الشاعر أحمد حافظ - زهرةُ العائلة...

( إلى جدتي عليَّة)



هل خَـرِفْـتِ أخيرًا
وثارَ على ذكرياتِكِ رأسُكِ؟

هذا الذي كان -مثلَ البُيُوتِ العظيمةِ
حين تُضاءُ مصابيحُها-
بالحنينِ يُضاءُ

هل خَرِفتِ أخيرًا
وصرتِ تُحبِّينَنا بجُنُونٍ وتَـنْـسَـيْـنَ؟

صرتِ تُنادينَ أسماءَنا خـطـأً
بعدما كان شهدًا يسيلُ على شفتيكِ النداءُ

كيف هاجمَكِ الموتُ؟

وحشًا يُكشِّرُ أنيابَهُ
أم ملاكًا يُهدِّئُ خوفَكِ من عالمٍ مُوحِشٍ؟

كيف أغمضتِ عينيكِ عازمةً أن تنامي طويلًا
ونحنُ سهارَى حوالَيْكِ؟

كيف صَعِدتِ إلى الملكوتِ وأنتِ العَـلِـيَّـةُ؟

كيف رأيتِ بعينيكِ هاتَينِ
أنكِ عُصفورةٌ بجناحَيْنِ من فِـضَّـةٍ
تتقافزُ فوق الغصونِ
وتغمسُ منقارَها في مياهِ الينابيعِ لاهيةً
وتـحُـطُّ لتلقُـطَ فرحانةً
لُؤلؤًا لامعًا
ويواقيتَ باذخةً كانَ ينثرُهُا الأنبياءُ؟

فهل كنتِ نائمةً آنَـذَاكَ؟
أمِ الشوقُ صوَّرَ ما تشتهينَ لعينَيْكِ في لحظةٍ
أم يُحاولُ زحزحةَ الصخرةِ الواقعيَّةِ عنكِ خيالُكِ
أم أنَّ روحَكِ وثَّـابةٌ ومُجَنَّحَةٌ
لا تُصدِّقُ ما يدَّعيهِ عليكِ العَياءُ؟

أيا امرأةً
من حـنـانٍ مُـصَـفَّـىً
ومن قلقٍ ناصعٍ كالزمرُّدِ:

عـيـنـاكِ
مُـسْـتَـنْـبَـتَـا شَجَرٍ آمِـرٍ بالحياةِ
وكَـفَّـاكِ
مُـلْـتَـقَـيَـا رِقَّـةٍ وحُـنُـوٍّ
وقـلـبُـكِ
أوسعُ ممَّا تظُنُّ السماءُ

نحنُ أضعفُ من أنْ نُحطِّمَ أسطورةَ الموتِ
أصغرُ من أنْ نُعطِّلَ مَـرَّ عواصفِهِ

نحنُ لا شيءَ
حين نذوبُ شموعًا بلا حيلةٍ
حينُ نؤمنُ أنَّـا نُطيعُ فقطْ
حينما لا نشاءُ

نحنُ لا شيءَ…
فَـلْـنَـمْـتَـثِـلْ للغُبارِ الذي فوق أجسادِنا
ولندَعْ عقربَ الوقتِ يمضي كما هُوَ
وليبتكرْ في نهاياتِنا
ما يُريدُ الهَباءُ

ولا نتعجَّلْ
غدًا سوف يأتي بأخبارِهِ.

والحياةُ..
الحياةُ تمرُّ سريعًا
كما مَـرَّ بالقُربِ من خُصلةِ البنتِ هذا الهواءُ

وأنــتِ:
خُلاصَةُ ما قِيلَ عن مريمَ المجدليَّةِ
جُمَّيزةٌ نَـتَـوَافَدُ حول حكاياتِها
صُورةٌ للجَمَالِ الشُّجَاعِ
انعكاسٌ لسربِ غُيُومٍ
تُظلِّلُ أرواحَنا وتفيضُ علينا
فمٌ زاخرٌ بالدعاءِ وبالحكمةِ المُشتهاةِ
قَوَامٌ يُقلِّدُ هيئتَهُ النخلُ
رائحةٌ كالحديقةِ في مُستَهَلِّ الربيعِ
وغايةُ ما تشتهيهِ لأنـفُـسِـهِـنَّ النساءُ.

فهل أنت راضيةٌ عن حياتِكِ يا زهرةَ العائلةْ؟
هل رأيتِ أوانَكِ يا آيةَ الوردِ
يشربُ من ماءِ أرواحِنا
ويُربِّي على راحتَيْنا رياحينَهُ
كي تعودَ إلى ضوئِها النجمةُ الآفلةْ؟

فها نحنُ
ننشرُ عطرَكِ في الأرضِ
نحفظُ نبرتَكِ المُطمئنَّةَ وهي ترِنُّ
ونحملُ روحَكِ يافـعـةً بين أضلاعِنا الذابلةْ

فهل أنتِ راضيةٌ؟
أم ستبقى أصابعُنا لا تطالُ نجومَكِ؟
نبقى حيارَى.. وحيدينَ
لا تتلفَّتُ أعناقُنا نحو أيِّ اتجاهٍ

فبعدَ غيابِكِ
كلُّ الجهاتِ وراءُ

مضيتِ أخيرًا
إلى غُرَفٍ من رَفَارِفَ خُضرٍ وإستبرقٍ
وحدائقَ مَــدَّ العُيُونِ.

ونحنُ هنا
حظُّنا في الحياةِ: العراءُ








Messenger_creation_7DDCCEAF-6F8B-4EAA-B951-DAAE37957852.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى