لقاء أدبي مع الشاعر والروائي الفلسطيني إياد شماسنة... حاوره: الأديب المصري صابر حجازي

في سياق مبادرتي المستمرة للتعريف بالأدباء والمبدعين العرب، وفتح نوافذ للقارئ العربي على عوالمهم الشخصية والإبداعية، أواصل نشر سلسلة من الحوارات الأدبية التي تهدف إلى تسليط الضوء على تجارب فريدة تستحق أن تُعرف وتُقرأ.
حوار اليوم هو اللقاء رقم (76)، ونستضيف فيه الشاعر والروائي الفلسطيني إياد شماسنة، أحد الأصوات الإبداعية البارزة التي تجمع بين التجربة الإنسانية العميقة والحس الفني الرفيع.

س1: كيف تعرّف نفسك للقارئ؟
أنا كاتب فلسطيني، حرّ الكلمة، عربي الانتماء، أتنفس الشعر والنثر منذ عقود. لا أفتقر إلى التجربة ولا أهاب الارتفاعات التي يتطلبها التحليق الإبداعي. أكتب بعينٍ ترى التاريخ وأذنٍ تسمع ارتجافات الروح، وأسير نحو الانعتاق بالكلمة والصورة والمجاز. أؤمن أن جناحي الشمع لا يكفيان، وأن المعراج الحقيقي لا يكون إلا بالأصالة، مشفوعة بابتكار يراعي الهوية ويستنطق التراث.

س2: حدثنا عن منجزك الأدبي حتى اليوم.
في الشعر، أنجزتُ ديوان التاريخ السري لفارس الغبار، ثم حدائق الكريستال، وأستعد حاليًا لإصدار ديواني الثالث سدرة المشتهى.
أما في الرواية، فقد صدرت لي امرأة اسمها العاصمة، وتلتها الرقص الوثني، وأنا الآن بصدد إصدار رواية الوجع والجرأة.
إضافة إلى ذلك، صدر لي كتاب في إدارة الموارد البشرية، ونشرت عشرات المقالات في الصحف والمجلات، فضلًا عن أبحاث ودراسات في قضايا الأدب والثقافة والإعلام.

س3: كيف كانت طفولتك؟
طفولة حالمة، مشاغبة، صامتة صاخبة في آنٍ معًا. ابتنيتُ عوالم خيالية ورفاقًا لا يراهم سواي. دمّرتُ أشياء بدافع الفضول، وقرأت بنهم، لكنني حُرمت حتى من استعارة كتاب. اصطدت الطيور، ثم أطلقتها باكيًا. أدركت مبكرًا أن اصطياد المجاز أرحم من أسر الأرواح. مرضت بشدة وكدت أهلك، لكن الله نجاني، فوجدت نفسي في مهنة التمريض، تحديدًا في العناية المكثفة، أخفف آلام الناس كما أحاول أن أخفف وجع الكلمات.

س4: هل تتذكر إرهاصاتك الأولى مع الكتابة؟
الكتابة لا تبدأ من لحظة، بل من أول شهقة حياة. نحن رواة بالفطرة، نخترع الحكايات قبل أن نتقن اللغة. ذات يوم قررت أن أجمع الأحاديث النبوية في كتاب خاص بي، قبل أن أكتشف أن البخاري ومسلم سبقاني بقرون. كتبت القصص، أنشدت بالكلمات حتى وجدت إيقاع القصيدة، وتدرّجت حتى الرواية. أتلفت خمس روايات قبل أن أقبل بنشر السادسة. أما ديواني الأول، فكانت رحلته طويلة، حتى احتضنته دار فضاءات، وحوّلت الحلم إلى كتاب.

س5: كيف تُولد القصيدة لديك؟
القصيدة نار لا تهدأ. تبدأ شرارة ثم تشتعل. إن لم أكتبها، قتلتني أو قتلتها. الشعر عندي حياة كاملة تُقطف من الأيام. منذ أن وهبني الله البيان، قررت أن أعيش بها ومعها. أكتب لأضيء طريقي وطريق العالمين، بالكلمة التي تشبه وهج النبوءة.

س6: ما موقع الوطن في تجربتك الشعرية؟
الوطن يسكنني، أكتبه كلما كتبت. هو البيت والتراب، هو ما نحمله في القلب وإن ابتعدت الأقدام. قلت مرة: “حين أصل الجنة ذات خلود، سأبحث أولًا عن الطريق إلى فلسطين.”
أحب فلسطين، وأحب الأردن والجزائر ومصر، وأحب كل أرضٍ فيها عدل وإنسان. وطني هو المكان الذي تُحترم فيه الكرامة. ولهذا أكتب، وأناضل بالكلمة ضد الظلم.

س7: كيف تتفاعل مع ما يحدث في فلسطين من قمع واضطهاد؟
أغضب. أكتب. أعرّي الزيف. لا أنتمي لحزب أو عشيرة، بل للحق وحده. أمتلك أدوات البحث عن الحقيقة، أوقّع معها معاهدة. أضيء في الظلام، أزرع الأمل، وأبشّر بمستقبل تُكرّم فيه التضحيات.

س8: هل ترى أن الشعر قادر على التحريض والتأثير؟
الشعر الحقيقي يوقظ الوعي. ليس بالضرورة أن يشعل ثورة، لكنه يمنحها المعنى. الشعر رسالة، ليس أداة صراخ. القصيدة ليست بندقية، لكنها قد تخلّد الدم إن أُريق في سبيل الحرية.

س9: هل تعتقد أن النقد يواكب الإبداع العربي؟
للأسف، لا. ما لدينا هو نقد انطباعي أو تعاطفي. الجامعات تنتج دراسات تُكدّس على الرفوف. نستهلك مناهج نقدية بالية، ونهمل تراثنا. النقد الحقيقي إبداع على الإبداع، وهناك محاولات لافتة، لكنها لا تشكّل تيارًا ولا حركة.

س10: هل تكتب وفي ذهنك القارئ؟
أفكر أولًا في ألا أخون ذاتي. ثم أفكر في القارئ الذي يبحث عن الدهشة. يهمني أن أقدّم له نصًا يُفاجئه، يُربكه، ولا يُرضيه بالمسلّمات. الغلاف والبنية البصرية للنص لها دور كبير في التأثير.

س11: ما طقوسك في الكتابة؟
لا طقوس مقدسة. أكتب كما أتنفس. الليل صديقي، قبيل الفجر تحديدًا. أعيد كتابة الرواية عشرات المرات، أمزّق ما لا يدهشني، وأقسو على نصوصي كما يقسو الناقد على تلميذه. لا أحب نصوصي كثيرًا كي لا أسقط في فخ الإعجاب الذاتي، لكنني أرافقها كأبٍ مسؤول حتى تصل للقارئ.

س12: ما الدعم الذي يحتاجه المبدع العربي؟
المبدع العربي يتيم. تعامله السلطات كمن يهدد استقرارها. إن لم تصادره، تهمّشه. نصطدم بثالوث السياسة والدين والمجتمع، وليس أمام المبدع إلا أن يظل حرًا، يدفع الثمن وحده.

س13: ما مشروعك المستقبلي؟
أطمح إلى ترسيخ الرواية الفلسطينية الجمالية في الوعي العربي، أن أواصل طريق الرواد دون أن أسكن ظلالهم. أريد للمثقف أن يظل موضوعيًا، لا جزءًا من آلة الصراع السياسي. الثقافة مشروع تنوير، لا مشروع اصطفاف.

س14: كيف تقوّم حضورك في الفضاء الرقمي؟
للشبكة فضل كبير. أتاحت لي التواصل والانفتاح على العالم، رغم الحصار الجغرافي والمؤسسي. لكننا هنا في فلسطين ما زلنا في بداية الطريق، نحتاج إلى تفعيل اللقاءات الحية مع الأشقاء العرب أكثر من الحضور الرقمي وحده.

س15: كلمة أخيرة تختم بها هذا الحوار؟
نحن، الأدباء، نحمل مشاعل لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات موسمية. الأدب رسالة مستمرة، وأداة تنويرية. علينا أن نؤمن بأصالتنا، ونولد من الحداثة ما يليق بتاريخنا، ونمضي إلى العالم بمشروع ثقافي حي.
كل الشكر لك، الصديق العزيز صابر حجازي، على هذا الحوار العميق، وللقرّاء الأعزاء على ثقتهم التي تمنحنا مبررًا للاستمرار.


نص الحوار الكامل الذي اجراه الاستاذ صابر حجازي، عام ٢٠١٧
(اللقاء رقم 76 من سلسلة “مبدعون من الوطن العربي”)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى