ليلى تبّاني - حرب إيران vs الكيان، أهي عدالة غاية أم شرعية وسيلة؟

حرب بالوكالة وعين على النووي ، صراع بدأ بهدير خفي وظهر للعيان قد يُعيد رسم الشرق الأوسط ، و يصيغ حسابات العالم العربي ... عن حرب إيران ضد "الكيان الصهيوني" . بدأت حربا استفزازية غير مباشرة أوحت بلانهاية مرعبة ، في شكل صراع اعتبره الخبراء من أخطر الصراعات غير المباشرة في الشرق الأوسط، ذاك الصراع المثير للقلق كونه يحتمل التحوّل في أيّ لحظة إلى مواجهة مفتوحة وشاملة. وها هو يشهد نقلته الخطيرة ، بعد تبادل الرشقات الصاروخية البالستية ، بدأت من الجانب الإسرائيلي ، وانتهت إلى الردّ الإيراني القوي ، وها هي تسير نحو نفق مظلم نتشتّت حيال مآلاته وتداعياته المحتملة على المنطقة والعالم.

1750107395366.png


لطالما شكل الصراع بين إيران والكيان الصهيوني أحد أخطر وأعقد النزاعات في الشرق الأوسط، كونه ليس مجرد صراع إقليمي بل يتجاوز ذلك ويتوغّل في صميم البنية العقائدية والسياسية لكلّ من إيران والكيان ، والحقيقة أنّ هذا العنصر الأخير أشدّ وطأة لما يتيح من تداعيات دولية واسعة. يُرَجَّح أنّ الصراع ظهر في شكل حرب باردة في هيأتها ساخنة في دوافعها ، لذا اعتبرها الخبراء والمحلّلون السياسيون حربا بالوكالة ، تحركها دوافع دينية، أيديولوجية، ومصالح استراتيجية.
ولعلّ السؤال المُلِحّ في هذا السياق يجمع بين الغائية السياسية والهمّ الإنساني ، ليصاغ في شكل نحيب عقلاني يتطلع إلى الحذر من امتدادات السياسة وانقطاع الانسانية ، فليس غير الحرب تكشف الجوانب المظلمة في النفس البشرية ، وليس في غيرها أيضا تستجلى البطولات والتضحيات التي تقدّم قربانا للحفاظ على القيم السامية (بما فيها العقائد) ، فعطفا على ما ذكرنا ؛ هل يمكن تبرير حرب باسم الأمن و قدسية العقيدة ؟ وهل الحرب جزء من المشروع السياسي العقلاني؟ أم أنها لحظة انهيار أخلاقي، وسقوط في العنف الذي ينفي إنسانية الإنسان؟
كنّا وفي زمن غير بعيد نخشى أن تكون الحرب هي الملاذ الأخير ، وها نحن اليوم نصلّي من أجل ألاّ يكون النّووي هو المآل الذي تثيره رعونة الانتقام ، وانحراف البعد الانساني . شهد العالم في العقد الأخير مشاحنات ساخنة أخطرها قضية الشرق الأوسط وبطلها المطلق الكيان الصهيوني ، الأخير الذي بالغ مدّ جذوره في أرض يفقد شرعيتها ، الأمر الذي فجّر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وشاء للقضية الفلسطينية أن تبقى حيّة في الوعي الشعبي العربي والعالمي عبر الأجيال المتعاقبة ، كان يمكن أن يفضّ النزاع من جذوره وفي أوانه ، لكنّ ظروفا معيّنة جعلت من القضية تتأزّم أكثر ، كونها تتعلق بالتاريخ والسياسة والواقع الجيوستراتيجي في المنطقة ، تشعّبت الأبعاد والأسباب التي جعلت من الكيان يشكّل بعبعا يخيف العرب من خوض حرب ضدّه ، ذاك الخوف الذي عزّزه تاريخ من الهزائم (نكبة العرب وحرب اكتوبر) ، وانقسامات عربية ، وتفوق عسكري رجح الكفّة لصالح الخصم ، إذ يعد جيش إسرائيل واحد من أقوى الجيوش تقنيا في العالم، مدعوم بتفوق في الذكاء الاصطناعي و الطائرات، والدفاع الجوي والقدرات السيبرانية التكنولوجية .على رأسها ترسانة نووية غير مُعلَنة رسميا، لكنها محسوبة دوليا ضمن قدراتها. وممّا لا ريب فيه ،فإنّ الدعم الغربي (الناتو) والأمريكي على وجه الخصوص ، جعل من إسرائيل تزداد سطوة وهيلمانا و زاد من خنوع أنظمة عربية فاسدة ، تسعى للبقاء أكثر مما تسعى لتحرير شعوبها . ولا تجد من الخيارات سوى اثنين ، امّا الصمت و التفاوض السياسي ونبذ الحل العسكري ، أو الهرولة نحو التطبيع .

1750107455700.png


في ظلّ السكوت العربي ، ظهر لاعبون جدد يمثلهم قطبان قويان في الشرق الأوسط هما إيران و تركيا ، شكّلا خطرا جيوسياسيا جديدا وتنافسا إقليميا يهدّد المنطقة . وخلق حربا من نوع آخر ، تُدار عبر الضربات، والوكلاء، والتقنيات. يمنع انفجارها الكامل ، فيُعرف في الاستراتيجية بـ"توازن الرعب"، وليس السلام أو التفاهم. فتقترب المنطقة من لحظة الحقيقة ، كلّما تصاعدت المواجهات ، خصوصا في غزّة أو لبنان والجولان ، أو ما يتعلّق بحركة حماس والجهاد الإسلامي في غزة ، والحوثيين في اليمن كجزء من محور المقاومة. أين تلعب إسرائيل على الوتر الإيراني عندما تضرب مصالحه هناك في هضبة الجولان أو جنوب لبنان إذا تعلّق الأمر بتواجده في هيأة حزب الله الشيعي ، وترى أن تلك الجماعات تُستخدم كأذرع إيرانية . لكن ورغم كلّ ما ذكرناه فإنّ حقيقة القطرة التي أفاضت الكأس أكدتها حادثة مقتل زعيم حزب الله ، المرحوم " حسن نصر الله" ، منذ تلك الحادثة وألسنة الاتهام و تداعيات الاستفزاز تزيد من وطأة التحامل والرغبة في نشوب الحرب ، وها نحن اليوم نشهد بداياتها الساخنة التي كانت بداية شرارتها إسرائيلية ، وردّة فعلها إيرانية شرسة تحوّلت إلى حرب مواجهة مفتوحة شاملة ، ردّت فيه إيران بشكل غير مسبوق ، لتتّجه أعين العالم نحو القطبين المتنازعين ويطرح السؤال المرعب :
ــــ هل سيضرب المشروع النّووي الإيراني ؟ وما مصير الإنسانية إذا انفلتت الأمور و أقحم النووي في هاته الحرب المخاتلة ؟
فلو فرضنا أن الغايات تعادلت فهل تعطي الشرعية لإقحام السلاح النّووي كوسيلة للدفاع و صدّ الهجمات ، لنقول في النهاية تعدّدت التداعيات والخراب واحد .


ليلى تبّاني ـــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى