د. عبدالجبار العلمي - قِراءة في قَصيدة "طُفولة الْمَاء..!" للشَّاعر الْمَغربي مُحَمَّد الشِّيخي من ديوان "ذاكِرَةِ الجُرْحِ الْجَميل "

على سبيل التقديم :
هو الشاعر الستيني - كما أعلمُ عن كثب ـ فقد كان يُدَبِّجُ قصائدَه الأولى وهو ما زال طالباً في كلية الآداب في ظهر المهراز بفاس في أواخر سنوات الستين من القرن الماضي. وكان ينشرُ بعضَها في صفحة "أصوات" بجريدة العَلَم إلى جانِبِ ثلةٍ من المتأدبين الشباب، ذاعَ صِيتُ معظمهم فيما بعد وطبقتْ شهرتُهم الآفاق. وقد كانَ لهم الفضل في إغناءِ المشهد الأدبي والنقدي المغربي وتحديثه بكتابات جديدة، وأعمال أكاديمية رصينة، تعتمد مناهج حديثة في مختلف الأجناس الأدبية والأعمال البَحثية، نذكر منهم هنا على سبيل المثال، وعلى سبيل الواجب والوفاء أيضاً: الشَّاعر أحمد بن ميمون ـ الشاعر أحمد تسوكي ـ القاص الروائي محمد أنقارـ القاص محمد القَمَّاص ( رحمهما الله ) ـ القاص الروائي أحمد المديني ـ القاص الناقد إدريس الناقوري ـ القاص الناقد نجيب العوفي ـ القاص الروائي عُمَر وُالْقاضي ـ الشَّاعر أحمد مفدي وغيرهم.. ولا ينبغي أن يغيبَ عن ذهننا أسماء الذين أشْرفوا على هذه الصفحةِ الأدبية ـ المدرسة. وقد كانوا من خيرة الأدباء والشعراء هم : أستاذنا الشاعر محمد السَّرغيني والأديب مصطفى الصباغ والصحافي المحجوب الصفريوي. أما القصيدة الأولى التي نُشرت لشاعرنا محمد الشيخي في "الملحق الثقافي" لجريدة العَلَم، فقد كانت بعنوان " الْحُزْن ", وكان قد كتبها في أواخر الستينيات (سنة 1968 )، وأنا على ذلكَ مِن الشَّاهِدين. وأحسَبُ أنهُ لو كان أمرُ الطبعِ ميسوراً آنذاك، لأصدر باكورة أعماله الشعرية في أواخر سنوات الستين، لا سيما وأنَّ عَضُدَ شِعْره كان قد أخذَ يشتدّ، وآيةُ ذلك أنّ أهم منبر أدبي نَشرَ له قصيدتَه " الحُزْن". ونحنُ كنا نعتبرُ أنَّ من ظهرَ اسمُه على صفحات ذلك المنبر العتيد، حاز على الاعتراف بأنه أديب أو شاعر بحق. وربما لسبب صعوبة أمر الطبع والنشر والتوزيع، تأخر الشاعر محمد الشيخي في طبع أشعاره إلى بداية سنوات الثمانين ( سنة 1983 ). من هذا التاريخ إلى الآن أصدر الدواوين الشعرية التالية : "حينما يَتَحَوَّلُ الْحُزْنُ جَمْراً " ، الدار البيضاء أبريل 1983؛ " الأشجار"، الدار البيضاء،1988 ـ " وردة المستحيل " ( منشورات فضاءات مستقبلية الدار البيضاء، 2002 ) ـ " ذاكرة الجرح الجميل " ( فضاءات مستقبلية الدار البيضاء 2005 ) - " زهرة الموج" ( دار الحرف للنشر والتوزيع القنيطرة ، 2009 ) ) ـ " فاتحة الشمس" ، فضاءات مستقبلية ، الدار البيضاء ، 2015 ). وما زلنا ننتظر من معينه الجديد الجميل العذب المذاق.
القصيدة: " طفولة الماء ..! "
تتألف القصيدة من ثلاثة مقاطع مرقمة من : 1 إلى 3

1
لِهَذا الصَّباحِ الَّذي
يَتشَّكَّلُ بَيْنَ الأصابِعِ،
يَكْبُرُ فَوْقَ جَناحِ الْحَمام،
يَسيحُ عَلى لَوْعَةِ الْقَلْبِ،

يَقْطِفُ فاكِهَةِ الدَّمْعِ ...
ـ هَلْ قُلْتَ:
لِهَذَا الصَّبَاحِ الَّذِي
يَتَمَدَّدُ فَوْقَ حَنينِ الدَّقائقِ،
ذَاكِرَة الْعُشْبِ والمَاء..؟!
ـ يُمْكِنُكَ الآنَ
أَنْ تَمْلَأَ الْكَأسَ،
هَلاَّ سَكَبْتَ نِداءَ السَّلاَمَةِ
فَوقَ هديرِ البِحارِ
هلاَّ نَشَرْتَ اللَّوْنِ
فوقَ طُفولةِ هذا الماءْ..!

2
شجَرٌ يأتي .. !
قد تَرَاهُ يُصَفِّفُ أَوْراقَهُ
في مَمْشَى الْقَصٍيدَةِ.
ـ أَنْدَلُسٌ .. !
قَدْ تًرَاهَا
تَصْعَدُ مِنْ جُرْحِ ذَاكَ الْمَسَاءِ،
تَسَاقَطٌ مِنْ عُشِّ هَذَا الْفَضَاءِ الرَّمَادِيِّ،
- هَا غَرْنَاطَةُ هَذًا الْحُلْمِ
تُشَرٍّعُ نًافِذَةَ الشِّعْرِ ،
تَزْرَعُ دَالِيةَ العِشْقِ
فِي حُجْرَةِ الْقَلْبِ ،
فِي مَسْكَنِ الشَّمْسِ
وَالدَّمْعَةِ الْعَاشِقَهْ !
يمكن أن نعتبر هذا المقطع المحكم البناء الذي تأخذ ألفاظه بعضُها برقاب بعض عن طريق التدوير أحيانا جملةً شعرية طويلة حسب تصنيف الشَّاعر الباحث أحمد المعداوي (المجاطي) ، حيث يحدِّدها بأنها هي التي تتجاوز الست عشرة تفعيلة ، " شريطة أن تتكرر عددا من المرات في القصيدة الواحدة." وقد تكررت الجملة الطويلة في ثلاثة مقاطع هي التي تتكون منها القصيدة، وتنتهي الجملة الطويلة في قصيدة شاعرنا محمد الشيخي في المقطع الأول بقافية مقيدة مجردة (ه/ذا الماءْ : فَعْلاَنْ) ، وينتهي المقطع الثاني بقافية مطلقة موصولة بهاء السكت ( عاشقهْ : فاعِلُنْ ) ؛ كما أن المقطع الثالث ، ينتهي بنفس قافية المقطع الأول قافية مقيدة مجردة (ه/ذَا الْمَاءْ: فَعْلاَنْ ) ومن هنا يتبين لنا أن الشاعر ينوع الأضرب في أبيات قصيدته، فهو لا يستخدم ضرباَ موحداَ في كل أبيات مقاطع القصيدة كما هو الشأن في القصيدة العمودية التي يُعْتبرُ فيها اختلاف الضرب في آخر أبياتِها عيباً من عيوب القافية، ذلك أن القصيدة العمودية، يجب أن تلتزم به كما هو معروف عند العروضيين. وإذا كان لفظ الماء يتكرر في قافية المقطعين ، فإنه في الأول يتكرر مع لفظ الطفولة ، بينما يتكرر في المقطع الأخير مع لفظ الشيخوخة ، فالذات الشاعرة مدركة للزمن الهارب المنفلت من بين يديها :
3
" زمنٌ هاربٌ .. !
ما تَبَقَّى مِنَ أَشْوَاقِ الظَّهيرَةِ
لامْتصاصِ مَقالةِ هذا الوَقْتِ.
وهلْ يَكْفي لاشْتِعَالِ الْفَراشَةِ
في هَذَيان العُرسِ الأَخير ؟
وما قَدْ تَبَقَّى
مِنْ سُورَةِ اللَّوْنِ ،
هَلْ يَكْفي لاشْتِعَالِ الطُّفُولَة ِ
في شَيْخُوخَةِ هَذَا الْمَاءْ ؟
ثمة على مستوى المعجم في هذا المقطع الأخير كلمات دالة على الزمن : زمن هارب - الظهيرة - الوقت - العرس الأخير - الطفولة - الشيخوخة ، هذا بالإضافة إلى فعل تبقى المتكرر مرتين المرتبط بالزمن الهارب ، وفعل يَكْفي المُسْتَخدَم مرتين في صيغة السؤال عن مدى كفاية الزمن المتبقي لمزيد من الأحلام الوردية والآمال الطفولية البريئة. وهل يتوقف توقُ الإنسان إلى تحقيق آماله العريضة ؟
يبقى أن نقول إن الشاعر كزميله في تحكيك الشعر وتجويده أحمد المجاطي، ينحو منحاه أيضا في المزج بين البحور الشعرية في قصيدة واحدة . فقد استخدم الشاعر في قصيدته " طفولة الماء " بحرين متقاربين: المتقارب في المقطع الأول ، والمتدارك في المقطعين الثاني والثالث ( فَعُولُنْ - فاعِلُنْ )، وهما كما هو معلوم ( عِلُنْ فَا - لُنْ فَعُو ) . وربما استخدم الشاعر المتقارب البطيء للدلالة على زمن الطفولة والصبا والشباب الذي مازال ممتدا إلى الأمام ، بينما وظف وزن المتدارك الذي يزاحَف فيصير خَبَباً للدلالة على سرعة انقضاءِ الزمان وهروبه دون توقف إلى نهاية المطاف. القصيدة تزخر بالصور المبتكرة شأن كتابة الشيخي الشعرية في جل دواوينه. ومن الجدير بالملاحظة أن الشاعر يستبعد بلاغة التشبيه في هذه القصيدة، فهي بمقاطعها الثلاثة تخلو من هذه الظاهرة البلاغية التي طالما شكَّل الشعراء القدماء صورهم على أساسها ومن أشهرهم ابن المعتز. ولد (247 هـ، 861م). أما في قصيدتنا " طفولة الماء "، فنجد الصُّورة فيها تقوم على مكونات بلاغية أخرى مثل :
أ ـ الاستعارة: ونمثل للاستعارة بعدة شواهد من النص في كل مقاطعه: فاكِهَةِ الدَّمْعِ ـ حَنينِ الدَّقائقِ ـ
ذَاكِرَةُ الْعُشْبِ والمَاء ـ طُفولةِ هذا الماءْ ـ أشواق الظهيرة...
ب ـ التشخيص : من الظواهر اللافتة للانتباه اعتماد الشاعر في صوره على التشخيص ، ونمثل له بشاهدين :
ـ الأول من مقطع رقم 1 :
لِهَذا الصَّباحِ الَّذي
يَتشَّكَّلُ بَيْنَ الأصابِعِ،
يَكْبُرُ فَوْقَ جَناحِ الْحَمام،
يَسيحُ عَلى لَوْعَةِ الْقَلْبِ،
يَقْطِفُ فاكِهَةِ الدَّمْعِ ...
ـ الثاني من المقطع رقم 2 :
ـ شجَرٌ يأتي .. !
قد تَرَاهُ يُصَفِّفُ أَوْراقَهُ
في مَمْشَى الْقَصٍيدَةِ.

...........................
ـ أَنْدَلُسٌ .. !
قَدْ تًرَاهَا
تَصْعَدُ مِنْ جُرْحِ ذَاكَ الْمَسَاءِ،
تَسَّاقَطُ مِنْ عُشِّ هَذَا الْفَضَاءِ الرَّمَادِيِّ،
لا تخل القصيدة من الإيقاع الداخلي النابع من التوازن الصوتي في بعض أبيات القصيدة ، ونمثل له بجزء من المقطع رقم 2 :
- هَا غَرْنَاطَةُ هَذًا الْحُلْمِ
تُشَرٍّعُ نًافِذَةَ الشِّعْرِ ،
تَزْرَعُ دَالِيةَ العِشْقِ
فِي حُجْرَةِ الْقَلْبِ ،
فِي مَسْكَنِ الشَّمْسِ
فنافذة الشعر= دالية العشقِ/ حجرةُ القلبِ = مسكن الشمسِ
ولا يخفى على أي دارس أو قارئ للمنجز الشعري للشاعر محمد الشيخي أنه يحتاج إلى دراسة متكاملة ترصد جميع مكونات الخطاب الشعري الأخرى . وأرجو أن يتاح لي الوقت والجهد لدراسة نماذج من شعر هذا الشاعر الباقي من الشعراء المحَكِّكِين ( عبيد الشعر) المُجَودين الذين لا يَخْرجون على الملأ بشعرهم إلا بعد أن يُحسوا أنه قد اسْتوى ونضجَ على نار هادئة. ولنا في تجربته الشِّعرية ما يؤكد ذلك ، فلا يَصدر له ديوانٌ جديد إلا بعد سنوات قد تتجاوز الخمس سنوات .
إنَّ الشاعر المغربي محمداً الشيخي شاعرٌ ذو صوتٍ خاصّ ، وأسلوبٍ متميز حيثُ يمكن أن تعرفَ شعرَه دون أن يكون مُوقَّعاً بإمضائه . ولا يمكنُ لأي شاعر أن يصل إلى هذا المستوى إلا بعد تمرسٍ دائب بالكتابة الشعرية ومعاناة طويلة في عالم الإبداع الشعري الصعب المراس، فضلا عن الإخلاص له وتكريس كل الجهد من أجل تجويده وإتقان سبائكه لغةً وصورا وبناء وإيقاعاً. إن الصورة الشعرية عند الشاعر محمد الشيخي تتسم بجدتها وفرادتها، يشكلها بألفاظ يعسر على المرء استبدال غيرها بها ، ويمكننا القول في الأخير : إن معجمَ الشاعر مميز، وصوره الشعرية مبتكرة، تمتاح من خيال واسع وقدرة على تشكيل لوحات غاية في الجمال والإمتاع. وليس هنا مقام إيراد الشواهد والأمثلة من مجموعات شعره الأخرى. ومن يعود إلى دواوين الشاعر الأخيرة، سيجد بيسر هذه الظاهرة الفنية المميزة للكتابة الشعرية لمحمد الشيخي. إنَّنا حين نقرأ شعر هذا الشاعر، نجد أنفسنا حقاً أمام الشعر الذي له مقومات الإبداع الفني الحقيقي الرفيع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى