محمد بشكار - نقولُ مع الصَّبْر شِعْراً جميلاً..!

محمد بشكار

لن أعِظ مُربِّعاً رِجليَّ وأنا أكتبُ كأني أمسِّدُ اللحيةَ حروفا على الورقة عن اليوم العالمي للشِّعْرِ، أو أتَّعِظَ و أنا أكتبُ القصيدة كابحاً جماحي بفرامل تحت قدم رقيبٍ يسوقنا جميعاً إلى الخرس، لأن الكلمة الحُرَّة روحٌ سبقتْ في خلقها الجسد ما دام طيناً، تقول نفسها حتى قبل أن ننطقها، و ترفض كل القضبان و لو كانت و هي تخفق في جوانحنا قلبا لا يحيا إلا حبيس الصدور؛ و لكن لا بأس في زمنٍ يُسَوِّدُ و جوهنا بالذبول رغم أن الفصل ربيعٌ، كما نُسوِّدُ الأوراق باليأس؛ لا بأس أن نسبق موتنا ببعض الوصايا التي لن تُجدي أي أحدٍ شِعْراً في حياة يريدها بعض سَدَنَةِ السلطة صامتةً حتى نصير جميعاً عبيد أفعالٍ خرْقَاءَ في شططها، تحذفُ في تصريفها اليومي ماضينا و حاضرنا لتصنع مستقبلاً في الصيغة الزجرية للأمر..!
سنقول مع الصَّبْر شٍعْراً جميلاً، و ننتظر كما في ليلٍ طويلٍ أن توقظنا أمهات الأفكار الراقدة بدورها في بطون الكتب، لنذهب مُبكِّراً و لو في أرذل التخلف، إلى المدرسة من جديد كي نُعيد استظهار بأعين مُغمضةٍ و عن ظهر قلب لا أعتقده ما زال حيّاً يُرزق في جوفنا، بعض دروس الحُرِّية التي تلقّاها مناضلو هذا البلد بمنطق الرصاص عُراة الصُّدور، حتى تحوَّل الجمر الذي احترقوا بعذاباته من السجون إلى المنون في أيادينا نحن جيل اليوم، زهراً يانعاً بالمكتسبات الديمقراطية و الحقوقية لبُرهةٍ من الربيع أدركه الخريف سريعاً، لنعود إلى رجعيتنا في التفكير بالضَّرب الموجع حديداً لحرية الكلمة بكل مشتقاتها التي تعوَّدنا أن نرضعها من ثدي أمنا الوطن قبل أن يمتزج السُّم في الحليب، و كأننا لا نعرف أن نعيش كل غدٍ إلا في كابوس أمسنا؛ فماذا تُجدي الشِّعْرَ أو الإعلام أو أي كتابةٍ ننزفها حبراً من أوردة ضمائرنا، أقلامٌ مغلولةٌ إلى الأعناق و لا تكتبُ سطراً إلا بعد أن تمحو الذي سبقهُ خوف أن تشي الكلمةُ بالكلمة..!
كِدْتُ أوقد بما يضطرم في فؤادي سيجارة فاخرة تُدخِّنُني و أصبُّ من عُنُقي مع نبيذ الروح نشيداً أردِّدُهُ ملء النايات التي في حنجرتي في موكب اليوم العالمي للشِّعْرِ، لكن الحسرة أوقفت بغُصَّتِها في عُنُقي أنا و الزجاجة كل نشيدٍ، بعد ما صِرتُ أنظر للكلمة الحُرَّة في العالم العربي تُشيَّعُ في أبشع الجنائز قبرا طويلا في مُحاكماتٍ الإعلاميين الأشراف و جَلْدِ و إعدام الشعراء الذين لا ذنْبَ اقترفوا قصيدتهُ سوى أنهم كانوا إنسانيين بأرواحٍ مُضاعفةٍ أكثر من بعض الإنسان لا يملك الروح إلا لأجل إزهاقها عُدواناً..!
و لو نفد صبري سأقول شِعْراً جميلاً، و لن أنسى و أنا أعيشُ حاضري حُلُماً في القصيدة، تاريخاً صنعهُ رجالاتٌ أفذاذٌ على هذه الأرض التي نتوقُ أن لا تُخطىء في دورتها حول نفسها كل الفصول عسى يُدركُ شِعْرَنَا بعضُ الربيع؛ ألمْ يُعْتقل أدباؤنا و شعراؤنا و مناضلونا من ذوي الضمائر غير المنفصلة، و مَدَّ الجميع بصِدْقٍ يَدَ الصَّفْحِ كاملةً و بإنصافٍ للمُصالحة؛ فلماذا يريدون اليوم بتْرَ هذه اليد غُصْناً من شجرةٍ هذا البلد الطَّيِّبة، لنعود مشْلولينَ بذاكرتنا ليس فقط إلى وراء، بل أيضاً بأعيننا إلى عماء..!
سنقول مع الأمل شِعْراً جميلاً، و نحن ننظرُ للكلمة تُنْبِتُ جِلْداً آخر بعد أن سَلَخَ الجَلْدُ حريتها في التعبير؛ و نزيد من عنفوان الأمل بالقول لمن اتخذ التفكير في الأصُول ذريعةً للتَّكْفير، أن هذه الأصول لا تنحصر فقط في أسماءٍ من قبيل أو قبيلة أبي قتادة وهلُمَّ سيْفاً، بل نجد في جذورها المُحرَّمة المعري و أبي نواس و المتنبي و طرفة بن العبد و امرىء القيس و النِّفري و الحلاج و تأبط شرا الذي لو عَلِم أن شعرهُ سيصير دفين رأس مقلوبة تعكس بتطرفها غالبية الهرم السُّكاني، لضاعف من شرِّه بأن يحمله شِعْراً تحت إبطين، عساهُ يصير برائحة العَرَقٍ قاتلاً..!
لا أعرف هل لحُسن الشِّعْر أم لسوئه أن الزمن حوَّل الشُّعراء إلى حجرٍ في تماثيل قبل أن يجُزَّ الظلاميون رأس المعري اليوم في سوريا، لذلك يحِقُّ لكل مُقْترفٍ للقصيدة أن يقول في إحدى أمانيه لليوم العالمي للشعر مع الشاعر الجاهلي " تميم بن مقبل"؛ لو أن الفتى حجر..!
تُرى، هل بقي في أنفسنا التي ضاقت صَبْراً بعضُ الشعر الجميل؛ بل أنَّى له يبقى و نحن حين ننادي أن يتبعوا سِياقا أو ساقاً في القصيدة كي يمسكوا من تلابيب الحياة ببعض الحكمة و العدل و المساواة و الجمال، ينبري من يُشْهِرُ معولا ليقتفي في حَفْرهِ الوادي ليس الذي يسقي الحقول إنما الوادي في لوح الشطرنج حيث يحتدم صراع الأفراد في مربع صغير بين الربح و الخسارة؛ و ما المربع إلا المجتمع الذي ضاق بعد أن انحصرت منابع خيراته في جيوب قِلَّةٍ من الإحتكاريين دون أن يرشُّوا ببعض البياض السواد الأعتم؛ و مازال الوادي الذي في رقعة الشطرنج ساريا بحَفْره في عروق الناس ليجتثَّ كل كلمة تريد هامشاً صغيراً من الحُرية كي تقول كلمتها، لكن عبثا و البيادق ما فتئت تنمو أسواراً عالية لتتصدَّرَ في تخندُقها النَّفْعي الصفوف الأولى و تنفخنا جميعاً للريح.. !
(افتتاحية عدد يومه الخميس 17 مارس 2016 من ملحق "العلم الثقافي"الخاص باليوم العالمي للشعر، و يتضمن ملفا حول الشاعر المغربي الكبير أحمد المجاطي، بمشاركة النقاد الأدباء: إدريس الناقوري، إبراهيم السولامي، أحمد الطريسي، نجيب العوفي و أحمد المديني).


1750478736269.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى