سعيد گنيش - الاشباح الداهمة في معركة التحرر والوحدة

القسم الأول

إشعال فتيل "الحروب الأهلية " الحديثة هي صناعة حصرية للقوى الاستعمارية وإملاءات الشركات الاحتكارية الغربية لعملائها المجندين في بلدان الجنوب.
تتوسع حرائق "الحروب الأهلية " بفعل توسيع تجارة السلاح في الأسواق السوداء وسهولة تجنيد المرتزقة والقوى الإرهابية الدينية العابرة للحدود، خاصة في الأزمات الدورية للنظام الرأسمالي العالمي، وأثار الانهيار المباشر على اقتصاديات شعوب الجنوب التبعية والمتخلفة.
تتحول هذه "الحروب الاهلية" في حالات كثيرة إلى إبادة جماعية بالجملة، كما حدث في عدة بلدان أفريقية وعربية وأسيوية وحتى داخل أوربا الشرقية في يوغسلافيا تسعينات القرن الماضي.
"الحروب الأهلية " الحديثة أصبحت الأداة الاحتياطية لإغراق بلد في حرب أهلية ليس بالضرورة نظام الحكم فيه معادي، وذلك باستغلال صراعات طائفية دينية أوعرقية أو قبلية و جهوية، وتجنيد مرتزقة مؤهلين للقيام بالمهمة. تكاليف هذه الأداة الاحتياطية غير باهضه كما في الحروب الاستعمارية التقليدية. وتبقى القاعدة الثابتة لدى المستعمر هي تقسيم الشعوب والبلدان إلى أسواق من أجل السيطرة الدائمة.
النتيجة التفتيت الذي يفتح البلد المستهدف على نهب ثرواته ودفع المجموعات الضعيفة المتصارعة إلى توسل الحماية من العدو المستعمر ليصبح البلد يدار من الخارج.
حقيقة الأوضاع في ليبيا صورة مصغرة لما ينتظر بلدان المغرب العربي بعد إسقاط نظام معمر القذافي وانتهاك سيادة بلد عربي عضو في الأمم المتحدة من طرف حلف الناتو والخلايجية العملاء بالتمويل والاعلام.
الأوضاع القائمة في بلدان المغرب العربي بمثابة الجمرات التي تمهد إلى إشعال فتيل "الحروب الأهلية " الحديثة، تواجهنا اليوم كأخطار داهمه قبل الغد؛ وذلك من خلال شبحين داهمين، يشكلان أدوات صهيو امبريالية لاختراق اللحمة التي توحد الطبقات الشعبية العاملة في المغرب العربي:
-الشبح الأول مرتبط بتوسع الأيديولوجيا العرقية التي تستغل المكون الثقافي الامازيغي، تركز على نزعة الاختلاف العرقي المصطنعة. وهي نزعة عنصرية وشوفينية وتفتيتيه، وخطرا محدقا مفتوح على المستقبل المنظور، وعلى الانزلاق إلى "الحروب الاهلية" الحديثة، كأشد الحروب فتكا وقمعا.
تتغدى الأيديولوجيا العرقية مباشرة من دعم وتخطيط مؤسسات غربية - صهيونية المنشأ مرتبطة بمعاهد دراسات الاستشراق في العواصم الغربية، وتعمل أجهزة المخابرات في هذه العواصم على اختبار تطبيق نتائج أبحاثها، بتواطؤ مفضوح مع أنظمة المنطقة الأشد عمالة وتبعية.
تستخدم في الغالب جمعيات وأفرادا ممولين كأدوات مأجورة للتنفيذ. ترفع راية الدفاع عن " الثقافة الامازيغية" كهوية عرقية أحادية، في مواجهة مع "العروبة"، وتضعهما في موقع التناقض التناحري، تعتبر مكون العروبة هوية عرقية معادية ودخيلة واستعمارية. تنزع عنها تماما طبيعتها التاريخية كظاهرة تعرفها جميع شعوب الأرض. تشكلت قبل الإسلام تم انتشرت كقومية تحمل حضارة عريقة ثقافيا وعلميا ولغويا وعمرانيا، وليست عرقا أو إثنية أو قبيلة كما يزعم الأعداء ... وهي بالتعريف الواسع أمة اقرأ.
هذه الأيديولوجيا العرقية العنصرية والمنتسبين لها يجاهرون بتقديم أنفسهم حلفاء للصهاينة وكيانهم المحتل و"حداثيين" أصدقاء ومتعاونين مع الغرب الاستعماري.
-الشبح الثاني هو قوى الدين السياسي، وقد اثبتت الوقائع الملموسة ان جوهر مشاريعها السياسية هو العمالة للأجنبي المستعمر، ومعاداة استقلال الأوطان ووحدتها وتنميتها من خلال التلاعب بالإيمان الديني لدى الشعوب بشعارات وهمية كاستعادة الخلافة. تتحالف مع اشد الأنظمة رجعية وظلامية مقابل السلطة والمال.
لقد أكدت الوقائع في تونس والمغرب لما أطلق عليه في الغرب "الربيع العربي"، أنها تشكل ثورة مضادة مهما غيرت شعاراتها، فهي مناهضة لتطلعات شعوب المغرب العربي في التحرر الوطني وفك الارتباط مع الاستعمار الجديد والوحدة والتنمية.
قوى الدين السياسي تشكل الخطر الأهم مقارنة بايديولوجيا العرقية ومحتسبيها، بسبب تنظيماتها المركزية وشبكات تمويلاتها الواسعة وسيطرتها على قطاعات واسعة من الكثل الشعبية، بسبب استغلالها للمعتقد الديني في مجتمعات متخلفة، يشكل الشباب العاطل الأمي ونصف المتعلم والمفقر كثلة واسعة في قاعدة الهرم الديمغرافي. ويمثل الحاضنة لايديولوجيا قوى الدين السياسي وشرايينا يغديها.
يبدو للوهلة أن الخطرين الداهمين يشكلان نقيضين، وهما متصارعين وهو ما سأفحصه في موضوع القسم الثاني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى