في سيرته الذاتية، حكى الناشط الأمريكي الشهير مالكوم إكس، جانبا من التجلّيات النفسية التي أحسّ بها أثناء أدائه فريضة الحج، قائلا: «أعتقد أن الحج وسّع أُفقي، ومنحني بصيرة نفسية جديدة. خلال أسبوعين فقط في تلك البقاع الطاهرة المباركة، رأيت ما لم أره خلال 20 سنة من التعبّد لله سبحانه وتعالى هناك، في الولايات المتحدة».
أضاف إكس: «لقد رأيت هنا كلّ الأعراق، كلّ الألوان، من أصحاب العيون الزرقاء إلى الأفارقة أصحاب البشرة السمراء، ضمن أخوّة صادقة! وفي اتّحاد لم أره في حياتي من قبل. فتغيّرت توجهاتي تماما بسبب ما عايشته وما رأيته في ذلك المكان من أخوة. ليست أخوة تجاهي فقط، وإنما بين كلّ البشر من كلّ الجنسيات والألوان. وفي تلك المساواة راحة نفسية، لو تعلمون، ما بعدها راحة».
وفي كتابه «الحج»، يطرح الدكتور خالد عبد الغني، أستاذ علم النفس بجامعة بنها في مصر، رؤية جديدة من نوعها للشعيرة المباركة، من منظور «علم النفس السلوكي»، الذي يدرس الكيفية التي تتطور فيها سلوكيات الكائنات الحية استجابة لظروف معينة، بما يُحَدِّد السلوك النفسي للفرد فيما بعد.
يقول د. عبد الغني، إن حديث القرآن الكريم في مواضع شتى عن الحج، يكشف عدداً من المقاصد والأسرار التي ينبغي أن يتوقف الحاج عندها، ويضعها في عين الاعتبار؛ لأن فهم مقاصد العبادة وأسرارها وحِكمها يساعد بشكل كبير في تعظيمها، وحضور القلب عند القيام بها، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، الحج: الآية 32.
مقاصد وأسرار عظمى
يشير المؤلف، إلى أن من معالم كونية الإسلام في الحج زيارة البيت الحرام والطواف بالكعبة التي بنتها الملائكة قبل نزول آدم للأرض، وهو حادث كوني أيضا، ونزول الحجر الأسود من الجنة ليوضع في أحد أركان الكعبة، وهذا حادث كوني كذلك. والتذكير باستجابة إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، لأوامر الله بالذبح.
هذا الحادث، وفق الكاتب، كان حدثاً كونياً، إذ تلقى إبراهيم الأمر من الله وسارع في تنفيذه، وشهود الملائكة للحجيج في مشعر عرفة، وما أعده الله من جزاء للحجيج وما يذكره النبي في أحاديثه بغفران الله لذنوب عباده وعودتهم كـ «يوم ولدتهم أمهاتهم». أليس هذا الشهود من الملائكة حادثا كونيا أيضا واجتماع المسمين في الحج دون تمييز وانشغال كل منهم بطلب الرحمة من الله بما يشبه اليوم الآخر أليس هذا أيضا حادثا كونيا؟
وينوّه، إلى جاءت شعيرة الحج المباركة في الإسلام، تخليدا لذكرى حادث الفداء والتضحية الأعظم، حين استجاب أبو الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، لأمر الله تعالى بذبح ابنه إسماعيل، عليه السلام. فكانت طاعة الابن واستجابته لطلب أبيه.
ومن هنا، خلّد الإسلام هذا الحدث العظيم، إلى جانب حادث بناء الكعبة، فكانت شعيرة الحج وما فيها من جزاء كبير، (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، آل عمران: الآية 97.
وحسب الكتاب، فإن للحج أثراً كبيراً في ترسيخ فضيلة التقوى في النفس المؤمنة، فالحج التزام من المسلم تجاه ربه، والمؤمن الذي يحج ويتكلف المشقة والمال والوقت، يقطع على نفسه خط الرجعة، الذي ربما كان يحتفظ به قبل الحج، حيث كان يحتفظ بمساحة يعطي نفسه فيها بعض أهوائها المحرمة، فتراه ملتزماً بدينه، إنما قد يتراجع بين الحين والآخر استجابة لشهوة، أو لضغط اجتماعي قد يقع عليه.
لكن المسلم عندما يحج، فإنه يكون قد قرر بينه وبين ربه أنه سيلتزم من الآن فصاعداً بدينه التزاماً جيداً، وأنه سيتقي الله ما استطاع. ويأتي الحج بمثابة تجسيد لهذا الالتزام، فيكون بمثابة ميثاق وعهد يقطعه المؤمن على نفسه أنه لن يعصي الله بعده أبداً.
ومما يزيد دافعية المؤمن للتقوى والالتزام الكامل بعد الحج أن الحج يبيّض صفحة المؤمن فالذي يحج فلا يرفث، ولا يفسق يعود كما ولدته أمه نقياً من ذنوبه.
وبياض الصفحة، يدعو المؤمن إلى الحفاظ عليها بيضاء نقية. بينما امتلاؤها بالمعاصي قد يشجع على المزيد من المعاصي؛ لأن من يلبس ثوباً متّسخاً لا يأنف من الجلوس على أرض متسخة. أما صاحب الثوب الأبيض النقي، فإنه يحرص على بياضه ونقائه من أن يتلوّث بشيء، فتراه يتجنب كل ما يمكن أن يدنّس هذا الثوب أو أن يلطخه. وكذلك المؤمن العائد من حجه بالمغفرة الشاملة، تزداد الدافعية النفسية لديه للحفاظ على صحيفته بيضاء تزينها الطاعات وتغيب منها المعاصي والخطايا إلى الأبد.
طاقة روحية إلهية
ويؤكد د. عبد الغني، زيارة الحجاج لبيت الله الحرام، ولمسجد الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، تمدّ قلوب المؤمن بطاقة روحية إلهية عظيمة، تزيل عنه كروب الحياة وهمومها ومشاكلها، فتزداد صلة الإنسان بربه ويشعر بالصفاء النفسي والسمو والسكينة، كما لم يشعر من قبل.
من جهة ثانية، فإن الحج يدرّب النفوس البشرية على كيفية ضبط النفس وتهذيبها والتحكم في شهواتها ونزعاتها واندفاعاتها، وعلى السلوك الطيب الإيماني وعلى معاملة الناس بالحُسنى، وعلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة. وبذلك يُعد الحج فرصة مناسبة لمجاهدة النفس وتدريبها وتعويدها على تحمل المشاق والتعب، والتواضع لله سبحانه وتعالى، في ذل وخشوع وخوف ورهبة ورجاء.
إلى ذلك، فإن أداء شعيرة الحج كإنجاز في حياة المؤمن وما يرافقه ويتلوه من شعور بالرضا عن نفسه، يجعله ينظر إلى نفسه نظرة تقدير واحترام، فيراها نفساً صالحةً، وتكون في نظره جديرة بالتقدير والتوقير لصلاحها وتقواها، وهذا يُحسًن لدى المؤمن ما يسميه علماء النفس ‹تقدير الذات».
ويترافق مع تقدير الذات مشاعر إيجابية أخرى، من بينها التوازن والاستقرار النفسي، والحد من القلق، مرض العصر. فالإنسان، كما هو معلوم، يزداد قلقاً كلما نظر إلى نفسه فوجدها بعيدة عن الصورة المثالية التي يتمناها.
ويلفت المؤلف، إلى أن رؤية شيء مما تركه الأقدمون تُضفي على الشعور بتاريخهم بعداً جديداً من الواقعية. فإن رؤية من رأى تلك الآثار يُضفي على شعورنا بوجود تلك الآثار بعداً جديداً مماثلاً، يخفف من غيبيتها بالنسبة إلينا، فكأنهم قد رأوها نيابة عنا، فتحقق بعض المراد وإن لم يتحقق كله، إذ «ليس من سمع كمن رأى».
ويشير د. عبد الغني، إلى أن إنّ للحج من الآثار النفسية الرائعة في نفس المؤمن ما يبرر ما ينفقه فيه من مال كثير، وما يبذله في أدائه من جهد كبير. ولعل في المشقة والنفقة الكبيرة التي يتطلّبها الحج حكمة، إذ إن عدم تيسّر الحج لكل من شاء متى شاء، بالإضافة إلى كونه الركن الخامس من أركان الإسلام، كل ذلك يجعل أداء الحج إنجازاً مهماً في حياة المؤمن.
كما تؤثر فريضة الحج إيجاباً في الحالة النفسية للحاج وذلك من عدة نواح، أهمها امتلاك الشعور بالطمأنينة والراحة والاسترخاء بسبب الحالة الروحانية المرافقة لممارسة الشعائر والابتعاد عن التفكير بمسببات التوتر.
هذا، فضلا عن التحلي بالصبر الذي يساعد على تحمل مصاعب الحياة والتعايش معها، لأن الحاج يصبر على مشاق وتعب الشعائر عند القيام بها.
وأداء المسلمين لفريضة الحج فيه الكثير من الفوائد الصحية النفسية العظيمة التي تغمر الحجاج بشعور رباني من الأمن والطمأنينة والسعادة الروحية، ومن أهمها زيارة الحجاج لبيت الله الحرام بمكة المكرمة، ومسجد الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي ذلك انشراح لقلوب المؤمنين بطاقة روحية إلهية عظيمة تزيل عنهم كروب الحياة وهمومها ومشكلاتها، فتزداد صلة الإنسان بربه ويشعر بالصفاء النفسي والسمو والسكينة.
وثمة دلالة نفسية كبيرة للرداء الأبيض الذي يلبسه الحجاج، وهو لون الإحرام الذي يرتديه الرجال من منطلق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم»، وقوله: «البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب». فاللون الأبيض يُعد أكثر الألوان وضوحاً. ومن هنا فإن الدلالة النفسية له تتجسد في النقاء والصفاء، والإيحاء بالراحة والطمأنينة والسكينة، ويرمز هذا اللون إلى التفاؤل والسرور والطهارة.
وتأكيدا لما حكاه مالكوم إكس في البداية، يقول الكاتب إن «ارتداء الحجاج للملابس البيضاء التي تخلو من الزينة مظهر مهم يدل على تساوي المسلمين، رغم اختلاف طبقاتهم العلمية والاجتماعية والثقافية، ما يشيع المساواة وعدم التفرقة بينهم ويجعلهم أكثر وحدةً وتماسكاً».
ويختتم المؤلف كتابه قائلا: «كل ما أرجوه أن يزيد الكتاب من اليقين بالله وبكتابه الكريم وهو القرآن، ورسوله العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقيام بدورنا في طلب العلم والتقدم في ميادين الحياة والجهاد في تهذيب النفس وتربية الأبناء وإشاعة الخلق القويم في المجتمع وتبليغ للإسلام للآخرين بما فيه من معاني الحق والخير والعدل والمساواة والجمال والحب والإيثار والتسامح».
*صحافي، عضو اتحاد كُتّاب مصر
رؤية جديدة لأسرار وفوائد الشعيرة المباركة..
الحج.. من منظور «علم النفس».
الكتاب: الحج.
المؤلف: الدكتور خالد عبد الغني.
الناشر: دار المشرق العربي، القاهرة.
أضاف إكس: «لقد رأيت هنا كلّ الأعراق، كلّ الألوان، من أصحاب العيون الزرقاء إلى الأفارقة أصحاب البشرة السمراء، ضمن أخوّة صادقة! وفي اتّحاد لم أره في حياتي من قبل. فتغيّرت توجهاتي تماما بسبب ما عايشته وما رأيته في ذلك المكان من أخوة. ليست أخوة تجاهي فقط، وإنما بين كلّ البشر من كلّ الجنسيات والألوان. وفي تلك المساواة راحة نفسية، لو تعلمون، ما بعدها راحة».
وفي كتابه «الحج»، يطرح الدكتور خالد عبد الغني، أستاذ علم النفس بجامعة بنها في مصر، رؤية جديدة من نوعها للشعيرة المباركة، من منظور «علم النفس السلوكي»، الذي يدرس الكيفية التي تتطور فيها سلوكيات الكائنات الحية استجابة لظروف معينة، بما يُحَدِّد السلوك النفسي للفرد فيما بعد.
يقول د. عبد الغني، إن حديث القرآن الكريم في مواضع شتى عن الحج، يكشف عدداً من المقاصد والأسرار التي ينبغي أن يتوقف الحاج عندها، ويضعها في عين الاعتبار؛ لأن فهم مقاصد العبادة وأسرارها وحِكمها يساعد بشكل كبير في تعظيمها، وحضور القلب عند القيام بها، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، الحج: الآية 32.
مقاصد وأسرار عظمى
يشير المؤلف، إلى أن من معالم كونية الإسلام في الحج زيارة البيت الحرام والطواف بالكعبة التي بنتها الملائكة قبل نزول آدم للأرض، وهو حادث كوني أيضا، ونزول الحجر الأسود من الجنة ليوضع في أحد أركان الكعبة، وهذا حادث كوني كذلك. والتذكير باستجابة إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، لأوامر الله بالذبح.
هذا الحادث، وفق الكاتب، كان حدثاً كونياً، إذ تلقى إبراهيم الأمر من الله وسارع في تنفيذه، وشهود الملائكة للحجيج في مشعر عرفة، وما أعده الله من جزاء للحجيج وما يذكره النبي في أحاديثه بغفران الله لذنوب عباده وعودتهم كـ «يوم ولدتهم أمهاتهم». أليس هذا الشهود من الملائكة حادثا كونيا أيضا واجتماع المسمين في الحج دون تمييز وانشغال كل منهم بطلب الرحمة من الله بما يشبه اليوم الآخر أليس هذا أيضا حادثا كونيا؟
وينوّه، إلى جاءت شعيرة الحج المباركة في الإسلام، تخليدا لذكرى حادث الفداء والتضحية الأعظم، حين استجاب أبو الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، لأمر الله تعالى بذبح ابنه إسماعيل، عليه السلام. فكانت طاعة الابن واستجابته لطلب أبيه.
ومن هنا، خلّد الإسلام هذا الحدث العظيم، إلى جانب حادث بناء الكعبة، فكانت شعيرة الحج وما فيها من جزاء كبير، (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، آل عمران: الآية 97.
وحسب الكتاب، فإن للحج أثراً كبيراً في ترسيخ فضيلة التقوى في النفس المؤمنة، فالحج التزام من المسلم تجاه ربه، والمؤمن الذي يحج ويتكلف المشقة والمال والوقت، يقطع على نفسه خط الرجعة، الذي ربما كان يحتفظ به قبل الحج، حيث كان يحتفظ بمساحة يعطي نفسه فيها بعض أهوائها المحرمة، فتراه ملتزماً بدينه، إنما قد يتراجع بين الحين والآخر استجابة لشهوة، أو لضغط اجتماعي قد يقع عليه.
لكن المسلم عندما يحج، فإنه يكون قد قرر بينه وبين ربه أنه سيلتزم من الآن فصاعداً بدينه التزاماً جيداً، وأنه سيتقي الله ما استطاع. ويأتي الحج بمثابة تجسيد لهذا الالتزام، فيكون بمثابة ميثاق وعهد يقطعه المؤمن على نفسه أنه لن يعصي الله بعده أبداً.
ومما يزيد دافعية المؤمن للتقوى والالتزام الكامل بعد الحج أن الحج يبيّض صفحة المؤمن فالذي يحج فلا يرفث، ولا يفسق يعود كما ولدته أمه نقياً من ذنوبه.
وبياض الصفحة، يدعو المؤمن إلى الحفاظ عليها بيضاء نقية. بينما امتلاؤها بالمعاصي قد يشجع على المزيد من المعاصي؛ لأن من يلبس ثوباً متّسخاً لا يأنف من الجلوس على أرض متسخة. أما صاحب الثوب الأبيض النقي، فإنه يحرص على بياضه ونقائه من أن يتلوّث بشيء، فتراه يتجنب كل ما يمكن أن يدنّس هذا الثوب أو أن يلطخه. وكذلك المؤمن العائد من حجه بالمغفرة الشاملة، تزداد الدافعية النفسية لديه للحفاظ على صحيفته بيضاء تزينها الطاعات وتغيب منها المعاصي والخطايا إلى الأبد.
طاقة روحية إلهية
ويؤكد د. عبد الغني، زيارة الحجاج لبيت الله الحرام، ولمسجد الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، تمدّ قلوب المؤمن بطاقة روحية إلهية عظيمة، تزيل عنه كروب الحياة وهمومها ومشاكلها، فتزداد صلة الإنسان بربه ويشعر بالصفاء النفسي والسمو والسكينة، كما لم يشعر من قبل.
من جهة ثانية، فإن الحج يدرّب النفوس البشرية على كيفية ضبط النفس وتهذيبها والتحكم في شهواتها ونزعاتها واندفاعاتها، وعلى السلوك الطيب الإيماني وعلى معاملة الناس بالحُسنى، وعلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة. وبذلك يُعد الحج فرصة مناسبة لمجاهدة النفس وتدريبها وتعويدها على تحمل المشاق والتعب، والتواضع لله سبحانه وتعالى، في ذل وخشوع وخوف ورهبة ورجاء.
إلى ذلك، فإن أداء شعيرة الحج كإنجاز في حياة المؤمن وما يرافقه ويتلوه من شعور بالرضا عن نفسه، يجعله ينظر إلى نفسه نظرة تقدير واحترام، فيراها نفساً صالحةً، وتكون في نظره جديرة بالتقدير والتوقير لصلاحها وتقواها، وهذا يُحسًن لدى المؤمن ما يسميه علماء النفس ‹تقدير الذات».
ويترافق مع تقدير الذات مشاعر إيجابية أخرى، من بينها التوازن والاستقرار النفسي، والحد من القلق، مرض العصر. فالإنسان، كما هو معلوم، يزداد قلقاً كلما نظر إلى نفسه فوجدها بعيدة عن الصورة المثالية التي يتمناها.
ويلفت المؤلف، إلى أن رؤية شيء مما تركه الأقدمون تُضفي على الشعور بتاريخهم بعداً جديداً من الواقعية. فإن رؤية من رأى تلك الآثار يُضفي على شعورنا بوجود تلك الآثار بعداً جديداً مماثلاً، يخفف من غيبيتها بالنسبة إلينا، فكأنهم قد رأوها نيابة عنا، فتحقق بعض المراد وإن لم يتحقق كله، إذ «ليس من سمع كمن رأى».
ويشير د. عبد الغني، إلى أن إنّ للحج من الآثار النفسية الرائعة في نفس المؤمن ما يبرر ما ينفقه فيه من مال كثير، وما يبذله في أدائه من جهد كبير. ولعل في المشقة والنفقة الكبيرة التي يتطلّبها الحج حكمة، إذ إن عدم تيسّر الحج لكل من شاء متى شاء، بالإضافة إلى كونه الركن الخامس من أركان الإسلام، كل ذلك يجعل أداء الحج إنجازاً مهماً في حياة المؤمن.
كما تؤثر فريضة الحج إيجاباً في الحالة النفسية للحاج وذلك من عدة نواح، أهمها امتلاك الشعور بالطمأنينة والراحة والاسترخاء بسبب الحالة الروحانية المرافقة لممارسة الشعائر والابتعاد عن التفكير بمسببات التوتر.
هذا، فضلا عن التحلي بالصبر الذي يساعد على تحمل مصاعب الحياة والتعايش معها، لأن الحاج يصبر على مشاق وتعب الشعائر عند القيام بها.
وأداء المسلمين لفريضة الحج فيه الكثير من الفوائد الصحية النفسية العظيمة التي تغمر الحجاج بشعور رباني من الأمن والطمأنينة والسعادة الروحية، ومن أهمها زيارة الحجاج لبيت الله الحرام بمكة المكرمة، ومسجد الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي ذلك انشراح لقلوب المؤمنين بطاقة روحية إلهية عظيمة تزيل عنهم كروب الحياة وهمومها ومشكلاتها، فتزداد صلة الإنسان بربه ويشعر بالصفاء النفسي والسمو والسكينة.
وثمة دلالة نفسية كبيرة للرداء الأبيض الذي يلبسه الحجاج، وهو لون الإحرام الذي يرتديه الرجال من منطلق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم»، وقوله: «البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب». فاللون الأبيض يُعد أكثر الألوان وضوحاً. ومن هنا فإن الدلالة النفسية له تتجسد في النقاء والصفاء، والإيحاء بالراحة والطمأنينة والسكينة، ويرمز هذا اللون إلى التفاؤل والسرور والطهارة.
وتأكيدا لما حكاه مالكوم إكس في البداية، يقول الكاتب إن «ارتداء الحجاج للملابس البيضاء التي تخلو من الزينة مظهر مهم يدل على تساوي المسلمين، رغم اختلاف طبقاتهم العلمية والاجتماعية والثقافية، ما يشيع المساواة وعدم التفرقة بينهم ويجعلهم أكثر وحدةً وتماسكاً».
ويختتم المؤلف كتابه قائلا: «كل ما أرجوه أن يزيد الكتاب من اليقين بالله وبكتابه الكريم وهو القرآن، ورسوله العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقيام بدورنا في طلب العلم والتقدم في ميادين الحياة والجهاد في تهذيب النفس وتربية الأبناء وإشاعة الخلق القويم في المجتمع وتبليغ للإسلام للآخرين بما فيه من معاني الحق والخير والعدل والمساواة والجمال والحب والإيثار والتسامح».
*صحافي، عضو اتحاد كُتّاب مصر
رؤية جديدة لأسرار وفوائد الشعيرة المباركة..
الحج.. من منظور «علم النفس».
الكتاب: الحج.
المؤلف: الدكتور خالد عبد الغني.
الناشر: دار المشرق العربي، القاهرة.