :
هزها يا أبي
من سبات هنا في نجيع الكلام
شجرة المعنى
ناعس ظلها
في دروب العماء
لم يلاقحها لهب من حنين
البراري
لزند يجوس المدى
كي يرى وارف الأحلام
هزها يا أبي
من فساد البلاغة
وحرر ثغور الغمام
من بروق عجاف
ليس لي نزفها في خبيص الدوال
ليس لي ورد
حرون يجافي الهباء
هزها
حينما لا تفيض السطور ... " .
يذكر أنه في العام ٢٠١٧ أصدر رواية عنوانها " فوانيس المخيم " وفي العام نفسه صدر له كتاب " غزة ٢٠١٤ : تأملات ويوميات شاعر ، في حال المدينة الرهينة " . الرواية والكتاب صدرا في حيفا عن دار كل شيء .
خربشات ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٥
***
9- آمنة حميد
لم أقرأ لآمنة حميد ، وحين نظرت في صفحتها في الفيس بوك لاحظت أنها عرفت نفسها بالآتي :
أديبة وكاتبة تعمل بالإعلام . ناشطة سياسية ومجتمعية مدافعة عن نساء فلسطين . لها مجموعة شعرية عنوانها " شغب طفولة " .
وعرفت أنها من مواليد ٢٨ / ١ / ١٩٩٠ وقد عرف بها في كتاب " الإبادة الصحفية " الذي يسرد تسع قصص لصحافيين شهداء هي منهم ، علما بأن محرره الباحث والصحافي صالح مشارقة وثق ل ١٢٥ صحافيا .
آخر منشوراتها قبل يوم من استشهادها في ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ هو :
" اللهم لك الحمد والمنة
اللهم أنت الأمل وفيك الرجاء وحدك لا شريك لك
أكرمنا الله بعزته أن نظل في مدينة غزة ، وشرفنا الله بأن يكون لنا عشرات الأسهم لأجل الله وفي سبيل الله منه القوة والصبر ولأجل الله يهون كل صعب .
200 يوم على الحرب .
٢٣ / ٤ / ٢٠٢٤ .
وفي ٥ / ٤ / ٢٠٢٤ كتبت :
" التاريخ لا يمنح صحائفه للأيدي الواهنة " .
كانت آمنة أدرجت في ١٢ / ٣ / ٢٠٢٤ في صفحتها ما كانت تنشره في موقع ( gazastory .com ) تحت لافتة " حكايا غزة " :
" مطر وطين وصغار بأقدام حافية ! " و " فرن أم جلال في مركز الإيواء بغزة " و " شهداء مجهولي الهوية وأطفال بمستقبل مجهول " و " طعام بنكهة الجنة في ليالي الحرب " و " قبر يحتضن جورية في مشفى الشفاء الطبي " و " رف التخزين يتحول سريرا " و " ولادة في خاصرة الحرب وإصابة بلا طبيب " .
وكتبت في ٩ / ١١ و ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٣ فقرات قصيرة منها :
" لا يرتحل الشهداء بوداع مرتب وتكتيك منظم ، إنما يرحلون أفواجا صوب الجنان . تقبلكم الله في عليين وربط على قلوب أحبتكم " .
اما في ٧ أكتوبر فكتبت منشورا تقدمت فيه بجزيل الشكر والعرفان والتقدير لكل من تواصل معها من أجل التهنئة بوضعها مولودتها ضحى التي ارتقت معها ومع البكر مهدي بتاريخ ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ .
لعل تقاريرها الواردة عناوينها آنفا تستحق أن يلتفت إليها ، وللأسف فإنني حتى اللحظة لم أتمكن من الوصول إلى الموقع .
خربشات ٢١ / ٥ / ٢٠٢٥
***
10 : د. عمر حرب
الأكاديمي الدكتور عمر حرب الذي ارتقى أمس له رواية عنوانها " أبيض أسود " وثانية عنوانها " شقيق " ، وكتب مسرحية عنوانها " ثأر كنعان " .
كان الدكتور يعلم اللغة العربية في المدارس ، وفي العام ٢٠١٧ حصل على الدكتوراه في علم النفس والصحة النفسية . عدا ذلك كان يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة " الاستقلال " التي كانت تصدر في غزة والتابعة لحركة الجهاد الإسلامي ، وكما عرفت فإنه لم يكن يجامل الأخضر / حماس والأصفر / فتح ، فقد كان جريئا صريحا شجاعا . ارتقى عن عمر يناهز الستين عاما ، ويبدو أنه لم يكتب يوميات الحرب بسبب المرض العضال الذي ألم به منذ عامين وهو السرطان .
عندما نظرت في صفحة الفيس بوك الخاصة به لم أشاهد سوى صورة أفراد عائلته التي فقدها في ١٢ / ١٢ / ٢٠٢٣ مع بعض فقرات عن قسم من أحفاده الذين حاربهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بحجة أنهم إرهابيون ، فقرات يتحسر فيها عليهم وعلى زوجته التي كان لفقدها أكبر الأثر عليه ، فساءت حالته أكثر وأكثر ، ولم يبق له من يرعاه سوى أمه البالغ عمرها ثمانين عاما وابنه " سيد راغب " عمر حرب الذي أصغيت إليه يتحدث عن فقدان أبيه أمس فجر الخميس .
أدرج هنا مقطعا من روايته كما أدرجه في صفحته .
* من روايته (أبيض، أسود)
(أخطأ أبو سليمان ضابط الشين بيت خطأه القاتل، (أبو سليمان هو ضابط الشين بيت أمريكي الأصل أشقر طويل القامة، وأقل الضباط الذين تعاوروا على رفح ذكاء), وأراد أن يستعرض عضلاته الأمنية، كنا بالمئات نفترش الأرض قرب المزلقان، والجنود يحيطون بنا من كل النواحي، فضلا عن الأسلاك الشائكة. غاب أبو سليمان ثم عاد شابكا ذراعه بذراع شخص يغطي رأسه بكيس من القماش إلا من فتحة صغيرة يسترق من خلفها النظر. عرفنا للوهلة الأولى بأنه أحد الخونة، وإنما جئ به؛ ليتعرف على نشطاء الانتفاضة الذين يرجمون الجنود بالحجارة، في استعراض غبي ينم عن سطحية، وصبيانية من رجل مخابرات من المفترض أن له هيبته. أخذ أبو سليمان يخترق الصفوف وهو يهمس للخائن والخائن يشير بيده كلما التقطت كاميرا عينه الخبيثة أحد الأبطال. لسوء حظ أبو سليمان كان العميل يلبس قميصاً قصير الأكمام وفي احدى يديه وشم قديم، وبمجرد أن مر أمام السطر الأول أصبح اسمه متداولاً بين الشباب، وأصبح على قائمة التصفية القادمة لدى اللجان الضاربة.)
***
==============
1- فاطمة حسونة
2 - نور الدين حجاج
3- رفعت العرعير
4- بلال عقل
5- هبة محمد المدهون
6- هبة أبو ندى
7- أحمد الكحلوت
8- سليم النفار
9- آمنة حميد
د. عمر حرب
.
ارتقت فاطمة حسونة المولودة في العام ٢٠٠٠ في ١٨ / ٤ / ٢٠٢٥ ، قبل حفل زفافها بأيام . في ٤ / ١١ / ٢٠٢٣ كتبت نصا عنوانه " أريد لموتي أن يكون صاخبا ، ومما ورد فيه:
" قلت لكم ، أريد لموتي إن يكون صاخبا ، ولن يكفيني أن يعرف به الأصدقاء فقط ، لأنني لم ابذل حياتي لذلك ، أريد لكل العالم أن يعرف ان موت الفلسطيني الآن يعني أن ثارا ممتدا سيكبر ويحرق قاتله وأخاه الساكت عن قتله ، والسكين التي حزت رقبته ، وأريد لكل العالم أن يعرف أن موتي يعني خسارة العالم نفسه أمامي ، أمامنا ، أمام نفسه ... "
لم يكن ما قتل فاطمة رصاصة ولا شظية ولا صاروخا ، فما يقتلها كل يوم هو عجزها عن كسر اليد التي تطاولت عليها وعلى إخوتها و " قهري من كل الذين سكتوا وقت كان يجب عليهم أن يصرخوا . ما يقتلني شيء لا يرى يدخل خلسة إلى جسدي ونفسي ويعشش ، يمتد كسرطان ثم يفتك بكل شيء بعد لحظة ترقب مثل ثعبان لئيم ... "
ما سيقتلها لن يكون أبدأ هذا الاحتلال ولا الذين عرفت نجاستهم إنما خيبتها وهوان نفسها عليها وصمتها ورضاها عن قتلها وهي لهذا لا تريد لهذا العار أن يلحقها أبدأ " أريد أن أعيش ، أن يعرفني العالم وان تنتهي اللعبة نهاية عادلة " .
( من كتاب عاطف ابوسيف : استعادات مقلقة ، يوميات غزة ) .
ربما يكرر المرء هنا مقولة الشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح : الصمت عار ، وربما يكرر سطر محمود درويش : فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة .
خربشات ١٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
2 - نور الدين حجاج / روائي
فيما أورده عاطف ابوسيف فإن نور الدين حجاج ولد في ٣١ / ١ / ١٩٩٦ وارتقى في ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ - أي وهو في السابعة والعشرين من العمر .
لنور الدين روايتان هما " غريب وغريبة " و " أجنحة لا تطير " .
في يومياته التي نشرها له عاطف في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " يكتب عن قسوة الحياة في الحرب . عن الطوابير وضيق المكان والخوف من الصواريخ والموت في أية لحظة . في غزة تنعدم الاتجاهات " تهرب من صوت صاروخ خلفك فيتلقفك آخر أمامك . في غزة لم يعد هناك اتجاهات أربعة ، لأن جميعها أصبحت تطل على ذات المشهد وهو " الدمار " . " .
يفصح نور الدين عن حبه الحياة ما استطاع اليها سبيلا ، وينشد الحياة ليكتب ويوصل صوته للعالم " أرفض أن يكون خبر موتي عابرا " يكتب ، بخلاف فاطمة حسونة التي أرادت أن يكون موتها صاخبا . يكتب يومياته في الحرب معتقدا أن تكون رسالته الأخيرة التي تجوب العالم الحر [ لو امتد به العمر حتى اليوم لاقتنع أن هذا العالم ليس حرا على الإطلاق ] " تعبنا يا الله . لينته كل هذا عاجلا ليس آجلا .. يا رب " ولا جنازات في غزة فالعائلة كلها ترافق الميت معه إلى القبر .
فيما كتبه نور الدين في ٧ / ١١ / ٢٠٢٣ - قبل ٢٦ يوما من ارتقائه رأى أن غزة الآن تشبه رواية " العمى " ل ( جوزيه ساراماغو ) ، مع اختلاف طفيف هو أن " المرض المنتشر بيننا الآن هو الاحتلال وليس العمى . لكنها تتشابه بشكل كبير مع ... المجاعات ... الأمراض ... المكاره الصحية ... الكوارث ... نفاد المنتجات ... الخوف ... الدمار ... . ما كان خيالا صار الآن واقعا ... بفعل قوة قاهرة ... ومع كل هذا السوء ، الجميع يخشى أن تسوء الأمور أكثر " .٠
وما تنبأ به نور الدين وقع . ارتقى قبل أن تنتهي الحرب وساءت الأمور أكثر وأكثر وأكثر .
خربشات ١٥ / ٥ / ٢٠٢٥
***
3- رفعت العرعير
ولد رفعت العرعير في العام ١٩٧٩ في حي الشجاعية بمدينة غزة وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ . حرر كتابين " غزة تكتب مرة أخرى "(٢٠١٤) و " غزة لا تسكت " (٢٠١٥ ) .
كان يكتب باللغة الإنجليزية ليخاطب القارئين بها هو المتخصص بالأدب الإنجليزي ، وفي الحرب قصفت البناية التي يسكن فيها ، فكتب مقالا عنوانه " قصف بنايتنا " أعاد عاطف ابوسيف نشره بالعربية في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة " .
لم يشهد رفعت من الحرب إلا شهرين ، ولهذا لم نقرأ له الكثير .
من القصائد التي شاعت له قصيدة " إذا كان يجب أن أموت " التي كتبها ، كما يرى ابوسيف ، استعادة لقصيدة نشرت لأول مرة في ١٩١٩ لشاعر أمريكي من أصول جاميكية ( كلاود ماكي ) . كان المواطنون البيض يعتدون على المواطنين السود فدعا الشاعر إلى المقاومة .
كتب رفعت :
" إذا كان يجب أن أموت
فلا بد أن تعيش من أجل أن تخبر قصتي
من أجل أن تبيع أشيائي
وتشتري قطعة قماش
وبعض الخيوط
( اجعلها بيضاء بذيل طويل )
حتى يتمكن طفل في مكان ما في غزة
حين ينظر للسماء
منتظرا عودة والده الذي غادر محترقا .
دون أن يودع أحدا حتى جسده
حتى نفسه .
فيرى طائرتي الورقية التي صنعتها لي تطير عاليا
ويذكر لدقيقة بأنها ملاك يعيد له الحب
إذا ما كان يجب أن أموت
ليجلب موتي الأمل
وليكن حكاية " .
في مقابلة معه قال :
" أنا شخص أكاديمي وأصلب شيء عندي في المنزل هو قلم السبورة وإني سأرميه على الجنود الإسرائيليين إذا حاولوا اقتحام منزلي ولو كان ذلك آخر شيء أفعله " ( عن كتاب " استعادات مقلقة ") . ربما هنا نتذكر ما قام به إدوارد سعيد في الجنوب اللبناني قرب بوابة فاطمة يوم قام بحركة رمزية هي قذف حجر على الجانب المحتل من بلده .
قبل ارتقاء المصورة فاطمة حسونة كتب رفعت عن موته طالبا أن يجلب له الأمل ، وقبل ارتقائه بأربعة أيام ارتقى نور الدين حجاج .
خربشات ١٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
4- بلال عقل
بلال عقل من مواليد العام ١٩٩٨ وارتقى في ١٨ / ٧ / ٢٠٢٤ ، وكان خلال أشهر الحرب يتساءل إن كان العمر سيمتد به ليروي قصة الحرب أم أنه سيرتقي فيكون هو جزءا من الحكاية . " هل سنروي القصة أو نكون منها " .
وما أورده له عاطف ابوسيف من يوميات ، كتبت بين ١٠ / ١٠ / ٢٠٢٣ و ١٠ / ٧ / ٢٠٢٤ ، تقع في ست صفحات . أهي كل ما كتب أم كل ما استطاع الحصول عليه ؟
يكتب عاطف " برحيل بلال خسرنا موهبة كان يمكن لها أن تقدم لنا الكثير " وما يعزز رأيه هو اليوميات التي أدرجها له وتستحق أن تقرأ .
" أحن إلى نفسي التي لم يكن يخيفها سوى العتمة في الطريق " يكتب .
يكتب بلال يوميات قصيرة جدا لا تتعدى السبعة أسطر ، ولكنها لا تخلو من جماليات . يرصد ويصف ويصر على أنه سيكتب . يموت صديقه فيدفنه ويصبح جاره وبعد يوم تموت الطفلة و ... " سنظل نخبركم أننا بخير . سنموت جميعا كلنا وستبقى غزة تلعنكم كلكم " .
يكتب بلال ما ترويه له أخته ريمة ذات العشرة أعوام . يكتبه بلغتها هي . تحب ريمة السكن بالطابق الأخير " عشان لو انقصفنا ومتت بيلاقوني بسرعة ، ولو كمان ممتش يلاقوني بسرعة "
في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٣ يكتب :
" النصر لا يأتي إلينا . نحن نذهب إليه . صباح الخير من غزة "
وفي ٨ / ١ / ٢٠٢٤ يبدي رأيا في الحرب :
" من يعتقد واهما أن تسليم الأسرى ينهي الحرب وان التخلي عن المقاومة المشروعة يجلب السلم لفلسطين ، هو نفسه من يعتقد أن القتل والدمار والخراب سببه المقاومة ، ومن يعتقد أن الفلسطيني لديه خيارات أخرى هو نفسه من يعتقد أن الدول العربية مستقلة ، هو نفسه من يرضى بالذل من أجل العيش " .
إنه يشتاق لغزة التي هو موجود فيها ، وبعد أن كان يقول ان أحدا لا يموت من الجوع في غزة صار إذا ما تقابل مع أصدقائه يسأل أحدهما الآخر :
- هل أكلت جيدا اليوم ؟ .
ويقول مخاطبا معارفه :
" - إذا وصلكم خبر استشهادي فلا تأتوا لوداعي إلا إذا كنت جسدا كاملا كما عرفتموني .... أريد لتراب هذي البلاد أن يحتضنني في الأرض، كلي"
إن المعيار الذي يضعه لاحترام الآخرين هو موقفهم من القضية الفلسطينية ، لا النوع ولا الدين ولا اللون.
في ١٠ / ٦ / ٢٠٢٤ يكتب :
" هل هذه هي أصعب لحظات العمر ؟ وأنا في السادسة والعشرين لا أستطيع أن أتخيل حلما واحدا . هذا العالم ضيق جدا ، والخيال أضيق مما مضى ، لا شيء يلوح في الأفق"
أنه يبدو متشائما وليس غريبا أن نقرأ له بعد خمسة أيام ، قبل ارتقائه بثلاثة أيام ، السطر الأخير :
" لا ترسلوا لي الأغاني ولا التهاني . لا شيء يدعو للفرح ولا وقت للأمنيات".
عندما كتبت ، قبل أيام ، عن شهادة طلعت قديح أمد الله في عمره ، التفت إلى تساؤله:
- هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟
هل نكرر سطر محمود درويش :
تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير
أم أن تكراره مبكر فالشاعر نفسه كتب :
هنالك ليل أشد سوادا ، هنالك ورد أقل !
خربشات ١٦ / ٥ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة
***
5- هبة محمد المدهون
ولدت هبة في العام ١٩٨٠ ودرست الهندسة المعمارية . كتبت الرواية والشعر والقصة القصيرة ولها كتابان ؛ رواية عنوانها " فإذا هم خامدون " وديوان شعر عنوانه " كوني عنقاء " وارتقت مع ابنيها حميد وعبد الرحمن بعد تسعة أيام من بداية الحرب .
وكما يرى عاطف ابوسيف فإنها عرفت بقوة التحدي ، وهو ما يبدو في عنواني كتابها .
"كتبت هبة في الحرب السابقة :
هل الموت مؤلم ؟
أظنه كذلك"
وتصف تركها وغيرها حاراتهم دون أن يغلقوا البيت " لأننا لا نعلم هل سنحيا لندخلها ثانية أو لا " .
كما تصف لحظات الخروج وركضها من الموت شرقا ، مع علمها أنه يحيط بالناس من كل جانب .
ولأنها ارتقت في بداية الحرب ، فلم تكنب الكثير . كتبت في 7 أكتوبر وكتبت في 13 اكتوبر ، وبدت في اليوم الأول متفائلة ، فالحفيد يقول للجدة انه وقت العودة .
في كتابتها في المرة الثانية أتت على الإشاعات التي أسهمت في الخروج الأول في ١٩٤٨ ، ورأت أن الأسلوب نفسه يتكرر ، ولهذا خاطبت الناس :
لا تخرجوا
لا تخرجوا ، فالخروج نكبة جديدة ومجازر جديدة " أكثر مما نتخيل " . كأنها كانت صاحبة نبوءة.
" يا الله قديش تخيلت هالحرب قبل هيك . تخيلت أن غزة هي الأضحية التي تقدم في سبيل صحوة الأمة " لكنها بحياتها لم تتخيل أن " الأضحية تنذبح والأمة ما تصحى " وأكثر من ذلك أنها بحياتها " ما تخيلت أنه ما في أمة أصلا " .
وقد تنبأت برحيلها في الثالث عشر من أكتوبر ، فحين سمعت ان وزير الاتصالات الإسرائيلي قرر وقف الإنترنت عن شركات غزة أبدت قلقها من أن كتابتها ونقلها الصورة قد يكون الأخير ، ولذا خاطبت قراءها :
" تذكروا ، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية " وطلبت منا أن ندعو لهم .
هل نقول ، ونحن نشاهد ما يجري في غزة في هذه الأيام ، إنها نجت مبكرا .
في الأيام الثلاثة الأخيرة جنت الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، ولم يحرك أحد سابقا ، وحتى الذين خاطبوا السماء يئسوا !
غزة تجوع . غزة تباد . غزة تسوى مبانيها بالأرض . غزة تنزح للمرة العشرين وربما أكثر !!
خربشات ١٧ / ٥ / ٢٠٢٥
***
6- هبة أبو ندى
ارتقت هبة أبو ندى في ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢٣ عن اثنين وثلاثين عاما ، فهي من مواليد العام ١٩٩١ . التحقت بجامعة الأزهر ودرست الكيمياء ولها رواية عنوانها " الأكسجين ليس الموت " ، وشاركت في عدة مجموعات شعرية.
في كتابات سبقت حرب ٢٠٢٣ كتبت :
" يا وحدنا !
ربح الجميع حروبهم وتركت أنت أمام وحدك عاريا "
وكانت ، كما كتب عاطف ابوسيف عنها في التعريف بها في كتاب " استعادات مقلقة " تريد أن تسافر وان تنشر عملا يصل إلى الفوز بجائزة عالمية . كانت تريد أن تشارك في حدث عالمي ، فتصل بصوت القضية الفلسطينية لشيء عظيم .
في الثلاثة عشر يوما التي شهدتها من الحرب وفي كتاباتها الأولى احتفلت بدخول المقاتلين إلى فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ :
" أي كاتب مجنون هذا الذي وضع كل الأحداث الصادمة في حلقة واحدة ؟ لكن شبابنا لا يجيدون كتابة المسلسلات الخيالية . يجيدون كتابة الواقع بالدم والنار ! أيتها الحلقة المهيبة لا تنتهي كلنا شهود الدهشة " .
لقد أدهشها السابع من أكتوبر ، وكانت ترى أنه " كلما اعوج مسار العالم تصححه غزة " . لقد كانت متفائلة تفاؤلا كبيرا ، وعندما اشتد القصف وتواصل التدمير خاطبت الغزيين :
"- لا تبرحوا مهما حدث . هذه مدينة يحبها الله وتحب الله والحمد لله دائما وأبدا " .
لقد صدرت فيما كتبت عن إيمان عميق وقناعة راسخة وعدم خوف من الموت وكتبت شعرا غنائيا جميلا يدخل إلى القلب منه :
" أعيذ آب الصغار وبعد قصف
يشد البرج حتى لا يميلا
يقول للحظة الموت :
ارحميني
" فماذا لو تأخرت
قليلا ؟!"
يقول : " لأجلهم أحببت
عمري ،
هبيهم مثلهم
موتا جميلا " .
ولأن ليل غزة بعد السابع من أكتوبر غدا ليلا مرعبا مخيفا موحشا قاتلا ، فقد حوطته باسم الله " اسم الله عليك يا غزة من مجيء الليل " .
ورأت في مدينتها رمزا أسطوريا ، وإن ما فعل هو ما يجب أن يفعل " لنسترد حقوقنا ولنقاتل ونثبت بالنيابة عن الأمة والمظلومين في العالم " وتابعت :
" لا شيء لنندم عليه ولا لنحزن عليه " .
" إذا متنا فاعلموا أننا راضون وثابتون ، وبلغوا عنا أننا أصحاب حق ."
وفي يوم ارتقائها كتبت :
" نحن في غزة عند الله بين شهيد وشاهد على التحرير ، وكلنا ننتظر أين سنكون . كلنا ننتظر . اللهم وعدك الحق " .
من الأسطر التي أحفظها لمحمود درويش السطر الآتي :
" ماذا يخسر الفقراء. ؟ ماذا سنخسر غير هذا السجن .
بوركت الحياة فوق الأرض لا تحت الطغاة "
خربشات ١٨ / ٥ / ٢٠٢٥
^^^
7- أحمد الكحلوت
ولد أحمد حسن الكحلوت في العام ١٩٩٥ في مخيم جباليا وارتقى في ٥ / ٢ / ٢٠٢٤ . كتب الشعر والنثر ونشره في مواقع عربية . عندما اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي مخيم جباليا ومشروع بيت لاهيا تم اعتقاله لفترة.
كان حلم أحمد أن ينشر روايته الأولى التي ظل يكتبها لسنوات طويلة ، ولكن ارتقاءه حال دون ذلك ، ولعل الكاتب عاطف ابوسيف في روايته " القبر رقم 49 " أفاد قليلا من شخصيته ، ففي الرواية شخصية روائية تعكف لسنوات على كتابة رواية لم تنشرها .
في الحرب نشر يومياته واختار أبوسيف قسما منها نشره في الكتاب الذي حرره " استعادات مقلقة : يوميات غزة".
في ٩ أكتوبر ٢٠٢٣ كتب :
" لله در غزة ما أجمل نقاءها حين تقرر أن تحافظ على شرف الحرية "
وفي ١٥ من الشهر نفسه تساءل :
من يوقف حقدا أسود ؟
ويردد " هنا باقون "
وفي ٢٤ من الشهر نفسه يأتي على نعي كاتبة لكاتبة ثانية . نعي الفنانة هبة زقوت لمريم ، مريم التي قبل أن تلاقي ربها قالت " ماني مصدقة إني عايشة للحين ، وما بعرف إذا بعد ساعة راح أضل عايشة ، تعبت وأنا بشرد من مكان لمكان ، من مستشفى لشارع لبيت ، والقصف فوقنا " ويضيف فيما كتبه وأورده " إلى رضوان الله أيتها الكاتبتان الصديقتان ، مريم وهبة " ( ارتقت هبة زقوت في ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٣ وهي فنانة تشكيلية ) .
مع استمرار الحرب والموت اليومي صار أحمد يخاف البحث عن حسابات الأصدقاء ، فقد يقرأ نعي قسم منهم . وهو ما كتبه في ١٩ / ١٢ / ٢٠٢٣ " الحمد لله ، نحن بخير . طمنونا عليكم . صرت أخاف أن أبحث عن حسابات الأصدقاء " .
وفي ٣١ / ١٢ / ٢٠٢٣ كتب عن أصعب الليالي التي عاشها . كانت في ٦ / ١٢ / ٢٠٢٣ " لقد كان بيتنا يقصف والجيران ينادون : هل أنتم بخير ؟ لقد تفقدنا بعضنا بعضا ، وكنا بفضل الله جميعا بخير ، ثم خرجنا من المنزل ، لقد قصفت الطوابق الثلاثة العليا . نحن بخير . ليس مهما الباقي ، لقد كانت آخر دموعي بعد رؤية شقتي وأختي واخوتي ، لقد سبقت هذه الأيام أحداث مرعبة ، وتلتها أيام مرعبة ، ولا نعلم القادم ، لكننا متيقنون من رحمة الله وحفظه " .
في ٤ / ١ / ٢٠٢٤ يقتبس من محمود درويش :
" أنا بخير ...
رضوض في المشاعر ، وكسر في الخاطر ،
وبعض خدوش على الذاكرة ...
يقول الطبيب ...
لا شيء مميت . خلع في الروح فقط " .
خربشات ١٩ / ٥ / ٢٠٢٥
***
8- سليم النفار
ولد سليم النفار في ٢٧ / ٨ / ١٩٦٣ وارتقى في ٧ / ١٢ / ٢٠٢٥ .
حين تصفحت صفحته في الفيس بوك لم أقرأ له آية كتابة عن أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وبحثت له في الكتاب الذي حرره د. عاطف ابوسيف عن نص فلم أعثر ، وكما أبلغني فإنه لم يعثر له على نص والا كان أدرجه ، فعاطف يقدره شاعرا ويثمنه تثمينا كبيرا ، عدا علاقته الشخصية المميزة به وانتمائهما إلى مدينة يافا التي انحدرت منها أسرتهما ، وحنينهما إليها وإفاضتهما في الكتابة عنها . سليم في الشعر وعاطف في النثر .
كان خبر ارتقاء الشاعر صادما ، فقد ارتقى وعائلته وعائلة أخيه أيضا . ارتقوا كلهم معا .
الشاعر الذي ولد في المنفى وعانى من فقدان الأب ، حيث أبعد إلى الأردن في العام ١٩٦٨ واستشهد في لبنان في ١٩٧٣ ، الشاعر عاد إلى قطاع غزة إثر اتفاقات اوسلو ١٩٩٤ ونشط في الحركة الأدبية في قطاع غزة ، ولما أدرجت له في المنهاج المدرسي الفلسطيني قصيدة ، فقد زار العديد من المدارس يلقيها ويشرحها ويتحاور مع الطلاب فيها .
عندما قتلت الصحفية المقدسية شيرين ابو عاقلة كتب في القدس العربي في ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٢ :
" ثمة أسماء تحيلك بلا تردد إلى رديفها الأجمل ، الأكثر سعة ، وبما يليق بها وبالرديف ... رحيل شيرين كان خبرا فاجعا ولكن هنيئا لشيرين الاسم الحركي لفلسطين ..وداعا شيرين أيتها الشهيدة والشاهدة ، فإنك أجمل القصائد التي لا تنسى ، وأجمل القلائد التي يجب أن تبقى على صدورنا " .
وعندما ارتقى سليم وأسرته كتب فيه أصدقاؤه كلاما مشابها .
من قصائد سليم قصيدة " ايه فلسطين " ومنها :
إيه فلسطين
ان الزمان على محب فيك جوال
لم يصح من تعس
إلا ساءه حال
كل الدروب تحشدت فيها السهام
لكن راعينا على وهم
ينازع وهمه
في غفلة من حالنا .. يمشي ولا يمشي
كأن المشي أحلام " .
في ١٥ آب من العام ٢٠٢١ وقع في غزة ديوانه " حارس الانتظار " .
وأنت تنظر في صفحته وتقلبها تتحسر على غزة . كانت الحياة فيها مزدهرة ، وأناسها على الرغم من حصارها وحصارهم وفقرهم يعيشون ويرددون سطر محمود درويش :
" على هذه الأرض ما يستحق الحياة "
وسطره :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " .
كانوا يمارسون حياتهم ؛ قانعين أو غير قانعين ، راضين أو غير راضين . لقد كانوا في بيوتهم شبه هانئين يعملون ويعملون ويعملون ويبدعون ويتزاورون ثم ... ثم فقدوا كل شيء . من لم يفقد حياته وأسرته مثل سليم النفار ، فقد بيته وبعض أفراد أسرته أو جيرانه أو معارفه ...
من قصائد سليم أيضا قصيدة نشرها في القدس العربي عنوانها " هزها يا أبي " ومنها :
هزها يا أبي
من سبات هنا في نجيع الكلام
شجرة المعنى
ناعس ظلها
في دروب العماء
لم يلاقحها لهب من حنين
البراري
لزند يجوس المدى
كي يرى وارف الأحلام
هزها يا أبي
من فساد البلاغة
وحرر ثغور الغمام
من بروق عجاف
ليس لي نزفها في خبيص الدوال
ليس لي ورد
حرون يجافي الهباء
هزها
حينما لا تفيض السطور ... " .
يذكر أنه في العام ٢٠١٧ أصدر رواية عنوانها " فوانيس المخيم " وفي العام نفسه صدر له كتاب " غزة ٢٠١٤ : تأملات ويوميات شاعر ، في حال المدينة الرهينة " . الرواية والكتاب صدرا في حيفا عن دار كل شيء .
خربشات ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٥
***
9- آمنة حميد
لم أقرأ لآمنة حميد ، وحين نظرت في صفحتها في الفيس بوك لاحظت أنها عرفت نفسها بالآتي :
أديبة وكاتبة تعمل بالإعلام . ناشطة سياسية ومجتمعية مدافعة عن نساء فلسطين . لها مجموعة شعرية عنوانها " شغب طفولة " .
وعرفت أنها من مواليد ٢٨ / ١ / ١٩٩٠ وقد عرف بها في كتاب " الإبادة الصحفية " الذي يسرد تسع قصص لصحافيين شهداء هي منهم ، علما بأن محرره الباحث والصحافي صالح مشارقة وثق ل ١٢٥ صحافيا .
آخر منشوراتها قبل يوم من استشهادها في ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ هو :
" اللهم لك الحمد والمنة
اللهم أنت الأمل وفيك الرجاء وحدك لا شريك لك
أكرمنا الله بعزته أن نظل في مدينة غزة ، وشرفنا الله بأن يكون لنا عشرات الأسهم لأجل الله وفي سبيل الله منه القوة والصبر ولأجل الله يهون كل صعب .
200 يوم على الحرب .
٢٣ / ٤ / ٢٠٢٤ .
وفي ٥ / ٤ / ٢٠٢٤ كتبت :
" التاريخ لا يمنح صحائفه للأيدي الواهنة " .
كانت آمنة أدرجت في ١٢ / ٣ / ٢٠٢٤ في صفحتها ما كانت تنشره في موقع ( gazastory .com ) تحت لافتة " حكايا غزة " :
" مطر وطين وصغار بأقدام حافية ! " و " فرن أم جلال في مركز الإيواء بغزة " و " شهداء مجهولي الهوية وأطفال بمستقبل مجهول " و " طعام بنكهة الجنة في ليالي الحرب " و " قبر يحتضن جورية في مشفى الشفاء الطبي " و " رف التخزين يتحول سريرا " و " ولادة في خاصرة الحرب وإصابة بلا طبيب " .
وكتبت في ٩ / ١١ و ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٣ فقرات قصيرة منها :
" لا يرتحل الشهداء بوداع مرتب وتكتيك منظم ، إنما يرحلون أفواجا صوب الجنان . تقبلكم الله في عليين وربط على قلوب أحبتكم " .
اما في ٧ أكتوبر فكتبت منشورا تقدمت فيه بجزيل الشكر والعرفان والتقدير لكل من تواصل معها من أجل التهنئة بوضعها مولودتها ضحى التي ارتقت معها ومع البكر مهدي بتاريخ ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ .
لعل تقاريرها الواردة عناوينها آنفا تستحق أن يلتفت إليها ، وللأسف فإنني حتى اللحظة لم أتمكن من الوصول إلى الموقع .
خربشات ٢١ / ٥ / ٢٠٢٥
***
10 : د. عمر حرب
الأكاديمي الدكتور عمر حرب الذي ارتقى أمس له رواية عنوانها " أبيض أسود " وثانية عنوانها " شقيق " ، وكتب مسرحية عنوانها " ثأر كنعان " .
كان الدكتور يعلم اللغة العربية في المدارس ، وفي العام ٢٠١٧ حصل على الدكتوراه في علم النفس والصحة النفسية . عدا ذلك كان يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة " الاستقلال " التي كانت تصدر في غزة والتابعة لحركة الجهاد الإسلامي ، وكما عرفت فإنه لم يكن يجامل الأخضر / حماس والأصفر / فتح ، فقد كان جريئا صريحا شجاعا . ارتقى عن عمر يناهز الستين عاما ، ويبدو أنه لم يكتب يوميات الحرب بسبب المرض العضال الذي ألم به منذ عامين وهو السرطان .
عندما نظرت في صفحة الفيس بوك الخاصة به لم أشاهد سوى صورة أفراد عائلته التي فقدها في ١٢ / ١٢ / ٢٠٢٣ مع بعض فقرات عن قسم من أحفاده الذين حاربهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بحجة أنهم إرهابيون ، فقرات يتحسر فيها عليهم وعلى زوجته التي كان لفقدها أكبر الأثر عليه ، فساءت حالته أكثر وأكثر ، ولم يبق له من يرعاه سوى أمه البالغ عمرها ثمانين عاما وابنه " سيد راغب " عمر حرب الذي أصغيت إليه يتحدث عن فقدان أبيه أمس فجر الخميس .
أدرج هنا مقطعا من روايته كما أدرجه في صفحته .
* من روايته (أبيض، أسود)
(أخطأ أبو سليمان ضابط الشين بيت خطأه القاتل، (أبو سليمان هو ضابط الشين بيت أمريكي الأصل أشقر طويل القامة، وأقل الضباط الذين تعاوروا على رفح ذكاء), وأراد أن يستعرض عضلاته الأمنية، كنا بالمئات نفترش الأرض قرب المزلقان، والجنود يحيطون بنا من كل النواحي، فضلا عن الأسلاك الشائكة. غاب أبو سليمان ثم عاد شابكا ذراعه بذراع شخص يغطي رأسه بكيس من القماش إلا من فتحة صغيرة يسترق من خلفها النظر. عرفنا للوهلة الأولى بأنه أحد الخونة، وإنما جئ به؛ ليتعرف على نشطاء الانتفاضة الذين يرجمون الجنود بالحجارة، في استعراض غبي ينم عن سطحية، وصبيانية من رجل مخابرات من المفترض أن له هيبته. أخذ أبو سليمان يخترق الصفوف وهو يهمس للخائن والخائن يشير بيده كلما التقطت كاميرا عينه الخبيثة أحد الأبطال. لسوء حظ أبو سليمان كان العميل يلبس قميصاً قصير الأكمام وفي احدى يديه وشم قديم، وبمجرد أن مر أمام السطر الأول أصبح اسمه متداولاً بين الشباب، وأصبح على قائمة التصفية القادمة لدى اللجان الضاربة.)
***
==============
1- فاطمة حسونة
2 - نور الدين حجاج
3- رفعت العرعير
4- بلال عقل
5- هبة محمد المدهون
6- هبة أبو ندى
7- أحمد الكحلوت
8- سليم النفار
9- آمنة حميد
د. عمر حرب
.