ظافر الجبيري - طابور القُدور

مقترحاتٌ لصناع الفنون السبعة

إنه الظهور الأول للقدور في القرن الحادي والعشرين، وحين لا يثبت هذا القول، فاعتبروا الأمر مبالغة فنية أو ادعاءً مشحونًا بموثوقية نقية تهدف إلى استنهاض الرحمة، وسيبقى في داخلي يقين راسخ أنّ الإنسانية لن تفقد حضورها المؤثر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

في مثل هذه الأزمات الإنسانية الكبرى، تتصاعد أصوات من هنا وهناك، و من الأصوات الجريئة في العالم الغربي، ستظلّ صرخةُ نائبةٍ في البرلمان الإيطالي مدويةً لعقود طويلة، فقد سمعنا ورأينا تلك المثقفة ،(وفق غرامشي)، وهي توجّه توبيخًا شديدَ اللهجة لأعلى السلطات في بلادها على الصمت والتواطؤ.

في البلاغة لا ننكر تأثير الكلمات على بعضها البعض، كما لا ننكر أهمية الأغطية المفقودة للقدور في ذلكم الطابور الذي أبطاله أطفال يقفون أحياء بوجوه صادقة الألم!

عذرًا، فربما فقدتُ بلاغة الخطابات والتشبيهات !

على المستوى الشخصي، عليّ أن أعترف أني لم أعد أجيد السجع والجناس، وسأتجنّب مثلًا : (لا عزة بدون غزة )، ولن أغامر من جديد، فأهدر النحو في معترك الشجب والإدانة. ربما ماتت بلاغتي مع الوقت، وقد سخرت أيامَ شرخِ الشباب من شاعر عربي صدَح بعد إحدى الهزائم الكبرى، فقال:

أقبِحْ بإسرائيلَ إن سلاحها غدرٌ وإن رجالها أشباهُ!

فلم يتحمّل المدرّس سخريتي، فكاد يطردني من درس بلاغته الخشبية؛ تلك مرحلة قد خلت! لقد جرت الكثير من المياه والدموع والأحبار، ومرت عقود وعقود.

اليوم، ألا تكفي الصورة الصارخة ؟ قد يشكّ أحدٌ في الزمان والمكان والأسباب؟ فيرد عليه أحدُهم مستنكرًا:

- ألا تراهم ؟! هذا جوع أو (مو)جوع؟!

حقًّا، الإنسان( موجوع) في هذا الجزء من العالم، و أرجو أن تنتهي هذه المعاناة سريعًا ، و آمل أن يسرع الإنسان إلى نجدة أخيه الإنسان، و أن يداوي الزمنُ سريعًا كلَّ هذه الجراح.

القُدُور جوع صارخ، والجوع قدور شاخصة أمام الشاشات، والفجيعة بوصلتُها تشير إلى شرقيّ المتوسط، أما أولئك الأطفال الهائمون فلهم منا الدعاء بالصمود في معركة الأمعاء الخالية، و الرسالة ، بكل تأكيد، معركة أخرى تخوضها وجوهُهم البائسة في مواجهة ضمير العالم.

لا أطالب أحدًا بشيء! من يجب عليه التدخل فهو يعرف ألّا وقت يكسبه أو يضيّعه ، بانتظار مسِيرة مفاوضاتٍ نكِدة.

الغذاء مطلوب بسرعة كسرعة القذائف التي تقتل عشرات الألوف وتهدم مقوّمات الحياة لمن بقي حيًّا، تفعل ذلك بلا هوادة، ثم يتظاهر الفاعل بدعم أقلية ما في بلد آخر من دول الجوار الملتهب!

القول إن غزّة مكان محتل ، أو أرض سقطت قول فيه تضييع وقت بلا طائل! غزّة ، باختصار، مكان يكشف فداحةَ تأجيلِ الحلّ القديم والحلّ الذي تتفاوض عليه الدولُ اليوم مع منظمات الغذاء، إنه الحلّ الذي ينفد وقتُه، كما تنفد الكلمات التحذيرية من نفاد الغذاء والمساعدات .

غذاء منخفض القيمة الغذائية،

-هاته

غذاء تطلبه وتلح عليه وجوه الأطفال والأهل من ورائهم،

-هاته.

غذاء يسمح بدخوله بطيئًا، لا بسرعة الجرافات والمدرعات،

-أيضا هاته!

غذاء بطعم النجمة الزرقاء والنسر ....

-هاته!

من هنا ، من موقع الدمار المهول والدموع والأشلاء والآلام، لا أحد سينسى كم عبَرت عشراتُ الجيوش .. مرّ الكثير من الغزاة عبر التاريخ، سينتهون ويرحلون ذات يوم، وسيبقى وجهُ طفل جائع مشهدًا عصيًّا على النسيان .

إن لم يصحُ ضمير العالم أمام فوضى الجوع التي صنعتها دولة البطش التي تمتهنُ القيم الإنسانية، فمتى يصحو؟

لديّ أمل أبوح به في أذن الزمن وضميره الحيّ :المثقفين، أبوح به لكل الورق والسطور، سرّ أزرعه بين الكلمات ، إنه سرّ و دعوة لصناع الفنون والقادرين على رسم البهجة وتوثيق الألم الإنساني كقيمة عليا، أقول ذلك كبشارة:

غدا سنرى

● لوحة فنية خالدة موضوعها قِدْرٌ فارغة في تكيّة أقامها العمّ سام!

● عملًا بطلاه رجل وامرأة نجيَا من الجحيم ليقيما متحفًا للقدور التي رُفعت ذاتَ جوعٍ أمام ضمائر الأمم المفْترقة!

●عملًا سرياليّاً فيه قدور متطايرة تباغت الغزاةَ والقتلةَ في نومهم ويدوّي صوتُها عليهم مثل كابوس فظيع .

● أغنية عالمية تعلو إيقاعاتها بالقرْع على ظهر قدور خاوية، أغنية بعدة لغات، تنضح بالفن وبكلمات عفوية ووجوه تنشر البراءة والأمل .

● سنشاهد فيلما عظيمًا فيه قدور تطير من غزة إلى بلاد أخرى قريبة أو بعيدة لتعود ملآى بالطعام وهدايا الأطفال... قدور سنراها مرسومًا عليها ألوان الأمل، وقد زينتها الأمهات الشهيدات اللاتي متنَ ،لأجل أطفالهنّ، مرتين.

وطوبى للعاجزين في حياتهم ومماتهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى