- غزة وزمن الاشتباك :
لطالما كتبت من قبل عن قصة غسان كنفاني " الصغير يذهب إلى المخيم / زمن الاشتباك " .
الآن غزة تعيش زمن الاشتباك ، وقد أفاض عاطف ابوسيف في روايته الأخيرة " القبر رقم 49 " في الكتابة عن جوانب من هذا الزمن .
في زمن الاشتباك تتراجع القيم والفضائل ، لأن الفضيلة الوحيدة هي أن يبقى المرء على قيد الحياة التي إذا انعدمت لم يبق للفضيلة قيمة .
الجوع يفتك بأهل قطاع غزة ونحن نتابع متابعة العاجز .
كتابات أهل غزة تدمي العين وتوجع القلب . قتل بالجملة وجوع يفتك بالناس .
أمس قرأت في صفحة Hekmat Alian Almasri عما ألم بعائلتها . ارتقى لها ثلاثة وفي اليوم التالي في بيت الأجر الذي هاجمته الطائرات ارتقى ستة آخرون ، وكذلك حدث مع عائلة خليل أبو زينة حيث ارتقى الوالدان والأبناء ، والناس خرجت تتظاهر " بدنا ناكل بدنا نأكل " ، فيما كتبت ام ايمن الصوص أقصوصة عنوانها " وليمة " عن اشتهائها قلاية شكشوكة ، ولما كانت هذه تحتاج إلى البيض ، فقد فرح الأطفال بأن رأوا على شباك الغرفة بيضة حمامة .
خربشات ٣ / ٥ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة
***
- الحرب حياة أخرى:
هل تذكرون شخصية " أبو عايد " في مسلسل وليد سيف " التغريبة الفلسطينية " حين وقف على الدور مع بقية اللاجئين لاستلام المؤن ؟
في بداية نزوح أهل شمال قطاع غزة إلى جنوبه تلاعب تاجر غزاوي ببطاقة ال VISA قائلا إنها ، في النزوح ، لم تعد تسوى شيئا .
اقرأوا هذا المقطع من رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
في الرواية تتكرر عبارة " الحرب حياة أخرى " .
[ لم تفهم كيف يمكن لأهم بائع فواكه في الشمال أن يذهب ليشتري حبة تفاح واحدة . أنا الذي كانت ثلاجاتي ومحلي فيها مئات الكيلوات من التفاح بكل أصنافه : الأحمر والأصفر والأخضر ، أذهب لأشتري حبة ! حبة واحدة ! أي عار هذا ! لن أذهب لأشتري أي شيء إلا الضروري من أجل أن نعيش . صمت ثم قلت لها : إذا نفسك بالتفاح فعلى الرحب والسعة . سوف أرسل الولد ليشتري لك حبة . أصرت وقالت : أريدك أنت أن تشتري لي حبة تفاح . أنت تروح وتشتريها . رفضت وأعدت عرضي ... " ] .
عادل الاسطة
خريشات ٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها :
اليوم صباحا كتب إلي الصديق المحامي فؤاد نقارة Fuad Suzy Nakkara أنه سيزور نابلس ووعدني أن يضع لي ثلاثة من إصدارات نادي حيفا الثقافي في المكتبة الشعبية في شارع حطين الذي أذرعه يوميا . كتبت له أنني قد ألتقي به في الواحدة والنصف لنشرب معا قهوة ، ثم أرسل لي صورة التقطها لنا قبل فترة ونحن جالسان معا على رصيف مقهى الميناوي ، ولما أخبرته أنه سبق وأن أهداني الكتب دهش ، فلم أكتب عنها . بررت عدم كتابتي بانشغالي بتدوين يوميات حرب طوفان الأقصى ، فلم يعاتب .
في الواحدة مررت بالمكتبة الشعبية وسألت ان كان أتى ، ثم ذهبت إلى المقهى أسأل .
عندما وصلت إلى المقهى ألقيت السلام على الأستاذ الدكتور عبدالله زميلي في الجامعة في سنوات التدريس . عرض علي أن أشرب معه القهوة ، فوعدته أن أعود بعد دقائق .
ذهبت واشتريت الجريدة واشتريت طاقية صيفية وعدت إلى المقهى بعد عشر دقائق فلم يكن الدكتور موجودا . شرب قهوته وغادر ، وجلست في مكانه أشرب الليمون الذي أحضره لي أبو أيمن .
لم تمر دقائق حتى كانت دوريتا جيش إسرائيلي تقفان في الشارع . لم يعترضهما أحد ، لا بالحجارة ولا بالرصاص أيضا ، وواصل أصحاب المحلات ، لدقائق ، البيع والشراء ، ثم سرعان ما بدأوا يلملمون البضاعة المعروضة ويغلقون أبواب محلاتهم .
في هذه الأثناء تركت مقعدي على الرصيف ودلفت إلى داخل المقهى عل الغيمة تنقشع سريعا . لقد جاءت الدوريتان فجأة وقد تغادران فجأة .
في داخل المقهى كنا ثلاثة رجال وامرأة تجلس بعيدا عنا وصاحب المقهى الذي سرعان ما بدأ يغلق بوابة من بوابتي المقهى .
تجاذبنا ، نحن الرجال الثلاثة ، أطراف الحديث . حكينا عن اليمن وصاروخها في هذا الصباح ؛ صاروخها الذي أحدث خللا في مطار اللد / بن غوريون ، وأصغينا إلى نشرة أخبار الساعة الثانية في قناة الجزيرة ، ثم أتينا على سيرة أخي الذي غادر الحياة في العام ١٩٧٣ بحادث سيارة ، فقد كان أحد الرجلين صديقه يعمل معه سائقا .
لم تمر سوى نصف ساعة حتى جاء رجال الإطفائية لإخراجنا من المقهى ، فقد تتعقد الأمور . عندما خرجنا كنت أول الخارجين ، وما إن أبصرني جندي شاب حتى صرخ طالبا مني العودة ، فعدت والعود أحمد ، ولم أعد شابا لأركب رأسي وأعاند . العناد قد يوصلني إلى القبر أو إلى المشفى .
واصلنا تجاذب الحديث وقلت :
- أي حجر أو رصاصة قد تكلفنا حياتنا ، وتذكرت نسيبنا عدنان سبع بعارة أبو أشرف . لقد فقد حياته في ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٣ بالخطأ . كان في بداية السبعينيات من عمره وعندما أراد الذهاب إلى بيته ، في البلدة القديمة المحاصرة من القوات الإسرائيلية ، أصابته بالخطأ رصاصة فغادر هذه الدنيا .
- هل شعرت بالخوف ؟
سرعان ما تذكرت أهالي قطاع غزة وما عانوا منه ومروا به منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣. هل ما نمر به في هذه اللحظة يذكر ؟
عاود رجال الإطفائية المحاولة وتكلموا مع الضابط فوافق على إخراجنا . لم أمانع وإن كنت فضلت البقاء في المقهى الذي بدا على صاحبه الاستعداد لإغلاقه ، إذ سرعان ما أدخل الكراسي والطاولات التي على الرصيف إلى داخل المقهى .
سرنا معا بصحبة رجلي الإطفاء وعندما اعترض الجندي ثانية ، طالبا منا العودة ، تدخل الضابط وطلب منا مواصلة السير .
غير بعيد كانت هناك دوريات أخرى ، وكانت موزعة على غير مكان ، فيما كانت المحلات كلها مغلقة وكان الشبان يتجمعون لقذف الحجارة ، ما دفع بالجنود إلى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع .
- ليس بيننا وبينهم نزاع .
مزح أحد الرجلين ، وتابع :
- ها هم يدخلون شارع حطين والمحلات التجارية لم تسارع بالإغلاق . كان كلامه في اللحظات الأولى للاقتحام .
وأنا في البلدية لاجئا إليها ، تجنبا للغاز المسيل للدموع ، اقترح علي الموظف أن أجلس :
- اجلس يا دكتور .
شكرته وفضلت المغادرة ، وسرت . سرت بالاتجاه المعاكس لساحة المعركة التي أوشكت أن تندلع بالحجارة بين الشبان والجنود ، وكانت سيارات الإسعاف تطلق زواميرها تنقل مصابا أو أكثر .
غالبا ما أكرر البيتين اللذين حفظتهما بعد أن أوردهما إميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " وهما :
" مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها " .
في المساء قرأت في صفحة ناشطة غزاوية هي Anhar Skaik سطرين ثلاثة عن الموت الفجائي في غزة بسبب الجوع والقهر . الموت بلا إنذار سابق . بلا حس أو خبر . كما يقولون ، فعقبت بسطر محمود درويش :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة ، من بينها وجع الحياة " .
حياتنا موجعة وإن رجحت أن موت شباب كثيرين في الضفة موتا فجائيا يعود إلى الفياجرا .
سامحونا !
والحمدلله على سلامتنا !
خربشات ٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- كل فلسطيني في الأرض المحتلة مشروع شهيد :
في الحافلة تجاذبت والسائق الحديث عما جرى أمس في أثناء اقتحام قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينة نابلس ، وقد كتبت أمس عما حدث معي تحت عنوان " ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها " .
أتى السائق في حديثه على ما ألم بصديق طفولتي ابن مخيم عسكر " أبو حسن " ، وهو زميل السائق في السياقة . قال لي عما ألم به ، ما أدى إلى وفاته .
كان أبو حسن السبعيني العمر يسوق سيارته في الصباح الباكر ، ليقل عمالا كان على موعد معهم . تفاجأ بدورية من الجيش وعندما أراد تفاديها بعودته من حيث أتى تزحلق فوقع وانكسر زر قدمه وانعكس ذلك أيضا على عموده الففري . صار أبو حسن مقعدا وانكشف حاله لا يقوى على الذهاب إلى الحمام بمفرده . لم يحتمل وضعه الجديد ، فمات مجلوطا هو الإنسان المرح خفيف الظل .
وأنا في الشارع مرحبني صديق وسألني ان كنت سأخربش اليوم .
عندما تواصلت مع الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad سألته ان كان كتب شيئا جديدا ، مع أنني أعرف أن وضعه الصحي قد لا يساعده على الكتابة ، فأجاب :
- لا كتابة بعد ما جرى في غزة ما جرى .
تذكرت عبارة شهيرة لكاتب عالمي سئل بعد الحرب العالمية الثانية إن كان كتب شيئا ، فأجاب :
- لا كتابة بعد ( اوشفيتز ) أو لا شعر بعد اوشفيتز .
وأنا أتصفح بعض المنشورات لفت نظري ما ورد في صفحة Anhar Skaik . مجزرة في خانيونس . خمسة أطفال أنهكهم الجوع ، فاختطفهم صاروخ غادر . غابوا إلى الأبد " .
هل اليهود في الدولة العبرية يمتون بصلة لليهود الذين قتلوا في معسكرات الإبادة ؟
لست متأكدا.
خربشات ٥ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- مفردات شخوص نصوص الحرب وأمنياتهم .
" هنا الناس إما شهداء وإما تحت الأنقاض وإما جرحى في المستشفيات وإما مكبلون بطقوس الحرب ينتظرون موتهم بلا إرادة " مثلنا " ..."
" لماذا نجوت ؟
كان يجب أن أموت معهم . كان يجب أن أكون في الجنة معهم . أن نكون كلنا سوية ......... أفقت في المستشفى بعد خمسة أيام أمضيتها في غيبوبة ........
لماذا نجوت ؟
كان يجب أن أموت معهم . هناك حيث صاروا . لماذا وحدي نجوت من الموت ؟ .....
لماذا بقيت على الكنبة ؟ .....
محظوظة الست حليمة أنها رحلت وارتاحت . لم يعد عليها أن تتعذب أكثر . الموت في مثل هذه الأوقات راحة ."
الموت راحة ..... من خيمة لخيمة ومن نزوح لآخر . من يموت يرتاح من كل ذلك .
الموت نجاة .
نعم لو مت حين قصفوا البيت كنت نجوت من كل هذا العذاب . على الأقل كنت سأكون بين اهلي وأبنائي ولم أكن لأتحسر عليهم .
الموت راحة "
( الشابة ممطوطة الطول مثل سقالة البناء . فقدت حوالي خمسين فردا من أفراد عائلتها وبقيت على قيد الحياة بالصدفة )
من رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
في هذه الأيام ، فالزمن الروائي توقف عند ٢٩ / ٢ / ٢٠٢٤ ، أضيفت إليها مفردات الموت جوعا . الجوع . التكايا . الطحين . خبز العدس والمعكرونة .و ...
خربشات ٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- والد الشهيد حسن علاء يزف ابنه شهيدا :
" زفوا حسن لأمه ، الأقصى ب يجري في دمه " .
حسن هو الفتى الذي غنى :
" اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت "
مغيرا في كلمات الشاعر المرحوم أحمد دحبور المغناة :
" اشهد يا عالم علينا و ع بيروت ،
اشهد ع الحرب الشعبية " .
الفوهرر الإسرائيلي يتوسع في الحرب ، والطائرات الإسرائيلية تهاجم اليوم مطار صنعاء ردا على الصاروخ اليمني الذي أصاب مطار اللد / بن غوريون .
وفي صفحة مريم قوش قبل ست دقائق أن الطائرات الإسرائيلية قصفت مدرسة تأوي آلاف النازحين . مريم تصرخ : نحن بشر يا عالم !
خربشات ٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- غزة هذا النهار :
لم تمر خمس ساعات على طفلة الصحفي يحيى صبيح حتى أعلن نبأ ارتقائه . فرح لساعات وفرحت معه زوجته ، ثم ...
حدث مثل هذا في اجتياح مدن الضفة الغربية في العام ٢٠٠٢ مع فارق ، فبينما كانت ميسون الحايك هي وزوجها وحموها في طريقم إلى المشفى لتضع مولودها الأول ، وكان أنثى ، حتى أطلق الجنود الاسرائيليون النار عليهم . ارتقى الزوج وأصيب أبوه ونقلوا إلى المشفى وهناك وضعت ميسون طفلتها التي لم يفرح بها أبوها لساعات .
في ساعات العصر كان بعض سكان حي الرمال يجلسون في مطعم التايلندي لتناول طعامهم ، فغابوا إلى الأبد . لقد غيبهم صاروخ صنع في الولايات المتحدة الأمريكية وجعلوا منهم طعاما له . لقد التهم أجسامهم قبل أن يلتهموا وجباتهم .
وحسب ما ورد في صفحة مصباح الحاج محمد فإن الحكومة الفلسطينية أعلنت غزة منطقة مجاعة.
وماذا عن أخبار القتال ؟
رواية كتائب القسام تختلف عن رواية جيش الاحتلال ، ففي رفح قتل جنود وأصيب آخرون .
وسائل التواصل الاجتماعي نقلت اليوم ما صرح به الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) من أن هناك أخبارا مفرحة سنصغي إليها في أثناء زيارته المنطقة في منتصف هذا الشهر .
حالة تعبانة يا ليلى ، وليس ثمة ما يجعلنا نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا ! لقد أنهك الغزيون كما ورد في صفحة أنهار سكيك Anhar Skaik
خربشات ٧ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- صناديق حبس القردة للسجناء والسجينات :
حضرت أمس في الساعة الثانية عشرة ظهرا ، في مكتبة بلدية نابلس ، ندوة عن السجينات والسجناء الفلسطينيين تحدثت فيها سجينة سابقة والسجين مظفر ذوقان والمحامي حسن عبادي القادم من حيفا / Hassan Abbadi .
تحدث المحامي الذي يزور السجناء ويتواصل معهم وينقل معاناتهم عن أوضاع مزرية يعيشونها ، ومن أطرف ما سمعته ، عدا التقييدات الجديدة بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بل ومنذ تولى الوزير الإسرائيلي ( بن غفير ) ملف الأسرى ، هو إحضار أقفاص يوضع فيها ، في العادة ، القرود ، لمعاقبة أسرى / سجناء و أسيرات / سجينات فيها .
أتمنى أن تنشر كلمات المحاضرة وتعمم . هل هذا مستغرب ؟
منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين صرنا نسمع من عتاة المستوطنين المتطرفين كلاما أقله أننا نحن العرب صراصير ينبغي التخلص منها بوضعها في زجاجات مغلقة وإحكام إقفالها ، ومنذ السابع من أكتوبر صرنا نصغي إلى متطرفين يقتبسون عبارات من العهد القديم تظهر ما نحن عليه ك ( غوييم ) / أغيار . نحن عبيد لا نستحق الا المعاملة الدونية .
قبل أن تنتهي المحاضرة بقليل اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي البلدة القديمة . دخلت القوات المستعربة من سوق البصل إلى حارة الياسمينة وحوش العطعوط . ارتقى الشهيد رامي سامي وليد الكخن ، وهو في الثلاثين من عمره ، وأصيب سبعة مواطنين ، وأما أنا فانسللت صاعدا درج مكتبة البلدية إلى شارع حطين فشارع الرازي ومكثت في شقتي أقرأ في كتاب محمود شقير " المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات " وفي كتاب عاطف ابوسيف " استعادات مقلقة : يوميات غزة : ١٠٠ كاتب وفنان من غزة يكتبون " .
غبطت نفسي على هدوء شعرت به وتحسرت على أهل قطاع غزة وتابعت ما يجري هناك . تعاطفت معهم وتناولت بعض شرائح جبنة ونصف رغيف وشربت شايا ورحم الله الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الذي كتب :
- وشربت شايا في الطريق
فاستثار عباس محمود العقاد ، ومن أوائل المقالات التي كتبتها في العام ١٩٧٧ مقال عنوانه " هل شرب الشاي مسألة شعرية ؟" ويبدو أنني كنت متأثرا بما قرأته للعقاد .
خربشات ٩ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- حياة لاجيء بين المعاناة والتأمل :
في الحرب على غزة كنت أحيانا أغبط الناقد طلعت قديح ، بخاصة حين أقرأ له مقالا نقديا كتبه يتناول فيه موضوعا أو نصا لا يمت للحرب بصلة .
شخصيا لم أقرأ ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، إلا كتبا تعد على أصابع اليدين ، ولم أكتب عما لا يمت الأحداث خارج قطاع غزة إلا النزر اليسير .
طلعت قديح الخمسيني يقيم في غزة وأنا السبعيني أقيم في نابلس ، وثمة فارق واسع جدا بين مدينة الحرب والمدينة المحاصرة ، وثمة مفارقة في أمر الكتابة . هو يكتب عن أدباء ونصوص خارج نطاق الحرب وأنا لا أكتب إلا عن غزة .
الشهادة التي كتبها طلعت ونشرها عاطف ابوسيف في كتابه / كتاب غزة " استعادات مقلقة : يوميات غزة " ، عنوانها " حياة لاجيء بين المعاناة والتأمل " قالت لي إن كاتبها يقيم في غزة وأنا أقيم في نابلس .
يثير طلعت أسئلة عما حدث في السابع من أكتوبر يفهم منها أن ما تبع الحدث ، من تدمير وتشرد ونزوح ، أكبر من الحدث " هل يستحق ما حدث في السابع من أكتوبر أن يحدث ما بعده ؟" ويصف مآسي حياة الناس في الطوابير " كأن حياة الغزي أصبحت عبارة عن طوابير تتفنن في إرهاقه الجسدي والنفسي " .
وحين يجلس طلعت خارج الخيمة ممسكا بكتاب ينقسم الناس إلى فريقين ؛ " مستغرب وكأنه يقول : أهو وقته في ظل الموت أن تقرأ ؟ وفريق آخر يستغرب بطريقة أخرى بالقول بصوت مسموع : يبدو أنك بعت الدنيا ، واشتريت عقلك ! وبين هذا وذاك أعترف بأن القراءة في فوهة الموت فعل حياة وأمل وهروب مستحب ؛ فعل حياة ... وفعل أمل ... "
ينهي الكاتب شهادته بالسطرين الآتيين :
" وأنا مطرق رأسي نحو الأرض ، يسألني أحدهم : ما رأيك فيما قلنا ؟
أجبت متنهدا :
- هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة !! " .
وأكثر الظن أن محمود درويش لو كان في الحرب يعيش في قطاع غزة لتساءل تساؤل طلعت قديح
خربشات ١٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- غزة تموت جوعا :
أصغي إلى مراسل إذاعة " أجيال " محمد الأسطل يصف الوضع في في غزة ، فأتذكر قول كفار قريش : أنأكل الطعام وبنو هاشم جوعى ؟ .
وأنظر في الماسنجر . مقطع فيديو أرسله لي صديق يبدو فيه بعض سكان قطاع غزة أمام التكايا وبأيديهم الطناجر . وجوه شاحبة لهياكل بشرية ومنهم من لواه الجوع من حيث أمه كما وصف الشنفرى الصعاليك . معد الشريط رسم عليه سطر الشاعر العراقي مظفر النواب :
" قدمي في الحكومات في البدء والنصف والخاتمة " .
ومذيعة أجيال بدأت نشرتها بالقول :
خيبة أمل تبدو على وجوه أهل قطاع غزة .
أمس قرأت منشورا للكاتب شجاع الصفدي يخاطب فيه الغزاويين بأن لا يجاملوا أحدا من خارج قطاع غزة إن أراد أن ينظر عليهم أو أن يقدم لهم نصائح أو .. "أيها الغزاوي كن بذيئا ولا تبالي بحق أي شخص من أي كوكب يريدك أن تموت ويرقص على جثتك ويتباهى ، كن بذيئا بما أوتيت ، واختر أقذر حذاء لديك واصفعه على فمه ليخرس ...." .
حسب موقع دووز Dooz في الساعة السابعة والنصف صباحا فإن " 24 قمرا ارتقوا منذ فجر اليوم".
حالة تعبانة يا الله !
خربشات ٢١ / ٥ / ٢٠٢٥
( بعد ساعتين ونصف من كتابة المنشور ارتفع العدد إلى ٤٢ شهيدا )
***
- قصف غزة بقنبلة نووية :
في قناة كان العبرية ، قبل ٣٦ دقيقة ، نشر الخبر الآتي الذي ترجمه الناشط الغزاوي مؤمن مقداد وظهر في صفحته :
" عضو الكونغرس الأمريكي رندي فاين ، وهو يهودي من الحزب الجمهوري ، طالب بقصف قطاع غزة بقنبلة نووية ، ردا على العملية في واشنطن التي أسفرت عن مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية " .
اقرأوا بعض تعليقات أهل غزة :
" موافقين موافقين موافقين موافقين "
" بعملوا معنا معروف يا ريت والله "
شد حيلك تتأخرش "
" والله بتعمل معروف مع أهل غزة وبترحمهم من هالعيشة "
" واحنا كمان بنطالب والله بنرتاح "
" كلنا بنضم صوتنا لصوتك .. نعم لقنبلة نووية لتعطي الموت الرحيم "
" هاد أكثر واحد بفهم عارف إيش احنا بدنا "
" يا ريت من شان الله بركن العرب يحسو شوي لمن غزة تنتهي "
" وهو المطلوب ... وبأسرع وقت "
" وهو المطلوب "
" أقسم بالله هاي الأخبار اللي بتفتح النفس "
" أحلى خبر نسمعو أقسم بالله "
" مطول "
" ثلاث أرباع أهل غزة كمان بطالبو " .
ولمن يرغب فليعد إلى الصفحة ، فقد بلغ عدد التعليقات ١٣٦ تعليقا !
خربشات ٢٣ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- المسيرات والمدفعية والطائرات تمحو " الهنود الحمر " في غزة
يبدو أن جينات الرجل الأبيض استنسخت في اليمين الإسرائيلي ، وما يجري في قطاع غزة يرجح هذا .
التجربة نفسها تتكرر ويباركها أحفاد الرجل الأبيض الذين ما زالوا صامتين ، بل ويزودون المستنسخين منهم بما يحتاجون إليه من أسلحة .
بم نصف حالتنا ؟
عندما حوصر الفلسطينيون في لبنان وأبيد أهل صبرا وشاتيلا كتب ( جان جينيه ) " أربع ساعات في شاتيلا " ، وإذا ما قورن ما جرى هناك بما يجري في غزة فعلينا أن نضرب ١٩ شهرا ونصف ب ٣٠ يوما ونضرب الناتج ب ٢٤ ساعة ثم نقسم المجموع على ٤ ساعات ، وعلينا الا ننسى نوعية الأسلحة وكثافة الهجومات . في تلك الأيام كتب محمود درويش " في وصف حالتنا " و " صباح الخير يا ماجد " . كتب يخاطب العرب الذين تغنى بهم " سجل أنا عربي " قائلا :
" أنا لا أريد دعاءكم
أنا لا أريد سيوفكم
فدعاؤكم ملح على عطشي
وسيفكم علي " .
ربما هي حساسية الشاعر .
وكتب :
" الروم قد قطعوا الدروب عليكم
واستأجروا أسماءكم
ونساءكم
وهوى القناع
هوى القناع
هوى القناع "
هل كلام الشاعر مقدس ؟
وطريف أن نقرأ ما قاله في رثاء ماجد أبو شرار :
" ويا لحم الفلسطيني في دول القبائل والدويلات التي اختلفت على لحم الشمندر والبطاطا وامتياز الكاز واتحدت على طرد الفلسطيني من دمه "
وقد يقترح قسم منا استبدال الغزاوي بالفلسطيني ، فنحن بقية الفلسطينيين خارج قطاع غزة جزء من العرب .
" سجل أنا عربي " .
نحن عاجزون ، وغزة تمسح مسحا . تجوع . تباد . يتسلى بها . نحن عاجزون !!
خربشات ٢٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة : أيام الحرب . سائد حامد أبو عيطة
في الجزء الثاني من كتاب " كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة " الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام ٢٠٢٤ ، الذي حرره عاطف ابوسيف و عبد السلام عطاري نقرأ شهادة مصوغة بأسلوب ممتع كتبها الكاتب والمدون سائد حامد أبو عيطة . تقع الشهادة في حوالي سبع وعشرين صفحة ( ٧٩ إلى ١٠٧ ) وكتبت تحت عناوين متعددة كثيرة ، وما إن تبدأ قراءتها حتى تواصل لتنهيها بجلسة واحدة .
يروي سائد عن قسوة الحرب وتأثيرها على السكان ، وقد عانى هو وأسرته كما عانى مليونا مواطن غزاوي وربع المليون . ركام ودماء وأشلاء متناثرة وفقدان ابنتيه ميرا وتالا ، في ١٤ / ١٠ / ٢٠٢٣ ، وفراق دون موعد ووجع قلب ونوم في الشارع وندرة الملابس وتجار طماعون وجامع جثث يعود جثة مثل جثث الذين يجمعهم ونساء ينجبن الأطفال في الخيمة " طفلة الخيمة " والسعي للحصول على خيمة وكيس طحين ، ثم الجوع الكافر ، وفي الشتاء ثمة ليال باردة وثمة خوف وطوابير . كل شيء ينقلب وثقافات الناس تتحول إلى ثقافات شوارع والسؤال الذي يراود الجميع هو : متى تتوقف الحرب ونعود إلى شمال القطاع ؟ .
اقرأوا هذا النص عن الاستحمام في النزوح ، وكانت الكاتبة نعمة حسن كتبت نصا مفصلا . يكتب سائد :
" الاستحمام في الحرب عذاب حقيقي ونصف فضيحة . النساء تحمل دلو الماء الساخن وتسير بين خيام النزوح للبحث عن مكان آمن للاستحمام ، يا إلهي الطرقات مليئة بالنساء اللواتي يحملن دلو الماء المسخن على الحطب " لا بد من الوصول إلى حمام آمن قبل أن يبرد الماء " ، الأجواء باردة وتنتظر النساء يوما مشمسا في الشتاء للاستحمام . كنت أشعر بالخجل والحرج الشديد لأن لدي حماما بجانب خيمتي وأملك مفتاحا له ، تطلبه بعض النساء من زوجتي لاستخدامه " .
يسرد سائد عن تاجر الحرب المستغل الطماع وعن جيران الخيمة واجتماع الناس مع بعضهم كل يريد أن يروي مأساته الخاصة ويطلب منه ؛ لأنهم عرفوا أنه كاتب ، أن يكتب حكاياتهم . ويقص علينا عن إصابته وصعوبة الحركة لديه والاتكاء على زوجته وعن لقائه بأبناء أخيه بعد خمسين يوما ، وعن افتقاده أصدقاءه ثم عن لقائه بأحدهم ، ولا ينسى الأوفياء منهم ، كما لا ينسى من قدموا له الخيمة والأواني والفراش " أنا ممتن لأصدقائي .... هؤلاء من أجمل وأطهر الناس الذين التقيت بهم في حياتي " .
ينهي سائد نصه بالسطر الآتي :
" من المؤكد أنني لن أنسى طفلتي اللتين فقدتهما للأبد وهما قصة عذابي للأبد " .
أعتقد أن نص الكاتب جدير بالقراءة .
خربشات ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- لصوص الوطن وصورة الفلسطيني
عندما كنت في صباح هذا اليوم ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥ أصغي إلى إذاعة " أجيال " لفت نظري ما قاله مراسلها من قطاع غزة محمد الأسطل .
كان محور الحديث يدور حول ما جرى أمس . لم ينضبط الغزيون ، فانفلتوا أمام نقطة مركز توزيع المساعدات وحصلوا على ما فيه .
قال محمد ان ما جرى هو تشويه لصورة الفلسطيني ، وبرر ما حدث ، فالجائع يريد أن يملأ معدته ، والقمر لم يصبح رغيفا .
أنا تذكرت مظفر النواب في " وتريات ليلية " :
" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر
فالجوع أبو الكفار ،
مولاي أنا في صف الجوع الكافر
ما دام الصف الآخر يسجد
من ثقل الأوزار " .
مساء قرأت ما كتبه الناشط رياض عواد Riyad Awad مبديا حزنه لتحويلنا إلى سراقين ، وأما أنا فرأيت أن من حولونا إلى لصوص طحين سرقوا منا الوطن .
عموما منذ النكبة الأولى التي فقدنا فيها بلادنا اضطر قسم منا أن يسرق ليطعم أطفاله . كتبت هذا سميرة عزام في قصتها " لأنه يحبهم " وكتب هذا ، قبلها ، غسان كنفاني في قصته " القميص المسروق " .
هل يستوي سارق الوطن وسارق الرغيف ؟
لا فضائل في زمن الاشتباك ، لأن الفضيلة الأولى ، كما كتب غسان في قصته " الصغير يذهب إلى المخيم " ، هي أن تبقى على قيد الحياة ثم يأتي كل شيء ، بعد ذلك ، لاحقا .
هل كان اليهود أنبياء في الحروب التي خاضوها ؟
اقرأوا رواية الكاتب الإسرائيلي ( يورام كانيوك ) " ١٩٤٨ " عما فعلوه في اللد بعد تهجير أهلها . لقد سرقوا كل ما في البيوت ومخازن التجار ، وأمس سرقوا من محلات الصرافة والذهب في الضفة الغربية ما قيمته ثلاثة عشر مليون شيكل .
الكل يسرق إن استطاع إلى السرقة سبيلا ، وما فرضه ( دونالد ترامب ) على دول الخليج ضرب من سرقة أموال الشعوب .
كله حرامي وهناك فرق بين سارق الوطن وسارق الرغيف .
خربشات ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥
***
لطالما كتبت من قبل عن قصة غسان كنفاني " الصغير يذهب إلى المخيم / زمن الاشتباك " .
الآن غزة تعيش زمن الاشتباك ، وقد أفاض عاطف ابوسيف في روايته الأخيرة " القبر رقم 49 " في الكتابة عن جوانب من هذا الزمن .
في زمن الاشتباك تتراجع القيم والفضائل ، لأن الفضيلة الوحيدة هي أن يبقى المرء على قيد الحياة التي إذا انعدمت لم يبق للفضيلة قيمة .
الجوع يفتك بأهل قطاع غزة ونحن نتابع متابعة العاجز .
كتابات أهل غزة تدمي العين وتوجع القلب . قتل بالجملة وجوع يفتك بالناس .
أمس قرأت في صفحة Hekmat Alian Almasri عما ألم بعائلتها . ارتقى لها ثلاثة وفي اليوم التالي في بيت الأجر الذي هاجمته الطائرات ارتقى ستة آخرون ، وكذلك حدث مع عائلة خليل أبو زينة حيث ارتقى الوالدان والأبناء ، والناس خرجت تتظاهر " بدنا ناكل بدنا نأكل " ، فيما كتبت ام ايمن الصوص أقصوصة عنوانها " وليمة " عن اشتهائها قلاية شكشوكة ، ولما كانت هذه تحتاج إلى البيض ، فقد فرح الأطفال بأن رأوا على شباك الغرفة بيضة حمامة .
خربشات ٣ / ٥ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة
***
- الحرب حياة أخرى:
هل تذكرون شخصية " أبو عايد " في مسلسل وليد سيف " التغريبة الفلسطينية " حين وقف على الدور مع بقية اللاجئين لاستلام المؤن ؟
في بداية نزوح أهل شمال قطاع غزة إلى جنوبه تلاعب تاجر غزاوي ببطاقة ال VISA قائلا إنها ، في النزوح ، لم تعد تسوى شيئا .
اقرأوا هذا المقطع من رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
في الرواية تتكرر عبارة " الحرب حياة أخرى " .
[ لم تفهم كيف يمكن لأهم بائع فواكه في الشمال أن يذهب ليشتري حبة تفاح واحدة . أنا الذي كانت ثلاجاتي ومحلي فيها مئات الكيلوات من التفاح بكل أصنافه : الأحمر والأصفر والأخضر ، أذهب لأشتري حبة ! حبة واحدة ! أي عار هذا ! لن أذهب لأشتري أي شيء إلا الضروري من أجل أن نعيش . صمت ثم قلت لها : إذا نفسك بالتفاح فعلى الرحب والسعة . سوف أرسل الولد ليشتري لك حبة . أصرت وقالت : أريدك أنت أن تشتري لي حبة تفاح . أنت تروح وتشتريها . رفضت وأعدت عرضي ... " ] .
عادل الاسطة
خريشات ٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها :
اليوم صباحا كتب إلي الصديق المحامي فؤاد نقارة Fuad Suzy Nakkara أنه سيزور نابلس ووعدني أن يضع لي ثلاثة من إصدارات نادي حيفا الثقافي في المكتبة الشعبية في شارع حطين الذي أذرعه يوميا . كتبت له أنني قد ألتقي به في الواحدة والنصف لنشرب معا قهوة ، ثم أرسل لي صورة التقطها لنا قبل فترة ونحن جالسان معا على رصيف مقهى الميناوي ، ولما أخبرته أنه سبق وأن أهداني الكتب دهش ، فلم أكتب عنها . بررت عدم كتابتي بانشغالي بتدوين يوميات حرب طوفان الأقصى ، فلم يعاتب .
في الواحدة مررت بالمكتبة الشعبية وسألت ان كان أتى ، ثم ذهبت إلى المقهى أسأل .
عندما وصلت إلى المقهى ألقيت السلام على الأستاذ الدكتور عبدالله زميلي في الجامعة في سنوات التدريس . عرض علي أن أشرب معه القهوة ، فوعدته أن أعود بعد دقائق .
ذهبت واشتريت الجريدة واشتريت طاقية صيفية وعدت إلى المقهى بعد عشر دقائق فلم يكن الدكتور موجودا . شرب قهوته وغادر ، وجلست في مكانه أشرب الليمون الذي أحضره لي أبو أيمن .
لم تمر دقائق حتى كانت دوريتا جيش إسرائيلي تقفان في الشارع . لم يعترضهما أحد ، لا بالحجارة ولا بالرصاص أيضا ، وواصل أصحاب المحلات ، لدقائق ، البيع والشراء ، ثم سرعان ما بدأوا يلملمون البضاعة المعروضة ويغلقون أبواب محلاتهم .
في هذه الأثناء تركت مقعدي على الرصيف ودلفت إلى داخل المقهى عل الغيمة تنقشع سريعا . لقد جاءت الدوريتان فجأة وقد تغادران فجأة .
في داخل المقهى كنا ثلاثة رجال وامرأة تجلس بعيدا عنا وصاحب المقهى الذي سرعان ما بدأ يغلق بوابة من بوابتي المقهى .
تجاذبنا ، نحن الرجال الثلاثة ، أطراف الحديث . حكينا عن اليمن وصاروخها في هذا الصباح ؛ صاروخها الذي أحدث خللا في مطار اللد / بن غوريون ، وأصغينا إلى نشرة أخبار الساعة الثانية في قناة الجزيرة ، ثم أتينا على سيرة أخي الذي غادر الحياة في العام ١٩٧٣ بحادث سيارة ، فقد كان أحد الرجلين صديقه يعمل معه سائقا .
لم تمر سوى نصف ساعة حتى جاء رجال الإطفائية لإخراجنا من المقهى ، فقد تتعقد الأمور . عندما خرجنا كنت أول الخارجين ، وما إن أبصرني جندي شاب حتى صرخ طالبا مني العودة ، فعدت والعود أحمد ، ولم أعد شابا لأركب رأسي وأعاند . العناد قد يوصلني إلى القبر أو إلى المشفى .
واصلنا تجاذب الحديث وقلت :
- أي حجر أو رصاصة قد تكلفنا حياتنا ، وتذكرت نسيبنا عدنان سبع بعارة أبو أشرف . لقد فقد حياته في ٢٢ / ٢ / ٢٠٢٣ بالخطأ . كان في بداية السبعينيات من عمره وعندما أراد الذهاب إلى بيته ، في البلدة القديمة المحاصرة من القوات الإسرائيلية ، أصابته بالخطأ رصاصة فغادر هذه الدنيا .
- هل شعرت بالخوف ؟
سرعان ما تذكرت أهالي قطاع غزة وما عانوا منه ومروا به منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣. هل ما نمر به في هذه اللحظة يذكر ؟
عاود رجال الإطفائية المحاولة وتكلموا مع الضابط فوافق على إخراجنا . لم أمانع وإن كنت فضلت البقاء في المقهى الذي بدا على صاحبه الاستعداد لإغلاقه ، إذ سرعان ما أدخل الكراسي والطاولات التي على الرصيف إلى داخل المقهى .
سرنا معا بصحبة رجلي الإطفاء وعندما اعترض الجندي ثانية ، طالبا منا العودة ، تدخل الضابط وطلب منا مواصلة السير .
غير بعيد كانت هناك دوريات أخرى ، وكانت موزعة على غير مكان ، فيما كانت المحلات كلها مغلقة وكان الشبان يتجمعون لقذف الحجارة ، ما دفع بالجنود إلى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع .
- ليس بيننا وبينهم نزاع .
مزح أحد الرجلين ، وتابع :
- ها هم يدخلون شارع حطين والمحلات التجارية لم تسارع بالإغلاق . كان كلامه في اللحظات الأولى للاقتحام .
وأنا في البلدية لاجئا إليها ، تجنبا للغاز المسيل للدموع ، اقترح علي الموظف أن أجلس :
- اجلس يا دكتور .
شكرته وفضلت المغادرة ، وسرت . سرت بالاتجاه المعاكس لساحة المعركة التي أوشكت أن تندلع بالحجارة بين الشبان والجنود ، وكانت سيارات الإسعاف تطلق زواميرها تنقل مصابا أو أكثر .
غالبا ما أكرر البيتين اللذين حفظتهما بعد أن أوردهما إميل حبيبي في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " وهما :
" مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها " .
في المساء قرأت في صفحة ناشطة غزاوية هي Anhar Skaik سطرين ثلاثة عن الموت الفجائي في غزة بسبب الجوع والقهر . الموت بلا إنذار سابق . بلا حس أو خبر . كما يقولون ، فعقبت بسطر محمود درويش :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة ، من بينها وجع الحياة " .
حياتنا موجعة وإن رجحت أن موت شباب كثيرين في الضفة موتا فجائيا يعود إلى الفياجرا .
سامحونا !
والحمدلله على سلامتنا !
خربشات ٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- كل فلسطيني في الأرض المحتلة مشروع شهيد :
في الحافلة تجاذبت والسائق الحديث عما جرى أمس في أثناء اقتحام قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينة نابلس ، وقد كتبت أمس عما حدث معي تحت عنوان " ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها " .
أتى السائق في حديثه على ما ألم بصديق طفولتي ابن مخيم عسكر " أبو حسن " ، وهو زميل السائق في السياقة . قال لي عما ألم به ، ما أدى إلى وفاته .
كان أبو حسن السبعيني العمر يسوق سيارته في الصباح الباكر ، ليقل عمالا كان على موعد معهم . تفاجأ بدورية من الجيش وعندما أراد تفاديها بعودته من حيث أتى تزحلق فوقع وانكسر زر قدمه وانعكس ذلك أيضا على عموده الففري . صار أبو حسن مقعدا وانكشف حاله لا يقوى على الذهاب إلى الحمام بمفرده . لم يحتمل وضعه الجديد ، فمات مجلوطا هو الإنسان المرح خفيف الظل .
وأنا في الشارع مرحبني صديق وسألني ان كنت سأخربش اليوم .
عندما تواصلت مع الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad سألته ان كان كتب شيئا جديدا ، مع أنني أعرف أن وضعه الصحي قد لا يساعده على الكتابة ، فأجاب :
- لا كتابة بعد ما جرى في غزة ما جرى .
تذكرت عبارة شهيرة لكاتب عالمي سئل بعد الحرب العالمية الثانية إن كان كتب شيئا ، فأجاب :
- لا كتابة بعد ( اوشفيتز ) أو لا شعر بعد اوشفيتز .
وأنا أتصفح بعض المنشورات لفت نظري ما ورد في صفحة Anhar Skaik . مجزرة في خانيونس . خمسة أطفال أنهكهم الجوع ، فاختطفهم صاروخ غادر . غابوا إلى الأبد " .
هل اليهود في الدولة العبرية يمتون بصلة لليهود الذين قتلوا في معسكرات الإبادة ؟
لست متأكدا.
خربشات ٥ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- مفردات شخوص نصوص الحرب وأمنياتهم .
" هنا الناس إما شهداء وإما تحت الأنقاض وإما جرحى في المستشفيات وإما مكبلون بطقوس الحرب ينتظرون موتهم بلا إرادة " مثلنا " ..."
" لماذا نجوت ؟
كان يجب أن أموت معهم . كان يجب أن أكون في الجنة معهم . أن نكون كلنا سوية ......... أفقت في المستشفى بعد خمسة أيام أمضيتها في غيبوبة ........
لماذا نجوت ؟
كان يجب أن أموت معهم . هناك حيث صاروا . لماذا وحدي نجوت من الموت ؟ .....
لماذا بقيت على الكنبة ؟ .....
محظوظة الست حليمة أنها رحلت وارتاحت . لم يعد عليها أن تتعذب أكثر . الموت في مثل هذه الأوقات راحة ."
الموت راحة ..... من خيمة لخيمة ومن نزوح لآخر . من يموت يرتاح من كل ذلك .
الموت نجاة .
نعم لو مت حين قصفوا البيت كنت نجوت من كل هذا العذاب . على الأقل كنت سأكون بين اهلي وأبنائي ولم أكن لأتحسر عليهم .
الموت راحة "
( الشابة ممطوطة الطول مثل سقالة البناء . فقدت حوالي خمسين فردا من أفراد عائلتها وبقيت على قيد الحياة بالصدفة )
من رواية عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 " .
في هذه الأيام ، فالزمن الروائي توقف عند ٢٩ / ٢ / ٢٠٢٤ ، أضيفت إليها مفردات الموت جوعا . الجوع . التكايا . الطحين . خبز العدس والمعكرونة .و ...
خربشات ٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- والد الشهيد حسن علاء يزف ابنه شهيدا :
" زفوا حسن لأمه ، الأقصى ب يجري في دمه " .
حسن هو الفتى الذي غنى :
" اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت "
مغيرا في كلمات الشاعر المرحوم أحمد دحبور المغناة :
" اشهد يا عالم علينا و ع بيروت ،
اشهد ع الحرب الشعبية " .
الفوهرر الإسرائيلي يتوسع في الحرب ، والطائرات الإسرائيلية تهاجم اليوم مطار صنعاء ردا على الصاروخ اليمني الذي أصاب مطار اللد / بن غوريون .
وفي صفحة مريم قوش قبل ست دقائق أن الطائرات الإسرائيلية قصفت مدرسة تأوي آلاف النازحين . مريم تصرخ : نحن بشر يا عالم !
خربشات ٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- غزة هذا النهار :
لم تمر خمس ساعات على طفلة الصحفي يحيى صبيح حتى أعلن نبأ ارتقائه . فرح لساعات وفرحت معه زوجته ، ثم ...
حدث مثل هذا في اجتياح مدن الضفة الغربية في العام ٢٠٠٢ مع فارق ، فبينما كانت ميسون الحايك هي وزوجها وحموها في طريقم إلى المشفى لتضع مولودها الأول ، وكان أنثى ، حتى أطلق الجنود الاسرائيليون النار عليهم . ارتقى الزوج وأصيب أبوه ونقلوا إلى المشفى وهناك وضعت ميسون طفلتها التي لم يفرح بها أبوها لساعات .
في ساعات العصر كان بعض سكان حي الرمال يجلسون في مطعم التايلندي لتناول طعامهم ، فغابوا إلى الأبد . لقد غيبهم صاروخ صنع في الولايات المتحدة الأمريكية وجعلوا منهم طعاما له . لقد التهم أجسامهم قبل أن يلتهموا وجباتهم .
وحسب ما ورد في صفحة مصباح الحاج محمد فإن الحكومة الفلسطينية أعلنت غزة منطقة مجاعة.
وماذا عن أخبار القتال ؟
رواية كتائب القسام تختلف عن رواية جيش الاحتلال ، ففي رفح قتل جنود وأصيب آخرون .
وسائل التواصل الاجتماعي نقلت اليوم ما صرح به الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) من أن هناك أخبارا مفرحة سنصغي إليها في أثناء زيارته المنطقة في منتصف هذا الشهر .
حالة تعبانة يا ليلى ، وليس ثمة ما يجعلنا نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا ! لقد أنهك الغزيون كما ورد في صفحة أنهار سكيك Anhar Skaik
خربشات ٧ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- صناديق حبس القردة للسجناء والسجينات :
حضرت أمس في الساعة الثانية عشرة ظهرا ، في مكتبة بلدية نابلس ، ندوة عن السجينات والسجناء الفلسطينيين تحدثت فيها سجينة سابقة والسجين مظفر ذوقان والمحامي حسن عبادي القادم من حيفا / Hassan Abbadi .
تحدث المحامي الذي يزور السجناء ويتواصل معهم وينقل معاناتهم عن أوضاع مزرية يعيشونها ، ومن أطرف ما سمعته ، عدا التقييدات الجديدة بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بل ومنذ تولى الوزير الإسرائيلي ( بن غفير ) ملف الأسرى ، هو إحضار أقفاص يوضع فيها ، في العادة ، القرود ، لمعاقبة أسرى / سجناء و أسيرات / سجينات فيها .
أتمنى أن تنشر كلمات المحاضرة وتعمم . هل هذا مستغرب ؟
منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين صرنا نسمع من عتاة المستوطنين المتطرفين كلاما أقله أننا نحن العرب صراصير ينبغي التخلص منها بوضعها في زجاجات مغلقة وإحكام إقفالها ، ومنذ السابع من أكتوبر صرنا نصغي إلى متطرفين يقتبسون عبارات من العهد القديم تظهر ما نحن عليه ك ( غوييم ) / أغيار . نحن عبيد لا نستحق الا المعاملة الدونية .
قبل أن تنتهي المحاضرة بقليل اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي البلدة القديمة . دخلت القوات المستعربة من سوق البصل إلى حارة الياسمينة وحوش العطعوط . ارتقى الشهيد رامي سامي وليد الكخن ، وهو في الثلاثين من عمره ، وأصيب سبعة مواطنين ، وأما أنا فانسللت صاعدا درج مكتبة البلدية إلى شارع حطين فشارع الرازي ومكثت في شقتي أقرأ في كتاب محمود شقير " المشهد الروائي الفلسطيني : قراءات " وفي كتاب عاطف ابوسيف " استعادات مقلقة : يوميات غزة : ١٠٠ كاتب وفنان من غزة يكتبون " .
غبطت نفسي على هدوء شعرت به وتحسرت على أهل قطاع غزة وتابعت ما يجري هناك . تعاطفت معهم وتناولت بعض شرائح جبنة ونصف رغيف وشربت شايا ورحم الله الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الذي كتب :
- وشربت شايا في الطريق
فاستثار عباس محمود العقاد ، ومن أوائل المقالات التي كتبتها في العام ١٩٧٧ مقال عنوانه " هل شرب الشاي مسألة شعرية ؟" ويبدو أنني كنت متأثرا بما قرأته للعقاد .
خربشات ٩ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- حياة لاجيء بين المعاناة والتأمل :
في الحرب على غزة كنت أحيانا أغبط الناقد طلعت قديح ، بخاصة حين أقرأ له مقالا نقديا كتبه يتناول فيه موضوعا أو نصا لا يمت للحرب بصلة .
شخصيا لم أقرأ ، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، إلا كتبا تعد على أصابع اليدين ، ولم أكتب عما لا يمت الأحداث خارج قطاع غزة إلا النزر اليسير .
طلعت قديح الخمسيني يقيم في غزة وأنا السبعيني أقيم في نابلس ، وثمة فارق واسع جدا بين مدينة الحرب والمدينة المحاصرة ، وثمة مفارقة في أمر الكتابة . هو يكتب عن أدباء ونصوص خارج نطاق الحرب وأنا لا أكتب إلا عن غزة .
الشهادة التي كتبها طلعت ونشرها عاطف ابوسيف في كتابه / كتاب غزة " استعادات مقلقة : يوميات غزة " ، عنوانها " حياة لاجيء بين المعاناة والتأمل " قالت لي إن كاتبها يقيم في غزة وأنا أقيم في نابلس .
يثير طلعت أسئلة عما حدث في السابع من أكتوبر يفهم منها أن ما تبع الحدث ، من تدمير وتشرد ونزوح ، أكبر من الحدث " هل يستحق ما حدث في السابع من أكتوبر أن يحدث ما بعده ؟" ويصف مآسي حياة الناس في الطوابير " كأن حياة الغزي أصبحت عبارة عن طوابير تتفنن في إرهاقه الجسدي والنفسي " .
وحين يجلس طلعت خارج الخيمة ممسكا بكتاب ينقسم الناس إلى فريقين ؛ " مستغرب وكأنه يقول : أهو وقته في ظل الموت أن تقرأ ؟ وفريق آخر يستغرب بطريقة أخرى بالقول بصوت مسموع : يبدو أنك بعت الدنيا ، واشتريت عقلك ! وبين هذا وذاك أعترف بأن القراءة في فوهة الموت فعل حياة وأمل وهروب مستحب ؛ فعل حياة ... وفعل أمل ... "
ينهي الكاتب شهادته بالسطرين الآتيين :
" وأنا مطرق رأسي نحو الأرض ، يسألني أحدهم : ما رأيك فيما قلنا ؟
أجبت متنهدا :
- هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة !! " .
وأكثر الظن أن محمود درويش لو كان في الحرب يعيش في قطاع غزة لتساءل تساؤل طلعت قديح
خربشات ١٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- غزة تموت جوعا :
أصغي إلى مراسل إذاعة " أجيال " محمد الأسطل يصف الوضع في في غزة ، فأتذكر قول كفار قريش : أنأكل الطعام وبنو هاشم جوعى ؟ .
وأنظر في الماسنجر . مقطع فيديو أرسله لي صديق يبدو فيه بعض سكان قطاع غزة أمام التكايا وبأيديهم الطناجر . وجوه شاحبة لهياكل بشرية ومنهم من لواه الجوع من حيث أمه كما وصف الشنفرى الصعاليك . معد الشريط رسم عليه سطر الشاعر العراقي مظفر النواب :
" قدمي في الحكومات في البدء والنصف والخاتمة " .
ومذيعة أجيال بدأت نشرتها بالقول :
خيبة أمل تبدو على وجوه أهل قطاع غزة .
أمس قرأت منشورا للكاتب شجاع الصفدي يخاطب فيه الغزاويين بأن لا يجاملوا أحدا من خارج قطاع غزة إن أراد أن ينظر عليهم أو أن يقدم لهم نصائح أو .. "أيها الغزاوي كن بذيئا ولا تبالي بحق أي شخص من أي كوكب يريدك أن تموت ويرقص على جثتك ويتباهى ، كن بذيئا بما أوتيت ، واختر أقذر حذاء لديك واصفعه على فمه ليخرس ...." .
حسب موقع دووز Dooz في الساعة السابعة والنصف صباحا فإن " 24 قمرا ارتقوا منذ فجر اليوم".
حالة تعبانة يا الله !
خربشات ٢١ / ٥ / ٢٠٢٥
( بعد ساعتين ونصف من كتابة المنشور ارتفع العدد إلى ٤٢ شهيدا )
***
- قصف غزة بقنبلة نووية :
في قناة كان العبرية ، قبل ٣٦ دقيقة ، نشر الخبر الآتي الذي ترجمه الناشط الغزاوي مؤمن مقداد وظهر في صفحته :
" عضو الكونغرس الأمريكي رندي فاين ، وهو يهودي من الحزب الجمهوري ، طالب بقصف قطاع غزة بقنبلة نووية ، ردا على العملية في واشنطن التي أسفرت عن مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية " .
اقرأوا بعض تعليقات أهل غزة :
" موافقين موافقين موافقين موافقين "
" بعملوا معنا معروف يا ريت والله "
شد حيلك تتأخرش "
" والله بتعمل معروف مع أهل غزة وبترحمهم من هالعيشة "
" واحنا كمان بنطالب والله بنرتاح "
" كلنا بنضم صوتنا لصوتك .. نعم لقنبلة نووية لتعطي الموت الرحيم "
" هاد أكثر واحد بفهم عارف إيش احنا بدنا "
" يا ريت من شان الله بركن العرب يحسو شوي لمن غزة تنتهي "
" وهو المطلوب ... وبأسرع وقت "
" وهو المطلوب "
" أقسم بالله هاي الأخبار اللي بتفتح النفس "
" أحلى خبر نسمعو أقسم بالله "
" مطول "
" ثلاث أرباع أهل غزة كمان بطالبو " .
ولمن يرغب فليعد إلى الصفحة ، فقد بلغ عدد التعليقات ١٣٦ تعليقا !
خربشات ٢٣ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- المسيرات والمدفعية والطائرات تمحو " الهنود الحمر " في غزة
يبدو أن جينات الرجل الأبيض استنسخت في اليمين الإسرائيلي ، وما يجري في قطاع غزة يرجح هذا .
التجربة نفسها تتكرر ويباركها أحفاد الرجل الأبيض الذين ما زالوا صامتين ، بل ويزودون المستنسخين منهم بما يحتاجون إليه من أسلحة .
بم نصف حالتنا ؟
عندما حوصر الفلسطينيون في لبنان وأبيد أهل صبرا وشاتيلا كتب ( جان جينيه ) " أربع ساعات في شاتيلا " ، وإذا ما قورن ما جرى هناك بما يجري في غزة فعلينا أن نضرب ١٩ شهرا ونصف ب ٣٠ يوما ونضرب الناتج ب ٢٤ ساعة ثم نقسم المجموع على ٤ ساعات ، وعلينا الا ننسى نوعية الأسلحة وكثافة الهجومات . في تلك الأيام كتب محمود درويش " في وصف حالتنا " و " صباح الخير يا ماجد " . كتب يخاطب العرب الذين تغنى بهم " سجل أنا عربي " قائلا :
" أنا لا أريد دعاءكم
أنا لا أريد سيوفكم
فدعاؤكم ملح على عطشي
وسيفكم علي " .
ربما هي حساسية الشاعر .
وكتب :
" الروم قد قطعوا الدروب عليكم
واستأجروا أسماءكم
ونساءكم
وهوى القناع
هوى القناع
هوى القناع "
هل كلام الشاعر مقدس ؟
وطريف أن نقرأ ما قاله في رثاء ماجد أبو شرار :
" ويا لحم الفلسطيني في دول القبائل والدويلات التي اختلفت على لحم الشمندر والبطاطا وامتياز الكاز واتحدت على طرد الفلسطيني من دمه "
وقد يقترح قسم منا استبدال الغزاوي بالفلسطيني ، فنحن بقية الفلسطينيين خارج قطاع غزة جزء من العرب .
" سجل أنا عربي " .
نحن عاجزون ، وغزة تمسح مسحا . تجوع . تباد . يتسلى بها . نحن عاجزون !!
خربشات ٢٤ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة : أيام الحرب . سائد حامد أبو عيطة
في الجزء الثاني من كتاب " كتابة خلف الخطوط : يوميات الحرب على غزة " الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في العام ٢٠٢٤ ، الذي حرره عاطف ابوسيف و عبد السلام عطاري نقرأ شهادة مصوغة بأسلوب ممتع كتبها الكاتب والمدون سائد حامد أبو عيطة . تقع الشهادة في حوالي سبع وعشرين صفحة ( ٧٩ إلى ١٠٧ ) وكتبت تحت عناوين متعددة كثيرة ، وما إن تبدأ قراءتها حتى تواصل لتنهيها بجلسة واحدة .
يروي سائد عن قسوة الحرب وتأثيرها على السكان ، وقد عانى هو وأسرته كما عانى مليونا مواطن غزاوي وربع المليون . ركام ودماء وأشلاء متناثرة وفقدان ابنتيه ميرا وتالا ، في ١٤ / ١٠ / ٢٠٢٣ ، وفراق دون موعد ووجع قلب ونوم في الشارع وندرة الملابس وتجار طماعون وجامع جثث يعود جثة مثل جثث الذين يجمعهم ونساء ينجبن الأطفال في الخيمة " طفلة الخيمة " والسعي للحصول على خيمة وكيس طحين ، ثم الجوع الكافر ، وفي الشتاء ثمة ليال باردة وثمة خوف وطوابير . كل شيء ينقلب وثقافات الناس تتحول إلى ثقافات شوارع والسؤال الذي يراود الجميع هو : متى تتوقف الحرب ونعود إلى شمال القطاع ؟ .
اقرأوا هذا النص عن الاستحمام في النزوح ، وكانت الكاتبة نعمة حسن كتبت نصا مفصلا . يكتب سائد :
" الاستحمام في الحرب عذاب حقيقي ونصف فضيحة . النساء تحمل دلو الماء الساخن وتسير بين خيام النزوح للبحث عن مكان آمن للاستحمام ، يا إلهي الطرقات مليئة بالنساء اللواتي يحملن دلو الماء المسخن على الحطب " لا بد من الوصول إلى حمام آمن قبل أن يبرد الماء " ، الأجواء باردة وتنتظر النساء يوما مشمسا في الشتاء للاستحمام . كنت أشعر بالخجل والحرج الشديد لأن لدي حماما بجانب خيمتي وأملك مفتاحا له ، تطلبه بعض النساء من زوجتي لاستخدامه " .
يسرد سائد عن تاجر الحرب المستغل الطماع وعن جيران الخيمة واجتماع الناس مع بعضهم كل يريد أن يروي مأساته الخاصة ويطلب منه ؛ لأنهم عرفوا أنه كاتب ، أن يكتب حكاياتهم . ويقص علينا عن إصابته وصعوبة الحركة لديه والاتكاء على زوجته وعن لقائه بأبناء أخيه بعد خمسين يوما ، وعن افتقاده أصدقاءه ثم عن لقائه بأحدهم ، ولا ينسى الأوفياء منهم ، كما لا ينسى من قدموا له الخيمة والأواني والفراش " أنا ممتن لأصدقائي .... هؤلاء من أجمل وأطهر الناس الذين التقيت بهم في حياتي " .
ينهي سائد نصه بالسطر الآتي :
" من المؤكد أنني لن أنسى طفلتي اللتين فقدتهما للأبد وهما قصة عذابي للأبد " .
أعتقد أن نص الكاتب جدير بالقراءة .
خربشات ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٥
***
- لصوص الوطن وصورة الفلسطيني
عندما كنت في صباح هذا اليوم ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥ أصغي إلى إذاعة " أجيال " لفت نظري ما قاله مراسلها من قطاع غزة محمد الأسطل .
كان محور الحديث يدور حول ما جرى أمس . لم ينضبط الغزيون ، فانفلتوا أمام نقطة مركز توزيع المساعدات وحصلوا على ما فيه .
قال محمد ان ما جرى هو تشويه لصورة الفلسطيني ، وبرر ما حدث ، فالجائع يريد أن يملأ معدته ، والقمر لم يصبح رغيفا .
أنا تذكرت مظفر النواب في " وتريات ليلية " :
" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر
فالجوع أبو الكفار ،
مولاي أنا في صف الجوع الكافر
ما دام الصف الآخر يسجد
من ثقل الأوزار " .
مساء قرأت ما كتبه الناشط رياض عواد Riyad Awad مبديا حزنه لتحويلنا إلى سراقين ، وأما أنا فرأيت أن من حولونا إلى لصوص طحين سرقوا منا الوطن .
عموما منذ النكبة الأولى التي فقدنا فيها بلادنا اضطر قسم منا أن يسرق ليطعم أطفاله . كتبت هذا سميرة عزام في قصتها " لأنه يحبهم " وكتب هذا ، قبلها ، غسان كنفاني في قصته " القميص المسروق " .
هل يستوي سارق الوطن وسارق الرغيف ؟
لا فضائل في زمن الاشتباك ، لأن الفضيلة الأولى ، كما كتب غسان في قصته " الصغير يذهب إلى المخيم " ، هي أن تبقى على قيد الحياة ثم يأتي كل شيء ، بعد ذلك ، لاحقا .
هل كان اليهود أنبياء في الحروب التي خاضوها ؟
اقرأوا رواية الكاتب الإسرائيلي ( يورام كانيوك ) " ١٩٤٨ " عما فعلوه في اللد بعد تهجير أهلها . لقد سرقوا كل ما في البيوت ومخازن التجار ، وأمس سرقوا من محلات الصرافة والذهب في الضفة الغربية ما قيمته ثلاثة عشر مليون شيكل .
الكل يسرق إن استطاع إلى السرقة سبيلا ، وما فرضه ( دونالد ترامب ) على دول الخليج ضرب من سرقة أموال الشعوب .
كله حرامي وهناك فرق بين سارق الوطن وسارق الرغيف .
خربشات ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥
***