أربعون يوماً مرت، يا أبي، كأنها طّرفة عين، كأنك غادرتنا بالأمس، وكأن الحزن ما زال دافئاً لم يبرد بعد، الأيام تسير بسرعةٍ لا ترحم، لا تنتظر وجعنا، لا تُمهل دمعاتنا لتجف، ولا تُنصت لأنين قلوبنا التي ما زالت تناديك كل صباح ومساء...
أبي…
نشتاق إليك شوقاً لا يُكتب، لا يُروى، لا يُخفف، كل شيء من بعدك صامت وباهت، حتى ضوء الشمس صار رماديّاً، والفرح بات ثقيلاً، والضحك لا يصعد من القلب بل يسقط من الحلق كشيءٍ مُتكلف، نشتاق لحديثك وللجدال معك في هذا وذاك، لنظرة رضاك، لصمتك المُطمئن، لصوتك حين تناديني، وكأنك تحيطني بعالم من الأمان لا يمكن أن يخترقه أحد...
أتذكر يوم رحيلك، وكأنّه مشهد ثابت لا يغادر مخيلتي، كان يوماً غريباً في سكونه، في هدوئه المبالغ، كأن الزمن نفسه وقف احتراماً لك، وكأن الهواء خفف من تنفّسه حتى لا يزعجك...
السيارات في الشارع كانت تمرّ صامتة، لا أحد استخدم (الكلاكس)، لا صوت ضجيج، لا صخب حياة… كأن المدينة بأكملها ارتدت الحزن بصمت، وقررت أن تشيّعك معنا بكل احترام وهيبة...
رأيتك يا أبي يومها جميلاً، نائماً، هادئًا، كما عهدتك دوماً...
كأنك كنت مطمئناً، وكأنك في رحلة قصيرة ستعود منها، لكنك لم تعد، كل من حولك يومها جاء لوداعك، لكنك اخترت أن نكون نحن بقربك، أنا برفقة زوجي في سيارة تُقاد خلفك، وأخي في سيارته على يسارك، و أمي بداخل سيارة خالي على يمينك، كان يقود بها إليك، كنا نحن السيارات الثلاث نحاوط بك فقط وكان أخي الأخر بالداخل معك يجلس برفقة ابن عمي الأصغر، كنا نحن الخمسة فقط حُراسك حتى تصل إلى حيث لا ألم، لا وجع، ولا ندم، فقط نوم عميق وهدوء وسلام...
أنت اخترتنا فقط، لا بل وأردتنا نحن أن نُحيطك، دائرتك الصغيرة، نحن عائلتك التي كانت نبضك، روحك، وهمّك الأكبر… أردت أن نكون نحن من يوصل قلبك إلى مرقده الأخير...
كان يوم رحيلك، رغم ألمه، جميلاً، هادئاً وسريعاً…
نعم، جميلاً كوجهك المسالم، وهادئاً كابتسامتك الأخيرة، وسريعاً كأنك لم ترد أن ترهقنا بحملك، رحلت سريعاً، كأنك كنت مستعجلاً للقاءٍ تنتظره، كأنك كنت قد رتبت حقائبك دون أن نشعر...
لكنك، يا أبي، تركتني دون وداع، دون كلمة، دون أن أقول لك كم أحبك، كم كنت عوني وسندي وإن لم أقل، أعلم أنك كنت تعلم، كنت تقرأني في صمتي، وتفهمني حين أعجز عن التعبير، لكن الندم احياناً يلسعني، فهل كنت راضياً عني، عنَّا جميعاً؟ هل شعرت يوماً بفخري بك؟ هل علمت كم انك كنت عالمي؟
كل ما أتمناه الآن، أن تصلك دعواتي، ودموعي، وكلماتي التي لم أقلها يوماً وجهاً لوجه، ولكنني أقولها الآن بين يدي الغياب:
نحن نحبك، ونفتقدك، سنبقى نفتقدك ما حيينا، ويوم رحيلك سيظل مطبوعاً على جدران قلبي، وملامحك لن تفارق ذاكرتي، رحلت بجسدك، لكنك تسكنني بكل تفاصيلك، بكل حكاياتك، بكل حنانك، بكل صبرك الجميل...
سلامٌ عليك يا أبي، في الأربعين، وفي كل الأيام التي لا تحملك فيها الحياة ولكن يحملك القلب والروح أبداً ودائماً...
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
أبي…
نشتاق إليك شوقاً لا يُكتب، لا يُروى، لا يُخفف، كل شيء من بعدك صامت وباهت، حتى ضوء الشمس صار رماديّاً، والفرح بات ثقيلاً، والضحك لا يصعد من القلب بل يسقط من الحلق كشيءٍ مُتكلف، نشتاق لحديثك وللجدال معك في هذا وذاك، لنظرة رضاك، لصمتك المُطمئن، لصوتك حين تناديني، وكأنك تحيطني بعالم من الأمان لا يمكن أن يخترقه أحد...
أتذكر يوم رحيلك، وكأنّه مشهد ثابت لا يغادر مخيلتي، كان يوماً غريباً في سكونه، في هدوئه المبالغ، كأن الزمن نفسه وقف احتراماً لك، وكأن الهواء خفف من تنفّسه حتى لا يزعجك...
السيارات في الشارع كانت تمرّ صامتة، لا أحد استخدم (الكلاكس)، لا صوت ضجيج، لا صخب حياة… كأن المدينة بأكملها ارتدت الحزن بصمت، وقررت أن تشيّعك معنا بكل احترام وهيبة...
رأيتك يا أبي يومها جميلاً، نائماً، هادئًا، كما عهدتك دوماً...
كأنك كنت مطمئناً، وكأنك في رحلة قصيرة ستعود منها، لكنك لم تعد، كل من حولك يومها جاء لوداعك، لكنك اخترت أن نكون نحن بقربك، أنا برفقة زوجي في سيارة تُقاد خلفك، وأخي في سيارته على يسارك، و أمي بداخل سيارة خالي على يمينك، كان يقود بها إليك، كنا نحن السيارات الثلاث نحاوط بك فقط وكان أخي الأخر بالداخل معك يجلس برفقة ابن عمي الأصغر، كنا نحن الخمسة فقط حُراسك حتى تصل إلى حيث لا ألم، لا وجع، ولا ندم، فقط نوم عميق وهدوء وسلام...
أنت اخترتنا فقط، لا بل وأردتنا نحن أن نُحيطك، دائرتك الصغيرة، نحن عائلتك التي كانت نبضك، روحك، وهمّك الأكبر… أردت أن نكون نحن من يوصل قلبك إلى مرقده الأخير...
كان يوم رحيلك، رغم ألمه، جميلاً، هادئاً وسريعاً…
نعم، جميلاً كوجهك المسالم، وهادئاً كابتسامتك الأخيرة، وسريعاً كأنك لم ترد أن ترهقنا بحملك، رحلت سريعاً، كأنك كنت مستعجلاً للقاءٍ تنتظره، كأنك كنت قد رتبت حقائبك دون أن نشعر...
لكنك، يا أبي، تركتني دون وداع، دون كلمة، دون أن أقول لك كم أحبك، كم كنت عوني وسندي وإن لم أقل، أعلم أنك كنت تعلم، كنت تقرأني في صمتي، وتفهمني حين أعجز عن التعبير، لكن الندم احياناً يلسعني، فهل كنت راضياً عني، عنَّا جميعاً؟ هل شعرت يوماً بفخري بك؟ هل علمت كم انك كنت عالمي؟
كل ما أتمناه الآن، أن تصلك دعواتي، ودموعي، وكلماتي التي لم أقلها يوماً وجهاً لوجه، ولكنني أقولها الآن بين يدي الغياب:
نحن نحبك، ونفتقدك، سنبقى نفتقدك ما حيينا، ويوم رحيلك سيظل مطبوعاً على جدران قلبي، وملامحك لن تفارق ذاكرتي، رحلت بجسدك، لكنك تسكنني بكل تفاصيلك، بكل حكاياتك، بكل حنانك، بكل صبرك الجميل...
سلامٌ عليك يا أبي، في الأربعين، وفي كل الأيام التي لا تحملك فيها الحياة ولكن يحملك القلب والروح أبداً ودائماً...
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي