سيد يوسف - في محبة السفسطة

لماذا منع أفلاطون الشعراء من دخول الجمهورية؟
سؤال سفسطي وجدل بيزنطي مع الشاعر الكبير الأستاذ الدكتور أحمد بلبولة
منذ أكثر من عشرين عاما..
دار نقاش بيني وبين أخي وصديقي الحبيب معالي الأستاذ الدكتور أحمد بلبولة حول السبب الذي لأجله منع أفلاطون الشعراء من دخول الجمهورية...
بناء على اختلاف الرؤى كنت مؤمنا بأنه في ضوء قناعتي بأنه لما كان الشعراء في عملهم الذي هو قول الشعر ينشدون المثال.. ويسعون إلى الكمال.. ولما كانت الجمهورية هي عالم المثل فإنه لا معنى لوجودهم.. فالمثل في الجمهورية متحققة بالفعل.. وليس إخراج الشعراء من هذا العالم لنقيصة فيهم وإنما لطبيعة مادتهم ومضمون فنهم... بينما كان معالي العميد.. منطلقا من قناعاته المبنية على رأي أفلاطون نفسه.. وقبله أستاذه سقراط.. الذي يحط من شأن الشعر والشعراء ورؤيته أنهم ضد مشروع الجمهورية ووجودهم يفسدها....
في دقائق تحول النقاش إلى عبارات حادة.. وخصوصا من جانبي.. لأنني كنت في ذلك الوقت أرى الشعراء كائنات مرهفة الحس عالية الحدس تملك الكثير من مقومات النبوة.. ويمكنها تغيير الواقع بالكلمة.. حتى إنني صغت هذا المعنى شعرا في قصيدة قديمة قلت فيها:
إن أنت غيرت بالأشعار واقعنا
تصبح نبيا..
ويغدُ الشعر قول نبي
بينما كان معالي العميد يراهم غير ذلك..
وانتهى النقاش الحاد إلى خصام وجفاء.. ثم تصالح وعودة أقوى إلى المودة المبنية على أسباب إنسانية نبيلة وأسباب فنية تتعلق بما كنت، وما زلت، أحمله لمعاليه من الحب والتقدير لشخصه النبيل وفنه الرفيع وما يملكه من إمكانات شعرية هائلة طالما تعلمت منها.. وإيمان من معاليه بأنني أملك ما يستحق التقدير في المساحة ذاتها.. عدنا دون أن يتخلى أي منا عن قناعته أو يحاول إجبار الآخر عليها..
اليوم..
وفي ضوء ما أراه من سلوك أغلب الشعراء في بلادنا.. ولا سيما في مصر المحروسة.. سواء تجاه بعضهم بعض أو تجاه ما يؤمنون به ويدافعون عنه ومدى صدقهم في هذا كله..
أجدني أكثر قناعة بأن أعظم ما قيل من رأي موضوعي فني في حق الشعراء هو قوله تعالى في ختام سورة الشعراء: "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون".. صدق الله العظيم
وعليه..
فإنني مدين باعتذار للشاعر الكبير والأستاذ الجليل الدكتور أحمد بلبولة.. اعتذار تأخر عن موعده أكثر من عشرين عاما.. لكنه واجبي وحقه..
اقول قولي هذا..
ولا اقصد به إيذاء شعور أي من أصدقائي الشعراء.. ولا أدري إلى أي من وجهتي النظر يميل أصحابنا من الشعراء ومحبي الشعر.. ولكنني على يقين تام بأن القرآن حق.. وأفلاطون على حق.. وبلبولة صاحب حق.. وأن آخر ما نحتاج إليه.. سواء في عالم المثل أو في الطريق إليه.. وآخر ما يمكن أن يساهم في نهوض أمة تعاني التخلف وتراجع الأحوال هو الشعر والشعراء..



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى