أكذوبة مليون ونصف مليون شهيد

عنوان هذه المقالة له علاقة بحكَّام الجزائر الذين تعاقبوا على الحكم بنفس البلاد منذ استقلالِها سنة 1962. هؤلاء الحكام يذكِّرون الشعب الجزائري بأن البلادَ ضحَّت، من أجل الحصول على استقلالِها، بمليون ونصف مليون شهيد.

فيما يلي، إليكم بعض التوضيحات التي قد تُبيِّن أن هذا الادِّعاء، استعمله حكَّام الجزائر السابقون ويستعمِله حكَّام الجزائر الحاليون، كواجهةٍ تضمن لهم البقاءَ في الحكم مدَّةً طويلةً، أي كأنهم المُمَثِّلون الشَّرعِيون لهؤلاء الشهداء.

لماذا أقول "أكذوبة"؟ أولا، لأن الثورةَ الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي بدأت سنةَ 1954 وانتهت باستقلال الجزائر سنة 1962، أي دامت 8 سنوات. ثانياً، آنذاك، كان عددُ سكان الجزائر يتجاوز 10 ملايين نسَمَة. لنقول وصل إلى 11 مليون نَسَمَة. ثالِثاً، هذا يعني أنه، بالنسبة للثورة الجزائرية، التي دامت 8 سنوات، كان عددُ ضحايا (موتى) هذه الثورة 187500 سنوياً.

وإذا استثنينا الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فإن معدَّلَ قتلى الحروب لا يتجاوز 100000 قتيل سنوياً. وحتى الحرب الأمريكية الفيِتنامِية، الأكثر دموية، والتي دامت 10 سنوات، كان عددُ قتلاها، في الجانب الأمريكي في حدود 60000 قتيل، أي كان يموت سنوياً طيلةَ 10 سنوات 6000 جندي. أما الخسائر الفيِتنامِية، طيلة نفس الفترة، كانت تُقدَّر بما يفوق مليون قتيل بين الجنود والمدنيين، أي بمعدل يزيد أو يقل عن 100000 قتيل سنويا.

وللتذكير، كان جمال عبد الناصر، الرئيس المصري الثاني، بعد استيلاء الضباط الأحرار على الحكم، هو أول منَ نطق بجُملة "الجزائر بلاد المليون شهيد". ومن المعروف أن جمال عبد الناصر كان يستمد حكمَه من إيديولوجيا أساسُها القومية العربية le nationalisme arabe والاشتراكية العربية le socialisme arabe وعدم الانحياز le non alignement والشعبوية le populisme والتحرُّر الوطني l'émancipation nationale.

وبالطبع، كل هذه العناصر كانت تجعل من العروبة l'arabisme منبعاً للأفكار التي كانت ترتكز على العاطفة وليس على العقل. ولهذا، كانت أفكارُ جمال عبد الناصر مستمدَّة من هذا النوع من التفكير، وبالتالي، كانت تجعل من كرامة وعزة "الإنسان العربي" ومن ومن كرامة وعزة وطنِه، أولوية الأولويات، وخصوصا، عندما يتعلَّق الأمر بمُواجهة الاستعمار. فلا غرابةَ أن يقولَ أن ينطِقَ جمال عبد الناصر بجملة "الجزائر بلاد المليون شهيد". هذه الجملة نابعة من العاطفة وليس من العقل. لماذا؟

لأنه، لو فكر جمال عبد الناصر بعقلِه، ما كان لينطِق بهذه الجملة التي اتَّخذها حكَّام الجزائر، كحقيقية، يُخدِّرون، بدورهم، عاطفةَ الجزائريين. بل إن هؤلاء الحكَّام أضافوا لمليون جمال عبد الناصر نصفَ مليون شهيد. وللتذكير، لا توجد إحصائيات رسمية يمكن الاعتماد عليها. وهذا ما جعل بعض المؤرٍِخين الجزائريين والأجانب، يرفضون هذا الرقمَ لأنه مخالِفٌ للعقل والمنطق. وفي أحسن تقدير، عدد شهداء الاستقلال يتراوح بين 400000 و 500000 شهيد.

بل إن بعضَ الجزائريين، وعلى رأسِهم، الرئيس الحالي عبد المجيد تبون رفع هذا الرقم إلى أكثر من 5 ملايين ونصف في إحدى تصريحاتِه للشعب الجزائري. علماً أن فترةَ مقاومة الاستِعمار الفرنسي، المُشار إليها أعلاه والتي دامت 8 سنوات، وعلما، كذلك، أن عددَ سكان الجزائر كان يُناهز 11 مليون نسمة، فهذه المقاومة أصبحت "حربَ إبادة" ليس مواجهة مع الاستِعنار الفرنسي.

السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، هنا، هو : "كيف تمكَّنت الجزائر من رفعِ عددِ سكانها، علما أن هذا العددَ، من المنتظر أن يصلَ في نهاية سنة 2026 إلى ما يقارب 50 مليون نسمة، حسب بعض الجهات المختصة. فإذا افترضنا أن عددَ شهداء الاستقلال يفوق 5 ملايين ونصف المليون نسمة، وأن كثيرا من السكان لا يتزوجون، فمن أين أتى ارتفاعُ عدد سكان البلاد، المشار إليه في هذه الفقرة من المقالة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى