** اعتمد أمل دنقل على المونتاج - أيضا - في تكوين صورِه الشعرية ، كما في قصيدة الموت في الفراش) التي تنقسم إلى فقرات أربع ، فضلا عن مقدمة بعنوان (بيان) ، يقول فيها :
"أيها السادة: لم يبق اختيار
سقط المهر من الإعياء
وانحلت سيور العربة
ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة
صدرنا يلمسه السيف
وفي الظهر: الجدار"( ).
الهزيمة والعار هما المعنى الذي يصورهُ الشاعر في هذه الأبيات من خلال الإشارة إلى (سقوط المهر من الإعياء) (انحلال سيور العربة)، (ضيق الدائرة السوداء حول الرقبة) (ملامسة السيف للصدر ، وفي الظهر: الجدار). دلالة العجز وحتمية السقوط التي صورها الشاعر في هذه المقدمة ( التي تصلح أن تكون ختاما تراجيديا ) ، هي الرابطة العضوية بين اللقطات التي اعتمدت على #تقنية المونتاج في الصورة الآتية :
"نافورةٌ حمراء،
طفلٌ يبيع الفلَّ بين العرباتْ
مقتولةٌ تنتظرُ السيارة البيضاءْ
كلبٌ يحكُّ أنفَه على عمود النور
مقهىً ومذياعٌ ، ونردٌ صاخبٌ ، وطاولات
ألويةٌ ملويةُ الأعناقِ فوق الساريات
أنديةٌ ليلية
كتابةٌ ضوئية
الصحفُ الداميةُ العنوان.. بيضُ الصفحات
حوائطٌ وملصقات
تدعو لرؤية "الأب الجالس فوق الشجرة،
والثورة المنتصرة"( ).
لقد تمكن الشاعر - من خلال توظيف تقنية المونتاح - من انتخاب صورِه من تفاصيل الحياة اليومية ، ودفع هذه الصور إلى التدفق ، والجريان - والتتابع - في مشهد واحد كبير ، احتشدَ لتصوير العجز ، والانتهاك ، والسقوط الحتمي إلى الهاوية، إنّ تفاصيل الحياة اليومية التي استقطبت عين الشاعر لم تحضر في القصيدة بهيئتها التي نراها في واقعنا الحياتي ، بل اكتستْ هيئة جديدةأو ما أسميه " الحضور الفني " الذي يُحدثُه الشاعر لكل مُستدعى من الواقع ، وذلك بإخضاعه لعمل الخيال لإنتاج الدلالات الجزئية التي تتراكم ، وصولا إلى تكوين الرؤية الكلية .
#الانتهاك والاستلاب هما نسغُ حياة الشخوص في هذه الصورة :
الطفل الذي لا يبيع الفل بل يبيع فقره وبراءته ونقاءه، المرأة المقتولة التي تنتظر السيارة، الكلب الذي حُرِمَ من المدللين والحانين فائتنس بالجماد (عمود النور) ، كما أنّ الهزيمة تهيمن ماثلةً في الألوية الملوية الأعناق .
لقد تخير الشاعر من مرئيات الواقع ما عبر عن شعوره بالإحباط والهزيمة والانكسار، كما وظف عنصري الصوت واللون في هذه الصورة المركبة ، إذ يطرحُ كتلتين صوتيتين دالتين على نمطين في المجتمع : كتلة عالية الصوت وكتلة أخرى صامتة، أما الكتلة الأولى فيشير إليها بما يلي : "مقهى، مذياع، نرد صاخب، طاولات، أندية ليلية، صحف دامية العنوان، ملصقات الصورة المنتصرة . و نلاحظُ أنّ هذه التفاصيل المُنتقاة - برهافة شديدة - تشير إلى شرائح متعددة من المجتمع ، شرائح مدانة في رؤية الشاعر، موسومة بالحمق والغفلة والتحجر وانعدام الوعي بحقيقة الواقع المأساوي – بالنظر إلى زمن القصيدة عام 1970- أما #الكتلة الصامتة فقد كان صمتها انهزاما ناتجا عن الضعف، وتتمثلُ في : الطفل بائع الفل، المقتولة، الكلب ، والألوية الملوية الأعناق .
وظف دنقل #عنصر اللون للدلالة على الانسحاق والانهزامية ، فيطالعنا في الصورة - في هذه القصيدة لونان : الأحمر والأبيض . يدهمنا اللونُ الأحمر في : النافورة الحمراء، والمقتولة النازفة ، والصحف الدامية . ولا ننسى الإشارة إلى مهارة دنقل حين جعل النافورة الحمراءَ تتصدر اللقطة ، وكأنها مصدر الدماء المتناثرة التي تغمر المشهد العام والواقع بأكمله .
أما اللون الأبيض فقد حضر في : الفل، السيارة البيضاء، ، الكتابة الضوئية، الصفحات البيضاء للصحف. وعلى النقيض ممّا يتوقعُ المتلقّي- من الدلالة المُستهلكة المُتدَاولة للون الأبيض - لم يُوطّفْ الأبيض - في هذا الطرح - للدلالة على الحياة ، والأمل ، والتفاؤل ، بل نقض هذه الدلالات التقليدية ، وانتهكَ السائد الشعوري المُستقر في التلقّي الجمعي إزاء هذا اللون ، فوُظِّفَ الأبيضُ في لونِ الفُلّ - الذي يبيعه الطفل - للدلالة على الانتهاك ، ، ورمزَ للموت في( السيارة البيضاء ) ، أمَّا عمود النور فقد طُرح في الصورة رمزا للعجز واليأس والوحشة . وحين نتأمل طبيعة اللون الأبيض في ( الكتابة الضوئية ) - بإشارتها للأندية الليلية - ، نتلقّاهُ رمزا لنوع من تغييب الوعي - وتزييفه - الدلالة ذاتها تطالعُنا في بياض الصحف ، حيث طرحها دنقل مُغيّبةً للوعي ، رمزاً للكذب ووأد الفكر .
لا يجب أن ننسى طبيعة الأفعال في هذه الصورة- الكلية المركبة - فقد أتت أفعالُ الكتلة المسحوقة في صيغة المضارعة الأفعال ، دالة على استمرار عملية انتهاكها وسحقها ، على هذا النحو : يبيع ( الطفل ) ، تنتظر( المقتولة ) ، يحك( الكلب ) . وفق هذا النهج أتت الأفعال الدالة على تغييب الوعي في صورة دالة على الاستمرار أيضا ، فالملصقات (تدعو لرؤية الأب...) . أمّا الجمل ، فقد كانت إسمية - في الغالب - ممّا يتسقُ مع طبيع المونتاج الذي وظّفه الشاعر - باقتدار - لا ليضفي على القصيدة سمة الجريان والتدفق وحدهما ، بل ليمد القصيدة بطاقة درامية تمنح المتلقي شعورا لاهثا بكارثية الواقع .
الاسطر السابقة جزءٌ مُقتطع من وقفتي النقدية مع القصيدة المُشار إليها . في كتاب " القصيدة العربية المعاصرة ، دراسة تحليلية في البِنية الفكرية والفنية " / عام 2007م .
"أيها السادة: لم يبق اختيار
سقط المهر من الإعياء
وانحلت سيور العربة
ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة
صدرنا يلمسه السيف
وفي الظهر: الجدار"( ).
الهزيمة والعار هما المعنى الذي يصورهُ الشاعر في هذه الأبيات من خلال الإشارة إلى (سقوط المهر من الإعياء) (انحلال سيور العربة)، (ضيق الدائرة السوداء حول الرقبة) (ملامسة السيف للصدر ، وفي الظهر: الجدار). دلالة العجز وحتمية السقوط التي صورها الشاعر في هذه المقدمة ( التي تصلح أن تكون ختاما تراجيديا ) ، هي الرابطة العضوية بين اللقطات التي اعتمدت على #تقنية المونتاج في الصورة الآتية :
"نافورةٌ حمراء،
طفلٌ يبيع الفلَّ بين العرباتْ
مقتولةٌ تنتظرُ السيارة البيضاءْ
كلبٌ يحكُّ أنفَه على عمود النور
مقهىً ومذياعٌ ، ونردٌ صاخبٌ ، وطاولات
ألويةٌ ملويةُ الأعناقِ فوق الساريات
أنديةٌ ليلية
كتابةٌ ضوئية
الصحفُ الداميةُ العنوان.. بيضُ الصفحات
حوائطٌ وملصقات
تدعو لرؤية "الأب الجالس فوق الشجرة،
والثورة المنتصرة"( ).
لقد تمكن الشاعر - من خلال توظيف تقنية المونتاح - من انتخاب صورِه من تفاصيل الحياة اليومية ، ودفع هذه الصور إلى التدفق ، والجريان - والتتابع - في مشهد واحد كبير ، احتشدَ لتصوير العجز ، والانتهاك ، والسقوط الحتمي إلى الهاوية، إنّ تفاصيل الحياة اليومية التي استقطبت عين الشاعر لم تحضر في القصيدة بهيئتها التي نراها في واقعنا الحياتي ، بل اكتستْ هيئة جديدةأو ما أسميه " الحضور الفني " الذي يُحدثُه الشاعر لكل مُستدعى من الواقع ، وذلك بإخضاعه لعمل الخيال لإنتاج الدلالات الجزئية التي تتراكم ، وصولا إلى تكوين الرؤية الكلية .
#الانتهاك والاستلاب هما نسغُ حياة الشخوص في هذه الصورة :
الطفل الذي لا يبيع الفل بل يبيع فقره وبراءته ونقاءه، المرأة المقتولة التي تنتظر السيارة، الكلب الذي حُرِمَ من المدللين والحانين فائتنس بالجماد (عمود النور) ، كما أنّ الهزيمة تهيمن ماثلةً في الألوية الملوية الأعناق .
لقد تخير الشاعر من مرئيات الواقع ما عبر عن شعوره بالإحباط والهزيمة والانكسار، كما وظف عنصري الصوت واللون في هذه الصورة المركبة ، إذ يطرحُ كتلتين صوتيتين دالتين على نمطين في المجتمع : كتلة عالية الصوت وكتلة أخرى صامتة، أما الكتلة الأولى فيشير إليها بما يلي : "مقهى، مذياع، نرد صاخب، طاولات، أندية ليلية، صحف دامية العنوان، ملصقات الصورة المنتصرة . و نلاحظُ أنّ هذه التفاصيل المُنتقاة - برهافة شديدة - تشير إلى شرائح متعددة من المجتمع ، شرائح مدانة في رؤية الشاعر، موسومة بالحمق والغفلة والتحجر وانعدام الوعي بحقيقة الواقع المأساوي – بالنظر إلى زمن القصيدة عام 1970- أما #الكتلة الصامتة فقد كان صمتها انهزاما ناتجا عن الضعف، وتتمثلُ في : الطفل بائع الفل، المقتولة، الكلب ، والألوية الملوية الأعناق .
وظف دنقل #عنصر اللون للدلالة على الانسحاق والانهزامية ، فيطالعنا في الصورة - في هذه القصيدة لونان : الأحمر والأبيض . يدهمنا اللونُ الأحمر في : النافورة الحمراء، والمقتولة النازفة ، والصحف الدامية . ولا ننسى الإشارة إلى مهارة دنقل حين جعل النافورة الحمراءَ تتصدر اللقطة ، وكأنها مصدر الدماء المتناثرة التي تغمر المشهد العام والواقع بأكمله .
أما اللون الأبيض فقد حضر في : الفل، السيارة البيضاء، ، الكتابة الضوئية، الصفحات البيضاء للصحف. وعلى النقيض ممّا يتوقعُ المتلقّي- من الدلالة المُستهلكة المُتدَاولة للون الأبيض - لم يُوطّفْ الأبيض - في هذا الطرح - للدلالة على الحياة ، والأمل ، والتفاؤل ، بل نقض هذه الدلالات التقليدية ، وانتهكَ السائد الشعوري المُستقر في التلقّي الجمعي إزاء هذا اللون ، فوُظِّفَ الأبيضُ في لونِ الفُلّ - الذي يبيعه الطفل - للدلالة على الانتهاك ، ، ورمزَ للموت في( السيارة البيضاء ) ، أمَّا عمود النور فقد طُرح في الصورة رمزا للعجز واليأس والوحشة . وحين نتأمل طبيعة اللون الأبيض في ( الكتابة الضوئية ) - بإشارتها للأندية الليلية - ، نتلقّاهُ رمزا لنوع من تغييب الوعي - وتزييفه - الدلالة ذاتها تطالعُنا في بياض الصحف ، حيث طرحها دنقل مُغيّبةً للوعي ، رمزاً للكذب ووأد الفكر .
لا يجب أن ننسى طبيعة الأفعال في هذه الصورة- الكلية المركبة - فقد أتت أفعالُ الكتلة المسحوقة في صيغة المضارعة الأفعال ، دالة على استمرار عملية انتهاكها وسحقها ، على هذا النحو : يبيع ( الطفل ) ، تنتظر( المقتولة ) ، يحك( الكلب ) . وفق هذا النهج أتت الأفعال الدالة على تغييب الوعي في صورة دالة على الاستمرار أيضا ، فالملصقات (تدعو لرؤية الأب...) . أمّا الجمل ، فقد كانت إسمية - في الغالب - ممّا يتسقُ مع طبيع المونتاج الذي وظّفه الشاعر - باقتدار - لا ليضفي على القصيدة سمة الجريان والتدفق وحدهما ، بل ليمد القصيدة بطاقة درامية تمنح المتلقي شعورا لاهثا بكارثية الواقع .
الاسطر السابقة جزءٌ مُقتطع من وقفتي النقدية مع القصيدة المُشار إليها . في كتاب " القصيدة العربية المعاصرة ، دراسة تحليلية في البِنية الفكرية والفنية " / عام 2007م .