أ. د. عادل الأسطة - كوابيس غزة... شهر أبريل

- الجندي الإسرائيلي وشارة النصر :


أمس ، وأنا ذاهب ، بصحبة أخي وأبنائه ، إلى قرية مزارع النوباني ، لزيارة أختي بمناسبة عيد الفطر غير السعيد ، مررنا بحاجز عورتا . لم تكن هناك أزمة مرور ، والسبب أننا بكرنا في الذهاب كما هي عادتنا كل عيد .
عندما أشار إلينا الجندي الإسرائيلي بأن نتقدم - وأنت هناك إن كنت سائق حافلة ، لا تستطيع أن تتقدم ، بسبب الحفر في الشارع وبسبب المطبات ، إلا ببطء شديد - واصل أخي القيادة .
القيادة ببطء تمكن الجندي من النظر إلى الركاب وتفحص وجوههم ، وتمكن أيضا الركاب من النظر في وجه الجندي وتتبع حركة يده ومشاهدة ملامح وجهه أيضا .
بدا الجندي شابا ربعا ملامحه مثل ملامحنا الشرقية ، كما لو أنه ينحدر من بلد عربي مثل العراق أو اليمن أو المغرب . إنه مثلنا تماما تماما ، ولو أبصرته يسير في شوارع نابلس بملابس مدنية لا عسكرية لظننته فلسطينيا فقيرا معدما ولتذكرت عنوان المجموعة القصصة اليتيمة للصحفي عبد الكريم سمارة " بشر مثلنا " .
عندما اقتربنا من الجندي ابتسم فبانت أسنانه وبدت نظيفة بيضاء ورفع اصبعي يده اليمنى بإشارة نصر .
والصحيح أن الإشارة لفتت نظري فاجتهدت في تفسيرها اجتهادات عديدة . هل الجندي يعرفني ؟ هل لديه فكرة عني ؟ هل أراد أن يسخر منا نحن الفلسطينيين ومن شارتنا الدائمة هذه منذ خرجت المقاومة من بيروت في العام ١٩٨٢ ، ومنذ عاد ياسر عرفات إلى اريحا ، ومنذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ؟
في الأيام الأخيرة أدرجت في صفحتي شريطي فيديو لشخصيتين إسرائيليتين هما إ( يهود باراك ) رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق و( جلعاد كاريف ) عضو الكنيست الإسرائيلي عن الديموقراطيين ، وكلاهما هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ( بنيامين نتنياهو ) ورفض التعامل مع الفلسطينيين على أنهم كلهم مخربون يجب أن يقتلوا .
عندما عدنا إلى نابلس عبر الحاجز نفسه سألنا جندي آخر يبدو أوروبي الملامح :
- لوين ؟
فأجبت :
- إلى نابلس !
أعطى الإشارة بالتحرك ، فيما كان ينظر صوب مساحة أرضية يسمع منها صوت رصاص . هناك حيث يتدرب المستوطنون لمعركة قد تأتي .
اليوم صباحا حول إلي صديق شريط فيديو لإفطار رمضاني دعا إليه زعيم فلسطيني بدوي إسرائيليين من بينهم ( غانتس ) ، وعندما سئل الداعي إن كان هناك أهداف لهذا الإفطار وكيف يدعى إليه ضباط شاركوا في الحرب على غزة ، أجاب بأن هذه عادات قبائلنا وان علينا أن نعيش معا و ... و .. و الأفضل مشاهدة الشريط .
ليس لما سبق أي صلة بمناسبة الأول من نيسان .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ١ / ٤ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة

***

- لسنا بخير :

لا في غزة نحن بخير ، ولا في الضفة نحن بخير ، ولا في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ نحن بخير.
يعيش أهل قطاع غزة منذ ثمانية عشر عاما الحصار ، وهم منذ السابع من أكتوبر أمام خيارين : الإبادة أو الهجرة ، وكان الشاعر إبراهيم طوقان تنبأ بهذا المستقبل لشعبنا كله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة "
وأمس اكتمل المشهد بإطلاق النار ، بلا رحمة وبلا محاكمة ، على شرطي قتل مواطنا عن طريق الخطأ ، كما في بعض الروايات . وأمس تم تعميم منشور وردت فيه أسماء عشرة غزاويين ، مناهضين لحماس ، اتهموا بالتعاون مع الاحتلال .
غزة تعيش ليلها الطويل والتخوين هناك ضرب أطنابه ، وما أسرع ما نتهم من يخالفنا الرأي ، أو من لا يعجبه رأينا ، بالخيانة .
وأمس ارتقى من ارتقى وأمس وأمس وأمس تواصل النزوح الذي تعدد وتكرر .
وأمس في الضفة الغربية هاجم المستوطنون ، بحماية جيش الاحتلال ، قرية دوما القريبة من نابلس ، فأحرقوا البيوت والسيارات واعتدوا على المواطنين ، وفي فجر هذا اليوم اقتحموا نابلس و .. وللتو قرأت خبر إعدام الشاب النابلسي حمزة محمد سعيد الخماش في منزله ( ٣٣ عاما ) .
وأما الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني فيكفيهم ما هم فيه وعليه . الرعب والخوف من المستقبل والجريمة الداخلية التي غطت عليها حرب الإبادة منذ ٧ أكتوبر .
ويبدو أن الحدود الشمالية ستشتعل من جديد ! يبدو ! " ولست أنا النبي لأدعي وحيا " والسطر لمحمود درويش من " جدارية " .
لسنا بخير و ... .
حالة تعبانة يا ليلى !
٢ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- غزة: "ليس لدى الكولونيل من يراسله" (غابرييل غارسيا ماركيز) .

ليس لدى غزة من يقف معها . غزة ، كما يكتب نشطاؤها ، تباد .
يتخلى رجال الإسعاف عن إنقاذ الجريح في الانقاض ويغطون جسده بلوح زينكو قائلين له :
- سنعود إليك ، فالقصف الصاروخي يتواصل .
خيال ! سينما ! أفلام هوليوود !
ويعقب مواطن غزاوي :
ولا في سينما الخيال العلمي !
وتكتب ، مع حالة من العجز تنتابك ، تكتب استجابة لنداء مواطن غزاوي يناشد الآخرين بالكتابة لا ليسمع العالم عما يجري ، وإنما ليشعر أهل غزة أنه ما زال هناك من يتابع أخبارهم ويشعر معهم !
الجمعة ٤ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- سجناء بقميص أبيض وربطة عنق :

عندما التقيت بالكاتب هيثم جابر ابو الخطاب الذي قضى في السجن ثلاثين عاما على دفعتين ؛ سبع سنوات أولا وثلاثة وعشرين عاما ثانيا ، تجاذبنا أطراف الحديث في الأدب ، فهو خريج قسم الصحافة ، وكان درس معي مادة " المدخل إلى تذوق النص الأدبي " ، وله أكثر من مجموعة قصصية وله روايتان وديوانا شعر .
بدا الأسير السجين هيثم الخمسيني شابا .
كنت أنتظره في مقهى لنشرب معا فنجان قهوة ونحكي في الأدب ، ولما أتى كدت لا أعرفه ، فقد بدا ، اعتمادا على صوره التي رأيتها ، مختلفا عما ألفت ما هو عليه شكلا ، فما كان منه إلا أن أراني صورا أخرى له وهو في السجن ، ومنها واحدة له يرتدي فيها قميصا أبيض وربطة عنق ، ما أثار استغرابي الذي سرعان ما بدده توضيحه قصة الصورة .
عندما كان في السجن أحضر إلى غرفة السجن فلسطيني اعتقل من الجسر مباشرة كان يرتدي ملابسه المدنية الأنيقة ، ولما انتبه السجناء إليها قرروا أن يلتقطوا صورا لهم بالقميص الأبيض وربطة العنق ، وهو ما كان .
عندما انتهى من قص حكايته قصصت على مسامعه قصة مراسل راديو " أجيال " ابن قطاع غزة محمد الأسطل التي رواها في أحد تقاريره اليومية عن أجواء قطاع غزة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
في الحرب ناقش محمد عبر تقنية ( الفيديو كونفرانس ) رسالة الدكتوراه ، وكان عليه أن يبدو أنيقا . ارتدى بدلة وقميصا أبيض وربطة عنق ، فبدا شكله غريبا لافتا ، فمن هو الذي يرتدي ، في الحرب ، بدلة ؟
روى محمد أن زوجته علقت البدلة في الدولاب واحتفظت بها لهذه المناسبة ، وهو ما كان .
لم أشتر في رمضان أي ملابس للعيد ، ولكنني ارتديت في عيدي الفطر المنصرمين بدلة جديدة كنت اشتريتها في العام ٢٠١٣ لمناسبة لم أحضرها ، وقد قررت أن أجبر خاطرها ولو مرة مرتين في العيد .
ارتداء بدلات في غزة ، حتى في العيد ، مافيش !
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٦ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- شيوع القصيدة :

في ثمانينيات القرن العشرين كنت محررا ثقافيا في جريدة " الشعب " المقدسية ، وأذكر أنني اهتممت بقصيدة الشاعر اليمني عبدالله البردوني التي مطلعها :
" فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري " .
قرأت القصيدة فراقت لي ولفت خبر حول تناقلها نظري . لقد أعادت نشرها خلال فترة قصيرة ثماني عشرة صحيفة ومجلة عربية .
في الأثناء نفسها التفت إلى مقال حول انتشار الشعر في فرنسا عنوانه " هل يدقون آخر مسمار في نعش الشعر ؟ " وأرجح أنني أعدت نشره أيضا أو كتبت مقالا من وحيه . في فرنسا ما عاد يطبع من دواوين الشعر أكثر من ألف نسخة للديوان .
في أثناء الحرب الأخيرة في غزة ، ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، أعاد نشطاء فيسبوكيون نشر قصيدتين ؛ أولاهما للشاعر اليمني فتحي مسعود " سنبيعكم ، لكن لمن ؟! " وثانيتهما للشاعر فايز أبو جيش ، وهي " من يشتري مني العرب " ، ولم يقتصر النشر على نشر الكلمات ، بل أدرجت اشرطة فيديو تقرأ فيها القصيدتان بأصوات قراء مختلفين ينتمون إلى أجيال مختلفة .
في الأسبوع الأخير انشغلت بمتابعة القصيدتين في مواقع التواصل الاجتماعي . اليوم صباحا التفت إلى قصيدة " من يشتري مني العرب ؟" منشورة أمس في موقع الإمام - Al imam ولاحظت أنها خلال 19 ساعة حظيت ب 6300 إعجاب و ب 960 تعليقا و ب 2600 مشاركة .
هل حقا مات الشعر وانتهى عصره وصار العصر عصر الرواية ؟
مقالي الأحد القادم في جريدة الأيام الفلسطينية عنوانه " هوامش من وحي ما يجري في غزة : من يشتري مني العرب ؟" .
عادل الاسطة Adel Al-osta
خربشات ٨ / ٤ / ٢٠٢٥
(حتي التاسعة والنصف صباحا بتوقيت القدس من صباح الأربعاء ٩ / ٤ / ٢٠٢٥ ، وبعد مرور أقل من يومين من إدراج قصيدة الشاعر الأردني فايز أبو جيش " من يشتري مني العرب ؟ " حقق نشرها الأرقام الآتية ::
- ٢٧٢ ، ٤٤ إعجاب / لايك
- ٥٦٠٠ تعليق
- ١٦٢٠٠ مشاركة
موقع الإمام

***

- من هم الذين ينطبق عليهم ما ورد عن العرب في الأدب الصهيوني؟

وصف العرب في الأدب الصهيوني بأنهم أقفروا فلسطين وجعلوها خرابا.
هذا الصباح كان المنزل في قرية دير بزيغ غرب رام الله قائما . كان جميلا أنيقا وفجأة " هوى " على التراب . لقد فجرته قوات الاحتلال الإسرائيلي .
هل يحتاج النهار إلى دليل ؟
ورحم الله الشاعر الذي قال :
" وليس يصح في الإفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل "
لقد كتبت كثيرا في الموضوع . كتبت دراسة ومقالات وعشرات الخربشات . صارت الكتابة تكرارا مملا . هل من الضروري أن أكتب أيضا عن شهداء ( فردان ) في نيسان ١٩٧٣ في لبنان؟:
- الشاعر كمال ناصر
- الإعلامي كمال عدوان
- أبو يوسف النجار .
حالة تعبانة يا ليلى !
استقرار ما فيش !
خربشات ٩ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- أبو فراس الحمداني :
" قد ضج سيفك من طول القتال به
وقد شكتك إلينا الخيل والإبل
وقد درى الروم مذ جاورت أرضهم
أن ليس يعصمهم سهل ولا جبل "

وأنا أرسل مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية " هوامش من وحي ما يجري في غزة : من يشتري مني العرب ؟"
تذكرت قصتين كتبتا في العام ١٩٧٩ ؛ الأولى لأكرم هنية " النابغة الذبياني يهجو النعمان بن المنذر " ، وظهرت في مجموعته القصصية الأولى " السفينة الأخيرة ... الميناء الأخير " ، والثانية لي وهي " الحمداني يعيد النظر في لاميته " وضمتها مجموعتي القصصية الأولى " فصول في توقيع الاتفاقية " .
كتب هنية عن علاقة الشاعر بكل من الحاكم والجمهور ، وأتيت أنا على واقع العرب في القرن العشرين بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل / السادات وبيغن .
يردد الجمهور القصيدة إن هجا الشاعر الحاكم ، ويبتعد عن الشاعر وينفر منه إن اقترب من الحاكم ، ويصحو الحمداني من قبره وينظر في واقع العرب ، فلا يروق له ويفضل العودة إلى قبره .
بعد أربعين عاما تقريبا ستشيع قصيدتان هما محور مقالي القادم ؛ قصيدة الشاعر اليمني فتحي مسعود " سنبيعكم لكن لمن ؟! " وقد كتبها في العام ٢٠١١ ونشرها في العام ٢٠١٩ ، وقصيدة الشاعر الأردني فايز أبو جيش " من يشتري مني العرب ؟! " وكتبها في ٢٠١٩ تقريبا .
المضمون هو المضمون والحالة هي الحالة ... كأننا لا رحنا ولا جينا .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ١٠ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- صمت غزة وصمت جنوب لبنان

لا جديد من غزة ولا جديد من جنوب لبنان . صارت الحرب من طرف واحد يصول ويجول . يقصف ويغير . يقتل ويجرح . يهدم المباني ويدمر الأنفاق . يهاجم صباح مساء . يغير على السيارات والدراجات ، ولا صوت للمقاومة . حتى العبارة التي حفظناها من الإعلام السوري السابق : الرد في الزمان والمكان المناسبين ، حتى هذه العبارة لم تعد تطرق أسماعنا . صمت كصمت القبور .
الأجواء في هذا النهار شتوية . برودة أقرب إلى برودة المربعانية ، والصفير الوحيد ربما تحدثه الطائرات الإسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان وقد يمتد إلى الضاحية الجنوبية في بيروت ، و ... و ...
و
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
قد رحل الصياد عنك فأبشري
أو رفع الفخ ، فماذا تحذري
هل أكمل ؟
لا بد من صيدك يوما فاصبري ؟!
أم .... ؟
ولا شيء يثير الروح ويهز الوجدان !
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ كتب نزار قباني قصيدته " هوامش على دفتر النكسة " واليوم وجدتني أعيد قراءتها ، واليوم أعدت إدراجها على صفحتي ، واليوم أشعر أنني هزمت للمرة كذا !
خربشات ١٠ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- انج سعد فقد هلك سعيد : انجوا يا أهل الضفة فقد هلكت غزة

منذ الصباح وانا أكرر المثل :
" انج سعد فقد هلك سعيد "
وفي بداية الحرب الأخيرة ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ خاطبنا بعض إخوتنا من غزة ، ممن هم ضد " طوفان الأقصى " ، طالبين منا أن ننتبه ، فلا ننساق إلى ما وجدوا هم أنفسهم فيه : النزوح المتكرر والوقوف في طوابير أمام المراحيض والتكايا وخزانات المياه . وإن عرف هؤلاء الإخوة ، من منشوراتك ، أنك مع ما جرى ، نصحوك بأن تستعد لحياة الخيام فتنصب خيمة لتصبح منزلك الجديد ، وقدموا نصائح عما يجب أن نحمله معنا في أثناء الهجرات . كأن لسان حالهم هو : انج سعد فقد هلك سعيد ، وقصة المثل معروفة .
سعد وسعيد أخوان قررا مهاجمة أعداء لهما . بكر سعيد في الغزو فوقع في كمين أعده أعداؤه ، فقتل ومن معه إلا شخصا واحدا نجا وذهب إلى سعد وخاطبه قائلا :
- انج سعد فقد هلك سعيد .
ويمكن القول إن أهل الضفة حتى الآن ، إلا أقلهم ، لم يلم بهم ما ألم بأهل قطاع غزة .
اللافت أن كثيرين من أهل غزة لم يذهبوا مع سعيد ليقاتلوا ، ومع ذلك فلم ينجوا . هل سننجو ، نحن في الضفة الغربية ، إن صمتنا ولم نسلك سلوك سعيد ؟
عندما أعود بذاكرتي إلى ما قبل ٧ أكتوبر أبحث عن شريط فيديو يتحدث فيه الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ويقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) عرض عليه مرتين أن يستقبل سكان قطاع غزة على أرض سيناء ، وعرضه هذا مطلب إسرائيلي منذ العام ١٩٥٣ ، وقد أشرت إليه مرارا .
وعندما أعود بذاكرتي إلى ما قبل الحرب الأخيرة بعام أتذكر أن رئيس الوزراء نفسه عاد من الأردن خائبا غاضبا من الملك عبدالله ، لأن الأخير رفض أيضا اقتراحا مشابها : إعداد مخيمات لجوء لأهل الضفة الغربية في الأردن .
مما قرأناه عن صورة العربي في الأدب الصهيوني هو أن العربي الجيد هو العربي الميت ، وسواء أخاطبنا الناجي الوحيد بالمثل " انج سعد فقد هلك سعيد " أم لم يخاطبنا فإن ما يخطط لنا لا يختلف كثيرا .
ماذا فعل المرضى والجرحى في مشفى المعمداني في هذا الصباح حتى يجدوا أنفسهم ، يجرون على أسرتهم إلى العراء ؟
لا بد من أن أكتب مقالا عن يوم الأحد ١٣ / ٤ / ٢٠٢٥ عنوانه " سيرة يوم : الزمان مشفى المعمداني والمكان ١٣ نيسان ٢٠٢٥ " على غرار محمود درويش في " ذاكرة للنسيان : الزمان بيروت ، المكان آب".
ما أرانا نكتب إلا معادا مكرورا !
صارت الضفة الغربية سجونا متلاصقة بوابة وراء بوابة وراء بوابة !
خربشات ١٣ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- " ما كانت الحسناء ترفع سترها
لو أن في هذي الجموع رجالا "

عندما نتابع ما يجري في غزة ونقرأ ما يكتب عن الحرب ، نقرأ كلاما كثيرا عن موقف الدول العربية.
كنت نشرت أمس ، في جريدة الأيام الفلسطينية ، مقالا عنوانه " هوامش من وحي ما يجري في غزة : من يشتري مني العرب ؟! " توقفت فيه أمام النزعة المازوخية / جلد الذات ، في الأدب العربي منذ هزيمة حزيران ١٩٦٧ .
لفت انتباهي أمس سطران كتبهما الدكتور د. إبراهيم السعافين يقول فيهما إن علينا أن لا نحرف البوصلة بافتعال صراعات جانبية - أي صرف الذهن عن التوحش الإسرائيلي إلى جدل فيما بيننا ، كأننا نحن سبب ما يجري .
فجأة حضر إلى ذهني بيت خليل مطران الذي حفظناه طلابا في المدارس :
" ما كانت الحسناء ترفع سترها
لو أن في هذي الجموع رجالا " .
( في كتابه " النقد الذاتي بعد الهزيمة " كتب الدكتور السوري صادق جلال العظم إننا ما زلنا نتغنى بمفاهيم الرجولة في الوقت الذي هزمنا فيه من جيش نصفه نساء . يعني أنا غير موفق في استحضار بيت مطران ) .
هل كان للتوحش الإسرائيلي أن يبلغ ما بلغه لو كانت الدول العربية قوية ومعنية بالمقاومة ؟ أو أنها عاجزة وغير معنية بالمقاومة .
عندما قرأت قبل أيام منشورا نسب فيه الكلام إلى نتنياهو ، بأنه لا يوجد رجل عربي يقف في وجهه ، قلت :
- صار نتنياهو عربيا يتحدث عن الرجولة .
وكان إلياس خوري في روايته " باب الشمس " أورد ، في أثناء كتابته عن اليهود ، العبارة الآتية :
- صاروا مثلنا !
ويعني الكاتب أن خروجهم من التاريخ بات وشيكا .
حول صورة اليهود في أدب إلياس حتى العام ١٩٩٩ أنظر دراستي في كتابي " اليهود في الرواية العربية : جدل الذات والآخر " ٢٠١١ أو موقع جامعة النجاح الوطنية staff .عادل الأسطة
خربشات ١٤ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- عجز عن الكتابة :

أعجز عن الكتابة فأقرأ في " مديح الظل العالي " ل محمود درويش :
" يخرج الفاشي من جسد الضحية
يرتدي فصلا من التلمود : أقتل - كي تكون
عشرين قرنا كان ينتظر الجنون
عشرين قرنا كان سفاحا معمم
عشرين قرنا كان يبكي ... كان يبكي
كان يخفي سيفه في دمعته
أو كان يحشو بالدموع البندقية
عشرين قرنا كان ينتظر الفلسطيني في طرف المخيم
عشرين قرنا كان يعلم
أن البكاء سلاحه ... " .
١٥ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- أحفاد الناجين يحرقون أحفاد اللاجئين :

عندما زرت معسكر الإبادة في ( داخاو ) قرب ( ميونيخ ) ، وكان ذلك في تشرين الأول من العام ١٩٩٠ ، دخلت إلى غرفة الغاز ، لأرى كيف كان بعض اليهود يحرقون فيها .
بعد الزيارة صرت أشتري روايات تحكي عن المحرقة وأشاهد بعض أفلام عنها ، واشتريت مذكرات الطفلة اليهودية ( آن فرانك ) ، وقرأت ما كتبه ( ديفيد غروسمان ) في كتابه " الزمن الأصفر " عن جدته الناجية .
الأخبار في نشرات الأخبار وفي وسائل التواصل الاجتماعي ، منذ ليلة أمس ، تحكي عن موت خمسة عشر فلسطينيا وفلسطينية ، في المواصي ، احتراقا . كانوا في خيامهم وأغلبهم من الأطفال ومن عائلة واحدة ( أمس ارتقت الكاتبة الصحفية المصورة قناصة اللحظات فاطمة حسونة وعشرة من أفراد عائلتها . لم يمض على خطبتها سوى أربعة أشهر ) .
هل أخطأ محمود درويش حين كتب :
" ضحية قتلت ضحيتها ،
وصارت لي هويتها " .
أحفاد الناجين يحرقون أحفاد اللاجئين ، ولم أقرأ ل ( ديفيد غروسمان ) مقالات عما يجري يبدي رأيه فيه . هل افتقدنا ( عاموس عوز ) و ( الف بات يهوشع ) و ( شمعون بلاص ) ؟
في مقال اليوم في جريدة الأيام الفلسطينية يعد الدكتور عبد المجيد سويلم الإسرائيليين الذين يدينون ما ترتكبه حكومتهم من مجازر في غزة أبطالا نادرين . هل أسأت فهم ما كتب ؟ ( Abdel Majeed Sweilem ) .
خربشات ١٧ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- سؤال الهوية في غزة :

في مقالي " هوامش من وحي ما يجري في غزة : من يشتري مني العرب " ( جريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٤ / ٢٠٢٥ ) توقفت أمام شعور أهل قطاع غزة بالخذلان والمرارة والإحباط واليأس من الأمتين العربية والإسلامية ، وأحيانا يمتد ليشمل الفلسطينيين في فلسطين التاريخية - أي المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ والمناطق المحتلة في العام ١٩٦٧ ، بخاصة الضفة الغربية والقدس.
لم أكن أكتب من فراغ ، فقد اعتمدت على متابعاتي الحثيثة لكثير مما يكتبه ناشطون هناك .
اليوم صباحا أدرجت في صفحتي ما كتبه الكاتب القصصي والروائي يسري الغول ويعبر فيه عن شعوره بالمرارة والخذلان والإحباط والياس أيضا ، ويعرف نفسه بأنه غزاوي وغزاوي فقط .
لكي لا أفسر وجهة نظره تفسيرا خاطئا وأحملها أكثر مما تحمل ، فسوف أدرج هنا ما كتبه بالضبط :
" صدقا ، بت أشعر بتقزز من كلمة عربي أو مسلم .
لم يعد لدينا أي إيمان بأحد . ولو قدر لي العيش لاحقا ، سأكفر بكل ما دون غ..ز.ة ، حتى وإن سالت دماء الأمة في النيل أو الفرات . " .
هل مر ما كتبه يسري دون تعليقات وإبداء رأي ؟
أعتقد أن قراءة التعليقات جزء من المنشور ، وأنصح بقراءتها بعد قراءة ما كتب .
كان الله في عون أهل قطاع غزة وأهل فلسطين في مخيمات الشتات وفي الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ وفي الضفة الغربية والقدس أيضا .
إننا - أهل الضفة وأهل فلسطين ٤٨ - الثوران القادم دورهما والعلم عند الله .
( وكنت في بداية الحرب كتبت تحت عنوان " تداعيات حرب ٢٠٢٣ : مناشدة الأنظمة العربية وذاكرتنا العذراء " ١٥ / ١١ / ٢٠٢٣ )
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ١٨ / ٤ / ٢٠٢٥

***


- أسماك القرش تفتح جبهة أخرى :

أمس شاهدت ، في صفحة هنا حيفا חיפה Haifa شريط فيديو لسمكة قرش في شط الخضيرة . كان الناس في الماء والسمكة تمر بينهم دون أن تعتدي عليهم .
لأول مرة أقرأ أن هناك أسماك قرش مهادنة ، فمنذ الفيلم السينمائي الذي شاهدناه قبل سنوات ترسخ في أذهاننا أن سمك القرش دموي ، وفي الحرب على غزة أتيت على رائحة الدم التي تستثير هذا النوع من السمك فيفتك . ثمة استعارة فيما كتبت .
اليوم على دوار المدينة مقابل البنك العربي تجاذبت طرف الحديث مع زوجة أسير عرفتني بنفسها . كان هناك حوالي أربع عشرة امرأة يحملن صور أبنائهن أو أزواجهن الأسرى ، ولا أحد يقف تضامنا معهم ، ولما سألت عن السبب عرفت أن سلطتنا البهية لا تسمح بنصب خيمة .
في المساء شاهدت شريط فيديو أدرجته صفحة جبل المكبر . ثمة أسماك قرش على شاطيء االخضيرة نفسه تهاجم صيادا وتقطع أوصاله ، وثمة رجال على حجارة الشاطيء يصرخ أحدهم :
- يا وردييه . يا ورديييه . راح الزلمة . قطعوه . كله دم .
والتفت إلى التعليقات ، وهذه أحيانا تشدني .
هناك من سأل عن هوية الرجل الدينية . هناك من ربط بين المشهد والحرب الدائرة في غزة .
من بعض التعليقات عرفت أن الضحية هو يهودي ، وهناك من تشفى تحركه مشاعره التي تشكلت من مناظر الحرب المرعبة ، وهناك من تساءل :
- كيف ينزل إلى الشاطيء وهناك تحذير من سمك القرش ؟
وهناك من عاب على الشاب الذي يصرخ صراخه والاكتفاء به دون مهاتفة الجهات المسؤولة علها تعمل على إنقاذه .
اللافت فيما شاهدته اليوم شريط فيديو لصياد من مخيم الشاطيء اصطاد سمكة ضخمة يراها لأول مرة ، واللافت في بعض التعليقات أن الأمر نعمة من السماء لمواجهة المجاعة الناجمة عن الحصار الإسرائيلي للقطاع .
هل سيستجيب الله لدعوات المظلومين فتمتليء شواطيء فلسطين بأسماك القرش وتكون أسلحة حماس القادمة ؟
يبدو أننا ننتظر أن يمدنا الله ببضعة آلاف لنعيش معركة بدر الجديدة .
القدس جبل المكبر
جبل المكبر
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢٢ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- عليك أن تحاكم
عليك أن تقدم للحساب .
( محاكمة لوكولوس )

" الصوت ذو الأنغام الثلاثة : لاكاللاس !
لوكولوس : اسمي لوكولوس.
ألا تعرفون هنا اسمي ؟
إنني أنحدر من سلالة مشهورة
من الحكام والقواد .
في الضواحي وحدها
في أحياء الميناء وحانات الجنود
على الأفواه القذرة
للجهلة والغوغاء
يسمونني لاكاللاس .
الصوت ذو الأنعام الثلاثة : لاكللاس !
الصوت الباهت : وهكذا
يعد أن نودي على اسمه عدة مرات
في لغة الضوحي المحتقرة
تقدم لوكولوس
القائد الذي فتح الشرق
الذي قوض عروش سبعة ملوك
الذي ملأ مدينة روما
بالخيرات والثروات
إلى المحكمة العليا
في مملكة الظلال
ذات مساء
كانت روما فيه
من وراء القبور
تجلس إلى الطعام "
( برتولد بريخت من مسرحية " محاكمة لوكولوس " ) .
كم لوكولوس في زمننا ينبغي أن يقدم للحساب ؟!
عادل الاسطة
٢٤ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- الإسرائيليون والسخرية من وزراء حكومتهم :

لا أعرف من هو ( دانيال كوتز Daniel Kutz ) وعندما فتحت صفحته في الفيس بوك ، بعد أن شاهدت شريط فيديو له تخيل فيه مستقبل وزراء حكومته ، قرأت أنه شاب أعزب يدرس في جامعة تل أبيب ، ويخيل إلي أنه ينزع نحو السخرية ، ما يذكرنا نحن الذين نلم قليلا بالأدب العبري ، بكتاب مسرحيين عبريين ساخرين ، أبرزهم ( حانوخ ليفين ) ، وقد تأثر بهم محمود درويش ، حين كتب مقاله النثري تحت عنوان " أنا وأنت والحرب القادمة " ، وسلمان ناطور ، حين كتب سلسلة مقالات تحت عنوان " كاتب غضب " .
أدرج ( كوتز ) صورة لأبرز الوزراء الحاليين ، لرئيس الوزراء ( بنيامين نتنياهو ) وللوزراء ( بتسلئيل سموتريش ) و ( ايتمار بن غفير ) و ( يسرائيل كاتس ) وآخرين ذكورا وإناثا .
بدا المذكورون ، وقد انتهى حكمهم ، بلا عمل ، وحزانى ، فوعدهم بأن يجد لهم عملا يناسب كل واحد منهم ، وحدد لهم الأجرة بالساعة " أعدكم أن أجد لكم عملا وأسلمه لكم " ، وأنا قرأت الترجمة الألمانية للعبارة العبرية .
اليوم صباحا تذكرت مسرحية الكاتب الألماني الشيوعي ( برتولد بريخت ) " محاكمة لوكولوس " وأدرجت في صفحتي هذه مقطعا منها . أكثر من مرة استحضرتها في كتاباتي ، ولكن يخيل إلي أن استحضارها الآن هو الأنسب ، ف ( لوكولوس ) يتجسد في كثير من قادة الحرب الإسرائيليين .
اليوم عرفنا عن مغادرة بعض كتاب قطاع غزة القطاع مهاجرين . هذا ما بدا في صفحة دينا الأمل إسماعيل وصفحة يوسف القدرة Yousef Elqedra وصفحات أخرى . هل خسرنا بهجرتهم كتاباتهم التي كنا نعتمد على قسم منها في كتابة يومياتنا ؟ نجا الكتاب المهاجرون فازدادت خسارات قطاع غزة .
في صفحة يوسف نقرأ ما أدرجه للشاعر مهيب البرغوثي :
" حين ماتوا
مشوا في جنازتهم وبكوا قليلا
وابتسموا للكاميرات
ومضوا في حياتهم
وحين قرروا النجاة
امتدت نحوهم كل السهام " .
وكان يوسف أدرج سطر محمود درويش " يحبونني ميتا لكي يمدحوني " ثم حذفه على ما يبدو .
حالة تعبانة !
خربشات ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا ؟ عاطف ابوسيف "القبر رقم 49"

وأنت تقرأ القسم الأول " كتاب الحياة " من رواية عاطف ابوسيف الجديدة " القبر رقم 49 " ، الصادرة طبعتها الأولى في هذا العام ، تتذكر سطر محمود درويش الشعري " أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا ؟" من قصيدته " نزل على بحر " من ديوان " هي أغنية .. هي أغنية " ( ١٩٨٥ ) .
يأتي القسم الأول على حياة حليمة المولودة في يافا في العام ١٩٤٠ والمتوفاة بتاريخ ٢٩ / ٢ / ٢٠٢٤ ، وما بين التاريخين نقرأ عن رحلة حياتها من يافا إلى مخيم جباليا في غزة ، ثم نزوحها ، هي وحفيدها الباقي ، إلى رفح بعد واحد وعشرين يوما من حرب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
لقد نجت حليمة والحفيد من الموت الذي حصد ٢٢ فردا من أفراد عائلتها بالصدفة ، ففي الوقت الذي نسفت فيه الطائرات الإسرائيلية المغيرة العمارة المكونة من أربعة طوابق ، كانت هي وحفيدها في زيارة لزوجة أخيها الأصغر المقاربة لها عمرا .
عاشت حليمة نكبة العام ١٩٤٨ إذ غادر والدها المختار مدينته يافا وأقاموا لسنوات ، مع بقية أفراد أسرتهما ، في الخيام . تعلمت وصارت معلمة وتزوجت وأنجبت وصارت جدة وظلت تحلم بالعودة إلى مدينتها الأولى وتنظر إلى المخيم على أنه مؤقت وإقامتها فيه مؤقتة ، ولكن هذا المؤقت دام وليتها قضت عمرها فيه ولم تشهد نكبة ثانية تجبرها على الإقامة في الخيام من جديد . من الخيمة إلى الخيمة وما رأته مؤقتا لم يدم وحسب بل دمر ، وكما كان اللاجئون في خيام الخمسينيات من القرن العشرين يحنون إلى البلاد ويأملون بالعودة إلى مدنهم وقراهم ، صار نازحو ٢٠٢٣ في خيامهم يحنون إلى بيوتهم في المخيم . يجلسون مساء كل يوم في خيمة حليمة ويتذكرون حياتهم الماضية.
تحت عنوان " حياة مؤقتة ، حياة دائمة " نقرأ :
" لم تفلح في التخلص من فكرة تحول حياتها المؤقتة إلى حياة دائمة . ما تظن أنه لن يدوم ليوم أو اثنين يدوم لسنوات ، ثم يصبح ثابتا لا أمل في تغييره ، وكما حدث هذا في زمن بعيد تخشى أن يحدث الآن . وهي طفلة صدقت والدها حين قال يوم أو اثنان ثم نرجع للبيت ، وبعد سبعين سنة ظلت تقنع نفسها أنها تصدقه ، وها هي الآن بعد أكثر من تسعين يوما من خروجها من بيتها في الشمال تحاول أن تقنع نفسها أن الحرب لن تستمر طويلا وأنها ستعود أدراجها للشمال " .
إن المقارنة بين ما ألم بأهل قطاع غزة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وما ألم باللاجيئن الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ ، وحياتهم في بيوتهم وحياتهم في اللجوء يكاد يشكل عصبا رئيسا في الرواية في قسمها الأول.
وأنا أقرأ عن حياة حليمة تذكرت فريال ابنة عمي عبد القادر الأسطة التي ولدت في خيمة في مخيم عسكر وتزوجت في حي الرمال في قطاع غزة واقامت في بيت فاخر ثم أجبرتها الحرب الأخيرة إلى النزوح إلى رفح لتقيم من جديد في خيمة قبل أن تتمكن من السفر إلى مصر . وهي في الخيمة مرضت وكادت تموت وفقدت لأيام ذاكرتها . وكنت دونت قصتها في الحلقات الثمانية التي كتبتها في بداية الحرب تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " .
عاطف ابوسيف روائي مهم وأنا منحاز لصوته الروائي منذ قرأت روايته " حياة معلقة " ٢٠١٤ .
مبروك لعاطف هذا الإصدار .
خربشات ٢٨ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- عاطف ابوسيف في روايته الجديدة " القبر رقم 49 ": عالم روائي مرجعيته مخيم جباليا ومدينة يافا

وأنا أقرأ روايات غسان كنفاني لاحظت أن ثمة شخصيات روائية تحضر ، وإن بشكل خفي ، في غير رواية ، وفكرت أن أكتب عن هذا لولا حرب 7 أكتوبر 2023 .
وعندما كتبت عن ثلاثية إلياس خوري " أولاد الغيتو " تساءلت إن كانت ثلاثية فقط ، وذهبت إلى أن هناك صلة بينها وبين روايات سابقة لها . هل هي ثلاثية أم رباعية أم خماسية أم سداسية أم سباعية؟
قرأت لعاطف أبو سيف " حياة معلقة " و " الحاجة كريستينا " و " مشاة لا يعبرون الطريق " و " الجنة المقفلة " وأقرأ الآن " القبر رقم 49 " . هل هذه الروايات لا يمت بعضها ببعضها الآخر بصلة أم أن ثمة طرفا خفيا ما يربط بينها ؟
لطالما تناقشت مع الروائي في الموضوع ولم ينف ، وهو على وعي تام بما يكتب ، وهو ما فعله في الرواية العالمية روائيون معروفون مشهورون . جعل بعض هؤلاء من مدنهم محور رواياتهم كلها ، وهو في رواياته يتخذ من مخيم جباليا ومدينة أهله يافا مكانا تجري فيه أحداث رواياته التي قرأتها . إنه يتابع حياة أهل يافا في مدينتهم ولجوئهم منذ النكبة الأولى إلى النكبة الحالية التي يركز عليها في روايته الأخيرة .
في روايته الأخيرة تحضر شخصيات من رواياته السابقة غير مرة ولو من خلال الذاكرة ، ويحضر أثاث أهل يافا حين كانوا فيها ، حيث سعى قسم منهم بعد حرب ١٩٦٧ إلى شراء أثاثهم القديم من محلات الانتيكا / ال ( التيساخة ) ليبعثوا الذكرى . إن لم نسترجع البيت فلنسترجع أثاثه . في " الجنة المقفلة " تسترجع الطاولة ، وفي " القبر رقم 49 " يسترجع البيانو .
لا يبتعد عاطف ابوسيف عن عالمه الذي عاش فيه . يكتب عن المخيم الذي ولد فيه وترعرع ، يكتب عنه كما رآه ، ويكتب أيضا عن المكان الذي عاش فيه آباؤه وظلوا في منافيهم يسترجعونه ، وذهب هو إليه فزاره وقضى فيه أشهرا - أعني يافا .
كتبت أمس إنني منحاز لعاطف روائيا . لدى عاطف قدرة كبيرة على السرد تدفعك لمتابعة قراءة الرواية ، فسرده لا يبعث الملل في النفس . طبعا لا يعني هذا أن رواياته لا تخلو من عيوب أبرزها تكرار بعض الأحداث .
" القبر رقم 49 " رواية حرب طوفان الأقصى من ٧ أكتوبر إلى بداية آذار ٢٠٢٤ ، وهي فترة قضى منها الروائي شهورا في قطاع غزة قبل أن يخرج .
خربشات ٢٩ / ٤ / ٢٠٢٥

***


شؤون القلب :
في رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " يجلس الثلاثة عشر رجلا وامرأة الذين شاركوا في جنازة الست حليمة التي توفيت في خيمة في رفح ، في 29 / 2 / 2024 ، عن عمر يناهز 84 عاما ، يجلسون حول القبر ، وينصرف ذهن كل واحد منهم إلى همومه كما لو أنهم لم يفرغوا للتو من دفن ميت . مثل هذا يحدث في بيوت الأجر والعزاء التي تتحول أحيانا إلى عتاب وغيبة ونميمة وبحث في شؤون الحياة .
من بين الثلاثة عشر شخصا حماة وكنتها . يعتقل زوج الحماة على الحاجز في أثناء النزوح من الشمال إلى الجنوب ، فيم يبدو أن زوج الكنة ارتقى في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ حيث شارك في الهجوم ، فالذين عادوا ممن شاركوا سالمين قالوا انه سقط في سوافي الرمال حين انسحبوا . أمه تأمل أنه ما زال حيا وزوجته التي خلفت منه طفلا يشبه أباه ، وتزوجت عن حب ، تقول إن حماتها تقنع نفسها بأن ابنها ما زال على قيد الحياة على الرغم مما قاله رفقاؤه في السلاح .
" الآن وهي تجلس وحيدة تضم طفلها وتنظر إلى طريق الحياة الطويل الذي عليها أن تقطعه وحيدة تسأل نفسها : هل شؤون القلب وحدها تكفي حين يتعلق الأمر بمصيرنا ؟ "( كان أستاذها في الجامعة تهكم عليها حين وافقت بعقلها ، هي المرحة ، من الزواج من الشاب فعقلها يختلف عن عقله ، فأجابت بأن قلبها مال إليه واتبعت هوى قلبها ) .
ويكتب السارد :
" خلف ستار البطولة البراق لا أحد يفكر في حزنها ووجعها وقلقها من الغد الذي لا تعرف كنهه . تمسك طفلها وتنظر في عينيه ، تشبهان عيني والده . تقول لها حماتها إن الله سينزل على قلبها الصبر . تسأل فجأة : طب هو يعني كل الشباب اللي كانوا معاه رجعوا وهو وحده استشهد . تحدجها حماتها في شيء يشبه العتب لأنها استخدمت كلمة " استشهد " ... "
خربشات ٣٠ / ٤ / ٢٠٢٥

***

- رحم الله الشاعر راشد حسين الذي قال :
" ولو قضيتم على الثوار كلهم
تمرد الشيخ والعكاز والحجر "

هل غضبت الطبيعة على ما يجري في قطاع غزة وتمردت ؟
هل الدولة في مهب الريح ؟
أهي لعنة أطفال غزة ونسائها وعجائزها ؟
الحرائق تلتهم الأشجار والمباني والسيارات !
ارحموا من في الأرض حتى يرحمكم من في السماء .
خربشات ٣٠ / ٤ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى