أ. د. عادل الأسطة - كوابيس غزة... شهر يونيو "بدأت المائة السابعة" (604---633)

- غزة 604: بدأت المائة السابعة :

صار المرء أكثر خجلا وأكثر شتاتا وأكثر عجزا عن الكتابة .
اليوم صباحا مثلا أصيب متابع أخبار قطاع غزة منا بالذهول . أكثر من ٢٠٠ مواطن فلسطيني غزاوي أجبرهم الجوع على الذهاب نحو مركز توزيع المساعدات في رفح . جاؤوا من الوسط ومن الجنوب ، وقسم جاء من الشمال يحدوهم الأمل بالحصول على شوال طحين وبعض معلبات ، فتم حصد كثيرين منهم :
- احصدوهم !
تماما كما حصد في العام ١٩٥٦ أبناء قرية كفر قاسم وهم عائدون من الحقول إلى بيوتهم التزاما بنظام منع التجول الذي فرضته سلطات الحكم العسكري . يومها ارتقى خمسون قرويا وعندما حوكم الضابط ( شدمي ) الذي أصدر الأمر سجن ثم أفرج عنه بغرامة مقدارها قرش . ( قرش شدمي ) .
ما أشبه فجر اليوم ١ حزيران ٢٠٢٥ بالبارحة ٢٩ / ١٠ / ١٩٥٦ .
ما يجري في غزة فوق قدرة عقل المتابع على الاحتمال والتصور . من أية طينة عجن الأمريكان والإسرائيليون الصهيونيون ؟
الشهداء شباب مثل الورد أرادوا إطعام أبنائهم الجوعى فارتقوا وظل الأبناء والأمهات والزوجات ينتظرن .
قبل أيام ارتقى في نابلس رامي الخراز ، مخلفا زوجة شابة وثلاثة أطفال مثل الورود ، واليوم ارتقى في البلدة القديمة الحاج رشيد محمد خيري شقير . أراد أن يصلح بين المتخاصمين فاصطدم رأسه بالحائط وودع هذه الفانية .
تأتي المصائب ، حين تأتي ، معا . بالجملة ، لا بالتقسبط أو على دفعات .
بداية المائة السابعة دموية والله المستعان !
خربشات ١ حزيران ٢٠٢٥

**

- غزة 606 :

المفردات نفسها والأفعال نفسها . الجوع يفتك والمنازل مسواة بالأرض والجيش الإسرائيلي يتوغل والطائرات تقصف والكواد كابتر تقتل وأمس ... أمس ردد المقاومون : طالعلك يا عدوي طالع ، من كل بيت وحارة وشارع .
لم يبق في جباليا بيوت وحارات وشوارع يطلع منها المقاتلون ، فخرجوا من رحم الأرض كأنهم عبد الكريم في رواية غسان كنفاني " العاشق " ؛ عبد الكريم الذي أفقد الضابط الإنجليزي ( بلاك ) عقله فردد إن الأرض تتواطأ معه .
في بداية طوفان الأقصى كتبت " هل تتواطأ الأرض في غزة مع أبنائها ضد غزاتها ؟ " . والآن يبدو أنني أكرر السؤال نفسه .
بعض أبناء قطاع غزة ذهبوا إلى أن الملائكة هي التي قاتلت ، وفي العام ١٩٧١ ردد الغزيون إن شواهد قبور الشهداء تحركت وشاهدوها ، وهذا ورد في رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " .
كم غزيا / غزاويا ارتقى أمس في رحلة البحث عن شوال طحين ، وشوال طحين عنوان مجموعة قصصية فلسطينية مبكرة أصدرها الصديق محمد كمال جبر ابن مخيم بلاطة في العام ١٩٨٠ .
أمس نشر الشاعر Nasser Rabah خبرا نصه " 600 يوم وما زالت غزة واقفة " وعندما حل المساء وقفت جباليا من جديد .
الظلم مرتعه وخيم والفلسطينيون ظلموا ومازالوا يظلمون ، فصباح اليوم قتل الإسرائيليون 24 فلسطينيا وجرحوا أكثر من 200 كانوا ينتظرون مساعدات يوزعها أمريكيون ، وبذلك بلغ عدد المرتقين في الأيام الثلاثة الأخيرة أكثر من مائة .
الله غالب على أمره وهو المستعان
خربشات ٣ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة : 607

جندي يحلم بالزنابق البيضاء : محمود درويش

في هذه الأيام حيث بدأ بعض الجنود الإسرائيليين يرفضون العودة إلى غزة للقتال فيها ، فحوكموا وزج بهم في السجن ، يتذكر قاريء أشعار محمود درويش قصيدته " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " التي ظهرت في ديوانه " آخر الليل " ( ١٩٦٩ ) ، والجندي في القصيدة ، كما عرفنا لاحقا ، هو المؤرخ الإسرائيلي ( شلومو ساند ) صاحب كتاب " اختراع الشعب اليهودي " .
أثارت القصيدة يوم نشرها جدلا بين النقاد . عدها الدكتور عبد الرحمن ياغي الذي علمنا إياها في الجامعة الأردنية في مساق الأدب الحديث - بعد أن علمنا إياها اخوه الدكتور هاشم ياغي في السنة الأولى في مساق " المدخل إلى تذوق النص الأدبي " - عدها قصيدة القصائد في ديوان الدواوين . وهاجمها وهاجم صاحبها الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب في المقدمة التي كتبها ل " ديوان الوطن المحتل " ، ومنها :
" سألته معذبا نفسي ، إذن
صف لي قتيلا واحدا
أصلح من جلسته ، وداعب الجريدة المطوية
وقال لي كأنه يسمعني أغنية :
كخيمة هوى على الحصى
وعانق الكواكب المحطمة
كان على جنبه الواسع تاج من دم
وصدره بدون أوسمة
لأنه لم يحسن القتال
يبدو أنه مزارع أو عامل أو بائع جوال
كخيمة هوى على الحصى .. ومات
كانت ذراعاه
ممدودتين مثل جدولين يابسين
وعندما فتشت في جيوبه
عن اسمه ، وجدت صورتين
واحدة .. لزوجته
واحدة .. لطفلته ..
سألته : حزنت ؟
أجابني مقاطعا : يا صاحبي محمود
الحزن طير أبيض
لا يقرب الميدان ، والجنود
يرتكبون الإثم حين يحزنون
كنت هناك آلة تنفث رمادا وردى
وتجعل الفضاء طيرا أسودا " .
الآن تهوي الخيمة على من فيها ؛ العائلة كلها . الأب والأم والابن والابنة والجد والجدة و ... .
هل يحلم هؤلاء الجنود الاسرائيليون بالزنابق البيض ؟
حبذا لو نسألهم كم قتيلا قتلوا !
في مثل هذا اليوم ، قبل ثمانية وخمسين عاما ، كنا فرحين بوحدة البطلين ؛ جمال عبد الناصر والملك حسين " الله يحيي البطلين ؛ عبد الناصر والحسين " ونمنا على أمل العودة إلى يافا وحيفا واللد والرملة وعكا و .... .
خربشات ٤ / ٦ / ٢٠٢٥

***

غزة 608 : كوابيس غزة

أمس أدرجت شريط فيديو يظهر رحلة أهل قطاع غزة ، مشيا على الأقدام ، من شمالها ووسطها وجنوبها ، نحو مركز توزيع المساعدات .
ظهر في الشريط شباب يتحدثون عن رحلتهم التي قد تنتهي بالنجاح أو الإخفاق أو اللاعودة والدفن حيث ارتقوا . تحدثوا بروح لا تخلو من الدعابة والنكتة وخفة الدم ، فشر البلية ، كما يقول مثلنا الشعبي ، ما يضحك . إنه الضحك من أعماق الجراح كما كتب إميل حبيبي في " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " وكتب عنه فاروق وادي " ثلاث علامات " وسعيد علوش " عنف المتخيل " .
عاد المتحدثون خائبين دون أن يفارقهم أمل الحصول على الطعام ، حتى لو جابوا شمال القطاع كله ، بحثا عن تكية طعام .
وأمس ارتقى ٣٥ مواطنا وجرح العشرات .
وأمس تجولت في شوارع نابلس المكتظة بالناس يشترون استعدادا للعيد ، على الرغم من أن ما دفع من رواتب عن شهر نيسان - ونحن في حزيران - هو ٣٥ بالمائة من الراتب الذي يدفع منه ، منذ أربع سنوات ، سبعون بالمائة فقط ، فوزير المالية الإسرائيلية ( بتسلوئيل سموتريتش ) يصادر ما يصادر من أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية .
أمس نمت في الثانية عشرة ليلا وصحوت في الثالثة والنصف ، ثم واصلت نومي ، فوجدتني في قطاع غزة أريد الاستحمام . أحمل جردل ماء ساخن أبحث عن حمام . مشيت مسافات مسافات حتى عثرت على واحد يكتظ بالبشر . مظلم إلى حد ما ، فالإضاءة خافتة جدا و ... .
هل عشت صدى كوابيس ما كتبه كل من نعمة حسن و طلعت قديح وكتبت عنه في يومياتي ومقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية ؟
هل هو ما أفكر فيه وأتخيل أننا سنعيشه في أيامنا القادمة ؟
لست أدري ، غير أنني أردد :
" مشيناها خطا كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطا مشاها "
اليوم الذكرى الثامنة والخمسون لحرب حزيران ١٩٦٧ أو حرب الأيام الستة ؛ الحرب التي بدأت بالمذياع وانتهت به ، حسب رأي أم سعد في رواية غسان كنفاني " أم سعد " واليوم هو اليوم 608 لطوفان الأقصى . الحرب التي لما تنته .
خربشات ٥ حزيران ٢٠٢٥

***

- غزة 609 :

حسب صفحة مؤمن مقداد معتمدا على " حدشوت بزمان " العبري فإن هناك حدثا أمنيا صعبا في خان يونس . الطائرات الإسرائيلية تنقل الجرحى إلى المشافي .
في الصباح قرأت عن هجوم إسرائيلي هناك .
في ١٩٨٨ كتب محمود درويش قصيدته " عابرون في كلام عابر " ومنها :
" منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى - ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا .. وانصرفوا " .
لقد أخذوا حصتهم وأكثر ولم ينصرفوا .
عيد أضحى دموي ، وكانت الليلة في الضاحية الجنوبية لبيروت دموية .
متى سيشبع ( دراكولا ) من دماء الآخرين ؟
خربشات ٦ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 610 : شواذ إنسانيون :

في الحرب الدائرة حاليا في قطاع غزة تظاهر في الدولة العبرية / الإسرائيلية الشواذ أخلاقيا ، معبرين عن سخطهم من استمرار الحرب غير الأخلاقية غير الإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين والمباني والشجر وقوارب الصيد والمشافي والمدارس .
الشواذ أخلاقيا أرحم من غير الشواذ وأكثر إنسانية ممن يحفظون العهد القديم ويعملون بما كتب فيه.
كان الشاعر العراقي مظفر النواب كتب قصيدة شهيرة عنوانها " في الحانة القديمة " أتى فيها على بغي رأى أنها أفضل بكثير ممن يبيعون الأخضر واليابس " لم يفن منك سوى الجسد الفاني " فغيرها يدافع عن كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته وهو يبيع اليابس والأخضر " سأبول عليه وأسكر ، ثم أبول عليه وأسكر " قال مظفر .
يحج قسم ويصوم ويصلي ويأكل الحرام ، فيسرق حتى حق إخوته في الميراث ، وشعب الله المختار ردد في الحرب بعض ما ورد في كتابه المقدس ، ولم يكترث لمقتل ما لا يقل عن ستين ألف روح بشرية ، عدا مائتي ألف جريح .
ترى أيهما أفضل الحاخامات الذين يدعون إلى القتل أم الشواذ الذين لم يقتلوا أحدا ويرفضون استمرار الحرب ؟!
أمس قرأت أن عائلة المدعو ياسر أبو شباب من قطاع غزة تبرأت منه
خربشات ٧ / ٦ / ٢٠٢٥

***

غزة 611 : عائلة أبو شريعة تباد :

عندما أدرجت أمس ، عن صفحة أحمد نصر ، وهو مقيم في غزة ، خبر إنذار عائلة الدكتور أسعد عطية أبو شريعة بمغادرة مكان إقامتهم في حي الصبرة بغزة علق أحد الأصدقاء بأن الخبر قد لا يكون صحيحا .
ردت العائلة على الضابط الإسرائيلي بأنهم لا يملكون مالا ولا طعاما ولا يوجد مكان ينزحون إليه ، وما هي إلا دقائق حتى هدم صاروخ إسرائيلي البناية على من فيها ، فارتقوا شهداء ، وسرعان ما نعتهم قيادة لجان المقاومة .
في ستينيات القرن العشرين كتب توفيق زياد قصيدته " هنا باقون " .
ما زال أهل قطاع غزة باقين . هل أقول : المجد لهم ؟ .
أمس ارتقى 91 فلسطينيا في غزة . صارت الأرقام عادية . هل اعتدنا ؟
خربشات ٨ / ٦ / ٢٠٢٦

***

- غزة611: الجوع الكافر ثانية وثالثة

في صفحات عديدة كثيرة من صفحات أبناء قطاع غزة النشطين تقرأ عن نسبة العمولة - بلغت اليوم مثلا 40 إلى 45 بالمائة - وتقرأ عن الأسعار الجنونية للمواد الغذائية . كيلو السكر مثلا من 3 شواكل إلى 300 شيكل ، وأطرف ما شاهدته بيع البصل بالبصلة ونصف البصلة وربع البصلة . 13 شيكلا لربعها و17 لنصفها و 25 شيكلا للبصلة كاملة . رأس البصلة .
" باب النجار مخلع " يقول مثلنا الشعبي ، ومن أشرطة الفيديو التي شاهدتها شريط يتحدث فيه خباز / فران يخبز للناس عجينهم ولا يجد رغيفا يسد به رمقه ويطعمه لأطفال أسرته . الفران قال إنه يعمل الآن بأجرة أسبوعية لا تزيد على ال 180 شيكلا وهي لا تكفي لشراء رطل طحين ، وكانت قبل الحرب تكفي لشراء مونة أسبوعية .
في أمثالنا أن منتج العسل يذوقه " طباخ السم بذوقه " ، وفي أيام الفقر كان الناس - إن لم يكونوا يملكون أجرة الفران - كانوا يعطونه أرغفة ، وهو ما يحدث في معاصر الزيت الآن حيث أن صاحب المعصرة يأخذ نسبة معينة أجرة ، فيبيع الزيت لمن طلبه .
اليوم خرجت من نابلس لزيارة أختي بمناسبة عيد الأضحى . أختي تقيم في مزارع النوباني التابعة لرام الله . لم تكن هناك أزمة مرور ، ولكنا اجتزنا ثلاثة حواجز عسكرية ؛ حاجزان منها مؤقتان . حاجز طيار . فحصوا هوياتنا وواصلنا طريقنا . ما لفت انتباهي في أثناء مرورنا بقرية اللبن هو البوابة الحديدية على مدخلها ، وثمة مثلها في مدخل قرية سنجل . ببساطة يمكن إغلاق البوابة ليعيش أهل القرية معزولين محاصرين كما لو أنهم سجناء في بيوتهم .
وأنا أمعن النظر في الطريق قلت إن من يتحدث عن حل الدولتين لا يرى ما جرى ويجري على الأرض ، وليس قولي جديدا ، فقد قاله غيري من قبل منذ سنوات ، وقبل أيام سمعته من الصحفي الإسرائيلي ( جدعون ليفي ) الذي دعا إلى حل الدولة الواحدة .
من زمان وأنا أقول إن مستقبلنا هو جنوب أفريقية . هل قرأ الجندي الإسرائيلي الأفريقي الإثيوبي ما كتبت ؟
عندما مررنا بحاجز عورتا كان الجندي إثيوبي المنشأ يعطي إشارة عدم معارضة للمرور ، فلم يوقفنا للتفتيش . خيال . خيال شرقي ، وفي قطاع غزة ارتقى اليوم أكثر من 30 مواطنا غزاويا في رحلتهم اليومية نحو مركز توزيع المساعدات في رفح ، وكنت صباحا كتبت عما ألم بعائلة الدكتور أسعد عطية أبو شريعة .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٨ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 613 : اجتياح نابلس

نمنا أمس على أخبار غزة الدموية الدامية حيث ارتقى ، كالعادة الجديدة ، أمام مراكز توزيع المساعدات ، أربعة وثلاثون غزاويا وجرح آخرون . فلسطينيون يطلقون النار على فلسطينيين . كتب من أدرج شريط الفيديو . هل هم من جماعة ياسر أبو شباب ؟ ، وما زال الصحفيون يقتلون ومثلهم المسعفون ، ونمنا أمس أيضا على أخبار هدم مائة منزل في جنين وطولكرم لنسف مخيماتهما وإزالتها ، وصحونا فجر هذا اليوم على اجتياح مدينة نابلس . هل نسيت الكتابة عن سفينة الحصار / مادلين التي تم احتجازها في إسرائيل ؟ لقد شغلت أخبارها نشيطي وسائل التواصل الاجتماعي ! ( في أحد أشرطة الفيديو كان شاب غزاوي يحمل شوال طحين ، فاعترضته مجموعة من الشباب بالسكاكين وسلبته حمولته وهو يقسم أنه اشتراه من ماله . هل شكوا في أنه سرقه فسرقوه . الجوع كافر والفضائل في الكتب أو يتحدث عنها المنعمون ) .
مدن مستباحة وبشر مستباحون والعين بصيرة ، والناس تتابع وتنتظر وتصور المشهد لتوثقه ، والعاجزون ، مثلي ، يكتبون ، فاليد قصيرة .
في صفحة الكاتب يسري الغول قرأت ما كتبه عن لقائه بصديقه الفنان كريم ساطوم الذي يكبر أنس ابن يسري بأربعة أعوام Kareem Satoom
التقيا معا وتحدثا وكان ما شاهداه وما سمعاه يعيدنا إلى نكبة العام ١٩٤٨ . امرأة تصرخ وتهذي وتبحث عن طفلها الذي فقدته " وين أسأل عنه يا رب . طفل صغير " . كما لو أنها صفية في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ ) وكم تكرر المشهد منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، بل وأكثر ، وهو ما تحفل به اليوميات التي أخربشها .
فيما كتبه يسري نقرأ تساؤل كريم :
- وين الملايين ؟ وين المليارات ؟
ولأن كريم في غزة ، وقد قتلت أحلامه ، فقد أضاف :
- وين الصرامي ؟
قبل ليلتين صحوت من نومي على كابوس . كنت أقيم في ملجأ تحت الأرض ، وأردت أن أذهب إلى الحمام فبحثت عن صرماية . كنا عشرات ولم تتوفر سوى صرماية واحدة ينتعلها كل واحد منا بالدور .
ماذا سيحدث اليوم في نابلس ؟ وكم غزاويا سيرتقي ؟ وكم بناية في جنين وطولكرم ستسوى بالأرض؟
إسرائيل مصرة على تنفيذ مشروعها : يهودية الدولة ونحن نردد : هنا باقون .
خربشات ١٠ / ٦ / ٢٠٢٥

**

- غزة 614 : حزيران وحزيران ، و أكتوبر و أكتوبر

أرادت غزة أن تحذو بطوفان الأقصى حذو مصر وسورية في أكتوبر ١٩٧٣ ، فبدأت هجومها في ٧ أكتوبر كأنه استمرار ل ٦ أكتوبر ١٩٧٣ أو كأنه الفصل الثاني من فصول الحرب واليوم التالي له ، وأرادت إسرائيل أن تنسى أكتوبر سيء الذكر لها فاحتلت أمس نابلس المحتلة منذ التاسع من حزيران ١٩٦٧ واختارت ١٠ حزيران ٢٠٢٥ ليكون اليوم التالي لحربها الأولى . كأنها ترد " حزيران ٢٠٢٥ عن حزيران ١٩٦٧ ما بفرق " .
هكذا رفعت القوات الإسرائيلية التي اقتحمت المدينة ، واستباحت بلدتها القديمة ، علمها ، وأحلته ، هذه المرة ، محل العلم الفلسطيني ، خلافا للمرة الأولى حيث أحلته محل العلم الأردني .
أرادت إسرائيل المتورطة في رمال غزة ، حيث فقدت في الأيام الأخيرة عددا من الجنود ، أرادت انتصارا سهلا ينسيها حربها منذ ٦١٣ يوما .
هكذا رأى محللون فلسطينيون خطوة إسرائيل أمس .
منذ أيام أخذنا نتندر ، حاسدين أنفسنا على الهدوء الذي نعيشه ، رغم حصار المدينة وإغلاق بواباتها ، ذاهبين إلى أننا في نابلس مسالمون ، ذلك أن أصول بعض عائلات المدينة أصول يهودية . ولا أعرف إن كان الأدب العبري التفت إلى هذا ، التفاته إلى البدو الفلسطينيين الذين رأى فيهم صورة للعبرانيين الأوائل الذين أسلموا .
هل ستلجأ إسرائيل إلى إجراء فحص DNA لسكان نابلس كلهم لتتأكد من أصولهم ؟
أمس فقدت المدينة اثنين من أبنائها ، وأمس أصيب أكثر من عشرين مواطنا .
وأمس فقدت غزة ما يقارب المائة من أبنائها بحثوا عن أكياس الطحين ، فاختلط طحينهم بدمهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
حصل الرجل على كيس طحين ، فأصابته رصاصة لم تحل بينه وبين تمسكه بكيس طحينه حتى لو مات . صار الطحين ، في غزة ، إكسير الحياة ، وكانت الطفلة الغزاوية ابنة الثانية تبكي تريد خبزا ، وذهب الأب ليحضر ، من بيته في الشجاعية ، الطحين ، ليطعم أبناءه وبناته السبعة وأمهم فارتقى وظل أبناؤه ينتظرونه . والصور القادمة من غزة لا تدخل إلى القلب إلا الوجع والألم والحسرة . " لم تكن غزة في يوم من الأيام كما هي الآن " كتب أستاذ جامعي ، معلقا على مشهد أبناء قطاع غزة أمام مركز توزيع المساعدات .
الكتابة لا تغني عن أشرطة الفيديو التي تقول لنا أكثر وعليها اتكأت .
غزة حزينة ونابلس حزينة والطرقات في الضفة حزينة ونفسياتنا حزينة . صارت أحزاننا صحراوية مثل أحزان الكاتب الأردني المنتحر - بسبب هزيمة حزيران ١٩٦٧ - تيسير سبول وأكثر بآلاف المرات.
كما لو أننا في السادس من حزيران ١٩٦٧ !
خربشات ١١ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 615 : تجار العملة

أمس شاهدت شريط فيديو يظهر تعامل بعض أفراد قطاع غزة بإقراض المال لمن يريد .
يقف الرجل في الشارع وبيده مبالغ مالية وينادي :
- خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق .
يسأله رجل :
بدنا سيولة . بكم العمولة ؟
فيجيبه :
- ٤٠ بالمية
- ٤٠ يشيلوك بجهنم يحطوك روح انقلع .
- ٤٠ بالمية . هذا حقي الشرعي الطبيعي
فيقول آخر :
-أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار
- لا ! وح نلاحقك عليه بس اصبر شوية .
يأتي رجل آخر ويسأله :
- قديش العمولة .
- ٤٠ بالمية !
- ٤٠ بالمية ان شاء الله بسرقوك الحرامية يا بعيد ويسرق منه المال ويلحقه .
ويبدو أن الشريط الذي شاهدته كان مشهدا مسرحيا كوميديا يحاكي الواقع ؟
كان أشار إلى النسبة غير مواطن غزاوي .
ما زالت أزمة الطحين لافتة ، وأمس ارتقى قرابة مائة مواطن ، وآخر الأخبار أن جماعة سهم التابعة لحركة حماس أعدمت ليلا في خان يونس قرب بيت المرحوم يحيى السسنوار عشرة من جماعة ياسر أبو الشباب التي تقف وراءها الحكومة الإسرائيلية .
حالة تعبانة جدا يا ليلى !
خربشات ١٢ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 616 : هل صارت غزة نسيا منسيا ؟

وسائل التواصل الاجتماعي كلها ، منذ فجر اليوم ، منشغل نشطاؤها بالهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران ، وقلما ورد ذكر لما يجري في غزة ، علما بأن موقع رام الله الإخباري نشر ، قبل قليل ، أن هناك غارات عنيفة على شمال القطاع ، بخاصة جباليا .
الذهول والذهول فقط هو ما أصابني شخصيا ، علما بأنني أتابع ، بملل وضجر عجيبين ، المنشورات ، بحثا عن خبر معاكس . كأن ما ألم بحزب الله وبالدولة السورية تكرر اليوم في إيران ، وكأننا نعيش أجواء حرب الأيام الستة - حزيران ١٩٦٧ . لقد تحطمت الطائرات عند الفجر وحسمت المعركة في ست ساعات لتنتهي المعارك البرية في ستة أيام وتعرف تلك الحرب بحرب الأيام الست / ة .
في العام ٢٠١٦ كتبت " حزيران الذي لا ينتهي " ، وعندما اجتاحت القوات الإسرائيلية في ١١ / ٦ / ٢٠٢٥ مدينة نابلس ربطت بين حزيران وحزيران وأكتوبر وأكتوبر . هل كنت متسرعا ؟ فحزيران الذي تكرر هو ما وقع في الثالث عشر منه ، لا في الحادي عشر . ( كم أبدو بائسا ، فأنا من مواليد الثالث عشر من حزيران ! ) .
في تموز العام ١٩٨١ قصفت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووي العراقي - تموز ، فسخر مواطن فلسطيني : أين الدفاعات الجوية التي تحمي المفاعل ؟ ومما قاله إنه يمتلك عنزتين ويحرسهما جيدا . اليوم حفلت تعليقات الناشطين بعبارات مشابهة : أين الدفاعات الجوية الإيرانية ؟
غزة تجوع ويموت سكانها من قلة الطحين ، وإن سعوا لإحضاره قنصهم القناصون الإسرائيليون ، وأمس ارتقى ما يقارب المائة مواطن غزاوي .
هل سترد إيران ردا مزلزلا ؟
لست أدري !
كما لو أنني أعيش اليوم السابع من حزيران ١٩٦٧ ، علما بأن ما تلا اليوم السادس استمر واحدا وخمسين عاما وأكثر .
" طول عمرك يا زبيبة في طيزك هالعودة " يقول مثلنا الشعبي .
خربشات ١٣ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 617 : أهل غزة والصواريخ الإيرانية :

تابع أهل قطاع غزة الصواريخ الإيرانية تمر فوق سمائهم ، فاختلفت ردود أفعالهم ؛ تمنى قسم منهم أن يذوق الآخر بعض ما ذاقوا ، ورغب قسم ثان في أن تنتهي الحرب ، وابتهج قسم ثالث ، فيما واصل كثيرون البحث عن كيس طحين فتابعوا ، منذ فجر اليوم ، رحلتهم نحو مركز توزيع المساعدات في رفح ، وتواصلت المجازر .
أورد موقع Ramallah News - رام الله الإخباري عن مراسلين في الميدان الخبر الآتي :
توجه عدد من المواطنين إلى نقطة توزبع المساعدات ، وعند وصولهم فتحت الآليات العسكرية الإسرائيلية النار عليهم بشكل جنوني ، كما أطلقت طائرات " الكواد كابتر " النار باتجاههم ، ما أدى إلى استشهاد عدد كبير منهم في المكان ، ولم يتم انتشال جثامينهم حتى اللحظة " .
ارتقى حتى الظهيرة ٢٧ غزاويا / فلسطينيا ، بينهم ١١ ممن كانوا ينتظرون الحصول على كيس طحين .
هل وصلت قافة الصمود العربية المنطلقة من المغرب إلى رفح ؟
نشر موقع Dooz دوز شريط فيديو وكتب :
" " مواطنون " مصريون يعتدون بالشباشب على نشطاء " قافلة الصمود " في مصر خلال توجههم إلى معبر رفح لكسر الحصار " .
ولك أن تقرأ التعليقات في صفحة الموقع لتعرف ردود المشاهد العربي .
ما زالت الأنظار تتجه إلى غارات الطائرات الإسرائيلية على إيران وتنتظر رد فعل إيران على غارات اليوم - أي ألفي صاروخ ، وما زال المتابعون يتابعون أخبار إسقاط المسيرات في المجال الجوي لدول الجوار .
نابلس مغلقة بواباتها ، وبعض المسافرين انتظروا خمسا وعشرين ساعة على حاجز بيت فوريك ، وما زالوا ينتظرون .

حالة تعبانة يا ليلى
خربشات ١٤ / ٦ / ٢٠٢٥ .

***

- غزة 617 : أهي أيامنا الأخيرة على هذه الأرض ؟

هل ستلجا إسرائيل إلى ارتكاب حماقة تتمثل في محو طهران بقنبلة نووية ؟
عندما قرأت في صفحة الإعلامي باسم النادي تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ( كاتس ) أن الدولة العبرية ستحرق طهران عقبت :
- يعني ضربها بقنبلة نووية !
للتو قرأت في صفحة مصباح شاهين أن باكستان أبلغت أمريكا أن لجوء إسرائيل إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران سيقابله استخدامها سلاحها النووي ضد إسرائيل .
مرة قال رئيس وزراء إسرائيلي إنه لو كانت إسرائيل قائمة إبان الحرب العالمية الثانية وكانت تملك سلاحا نوويا لاستخدمته ضد ألمانيا التي ارتكبت بحق الشعب اليهودي المذابح .
في فصيدة " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " مقطع عنوانه " في المساء الأخير على هذه الأرض " ومنه :
" في المساء الأخير على هذه الأرض نقطع أيامنا
عن شجيراتنا ، ونعد الضلوع التي سوف نحملها معا
والضلوع التي سوف نتركها ههنا .. في المساء الأخير
لا نودع شيئا ، ولا نجد الوقت كي ننتهي
كل شيء يظل على حاله ، فالمكان يبدل أحلامنا
ويبدل زواره ، فجأة لم نعد قادرين على السخرية
فالمكان معد لكي يستضيف الهباء ، هنا في المساء الأخير
نتملى الجبال المحيطة بالغيم : فتح ... وفتح مضاد
وزمان قديم يسلم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا
فادخلوا أيها الفاتحون ، منازلنا واشربوا خمرنا
من موشحنا السهل ...
وسنسأل أنفسنا في النهاية : هل كانت الأندلس
ههنا أم هناك ؟ على الأرض أم في القصيدة ؟"
هل سيفعلها رئيس الوزراء الإسرائيلي ويستخدم السلاح النووي ؟
صار استخدام السلاح النووي ، لأهل قطاع غزة ، المعذبين من عشرين شهرا ، صار أمنية ، للخلاص مرة واحدة من جحيم النزوح والخيمة والجوع !
النت في غزة مقطوع لليوم الخامس على التوالي ، والضفة الغربية صارت معازل منفصلة عن بعضها .
خربشات ١٤ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 618 : الجوع الكافر مرة رابعة وخامسة :

ارتقى منذ فجر اليوم ستة وعشرون مواطنا غزاويا أكثرهم كان يبحث عن الرغيف حتى لو سرقة . منهم من نجح ومنهم لم ينجح فعاد خائبا ، ومن أغرب ما قرأت ما ورد في صفحة شاب غزاوي ضد الحرب منذ بدايتها ، وحين يكتب يكتب تحت درجة الصفر ويستخدم كلمات ما أنزل الله بها من سلطان . يشتم ويشتم ويشتم . من الزنار وتحت ، ولا يختلف عنه بعض من يعلقون على منشوراته . اليوم قرأت له منشورا مهذبا مؤدبا حكى فيه أنه بعد سرقة الطحين كزدر وقرر شراء كيلوين ثلاثة ، على أساس أن سعر الكيلو بأربعين شيكلا تقريبا ، وحين سأل أجابه التجار من بائعي الطحين المسروق بأن السعر تسعة وأربعون شيكلا ووصل إلى ثلاثة وخمسين . ليس هذا هو المهم في منشوره .
عندما كان كاتب المنشور يتمشى اقتربت منه امرأة زوجها في الأسر . كانت المرأة تطعم أطفالها من التكايا ، وأحيانا كانت تطلب المساعدة ، فيراودها المسؤولون عن نفسها ولا تستجيب . لم تطلب من صاحب المنشور سوى كيلوين من الطحين . ولقد ترك كلامها أثرا في نفسه ، والحمدلله أن منشوره كان مهذبا جدا ، بخلاف منشوراته الأخرى ، وأنا أقرأ في التعليقات قرأت تعليق ام ايمن الصوص وهي نشطة تكتب مشاهداتها باستمرار ، ولاحظت أنها أبدت بالمنشور إعجابها ، فتشجعت وكتبت .
الشاب أحمد ابو العنين لم يقل في شريط فيديو شيئا ينفي . ذهب أحمد ليحصل على كيس طحين فلم يوفق في السرقة ، فعاد ليشاهد مباراة رياضية وعتب على من يلومه حين ينشد مساعدة من خارج قطاع غزة .
هل تتذكرون ما كتبه محمود درويش في قصيدته " نخاف على حلم " من ديوانه " ورد أقل " ١٩٨٤ :
" نخاف على حلم ، لا تصدق كثيرا فراشاتنا
وصدق قرابيننا إن أردت ، وبوصلة الخيل صدق ، وحاجتنا للشمال
رفعنا إليك مناقير أرواحنا ، أعطنا حبة القمح يا حلمنا
.....
....
نخاف عليك ومنك نخاف . اتضحنا معا . لا تصدق إذن صبر زوجاتنا
سينسجن ثوبين ، ثم يبعن عظام الحبيب ليبتعن كأس الحليب لأطفالنا
نخاف على الحلم منه ومنا . ونحلم يا حلمنا . لا تصدق كثيرا فراشاتنا " .
وكنت كتبت مطولا عن دال الفراشة في شعر الشاعر وربطت بينه وبين الزوجة .

خربشات ١٥ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 619 : وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
( محمود درويش )

في آخر ما كتبه الناشط عبد الكريم عاشور عن الأحوال في غزة أن جارا له سرق مائة شوال طحين . في الليل جاءه مسلحون وتقاسموا معه الكمية . أخذوا خمسين شوالا وغادروا . Abed Alkarim Ashour
إن كان السارق تاجرا فسوف يضاعف سعر الكيلو ليحصل على ثمن مائة كيس ، وهكذا يعوض خسارته .
غزة الآن غارقة بجوعها وموتها اليومي . أطفال بلا آباء وزوجات بلا أزواج ومشوهو حرب بلا علاج ومشاف بلا مواد طبية وحدث ولا حرج ، وأمام الحرب بين إسرائيل وإيران انشغل أهل فلسطين ، خارج قطاع غزة ، بالصواربخ الإيرانية تتساقط على مدن الدولة الإسرائيلية وعلى بعض القرى والمدن في الجليل والضفة الغربية ، وعندما سقط أحدها على الخليل قال مواطن خليلي :
- احنا الخليل مش الجليل . كنه الصاروخ مبرمج خطأ .
وفي الجليل سقط صاروخ على قرية طمرة العربية فقتل أسرة بكاملها .
صباح هذا اليوم صحا أهل مدينة نابلس على بقايا صاروخ في شارع حلاوة ولم تكن هناك إصابات ، أما في قرية كفر الديك غرب نابلس فقد اخترق أحد صواربخ الاعتراض الإسرائيلية سطح منزل وأحدث فيه ثقبا .
آخر أخبار هذا الصباح أن الصواريخ التي قصفت بها إيران مدينة حيفا أسفرت عن مقتل ستة عشر مواطنا بينهم أربع نساء عربيات .
أنا الذي صحا مبكرا على صوت انفجارات تابعت الأخبار وكررت سطر محمود درويش في قصيدته " عابرون في كلام عابر " :
" وعلينا ما عليكم من سماء وهواء " .
خاطبنا رئيس الوزراء الإسرائيلي في بداية الحرب ، طالبين منه أن يكون ( ميخائيل غورباتشوف ) القرن الحادي والعشرين ، فيتخلى عن مشروع الدولة اليهودية ويتبنى مشروع الدولة المدنية لكل مواطنيها ، فلم يصغ إلينا ، والآن أتذكر مظفر النواب :
- ولكن متى كان فرعون يصغي ؟!
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ١٦ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 620 : جدل أدبي في ظل المقتلة

الأنظار كلها تتجه نحو السماء ، لدرجة أنها أنست الناس ما يجري على أرض غزة .
- هل تراجعت إيران ؟
- هل تكرر معها سيناريو حزب الله وسوريا ؟
وقبل الفجر تساءل كثيرون ، بخاصة بعد أن طالب ( دونالد ترامب ) ، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، سكان مدينة طهران إخلاءها
- لماذا لم تطلق إيران صواريخها في هذه الليلة ؟
ثم جاء الصباح وانطلقت الصواريخ .
منذ فجر اليوم ارتقى ما يقارب الستين مواطنا غزاويا . كانوا في طريقهم إلى مركز توزيع المساعدات في رفح فانهمر الرصاص عليهم . صار البحث عن كيس طحين ملازما للموت . صار البحث عن كيس طحين عادة يومية لا شهرية ، وصار الموت عادة يومية . يحصد الآباء والأمهات والأخوة والأخوات لا يميز بين كبير أو صغير ، وفي الليل ؛ ليلة أمس تحديدا ، نزل الصاروخ على خيام النازحين ، فاحترقت بمن فيها وبما فيها أيضا ، واحترق الطحين .
منذ الصباح وأنا أتابع الجديد في غزة وفي طهران وفلسطين أيضا ، ومنذ عصر أمس ، كلما مررت بمحطة محروقات ، أمعن النظر فيها وحولها واتساءل إن كنا سنقف لاحقا على طوابير الماء والخبز والحمامات العامة ، وإن كنا سنقصف في الخيام .
هل ثناني ذلك عن متابعة الجدل الذي أثاره رد الكاتب محمود شقير على الناقد فراس حاج محمد ؟
في العام ٢٠٠٣ كتبت مجموعة قصصية جعلت عنوانها " فسحة لدعابة ما " - دعابة في وقت الحصار - وفي بداية المقتلة ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ كتبت منشورا عنوانه " جدل أدبي في ظل الحرب " !
كل ما نكتبه لا يعادل نقطة دم تراق ، وغالبا ما أسخر من نفسي :
- لماذا أتجادل مع الآخرين والدم يراق ؟
سامحونا !
حالة تعبانة يا ليلى
خربشات ٢٠ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 621 : الله لا يصبحنا بخير

هل يلام الغزيون/ الغزاويون حين يشتموننا ، نحن المشتبكين الهوائيين ، لأننا لم ندن ، حتى اللحظة ، ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وندين الاحتلال الإسرائيلي ونعود إلى جذر المشكلة ١٩٤٨ ، بل و ١٨٧٨ تاريخ إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين ؟
بالتأكيد لا يلام من يده في النار ، وربما لو كنا هناك في غزة لكفرنا .
تردد الصديق أكرم مسلم في نشر مقالي " هواجس من وحي ما يجري في غزة : أنظر للناس يا الله !" لأنني أتيت فيه على نماذج فلسطينية ؛ في الأدب والواقع ، خاطبت الذات الإلهية وتساءلت عن سبب صمتها إزاء ما يجري . ولعل رئيس التحرير ، بعد عودته من سفره ، يوافق على نشره .
لا يلام الغزيون حين يشتمون المشتبكين الهوائيين . وقد قرأت شتيمتنا في تعليقين على منشور كتبه الصديق شجاع الصفدي هذا اليوم " أيها المشتبكون الهوائيون " ، وعقبت : تمام . ولكن ماذا فعل أهلنا في العام ١٩٤٨ حين طردوا من بلادهم ؟
حتى القرى التي لم يشارك أهلها في هجمات على المستعمرات اليهودية ، فسالموا من فيها وأقاموا معهم علاقات ، تم طردهم .
كان قائد القوات اليهودية المهاجمة قبل أن يتخذ قرارا بشأن القرى المسالمة يتصل بقيادته يسألها :
ماذا نفعل بسكانها ؟
فتأتيه الإجابة :
- اطردوهم !
هل اختلف الأمر في حيفا ؟
عندما اتصل قائد العصابات التي احتلت حيفا ب ( بن غوريون ) سأله الأخير :
- هل بقي عرب في المدينة ؟
فأجابه :
- بضعة آلاف .
- اطردوهم .
- ولكننا إن طردناهم لا يبقى من يخبز وينظف الشوارع ويجمع القمامة . ( ورد هذا في كتاب ايلان بابيه " التطهير العرقي " ) .
كتابات أبناء قطاع غزة في هذا الصباح تتشابه ، فتحكي قصصا عن الموت والطحين والفقدان ، وكذلك أشرطة الفيديو . انظروا ما كتبه Abed Alkarim Ashour " يحدث في غزة : أنا وبائع البسكويت " وما كتبه الكاتب محمد نصار " الطحين الأسود ق .. ق .. " وغيرهما .
في العام ١٩٥٥ كتب غسان كنفاني قصته الشهيرة " القميص المسروق " وأتى فيها على افتعال أزمة الطحين وتوزيعه وسرقته ، وبعده كتبت سميرة عزام قصتها " لأنه يحبهم " ، وبعدها كتب ماجد أبو شرار قصص مجموعته " الخبز المر " و " طول عمرك يا زبيبة في طيزك هالعودة " .
حالة تعبانة يا زبيبة !
خربشات ١٨ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 622 : " اللي استحوا ماتوا "

عندنا مثل يقول " اللي استحوا ماتوا " .
تذكرت المثل عندما قرأت في صفحة مؤمن مقداد ما نقله عن وزير الرياضة الإسرائيلي ( ميكي زوهر ) :
" فقط أحقر من على وجه الأرض يطلق الصواريخ على من يرقدون في أسررتهم في المستشفيات - ليعلم العالم كله أن النظام الإرهابي والوحش الإيراني يجب اقتلاعه ، من أجل أمن إسرائيل والعالم الحر بأسره " .
العالم الحر . قال . اقرأوا هذا الحكي ، وسبقه أمس المستشار الألماني الذي لم يخجل بوصف ما تقوم به إسرائيل بأنه عمل قذر تنجزه نيابة عن الغرب كله .
عندما أصغيت أمس إلى المستشار قلت : من خلف ما مات ، علما بأن الفوهرر الألماني بين ١٩٣٣ و ١٩٤٥ لم يخلف ، رغم إشاعات عن أن المستشارة السابقة ( انجليكا ميركل ) هي ابنة غير شرعية له .
هل المستشار الحالي هو ( يواخيم - فريدريش مارتن يوزيف ميرتس ) ؟
بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ لم تدمر القوات الإسرائيلية أي مشفى في غزة . لقد حرصت على سلامتها وسلامة كوادرها وأمنت كل ما تحتاج إليه من مواد طبية ووقود تحتاج إليها ، وحرصت على تقديم كل ما ينقصها من مواد غدائية ووفرت لها المياه المعدنية ، بل واستقبلت في مشافيها الحالات الحرجة ، ولم تمانع في أن ترسل أطباء للمساهمة في إنقاذ ما استعصى من حالات .
فعلا " اللي استحوا ماتوا " .
خربشات ١٩ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 623 : الغرب الكافر

ربما يفتقد المرء في هذه المقتلة كاتبا ألمانيا شجاعا مثل ( غونتر غراس ) ليبدي رأيه في تصريحات ( Friedrich Merz ) مستشاره الألماني الحالي التي عبر فيها عن موقفه مما قامت به إسرائيل في حربها مع إيران !
قبل سنوات كتب ( غراس ) قصيدته الشهيرة " ما يجب أن يقال " وأتى فيها على موقف الغرب من امتلاك إيران السلاح النووي . لقد رأى ( غراس ) في موقف الغرب ما يدل على ازدواجية معايير يتعامل بها ؛ ففي الوقت الذي يعارض فيه امتلاك إيران هذا السلاح غض نظره عن امتلاك إسرائيل له ، بل و ساعده على امتلاكه .
ولأن ( غراس ) لم يتبق له من العمر الكثير ، ولأنه اتسم بالشجاعة الأدبية ، فقد عبر عن رأيه بصراحة جلبت له المشاكل . هاجمته إسرائيل ومنعته من دخولها ، بل وبحثت في ماضيه لتذكره به " النازية " .
في السادسة عشرة من عمره ، مثل شباب ألمانيا كلها في الحرب العالمية الثانية ، التحق بالجيش الألماني ، ولم يكن له حول ولا طول . مثله مثل أبرز كتاب ألمانيا المجايلين له ( هاينريش بول ) و ( فولفجانج بورخرت ) .
ماذا كتب ( غراس ) في قصيدته ، علما بأنه كان متعاطفا مع إسرائيل وزارها مرارا :
" لماذا أقول الآن ، وأنا كهل ، وما يقطر من حبري هو الأخير ... إن قوة إسرائيل الذرية تخيف السلام العالمي الواهي .....
ولأعترف .. لن أصمت ثانية ، لأنني ضقت ذرعا بنفاق هذا الغرب الذي آمل أن يحرر نفسه من الصمت ، بالطلب من مسبب الخطر المعروف بالتنازل عن القوة ، وبلا عوائق ، للقوة النووية الإسرائيلية والإيرانية من خلال جهة اختصاص عالمية يسمح بها حكام بلاد الدولتين .
هذا هو الكل ... أن يساعد الإسرائيليون والفلسطينيون . وأكثر ، البشر كلهم الذين يعيشون بكثافة جنبا إلى جنب في مناطق محتلة بالوهم ، وفي النهاية نحن " .
في صفحة ابن غزة محمد الذهبي نقرأ :
" فجرا .. مقتل 25 مواطنا في أثناء انتظارهم المساعدات .
يا ناس ما حدا يروح عالمساعدات ، كل يوم عشرات الضحايا . ارحموا أنفسكم من هذا المصير وأهاليكم من لوعة الفقد .
ويدرج صورة القتلى / الشهداء .
٢٠ / ٦ / ٢٠٢٥ .
وفي صفحة بسمة جلال . متابعة بسمة جلال إدراج لصورة الطفل كنان محمد المصري الذي رزق به والداه بعد انتظار دام 15 عاما ، وارتقى اليوم في قصف على غزة .
خربشات ٢٠ / ٦ / ٢٠٢٥

**

- غزة 624 : شر البلية

في غزة تكثر البلايا ؛ بلايا الموت والجوع والمرض وعدم العلاج ، وفي غزة يرتقي كل يوم ما يقارب المائة مواطن عدا الجرحى .
وآخر شريط شاهدته وأدرجته يتحدث فيه رب أسرة يقيم في خيمة ، يقول إنه لم يأكل الخبز منذ خمسة وعشرين يوما ومثله أفراد عائلته . وعندما سأله معد الشريط عن طعامه أجاب بأنهم يتناولون وجبة واحدة في النهار في الساعة الواحدة ظهرا ، بعد أن يحضروها من التكية .
عندما اخترت عنوانا لمنشور أدرجت فيه الشريط كتبت " زمن التكايا " ، وتذكرت عصر المجاعات في زمن المماليك ، ففيه كثرت الزوايا والتكايا وتصوف المعدمون الجائعون ، لا تدينا عن قناعة ، وإنما ليسدوا رمقهم بوجبة طعام .
في غزة تكثر البلايا وفي العالم العربي بلايا من نوع آخر ، تصدر أحيانا عن نواب برلمان وأحيانا أخرى عن مواطنين في ريف هذا البلد العربي أو ذاك ؛ بلايا تقول لنا إننا ما زلنا نعاني من جهل فظيع.
تداول نشيطون فيسبوكيون شريطا مسجلا لمواطن من إحدى قرى الكرك يطالب فيه بالالتفات إلى قريته التي تخلو من وسائل إنذار تنبه المواطنين ، حال بدأت الصواريخ والمسيرات الإيرانية بالانطلاق ، خلافا لما هو الحال في عمان واربد ومدن أخرى . المواطن ، خلافا لمواطني المدن المذكورة ، حرم من الصعود إلى السطح ليرى الصواريخ ويستمتع بمشاهدتها . هل اقتصر التدني بالوعي على المواطن ؟
النشيطون تداولوا أيضا شريط فيديو لنائب برلماني يحذر إسرائيل من المساس ببلده ، لأنها إن أقدمت فسوف تواجه بمقاومة تردعها ، فالمواطنون سيقاومون ولو بحفارات الكوسا .
آمل ألا تكون الأشرطة المتداولة حقيقية ، وأتمنى أن تكون مفبركة . هل سمعت كلاما مشابها في حزيران ١٩٦٧ ؟
حالة تعبانة يا زبيبة !
خربشات ٢١ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 625 : أسعار سلع فلكية

في " صفحة المحافظة الوسطى . متابعة " كتابة عن بضائع جديدة تعرض في سوق دير البلح بأسعار فلكية هي على النحو الآتي :
" علبة مختوم ٣٥٠ غرام ب ١٠٠ شيكل .
وقية قهوة بن زحيمان ب ٣٠٠ شيكل والكيلو ١٢٠٠ .
حبة السنيكرز ب ٤٥ شيكل.
حبة البونتي ب ٤٥ شيكل
علبة بسكويت نمبر وان ب ٢٣ شيكل
بكيت بسكويت اوديو ٢٥ شيكل
وقية المشمش المجفف ب ١٠٠ شيكل والكيلو ٤٠٠ شيكل
وغيرها من البضائع والأسعار الجنونية .
يعقب مدرج المنشور بالعبارة الآتية :
" ان شاء الله سم ودم في قلوب التجار " .
وقية البن نفسه في الضفة لا تتجاوز ال ١٨ شيكلا ، وحبة السنيكرز بخمسة شواكل ومثلها البونتي أما المشمش المجفف فتتراوح أسعاره من ٤٠ شيكلا إلى ٦٠ شيكلا للكيلو- يعني الوقية من عشرة شواكل إلى خمسة عشر شيكلا .
وعليه قس .
لا جديد في نابلس . الشوارع تخلو من المارة والكساد في الأسواق مرئي وملاحظ ومحطات بيع المحروقات تعج بالسيارات .
ان سرت في الشوارع تلحظ الباعة أمام محلاتهم ينظرون في هواتفهم ، ليتابعوا آخر الأخبار ، بخاصة بعد تدخل أمريكا في الحرب وتدميرها المنشآت النووية الإيرانية ورد إيران بقصف المدن الإسرائيلية من حيفا إلى تل أبيب . الاجتهادات والتحليلات كثيرة وحين أسأل عن رأيي استحضر شعر الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي " لست أدري " والقول المعروف " من قال لا أدري فقد أفتى".
حقيقة أنا لا أعرف شيئا وكما كتبت من قبل : لا أدري إلى أين نحن ذاهبون ، وأكرر سطر محمود درويش في " جدارية " :
- لست أنا النبي لأدعي وحيا
وأعلن أن هاويتي صعود .
حالة تعبانة يا زبيبة !
خربشات ٢٢ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 626 : أي جبن هذا ؟

أدرجت للتو على جدار صفحتي شريط فيديو للمتحدث الإسرائيلي باللغة العربية ( أفيخاي درعي ) وهو يتجول في حي من أحياء تل أبيب دمرته الصواريخ الإيرانية .
يتساءل ( أفيخاي ) :
- أي جبن هذا الذي يرتكبه الإيرانيون ؟
إنهم - أي الإيرانيين - يقصفون الأحياء المدنية . يقصفون المدارس والمستشفيات ويقتلون المدنيين . قصف حقير بلا شرف . بلا أخلاق . بلا رجولة .
الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وهي إسرائيل ، قصفت المدن والمخيمات والمشافي والمدارس في قطاع غزة بالورود والأزهار والرياحين و وأسقطت على أهلها ومن فيها الحلويات والفواكه المجففة والتمور ، ومن يقارن منظر الحي التل أبيبي بمدن ومخيمات قطاع غزة يرى الفارق بين السلوك الهمجي الإيراني والسلوك الحضاري الإسرائيلي .
الشرق لا يعرف سوى التدمير وتحويل الجنة إلى صحراء ، بخلاف الغرب الذي يحتل ليعمر ويحول الصحراء إلى جنة ، ولهذا اختار لنفسه كلمة " استعمار " .
عندنا مثل يقول " أسمع كلامك أصدقك أشوف فعايلك أتعجب " .
منذ بداية طوفان الأقصى دمرت إسرائيل ما يقارب ال ٨٠ بالمائة من المباني السكنية والمشافي والمدارس في قطاع غزة وشردت مليوني مواطن أقاموا ، حتى اللحظة ، في الخيام .
هل يرى ( أفيخاي ) ما يلم بأهل قطاع غزة يوميا وهم ذاهبون إلى مركز توزيع المساعدات للحصول على الطحين وبعض المعلبات ؟
يوميا يقتل العشرات ويجرح المئات و ... .
عاشت دولة إسرائيل دولة ديموقراطية وحيدة في هذا الشرق البائس !
وماذا سنكتب بعد ؟
صار الحنين إلى الماضي البسيط الفقير هاديء البال نوعا ما يظهر في بعض أشرطة فيديو يدرجها الغزيون . اليوم مثلا أدرج أحدهم صورة لصحني فول وحمص وبعض أقراص فلافل وعدة أرغفة وشرائح خيار وبندورة وكتب :
- من يصدق أن هذا كان بعشرة شواكل فقط ؟
النازحون في الخيام يشوون فيها ، وأب يودع اليوم أبناءه الثلاثة معا . ذهبوا ليتفقدوا بيتهم في بيت لاهيا ، فاصطاد الرجل الأبيض الهنود الحمر .
حالة تعبانة يا زبيبة !
خربشات ٢٣ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 627 : اكتشاف متأخر

توقفت اليوم حرب الاثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل . بعد أن ضربت الولايات المتحدة الأمريكية مفاعلا مهما في إيران ردت إيران الضربة بمثلها فقصفت قاعدة العيديد الأمريكية في قطر ، وفجأة أعلن الرئيس الأمريكي انتهاء الحرب وموافقة إيران وإسرائيل على ذلك .
الحرب التي توقفت بعد اثني عشر يوما لم توقف الحرب في قطاع غزة ، فمنذ فجر اليوم قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب التسعين مواطنا غزاويا في أثناء اقترابهم من مركز توزيع المساعدات ، للحصول على الطحين وبعض المعلبات الغذائية ، وفي المقابل فقد وقع حدث أمني صعب ، بالقرب من خان يونس ، أسفر عن ثلاثة جنود قتلى وسبعة جنود جرحى ، وهناك منصات إسرائيلية تابعة للمستوطنين تعلن أن الأعداد أكثر من ذلك .
انتهت الحرب على الجبهات إلا جبهة غزة التي ما زالت الأمهات فيها يودعن الأبناء . اليوم شاهدت شريط فيديو لجنازة شاب تسير أمه فيها وتشارك في حمل النعش . كانت المرأة ترى ابنها عريسا تزفه شهيدا . تودعه وتطلب له الرحمة والمغفرة .
واليوم شاهدت شريط فيديو لأب من بيت لاهيا يودع أبناءه الثلاثة معا . ذهبوا ليتفقدوا بيتهم فحصدتهم الطائرات المسيرة .
هل يجب أن أبدي رأيا في حرب الاثني عشر يوما ؟
كثيرا ما يسألني من ألتقي فيهم عن وجهة نظري ، وأنا أجيب :
- لست محللا سياسيا ، عدا أن المعلومات تنقصني ، ومن يرد أن يبدي وجهة نظر فيجب أن يمتلك معلومات يعتمد عليها .
السائق يبدي رأيه ويرى أن ما جرى هو فيلم هندي متقن الإخراج ، والبائع يرى أن الجميع تخلى عن غزة ، وما زال قسم ينتظر مفاجأة من حزب الله ، وأما المحلل السياسي الدكتور عبد المجيد سويلم فقد كتب فقرة موجزة عزا سبب توقف الحرب الفجائي إلى أن أمريكا تعتقد أن إيران تمتلك قنبلة ذرية ، ولذا أعلن الرئيس ( دونالد ترامب ) وقف الحرب تحسبا لامتداداتها . ألهذا خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) :
- أعد الطائرات إلى بلادك ؟! .
والطائرات هي التي كانت في طريقها لقصف طهران .
الكل يحلل : السائق والبائع ومن يعيش على الأمل والمحلل السياسي ، وأما أنا فقد اكتشفت أنني لا أعرف شيئا .
منذ بدء الحرب وأنا في حيص بيص ، وأنا حائر ومثلنا يقول " اللي بدك تحيروا خيروا " .
هل انتهت الحرب ؟ هل سيتصافح القادة الأعداء ؟ وكم أم ستنتظر ابنها ؟ كم فتاة ستنتظر خطيبها ؟ كم طفل يفتقد أباه ؟ كم أب ودع أبناءه ؟
حلها يا أيها الروائي عاطف ابوسيف !
خربشات ٢٤ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 628 : ونأكل التراب إن جعنا

ما زالت رحلة البحث عن كيس طحين في غزة قائمة ، وما زال الغزازوة يدفعون أرواحهم ثمنا ، حيث يواصل الإسرائيليون حصد أرواحهم ، فلم يختلف اليوم عن الأيام السابقة .
يذكرك حديث الشاب الغزاوي وسلوكه ، في شريط الفيديو الذي بثته قناة الجزيرة ، بالشاعر الجاهلي الصعلوك الشنفرى الأزدي صاحب المطولة التي عرفت بلامية العرب ومطلعها :
" أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل "
يذكرك به وببيته :
" وأستف ترب الأرض كي لا يرى له علي من الطول امرؤ متطول "
وبسطر توفيق زياد في قصيدته " هنا باقون " :
" ونأكل التراب إن جعنا " .
" وين نروح ؟ " يتساءل الشاب ، وينحني على التراب ويستف قليلا منه .
لو كنت في غزة لمت من وجع الحياة ، فإن أسباب الوفاة هناك كثيرة .
اللعنة علينا وعلى هذا العالم . هل أخطأ غسان كنفاني حين عنون إحدى مجموعات قصصه ب " عالم ليس لنا " ؟
في الصباح كنت أصغي إلى محطة " أجيال " التي تكثر من اقتباس قصيدة محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " وعقبت :
يبدو أننا ، نحن الفلسطينيين ، اكتفينا ، مما يستحق الحياة في فلسطين ، بقصيدة الشاعر وكفانا الله نعمة الحياة .
خربشات ٢٥ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 629 : وحرب غزة حربان ، بل ثلاث

حرب غزة حربان ؛ حرب الاحتلال وحروب اللصوص التجار والمافيا .
في صفحة ام ايمن الصوص قرأت عن سرقة شاحنات الطحين من عصابات " يا فرحة ما تمت ، أخذها الحرامي وطار " ، والخبر نفسه قرأته في صفحة محمد العطار " الحرامية والعصابات عملوا خطة رهيبة " . تركوا أول ٢٥ شاحنة تمر ثم سرقوا ال ٧٥ شاحنة الباقية .
منذ الأشهر الأولى للحرب صارت الحرب في غزة حربين .
أي جرأة رهيبة امتلكها المقاووم في خان يونس أول أمس حين ركض نحو الدبابة وألقى القنببلة بداخلها . لا يفعل في زمننا هذا عربي إلا غزاوي . جول جمال الغزاوي .
الناشط أسامة ابو الجود عقب على الصيغة الأولى قائلا لي إن هناك حربا ثالثة هي حرب الباعوض وسببها القمامة الملقاة في الطرقات والشوارع .
٢٦ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 630 : المطلوب : قنبلة نووية

إزاء ما يجري في غزة بخصوص الحصول على الطعام والطحين أساسا ، حيث يصطاد الجنود الإسرائيليون ، كل صباح ، عشرات المواطنين الفلسطينيين فقد كتب الصديق رزق المزعنن Rezek Muzaanin أمس الآتي :
" أرجو من أصدقائي جميعا أن يغفروا لي قولي هذا ...
" أنا مع بن غفير ، معه حق ، بدناش أكل ولا دخان ولا موبايلات ويا ريت يشفطوا الهواء بس نخلص "
# بدنا قنبلة نووية تمسح قطاع غزة وكل من فيه " .
صار الحصول على الطعام يعادل الحياة ، وفي هذا قال مواطن غزاوي يحمل على كتفه كيس طحين :
" أبيع نفسي ولا أبيع طحيني
فإن جوع أطفالي قطع شراييني " .
الآن جاء دور الضفة الغربية ، فأول أمس أحرق المستوطنون بيوتا في كفر مالك وسنجل وترمسعية ، واليوم صباحا هاجموا المنطقة الشرقية من نابلس ، واقتربت النار من بيت جحا . هل تعرفون قصة جحا وبم كان يجيب حين أخبروه أن " العاطل " في بلده ؟
خربشات ٢٧ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 631 : الأمور جاهزة : فشل المفاوضات

في صفحة أبو أحمد سمور قرأت المنشور الآتي :
" ويتكوف في القاهرة ،
والأمور جاهزة ومبشرة جدا ،
باقي فقط الإعلان عن فشل المفاوضات "
وقرأت التعليقات التي تفصح عن واقع أسود شبه يائس يعبر عنه بروح الفكاهة الساخرة والدعابة .
- لماذا لا تعلنها يا أبو أحمد ؟
- وما الجديد ؟ دائما كانت مبشرة وانتهت دائما أيضا بالفشل .
كانت ليلة أمس في غزة ليلة دموية ، فقد دفن بعض سكان الخيام ، نتيجة القصف الإسرائيلي ، أحياء ، وجرت محاولات إنقاذهم بوسائل بدائية ؛ تحديدا بالأيدي .
ما زالت أكياس الطحين والحصول عليها تشغل بال أهل قطاع غزة ، وأكثر أشرطة الفيديو تري وحشة الطريق ، وكثيرون يتحدثون عن قتلى يوميا وعن سرقات أيضا ، وما لفت نظري هو شريط فيديو واحد فقط يتحدث فيه شاب عن شرائه كيس طحين بمائة شيكل ، وقال إنه حصل عليه بهذا السعر لأن شباب وحدة " سهم " التابعة لحماس يطلقون النار على المستغلين . وأهل غزة أدرى !!
صور الأطفال الذين لم يبق منهم سوى عظامهم لفتت الأنظار . لقد قاربوا على الهلاك جوعا .
هل ستنتهي الحرب في غزة لتبدأ في الضفة ؟
منذ أيام والمستوطنون يعربدون ويحرقون ويهددون . من الخليل مرورا برام الله وقراها وليس انتهاء بنابلس ، ف الأغوار أيضا في خطر ، وسكانها يعانون ، وأما أنا ومن أتجادل معهم ، فغارقون في تحميل مسؤولية ما يجري لطرف ما . كل حسب انتمائه ، وليس لك إلا أن تترحم على الشاعر إبراهيم طوقان الذي قال :
في يدينا بقية من بلاد
فاستريحوا كي لا تطير البقية .
في ١ / ١٠ / ٢٠١٩ تقاعدت من عملي مدرسا جامعيا ، وبدلا من أتجول في هذا العالم وجدتني رهين الشقتين أكتب يوميات الكورونا ويوميات حرب طوفان الأقصى ، ولقد صرت أبرز كاتب يوميات في الأدب الفلسطيني . دقوا ع الخشب . لقد ذهب العمر هباء ، وكله أمام ما يجري في غزة يهون .
خربشات ٢٨ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 632 : هل بدأت رحلة البحث عن المفقودين؟

في صفحة Hekmat Alian Almasri نقرأ المنشور الآتي :
" لم تنته هذه الحرب بعد ، لكنها تركت بصمات حزينة على قلوبنا . ما زالت أختي أم محمد الطيبة في عداد # المفقودين منذ تاريخ ٤ / ٦ حتى هذه اللحظة ورغم محاولتنا المستمرة ومناشدتنا التي لا تنتهي للجهات المعنية والمنظمات الإنسانية والدولية رفض التنسيق الذهاب والبحث عنها في مسقط رأسنا بيت لاهيا .
اللهم ردها إلينا ردا جميلا "
وتدرج السيدة حكمت صورة أختها وهي في ساحة الأقصى ذات يوم .
في الحرب قرأنا القليل من الأخبار عن المفقودين والذين ما زالوا تحت الأنقاض أو الذين انتشلت جثثهم بعد أشهر مثل أبناء د.آلاء القطراوي والشاعر سليم النفار وعائلته .
وفي الحرب قرأنا عن أطفال فقدتهم عائلاتهم ثم شاءت الظروف أن يسترد الطفل أسرته ، ومؤخرا قرأت في صفحة أحمد ابو العنين عن عثوره على طفلة ، وصورها معه وعرض شريط الفيديو .
مع الأيام سنقرأ أكثر وأكثر ، وربما نستعيد سيرة الحرب الأهلية في لبنان وما كتبه الكتاب اللبنانيون في الموضوع . هل تذكرون رواية ربيع جابر " الاعترافات " . اقرأوا ما كتبته عنها وما كتبته عن رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
خربشات ٢٩ / ٦ / ٢٠٢٥

***

- غزة 633 : من يشتري مني العرب بشوال طحين .

الدكتور فايز أبو شمالة الذي تحدث قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ عن سيناريو ٧ أكتوبر .
كل شهاداتنا وأبحاثنا وندواتنا ومؤتمراتنا لا تساوي " شوال طحين " .
مرة ذهب خريج جامعي متخصص في الأدب العربي ، بعد أن لم يحصل على وظيفة مدرس ، إلى سوق الخضار يبحث عن عمل ، وسأل تاجرا عن إمكانية العمل .
سأله التاجر :
- شو تخصصك ؟
فأجابه :
- أدب عربي .
فعلق التاجر :
- لا يلزمنا المتنبي . سوقه عندنا لا يمشي .
قبل فترة كتبت عن قصيدتي الشاعر اليمني فتحي مسعود والشاعر الأردني فايز أبو جيش " سنبيعكم " و " من يشتري مني العرب ؟" .
الدكتور فايز أبو شمالة يعرض الشهادات والأوسمة التي حصل عليها من العالمين ؛ العربي والإسلامي ، ب " شوال طحين " .
لسان كثيرين في غزة :
من يشتري منا العالم كله بخيمة أو بشوال طحين !
خربشات ٣٠ / ٦ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة
  • Like
التفاعلات: ظافر الجبيري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى