سعيد گنيش - الدائرة الجهنمية... القسم الرابع والأخير:

القسم الرابع والأخير:


لا يوجد ترياق جاهز لإزاحة الثقل التاريخي لنظام الاستعمار الجديد عن كاهل الطبقات الشعبية العاملة المغربية، ولكن توجد المقاومة وهي الأساس في إعادة بناء مجتمع امقاوم. المقاومة الشعبية موجودة بالفعل وتعبر عن نفسها بشكل مضمر ويومي، لكن لا تبرز وتعبر عن فعاليتها الاجتماعية والسياسية - أي دينامية الصراع الطبقي- بشكل واعي ومنظم وموحد بسبب ميزان القوى المختل بشكل حاد، وغياب الأداة الحزبية الثورية. وهما سبب ونتيجة مترابطين في آن واحد بشكل مركب.
أمام كل أزمة في المجتمع لا مناص من إشهار سلاح النقد، فالنقد والتقييم هما الشرط الأول للتطور وبلورة البديل والتغيير، لذلك فهو محرم من طرف نظام الطبقة المسيطرة، وهذا أمر منطقي لدوام السيطرة. لأن المطلوب لدى أجهزتها وداخل مؤسساتها هو المديح والتزلف والنفاق.
أما قوى المعارضة فهي في الواقع ترفض النقد والتقييم في صفوفها وفي دوائرها، وتعتبره ذما وهجوما شخصيا أو نيلا من موقع أو مكانة. وبسبب ممارسة نقد ولو جزئي تثار حروب وانقسامات وعداوات شخصية. هذه الوضعية تجد مسبباتها في انغراس فكر وثقافة الطبقة المسيطرة كمعطى تاريخي، داخل وعي وممارسة هذه القوى مهما تنوعت شعاراتها. ولا بد من معاكسة التيار بدون تنازل ومهما كانت التضحيات.
نقد وتقييم ماذا؟ أقترح
أولا، نقد وتقييم التيارات السياسية والفكرية التي تحكمت في نخب " اليسار الليبرالي والاصلاحي "، وكان لها تأثيرا قويا على حركة الطبقات الشعبية العاملة لأزيد من ثلاثة عقود، وقادت الكثير من معاركها، وتسببت في العديد من هزائمها في مجرى الصراع التحرري والطبقي. تم تراجع دورها وتحولت قياداتها طبقيا إلى العمالة لخدمة النظام المخزني وتبرير اختياراته لتصبح قوى ممخزنة. وقد ساهمت في شل العديد من المنظمات الجماهيرية النقابية والسياسية والثقافية والطلابية والشبابية والنسائية، وفي الاخير أورثتها لقوى الدين السياسية الطائفية لتعيث فيها تخريبا.
نقدا يهدف ويقود إلى إزاحة التأثير الفكري والسياسي "لليسار الليبرالي والاصلاحي" الذي ترسب في وعي وممارسة حركة الطبقات الشعبية العاملة.
تانيا إشهار سلاح النقد والتقييم ضد قوى الدين السياسي بماهي وقودا للثورة المضادة. لعبت ولا تزال دورا أساسيا في الردة التي حصلت في الوعي الثقافي والسياسي الشعبي، و في تشكيل وعي ديني رجعي وطائفي معادي للعروبة، يخدم الصهيو أمريكي ويصطف إلى جانب قوى الرجعية العربية.
إن الليبراليين وقوى الدين السياسي اليوم يجمعهم الولاء لأمريكا زعيمة الاقتصاد الرأسمالي المعولم، ولا خلاف بينهم حول التبعية للأسواق الخارجية التي تتحكم بها الشركات الاحتكارية، ويتنافسون في تقديم أكبر التنازلات لمصلحتها. أما الخلاف بينهما حول قوانين الأسرة وقضايا المرأة وغيرها، فتفرغ من أي محتوى يقود إلى مجتمع تحرري حينما تكون هذه القضايا في خدمة نظام الرأسمالية التبعية.
تم أليست قوى الرأسمالية في طورها الامبريالي هي من صنع الكيان ويحتضنه ويدعمه ويستثمر فيه لمصالحها التوسعية في العالم العربي، أما أغلب الأنظمة العربية فهي أيضا صنيعة لكن خدومة.
ثالثا، أؤكد على ان النقد والتقييم الذي أدعو له لا بد أن يكون ناتج عن حركة الصراع الطبقي ويتم بجهد جماعي وهو مضاد ومصوب ضد ثالوث الأعداء.
المساهمة في التنظيم الذاتي لحركات المقاومة الشعبية القائمة، التي يفرزها الصراع الطبقي اليومي في جميع أماكن وبؤر الصراع وتعبر بوضوح عن الرفض والخنوع والقبول بالأمر الواقع، أو تطرح مطالبها الأولية والمباشرة مع الاستعداد لتحقيقها بالأساليب النضالية التي تراها مناسبة وتعبر عن مستوى قدراتها الذاتية الملموسة.
فالنقد والتقييم ليس حركة معرفية تستهدف الوعي الاجتماعي الطبقي، ولكن هما مرتبطين بتنظيم المقاومة الشعبية أو الدفاع الذاتي بهدف توسيعهما وتوحيدهما. فالنضالات التي تخوضها الطبقات الشعبية العاملة هي القادرة على تهشيم الدائرة الجهنمية التي تكرس حالة الحصار الدائمة وتسلب إرادتها في المقاومة، بسبب الحرب الطبقية التي يشنها النظام المخزني وداعميه، وتغيير ميزان القوى. ومن رحمها تخرج إلى الوجود اداتها التنظيمية الطبقية بمساهمة المثقفين المشتبكين.
من الجلي التأكيد أن لا رهان على ظرفية عابرة، إذ لم يعد من المقبول تبرير إعادة إنتاج نفس الأوضاع لأن أصواتا من السياسيين الجهابذة تخرج داعية إلى تجريب وصفة "للتكتلات الوحدوية" أو "التجمع السياسي" حول برامج سياسية ليبرالية المحتوى منسوخة لما كان مطروحا، دون أن تتجرأ حتى عناء تقديم الحساب والجواب عن سبب واحد لسلسلة الهزائم والاخفاقات التي منيت بها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى