سعيد گنيش - الاشباح الداهمة في معركة التحرر والوحدة... (القسم الثالث) صفحة من التاريخ

القسم الثالث

صفحة من التاريخ
التاريخ ليس وقائع متناثرة وليس موضوعات تروى، فما بالك تاريخ مجتمعاتنا. هو المعلم الأول لمن يحسن القراءة و الاستفادة من دروسه لأنه يمنحنا مفاتيح وحلول لمشكلات قائمة في أوضاعنا الراهنة.
المغرب العربي أو الجناح الغربي للوطن العربي الواحد، وهو التعريف الذي كرسه القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي، بعد لجوئه إلى القاهرة بفترة قصيرة عائدا من منفاه سنة 1947. وأعطاه مضمونا تحرريا ووحدوي؛ وذلك من خلال مشروع سياسي مقاوم عبرت عنه وثيقة ميثاق التأسيس "للجنة تحرير المغرب العربي".
وإلى اليوم ظل منتسبي الأيديولوجيا العرقية يشوهون عن قصد المسار النضالي للقائد محمد بن عبد الكريم الخطابي خاصة مساره العروبي الوحدوي وايمانه بقضايا الشعوب العربية ومركزيتها القضية الفلسطينية، ويروجون لسردية مزورة من تاريخه ويقدمونه كزعيم قبيلة في منطقة الريف شمال المغرب.
قوى الدين السياسي يضمرون له العداء في سريرتهم لأنه يرعبهم خاصة وهو يجمع في شخصه المعنى الحقيقي للدين العربي التحرري المنفتح على قضايا العصر. فهم بطبيعتهم يتنكرون لكل إشراقة في تاريخ النضال التحرري للشعوب العربية، ويعادون نهضة الشعوب العربية والقبض على مصيرها لتحرير الأوطان من ربق الاستعمار بكل أشكاله.
صدر ميثاق التأسيس في القاهرة بتاريخ 1948/01/05، ونشر أول مرة بجريدة الاهرام المصرية في عددها الصادر بتاريخ 1948/01/06 (وردت الوثيقة في مجلد "محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا: 1920- 1963، وثائق ومذكرات" ) المجلد من إصدار د. حسن محمد حسن البدوي. ماهي للنشر والتوزيع- مصر -
أولا ميثاق التأسيس يتصدى للمخطط الاستعماري "سايكس بيكو" الثانية ونتائجه في تقسيم منطقة المغرب العربي (شمال أفريقيا وفق تعريف القوى الاستعمارية) وفصلها عن الشرق العربي.
ثانيا أحدث قطيعة مع "مكتب عمل المغرب العربي بالقاهرة"، سواء في تحديد الأهداف أو أساليب العمل، يلخصها القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي بقوله: " السبب الذي دعاني لبيان هذه الحقيقة يعود إلى أنني كنت أعرف أن ما يسمى بالمحادثات السياسية أو الدعاية لا تنفع وحدها مع العدو الذي احتل بلادنا بالقوة ولن ينسحب منها إلا بالقوة...لم أكن أتصور أن الزعماء الوطنيين يلتمسون حقوق الشعب بمكتب تقتصر مهمته في جمع قصاصات الصحف وإقامة الحفلات، بينما الحقيقة ل بصراحة، أنه لا محيد من توحيد الكلمة وجمع صفوف المواطنين لاستعمال السلاح". (زكي مبارك، كتاب محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي، إشكالية استقلال المغرب، صفحة 65 ط1 الرباط 2003).
المصير الذي انتهى إليه هذا المشروع التحرري والوحدوي هو حسم قوى الاستعمار واذنابها المعركة لمصلحتهم بفعل خيانة القيادات البورجوازية في المغرب وتونس التي كانت تتعاون مع القائد وضمن محيطه.
لم يكن باستطاعته تغيير مسار الأحداث من منفاه قطعا، وذلك لعدم وجود التنظيم السياسي المركزي الحامل لهذا المشروع الثوري، المرتكز على تحالف طبقي شعبي ذات المصلحة في التحرر ومجابهة الاستعمار وأذنابه والايمان بالنصر والتضحية والبناء الوحدوي في للمغرب العربي.
وحدها قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية في المنطقة التي استطاعت تجميع شروط المقاومة الشعبية المسلحة آنذاك، ودفعت الاستعمار الفرنسي إلى الاندحار والانتصار عليه في حرب التحرير الوطني للجزائر بدعم غير محدود من مصر العروبة الناصرية.
للتاريخ فإن قضية التنظيم السياسي المركزي الحامل للمشروع الثوري لم تكن آنذاك شروطه الذاتية ناضجة، وكان الشكل التنظيمي المطروح كأداة تنظيمية هو التحالف في إطار جبهة للتحرر الوطني للمغرب العربي، وهو ما عبر عنه بشكل جنيني وأولي الميثاق التأسيسي "للجنة العمل لتحرير المغرب العربي".
لقد حمل الميثاق توقيع: القائد وشقيقه أمحمد وسبعة أحزاب موزعة على تونس والجزائر والمغرب. وكانت كل قيادات هذه الاحزاب ذات طبيعة بورجوازية تؤمن بالعمل النخبوي وتسفه العمل الجماهيري. تختزل العمل الوطني في العمل الديبلوماسي والإعلامي. ولم يكن من الموقعين أي حزب شيوعي ، رغم ان تقاليد الأممية الثالثة ظلت توصي قبل حلها في 1943 بانخراط الأحزاب الشيوعية في النضال الوطني من أجل استقلال بلدانها من القوى الاستعمارية، (علما أن الميثاق يؤكد على انفتاحه على كل القوى التي تؤمن بالانخراط في معركة التحرير والوحدة) وهو ما يفسر هامشيتها التاريخية عن القضايا المفصلية في الوطن العربي ، و ظلت تجتر عزلتها وتساقطها إلى اليوم.
اليوم وللعبرة ، فكأن التاريخ يعيد نفسه بشكل مأساوي، "اليسارالجديد" منذ السبعينات من القرن الماضي، وإلى اليوم – بالتأكيد ما تبقى منه -، لم يقم ببناء مشروع سياسي وتنظيمي تحرري، يشكل تطويرا نقديا وخلاقا لتجربة حركة المقاومة وجيش التحرير وللمقاومة المغربية الشعبية بشكل عام ضد المستعمر واذنابه المحليين في بعدها التحرر ي الوطني والاجتماعي.
على النقيض شكلت تجربة "اليسار الجديد" قطيعة تامة مع هذه التجارب خاصة في ارتباطاتها الشعبية العميقة. وكانت السبب الرئيسي في عزلته عن الطبقات الشعبية ذات المصلحة في التحرر وهي التي ظلت عروبتها في حالة كمون وفي تناقض مع الأنظمة رغم حملات التضليل.
لقد ظل "اليسار الجديد" يغيب تماما البعد القومي العربي التحرري سواء على صعيد المغرب العربي او المنطقة العربية إلى اليوم. وهذا يؤكد أنه لم يشكل قطيعة مع رحم الحزب الشيوعي المغربي الذي تحول إلى مسخ سياسي.
لقذ ظل يتنكر تماما للقومية العربية كظاهرة تاريخية حقيقية لا تتناقض مع المكونات التاريخية للشعوب العربية الأصيلة، ومشروعا تقدمي ومستقبلي معادي للرجعية العربية والامبريالية والصهيونية. وبدونه لا ينكن الحديث عن تنمية مستقلة وبناء اشتراكي. فالاشتراكية لا تبنى إلا في التكثلات القوية والمركزية مادام العصر عصر الامبريالية.
فكيف سيتأتى له مواجهة مخططات التفتيت التي تواجه الطبقات العاملة الشعبية باسم الطائفية الخبيثة لقوى الدين السياسي، والنزعة الشوفينية للتيار الأمازيغي المتصهين، و الوطن العربي من باب المندب إلى طنجة يعرف تراجعا وضعفا في لحمته الجامعة والموحدة العروبة، أمام وحشية العدوان الصهيو أمريكي والأنظمة المتصهينة، المصطفة في خندق واحد.
لقد أسس "اليسار الجديد" مشروعه على التناقض بين العمل والرأسمال. فكانت "ماركسيته" ماركسية المركز الاوربي الغربي؛ في تناقض مع بلدان تشكلت بنيتها الطبقية تاريخيا في ظل الاستعمار المباشر تم الاستعمار الجديد وحاليا في ظل الرأسمالية الاحتكارية المعولمة؛ وتشكل الامبريالية عدوا رئيسيا وحاميا لطبقة الكومبرادور الذي يعتبر نظامها عدوا مباشرا. - انتهى-

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى