حوار مع الشاعر المغربي بوعلام دخيسي... أجرته: الإعلامية عزيزة رحموني

ـــ لماذا نكتب؟
نكتب لنساعد الروح على التنفس؛ ونقرأ لنُطهِّر الهواء، نكتب لتستمر الفطرة في زمن نرى فيه العدو الذي صنعناه بأيدينا قد دنا من الحصون وبدأ يرسل مسيّراته ويلقي بقذائفه من قريب.. نكتب لنحفظ ذكاءنا... نكتب لتحيا الكلمة، نكتب لنحفظ للغة عرضها وحدودها؛ ولتستمر مماليكُ الشعر والقصة والرواية والملحمة والمقامة والمقالة والمسرح... نكتب لكي تصمد البندقية؛ ولا تستوحش الدمعة؛ ولا يذبل الجمال في عيون العذارى... نكتب لكي لا يضيع المعنى... نكتب لكي نعيش ونستحق الحياة...

ـــ هل ما زال هناك قارئ وفي؟
ما يزال وإن قل، وربما زاد وفاء البعض، أولائك الذين يقاومون ما فشا من نكوص؛ وجد من بُنَيّات في الطريق، وربما قل عند من غلبتهم البدائل وأغوتهم الآلة والسرعة والسهولة...
قبل ذلك، وجب أن نحدد ما القصد من الوفاء ولمن يكون؟
الوفاء المطلوب والمثالي هو أن يكون لكل جاد جيد، جديدا كان أو قديما، دون النظر في هوية الكاتب ولا نوع المكتوب، والحكم على المتن لا على حامله..
بمعنى آخر: يجب أن تَنحى قراءتُنا منحى لجان الجوائز التي تحترم قواعد التباري فتحجب الاسم لتنظر اللجانُ في النص دون صاحبه..
هكذا سنكتشف مساحاتٍ أخرى من الإبداع والفكر والبحث... وسندفع بالأسماء المشهورة إلى أن تجتهد أكثر ولا تفتر، وباليافعة (على المستوى الزمني لا العمري) أن تطمح أكثر؛ وأن تؤمن بالإبداع أكثر؛ وأن تشعر بالحرية من داخل النص ومن خارجه..
أما المعنى الثاني للوفاء الذي قد يتبادر إلى الذهن، هو الوفاء للكاتب الواحد، وهذا فيه من الحسنات والسيئات ـ إن صح التعبير ـ الكثير، أما الحسن منها؛ فما كان عند القارئ الناقد للإحاطة بالتجربة الواحدة من كل محيطها، وأما غير ذلك؛ فللمبدع حينما يقرأ من جنس إبداعه للكاتب الواحد والوحيد؛ ما قد يفضي إلى التكرار لا أكثر... وأما عند القارئ الوسط، فلا بأس من هذا وذاك وإن كنت أفضل أن يكون الوفاء للكتابة لا للكتاب. القراءة كالغذاء تماما، وما يحتاج إليه الجسم متفرق بين ما "تهبه" الطبيعة وما يصنعه الإنسان من أكل.. وكذلك العقل وكذلك الروح...

ـــ انطباعك عن معرض الكتاب بالرباط؟
إن سألت عن المعرض عموما، فهو تظاهرة مهمة وذات قيم ثقافية إيجابية مختلفة، وفرصةٌ للاطلاع على الجديد في عوالم الكتابة والإنصات إلى تجاربَ وأفكارٍ من مختلف الفنون والثقافات واللغات والحساسيات الفكرية..
حضرت إلى حدود السنة الماضية ما يقارب عشر دورات، اغتنمت وغنمت فيها الكثير، لكني ما زلت أشكو بلسان قومي، أهلي (أهل الشرق من مملكتنا الحبيبة خصوصا) غياب ـ إن لم أقل تغييب ـ الكثير من الأسماء، حتى إنّي عددت الأسماء التي استدعيتْ للمشاركة في الفعاليات الرسمية لدورة هذه السنة؛ فلم أجد إلا روائية واحدة وشاعرة واحدة، وإن حاولنا حفظ ماء وجه الوزارة المعنية، ذكرنا أربعة أو خمسة مبدعين آخرين ينحدرون من الجهة، وأضيف جازما لا متهكما: ربما لم تكن الوزارة نفسها تعلم المدن والجهة التي ينحدرون منها؛ أو على الأقل لم تلق لذلك بالا..! بينما نلقي البالَ نحن الذين عانينا وما نزال نعاني الكثير من هذا الهامش المر... ما أقوله ليس مزايدة، ومن حضروا ويحضرون ويحظون بمواقع في برامج المعرض، معظمهم يستحقون ذلك، لكني أعلم أسماء من جهة الشرق من المغرب ـ خاصة ـ تستحق ذلك وربما أكثر، لكنها لعنة الجغرافية كما يقولون، هذه اللعنة التي تلاحقنا حتى على مستوى الدعم في النشر والتوزيع في ظل غياب دور نشر خاصة بالجهة... معذرة إذا تماديت في حسرتي وأكثرت الحديث عن الشرق وهمومه، لكني أعود وأقول، لا بد للوزارة المختصة أن تستحضر هذه المعطيات وأن تكون الأم للجميع؛ والأب الذي يحسن التصرف وصرف الأموال على معرض يجب أن يكون لما بعده، وليس موسما احتفاليا يمر، ثم نعود إلى هشاشتنا؛ ودور ثقافتنا المهترئة... وقبل ذلك وكله؛ إلى منظومتنا التربوية المنخورة، ومدارسنا التي باتت تُخيف المدرّس والمتمدرس، وهي التي يؤمل منها أن تجدد فينا الأمل؛ وأن تحببنا في المستقبل؛ وتحفظ لنا نصاعة التاريخ...


- جريدة العلم ليوم الجمعة 16 مايو 2025،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى