• أولا : نسوية الدولة في ظل النيوليبرالية
في ظل التحولات النيوليبرالية العالمية، تتحمّل نساء الجنوب تكلفة الافتراس الرأسمالي؛ توغل يتم عبر نفوذ متزايد للمؤسسات المالية العالمية، مما يُضعف السيادة المحلية، ويُرهق الفئات الشعبية، بحرمانها من خدمات اجتماعية جيدة ومجانية.
ضمن هذا الإطار، نطرح قراءة نقدية لمفهوم نسوية الدولة في النموذج المغربي. هذا المفهوم الذي صاغته الباحثة "هيلغا هيرنس" سنة 1987 في سياق دولة الرفاه النرويجية، ويشير إلى تبنّي الحكومات لسياسات نسوية داخل مؤسسات رسمية، لكن وفق أجندة تخدم مصالح الدولة لا مصالح النساء. سيرورة تتحوّل عبرها السياسات النسوية إلى أدوات إدارة وضبط، تُستخدم لضمان استقرار السلطة بدل التحرر الفعلي للنساء.
• ثانيا: خطاب التمكين الرسمي، بين الشعار والواقع.
في النموذج المغربي، يتمركز خطاب نسوية الدولة حول "التمكين"، لكنه يُستخدم لإعادة إنتاج بُنى القهر والتفقير. يستبدل مطلب العدالة بإجراءات شكلية في صورة قوانين فاقدة للأسس الاجتماعية والاقتصادية. ويُرفع شعار "حقوق النساء" ليصبح أداة ضبط اجتماعي لطيف المظهر، متوحش الجوهر. فكما نصبَّ الاستعمار نفسه محرّرًا للنساء لتبرير احتلاله، تقوم الدولة اليوم بصفتها وكيلا لهذا الاستعمار وراعيا لمصالحه باحتكار الحديث باسم نساء المغرب لشرعنة سلطة تمثيلهن وتوجيه نضالهن نحو غرف المؤسسات.
• ثالثًا: برامج التمكين كمداخل للاستغلال
نستعرض أبرز المشاريع المحلية التي تروّج للتمكين، بينما تُرسّخ الهشاشة:
ـ برنامج "مقاولتي": يستقطب النساء من المناطق المهمّشة للعمل في مصانع وضيعات بأجور زهيدة وظروف قاسية، دون ضمانات اجتماعية.
ـ خطة "إكرام 2": وهي النسخة الثانية من الخطة الحكومية للمساواة في المغرب، وامتدت بين عامي 2017 و2021. تعتمد على لغة المؤشرات التقنية، وتُقصي الحركات النسوية الجذرية لصالح مؤسسات ممولة، مما يُفرغ النضال من سياقه المحلي ويلحقه بدائرة التمويلات. وتصنف النساء كمُمَكّنات لاخفاء حقيقة استغلالهن داخل وحدات الإنتاج الرأسمالي.
ـ البرنامج الوطني للتمكين الاقتصادي للنساء 2030 :
مبادرة حكومية أُنجزت بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ويُعد امتدادًا لمحاور خطة "إكرام 2"، يهدف إلى تعزيز مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية، من أهدافها الاستراتيجية: رفع معدل الشغل لدى النساء إلى 30٪ بحلول عام 2030 (مقابل حوالي 19٪ سنة 2020). ومضاعفة نسبة خريجات التعليم المهني لتصل إلى 8٪. إضافة إلى تهيئة بيئة ملائمة ومستدامة للتمكين الاقتصادي للنساء، تشمل الحماية القانونية وتحسين الحقوق. البرنامج له ثلاث محاور أساسية: أولا؛ لولوج إلى الفرص الاقتصادية ( دعم المقاولة النسائية، تسهيل الوصول إلى وسائل الإنتاج: الأراضي، المعدات، التمويل. وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ثانيا؛ التربية والتكوين ( مكافحة الهدر المدرسي، خاصة في المناطق القروية. رفع نسبة خريجات التكوين المهني. توعية المجتمع بدور النساء الاقتصادي ) ثالثاً؛ بيئة ملائمة ومستدامة (توفير فضاءات آمنة للعمل والتنقل، محاربة العنف في أماكن العمل ووسائل النقل، مراجعة القوانين التي تعيق استقلالية النساء الاقتصادية)
تروج الدولة لهذا المشروع على أنه مدخل للتنمية والعدالة الجندرية، لكنه يستخدم ويفتح المجال نحو مزيد من استخدام النساء كقوة عاملة رخيصة لدعم الاقتصاد التصديري.
• رابعًا: واقع نساء الهامش على ضوء خطاب التمكين.
نستدعي نموذجًا نقديًا لنساء المجال القروي، حيث يتجسّد استغلال متعدد الأبعاد، غياب الحق في الصحة، التعليم، والمواصلات فرض عليهن ظروف عيش قاسية. ويُوجَّهن للعمل في القطاع الفلاحي وغيره من القطاعات الأكثر شقاء وزهدا في الأجور، لساعات طويلة تفوق 10 يوميًا، دون عقود، تأمين، أو نقل آمن. إضافة إلى بنية التعليم الرديئة تؤدي إلى هدر مدرسي قسري في صفوف الفتيات بسبب سياسة تعليمية طبقية.
إن منطق الإدماج التنموي لا يقدم لهن تغييرا فعليا، بل يُحوّلهن إلى أدوات إنتاج بلا حماية قانونية أو نقابية.
• خامسًا: هل التمكين يقيس التحرر؟ أم يخفيه؟
خطاب الدولة يسوق التمكين كمدخل للمساواة، لكنه يحصره في العمل المأجور بدل العدالة السياسية والاجتماعية. كما أنه يُدار بمؤسسات بيروقراطية لا تمثّل الفئات الواسعة من نساء الطبقات الكادحة والمفقرة. فضلا على أنه يخدم ترتيب المغرب في تقارير التنمية الدولية بدل معالجة اختلالات توزيع الثروة. فالمساواة، بمنطقهم التقني، تُقاس بالمؤشرات الرقمية لا بعدالة الواقع.
• سادسا: نحو نسوية شعبية من الهامش
لأجل مستقبل أكثر عدالة، تظل الحاجة مُلحّة إلى نسوية منطلقة من الهامش، نسوية شعبية تنطلق من الأرض، من المعاناة اليومية، من التعبير الجماعي، لا من غرف التفاوض التقني، لتُعيد للخطاب النسوي جذوره السياسية والاجتماعية والشعبية. فالتحرر لا يتحقق إلا بتحرر الجميع من علاقات الهيمنة واللامساواة. ولا يمكن تصديق إمكانية تحرر فردي في ظل نظام يكرس الهيمنة الجماعية. إن السعي نحو تحرر جماعي من كل علاقات الهيمنة والاستغلال، يبرر حاجتنا الملحة اليوم لنضال نسوي يكتب تاريخه بأصوات المهمّشات، لا بأقلام ممثلي المؤسسات والبرامج الرسمية. لأنها مسرح يُعاد فيه إنتاج الصمت باسم "صوت النساء".
السؤال الحقيقي اليوم ليس: ما الذي تقدمه الدولة للنساء؟ بل كيف تعيد النساء تعريف أنفسهن خارج خطاب الدولة ؟
في ظل التحولات النيوليبرالية العالمية، تتحمّل نساء الجنوب تكلفة الافتراس الرأسمالي؛ توغل يتم عبر نفوذ متزايد للمؤسسات المالية العالمية، مما يُضعف السيادة المحلية، ويُرهق الفئات الشعبية، بحرمانها من خدمات اجتماعية جيدة ومجانية.
ضمن هذا الإطار، نطرح قراءة نقدية لمفهوم نسوية الدولة في النموذج المغربي. هذا المفهوم الذي صاغته الباحثة "هيلغا هيرنس" سنة 1987 في سياق دولة الرفاه النرويجية، ويشير إلى تبنّي الحكومات لسياسات نسوية داخل مؤسسات رسمية، لكن وفق أجندة تخدم مصالح الدولة لا مصالح النساء. سيرورة تتحوّل عبرها السياسات النسوية إلى أدوات إدارة وضبط، تُستخدم لضمان استقرار السلطة بدل التحرر الفعلي للنساء.
• ثانيا: خطاب التمكين الرسمي، بين الشعار والواقع.
في النموذج المغربي، يتمركز خطاب نسوية الدولة حول "التمكين"، لكنه يُستخدم لإعادة إنتاج بُنى القهر والتفقير. يستبدل مطلب العدالة بإجراءات شكلية في صورة قوانين فاقدة للأسس الاجتماعية والاقتصادية. ويُرفع شعار "حقوق النساء" ليصبح أداة ضبط اجتماعي لطيف المظهر، متوحش الجوهر. فكما نصبَّ الاستعمار نفسه محرّرًا للنساء لتبرير احتلاله، تقوم الدولة اليوم بصفتها وكيلا لهذا الاستعمار وراعيا لمصالحه باحتكار الحديث باسم نساء المغرب لشرعنة سلطة تمثيلهن وتوجيه نضالهن نحو غرف المؤسسات.
• ثالثًا: برامج التمكين كمداخل للاستغلال
نستعرض أبرز المشاريع المحلية التي تروّج للتمكين، بينما تُرسّخ الهشاشة:
ـ برنامج "مقاولتي": يستقطب النساء من المناطق المهمّشة للعمل في مصانع وضيعات بأجور زهيدة وظروف قاسية، دون ضمانات اجتماعية.
ـ خطة "إكرام 2": وهي النسخة الثانية من الخطة الحكومية للمساواة في المغرب، وامتدت بين عامي 2017 و2021. تعتمد على لغة المؤشرات التقنية، وتُقصي الحركات النسوية الجذرية لصالح مؤسسات ممولة، مما يُفرغ النضال من سياقه المحلي ويلحقه بدائرة التمويلات. وتصنف النساء كمُمَكّنات لاخفاء حقيقة استغلالهن داخل وحدات الإنتاج الرأسمالي.
ـ البرنامج الوطني للتمكين الاقتصادي للنساء 2030 :
مبادرة حكومية أُنجزت بشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ويُعد امتدادًا لمحاور خطة "إكرام 2"، يهدف إلى تعزيز مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية، من أهدافها الاستراتيجية: رفع معدل الشغل لدى النساء إلى 30٪ بحلول عام 2030 (مقابل حوالي 19٪ سنة 2020). ومضاعفة نسبة خريجات التعليم المهني لتصل إلى 8٪. إضافة إلى تهيئة بيئة ملائمة ومستدامة للتمكين الاقتصادي للنساء، تشمل الحماية القانونية وتحسين الحقوق. البرنامج له ثلاث محاور أساسية: أولا؛ لولوج إلى الفرص الاقتصادية ( دعم المقاولة النسائية، تسهيل الوصول إلى وسائل الإنتاج: الأراضي، المعدات، التمويل. وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ثانيا؛ التربية والتكوين ( مكافحة الهدر المدرسي، خاصة في المناطق القروية. رفع نسبة خريجات التكوين المهني. توعية المجتمع بدور النساء الاقتصادي ) ثالثاً؛ بيئة ملائمة ومستدامة (توفير فضاءات آمنة للعمل والتنقل، محاربة العنف في أماكن العمل ووسائل النقل، مراجعة القوانين التي تعيق استقلالية النساء الاقتصادية)
تروج الدولة لهذا المشروع على أنه مدخل للتنمية والعدالة الجندرية، لكنه يستخدم ويفتح المجال نحو مزيد من استخدام النساء كقوة عاملة رخيصة لدعم الاقتصاد التصديري.
• رابعًا: واقع نساء الهامش على ضوء خطاب التمكين.
نستدعي نموذجًا نقديًا لنساء المجال القروي، حيث يتجسّد استغلال متعدد الأبعاد، غياب الحق في الصحة، التعليم، والمواصلات فرض عليهن ظروف عيش قاسية. ويُوجَّهن للعمل في القطاع الفلاحي وغيره من القطاعات الأكثر شقاء وزهدا في الأجور، لساعات طويلة تفوق 10 يوميًا، دون عقود، تأمين، أو نقل آمن. إضافة إلى بنية التعليم الرديئة تؤدي إلى هدر مدرسي قسري في صفوف الفتيات بسبب سياسة تعليمية طبقية.
إن منطق الإدماج التنموي لا يقدم لهن تغييرا فعليا، بل يُحوّلهن إلى أدوات إنتاج بلا حماية قانونية أو نقابية.
• خامسًا: هل التمكين يقيس التحرر؟ أم يخفيه؟
خطاب الدولة يسوق التمكين كمدخل للمساواة، لكنه يحصره في العمل المأجور بدل العدالة السياسية والاجتماعية. كما أنه يُدار بمؤسسات بيروقراطية لا تمثّل الفئات الواسعة من نساء الطبقات الكادحة والمفقرة. فضلا على أنه يخدم ترتيب المغرب في تقارير التنمية الدولية بدل معالجة اختلالات توزيع الثروة. فالمساواة، بمنطقهم التقني، تُقاس بالمؤشرات الرقمية لا بعدالة الواقع.
• سادسا: نحو نسوية شعبية من الهامش
لأجل مستقبل أكثر عدالة، تظل الحاجة مُلحّة إلى نسوية منطلقة من الهامش، نسوية شعبية تنطلق من الأرض، من المعاناة اليومية، من التعبير الجماعي، لا من غرف التفاوض التقني، لتُعيد للخطاب النسوي جذوره السياسية والاجتماعية والشعبية. فالتحرر لا يتحقق إلا بتحرر الجميع من علاقات الهيمنة واللامساواة. ولا يمكن تصديق إمكانية تحرر فردي في ظل نظام يكرس الهيمنة الجماعية. إن السعي نحو تحرر جماعي من كل علاقات الهيمنة والاستغلال، يبرر حاجتنا الملحة اليوم لنضال نسوي يكتب تاريخه بأصوات المهمّشات، لا بأقلام ممثلي المؤسسات والبرامج الرسمية. لأنها مسرح يُعاد فيه إنتاج الصمت باسم "صوت النساء".
السؤال الحقيقي اليوم ليس: ما الذي تقدمه الدولة للنساء؟ بل كيف تعيد النساء تعريف أنفسهن خارج خطاب الدولة ؟