استيقظ الناس في مصر ذات صباح على خبر صادم مزلزل ، خبر سرقة أكثر من ربع مليار جنيه ، بين ذهب وعملات أجنبية ومصرية من منزل السيدة نوال الدجوي ، رئيسة مجلس أمناء جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب والمالكة لها .
الجدير بالذكر هنا أن شعور الناس بالكارثية ليس أساسه التعاطف مع المجني عليها ومؤازرتها فيما تعرضت له ، لكن التعاطف مع أنفسهم والبكاء على أحوالهم المادية المتردية ، فجاء استشعارهم الكارثة والمأساة من تعرفهم حجم المسروقات الذي فاق ما هو خيالي وخرافي . وتزايد هذا الشعورعند تصورٍ خاطف يقارن مستوى معيشتهم بمستوى معيشة السيدة نوال الدجوي مع كل هذه الأموال ، وتأمل الواحد منهم حاله البائس وهو يغالب الشهر ويصارع الأيام حتى يكفي بيته وأولاده بأقل القليل من الاحتياجات الضرورية . ولقد أثيرت ضجة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ، وتباينت فيها ردود الأفعال ، التي جاء أكثرها يتساءل ضمنيًا : ماذا لو أني أمتلك هذه الثروة ؟ ماذا لو أني أمتلك منها ولو مائة ألف ؟ ويتساءل صراحةً أيضًا عن مصدر هذه الأموال الطائلة التي بحوزة فرد واحد . حتى أسلمتهم هذه التساؤلات الغارقة في الصدمة إلى الحكم بأن هذه الأموال جاءت بطرق غير مشروعة ، ومن ثم إلى تخطي الشعور المنطقي في مثل هذه الحالة من التعاطف مع المجني عليه إلى التعاطف مع اللص ، وتهنئته بما فاز به من أموال يرون أنها هي نفسها مسروقة ، وإن جاء هذا الكلام على سبيل التندربالمثل القائل: هم يبكي وهم يضحك .
الناس – بدافع الحالة الاقتصادية الطاحنة - لم يلفتهم في هذه الواقعة إلا ضخامة الأموال التي كانت بحوزة السيدة ،إذ كيف يمتلك فرد واحد كل هذا ؟!! مع النظر إلى أن ما تمت سرقته كان في خزانة بالمنزل ، أي كما وصفوه بـ(الفكة) والتي - بالتأكيد – هي نَّزْرٌ يسيرٌ من ثروة أكبر تمتلكها السيدة خارج أسوار هذا المنزل . وأن احتفاظ المجني عليها بهذه العملات الأجنبية في منزلها يعد نوعًا من المخالفة والتهريب . في الوقت نفسه ظهرت أصوات خافتة –إذا ما قورنت بالجموع الغاضبة أو المصدومة - تدافع عن مصدر ثروة السيدة نوال الدجوي ، فهي صاحبة الجامعة الخاصة المعروفة بمصروفاتها الباهظة ، وهي تعمل في مجال التعليم الخاص منذ عام 1958م ، ومن ثم فكل ما تمتلكه مصدره مشروع وسبيله منطقي . وأنا - وإن كنت أتحيز إلى هذا الرأي الأخير –أرى أنه ليس من حقنا - وليس من الإنصاف أيضًا - إبداء أي رأي أو إصدار أي حكم في شأن لا يعنينا ، ولا نعرف فيه إلا أقوالًا ومعلومات تُروى هنا وهناك من أطراف مبهمة . نحن اعتدنا أن تكون كل علاقتنا بما حولنا ومن حولنا مجرد إصدار أحكام ، هذا كل دورنا في الحياة ، نمضي ونسير نصدر حكمًا على هذا ، ونسجل رأيًا في ذاك ، حتى ضربت الفوضى والعشوائية والجهل والعداء وقعود الهمة وفقدان الطموح كل مفاصل حياتنا . دائمًا ننصب أنفسنا قضاة على غيرنا وفيما لا يخصنا . حالة مؤسفة وصلنا إليها في حياتنا على الصعيدين الاجتماعي والمجتمعي .
هل استوقفنا شيء في هذه الواقعة أكثر من حالة الذهول من حجم المسروقات وإصدار أحكام في الهواء ،ثم ينفض السامر ونعود إلى سباتنا إلى أن نطالع واقعة أخرى نتبارى في إبداء الرأي فيها ؟!
لقد استوقفتني عدة نقاط للوهلة الأولى من قراءة الخبر ، كان على رأسها سيرة هذه السيدة ، وحركة حياتها ، ومقدار نشاطها ، وطول مشوارها ، وطبيعة شخصيتها . لست هنا بصدد إصدار حكم يناصر السيدة أو يعارضها ، لكني بصدد تأمل شخصية لا أعرف عنها يقينًا ولا يترجم عنها الخبر إلا أنها نشاط لا ينام ، وهمة لا تفتر، وعزيمة لا تخمد . بصدد تأمل رحلة ومشوار اختارت هذه السيدة أن تمضي فيه بإيجاد فكرة مشروع يناسبها ، والتخطيط له والعمل على تنفيذه و تنميته ، حتى صارت الفكرة منظومة تعليمية كاملة ، من رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية في الستينات إلى باقي المراحل عبر سنوات صباها، أسست - أيضًا- نظام المدارس الداخلية ، ثم جامعة تحقق معايير الجودة العالمية ومعتمدة دوليًا . كان هذا مشروعها وطموحها ، تفكير لا يهدأ ، وأفكار تتوالد وتتوالى . ومن كلماتها التي قالتها في أحد البرامج : دائمًا أفكر في الجديد الذي يمكن أن أقدمه ، ولا أكف عن التفكير .
فماذا يعنيني في أموالها إذا جاءت من طريق مشروع أو غير مشروع؟! هذا لا يخصني أنا ، بل يخصها هي وهي وحدها . إن الذي يعنيني هنا هو التجربة الذاتية المفعمة بالحركة والنشاط والإثمار ؛ لأني أقدر تمامًا قيمة العمل والحركة والسعي وراء تحقيق الأهداف ،حتى صرتُ أتحدث - على سبيل المزاح - بأن هذه الثروة الطائلة إذا كانت من طريق غير مشروع ، فإن سرقة كل هذه الأموال في ذاتها عمل شاق يستلزم تخطيطًا وعملًا دؤوبًا وحركة ومثابرة .
إن السماء لا تمطر ذهبًا ، لكنها تمطر رزقًا لمن يسعى ، وينهض من نومه ، وينفض عن جسده وعقله غبار الخمول والكسل والتواكل . " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى " .
لا تنس وأنت تتابع تفاصيل واقعة السرقة هذه ، وتقارن حالك البائس بحال صاحبة المليارات نوال الدجوي، و ترى أنها كانت حياة لا ينقصها شيء ، لا سيما وهي تعيش تحت الظلال الوارفة لهذه الثروة الهائلة ، أن هذه السيدة فقدت زوجها ، ثم ابنها الوحيد الشاب ، ثم ابنتها الوحيدة الشابة. وأنها تعيش وحيدة ، لم يتبق لها إلا أحقاد أحفاد يتصارعون على هذه الثروة .
فهل تروقك مبادلتها ؟
ثناء محمود قاسم
أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم
الجدير بالذكر هنا أن شعور الناس بالكارثية ليس أساسه التعاطف مع المجني عليها ومؤازرتها فيما تعرضت له ، لكن التعاطف مع أنفسهم والبكاء على أحوالهم المادية المتردية ، فجاء استشعارهم الكارثة والمأساة من تعرفهم حجم المسروقات الذي فاق ما هو خيالي وخرافي . وتزايد هذا الشعورعند تصورٍ خاطف يقارن مستوى معيشتهم بمستوى معيشة السيدة نوال الدجوي مع كل هذه الأموال ، وتأمل الواحد منهم حاله البائس وهو يغالب الشهر ويصارع الأيام حتى يكفي بيته وأولاده بأقل القليل من الاحتياجات الضرورية . ولقد أثيرت ضجة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ، وتباينت فيها ردود الأفعال ، التي جاء أكثرها يتساءل ضمنيًا : ماذا لو أني أمتلك هذه الثروة ؟ ماذا لو أني أمتلك منها ولو مائة ألف ؟ ويتساءل صراحةً أيضًا عن مصدر هذه الأموال الطائلة التي بحوزة فرد واحد . حتى أسلمتهم هذه التساؤلات الغارقة في الصدمة إلى الحكم بأن هذه الأموال جاءت بطرق غير مشروعة ، ومن ثم إلى تخطي الشعور المنطقي في مثل هذه الحالة من التعاطف مع المجني عليه إلى التعاطف مع اللص ، وتهنئته بما فاز به من أموال يرون أنها هي نفسها مسروقة ، وإن جاء هذا الكلام على سبيل التندربالمثل القائل: هم يبكي وهم يضحك .
الناس – بدافع الحالة الاقتصادية الطاحنة - لم يلفتهم في هذه الواقعة إلا ضخامة الأموال التي كانت بحوزة السيدة ،إذ كيف يمتلك فرد واحد كل هذا ؟!! مع النظر إلى أن ما تمت سرقته كان في خزانة بالمنزل ، أي كما وصفوه بـ(الفكة) والتي - بالتأكيد – هي نَّزْرٌ يسيرٌ من ثروة أكبر تمتلكها السيدة خارج أسوار هذا المنزل . وأن احتفاظ المجني عليها بهذه العملات الأجنبية في منزلها يعد نوعًا من المخالفة والتهريب . في الوقت نفسه ظهرت أصوات خافتة –إذا ما قورنت بالجموع الغاضبة أو المصدومة - تدافع عن مصدر ثروة السيدة نوال الدجوي ، فهي صاحبة الجامعة الخاصة المعروفة بمصروفاتها الباهظة ، وهي تعمل في مجال التعليم الخاص منذ عام 1958م ، ومن ثم فكل ما تمتلكه مصدره مشروع وسبيله منطقي . وأنا - وإن كنت أتحيز إلى هذا الرأي الأخير –أرى أنه ليس من حقنا - وليس من الإنصاف أيضًا - إبداء أي رأي أو إصدار أي حكم في شأن لا يعنينا ، ولا نعرف فيه إلا أقوالًا ومعلومات تُروى هنا وهناك من أطراف مبهمة . نحن اعتدنا أن تكون كل علاقتنا بما حولنا ومن حولنا مجرد إصدار أحكام ، هذا كل دورنا في الحياة ، نمضي ونسير نصدر حكمًا على هذا ، ونسجل رأيًا في ذاك ، حتى ضربت الفوضى والعشوائية والجهل والعداء وقعود الهمة وفقدان الطموح كل مفاصل حياتنا . دائمًا ننصب أنفسنا قضاة على غيرنا وفيما لا يخصنا . حالة مؤسفة وصلنا إليها في حياتنا على الصعيدين الاجتماعي والمجتمعي .
هل استوقفنا شيء في هذه الواقعة أكثر من حالة الذهول من حجم المسروقات وإصدار أحكام في الهواء ،ثم ينفض السامر ونعود إلى سباتنا إلى أن نطالع واقعة أخرى نتبارى في إبداء الرأي فيها ؟!
لقد استوقفتني عدة نقاط للوهلة الأولى من قراءة الخبر ، كان على رأسها سيرة هذه السيدة ، وحركة حياتها ، ومقدار نشاطها ، وطول مشوارها ، وطبيعة شخصيتها . لست هنا بصدد إصدار حكم يناصر السيدة أو يعارضها ، لكني بصدد تأمل شخصية لا أعرف عنها يقينًا ولا يترجم عنها الخبر إلا أنها نشاط لا ينام ، وهمة لا تفتر، وعزيمة لا تخمد . بصدد تأمل رحلة ومشوار اختارت هذه السيدة أن تمضي فيه بإيجاد فكرة مشروع يناسبها ، والتخطيط له والعمل على تنفيذه و تنميته ، حتى صارت الفكرة منظومة تعليمية كاملة ، من رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية في الستينات إلى باقي المراحل عبر سنوات صباها، أسست - أيضًا- نظام المدارس الداخلية ، ثم جامعة تحقق معايير الجودة العالمية ومعتمدة دوليًا . كان هذا مشروعها وطموحها ، تفكير لا يهدأ ، وأفكار تتوالد وتتوالى . ومن كلماتها التي قالتها في أحد البرامج : دائمًا أفكر في الجديد الذي يمكن أن أقدمه ، ولا أكف عن التفكير .
فماذا يعنيني في أموالها إذا جاءت من طريق مشروع أو غير مشروع؟! هذا لا يخصني أنا ، بل يخصها هي وهي وحدها . إن الذي يعنيني هنا هو التجربة الذاتية المفعمة بالحركة والنشاط والإثمار ؛ لأني أقدر تمامًا قيمة العمل والحركة والسعي وراء تحقيق الأهداف ،حتى صرتُ أتحدث - على سبيل المزاح - بأن هذه الثروة الطائلة إذا كانت من طريق غير مشروع ، فإن سرقة كل هذه الأموال في ذاتها عمل شاق يستلزم تخطيطًا وعملًا دؤوبًا وحركة ومثابرة .
إن السماء لا تمطر ذهبًا ، لكنها تمطر رزقًا لمن يسعى ، وينهض من نومه ، وينفض عن جسده وعقله غبار الخمول والكسل والتواكل . " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى " .
لا تنس وأنت تتابع تفاصيل واقعة السرقة هذه ، وتقارن حالك البائس بحال صاحبة المليارات نوال الدجوي، و ترى أنها كانت حياة لا ينقصها شيء ، لا سيما وهي تعيش تحت الظلال الوارفة لهذه الثروة الهائلة ، أن هذه السيدة فقدت زوجها ، ثم ابنها الوحيد الشاب ، ثم ابنتها الوحيدة الشابة. وأنها تعيش وحيدة ، لم يتبق لها إلا أحقاد أحفاد يتصارعون على هذه الثروة .
فهل تروقك مبادلتها ؟
ثناء محمود قاسم
أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم