د. عبدالله ابراهيم - كنْ هادئ البال، أيّها المؤلّف الجاد

يكشف طول معاشرة التأليف، والمؤلّفين، والناشرين، والقرّاء عن انطباع يرتقي إلى درجة الحكم: حيثما يكون هنالك عمل موسوعي يحيط بظواهر كبرى: دينية، فلسفية، سردية، شعرية، يتعرّض غير المؤهلين للحكم عليه من دون دراية بمضمونه، وغايته، وغير المؤهلين خليط من الكسالى والعاجزين: الكسول لديه القدرة، وليس لديه الرغبة، والعاجز لديه الرغبة، وليس لديه القدرة، ودأبهم إعاقة مسار المعارف لأنهم لا يرغبون فيها، أو لأنهم عاجزون عنها. وربط أمر المعرفة بهم من أدهى المصائب التي تحلّ بمصير أي أمّة من الأمم، فهم حاضرون للافتاء في كلّ قضية: وقد أحكموا سيطرتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى المؤتمرات الثقافية والفكرية، وعلى المجلات والصحف، وتربعوا أخيرا في المدوّنات الصوتية(البودكاست) وقنوات (التلغرام )الشخصية، ولأن غاية كثيرين منهم تربّح بعض المال، فأنهم يحدثون فوضى، وشغب، وإشاعات، لكسب الباحثين عن الإثارة أكثر من البحث في الحقيقة، وقلّة قليلة منها نذرت نفسها لاشاعة المعرفة.
ما دواعي الجهر بذلك الآن؟ مناسبته انكبابي على كتاب (العالم إرادة وتمثّلا) لشهوبنهاور بترجمة سعيد توفيق، ونشر دار الكتاب الجديد، وهو بألفي صفحة (وقد أشدت بذلك في منشور سابق)وفيه أشارك شوبنهاور الذي كتب مقدمة ثانية لكتابه، بعد مرور ربع قرن على صدور طبعته الأولى، وكأنها كتبت الآن؛ فقبل قرنين من الزمان دافع عن الفكرة التي أدافع أنا عنها الآن. لا يبني المعرفة أشباه العارفين، وفئة المدعين، وغير المؤهلين، فدأبهم إشاعة اليأس في محيطهم، ليس لأن مسار الحياة كذلك، إنما لأنهم يخلعون عليه جهلهم، وعجزهم، وكسلهم. وسيقول هؤلاء، إن اطلعوا على شيء من هذا الكلام الطاعن فيهم، إنني أدير عقارب الزمن إلى الوراء، ولا بأس من ذلك، ففي الماضي تكمن أشياء عظيمة لا سبيل للتحلّل منها: الذاكرة، والهوية، والمعرفة، واللغة، والأدب، والمعرفة، وحتى بوصلة الحياة الموجّهة إلى المستقبل، فإن لا يستطيع أحد إدراك أهمية الجيّد في كلّ ذلك، فذلك لا يعني أنه غير مهم. لو حادَ الغشماء قليلا عن طريق المعرفة لصلُح الأمر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى