قراءة في ديوان
“مسلف من النسيان خطواتي”
احميدة بلبالي مسار شعري طويل بدأ منذ سنة 2004 مع إصدار “لسان الجمر”، وتواصل عبر محطات عديدة أبرزها: “الرحيل في شون الخاطر” (2009)، “شمس الماء” (2011)، “برية في كم الريح” (2016)، “تيفلت تبني أسوارها من أقلام” (2018)، “لا زربة على صباح” (2020)، و”رقص الغواية الأخير” (2023)، وصولا إلى هذا العمل الشعري الفريد.
يحمل ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” عنوانا مشبعا بالدلالة:
“مسلف” تحيل إلى ما هو مستعار أو مستدان،”من النسيان” تعكس ذاكرة تتلاشى أو محاولات للتمسك بما ضاع.
يوحي العنوان بأن الديوان محاولة لاسترجاع ما كاد ينسى، أو للتصالح مع الذاكرة والفقد، وذلك ضمن نصوص موزعة على ثماني قصائد طويلة، تمتد على 94 صفحة، ما يعكس نزوع الشاعر إلى القصيدة الممتدة، حيث يمنح الفكرة والنفس الشعري مجالا رحبا للنمو والانتشار، بعيدا عن الضيق والاختزال.
يغلب على الغلاف طابع التقشف البصري والرمزية العميقة. نرى صورة بالأسود والأبيض، تظهر شخصا يسير وحده في فضاء واسع تهيمن عليه الظلال الحادة والضوء القاسي. المساحة المضيئة تتقاطع مع منطقة مظلمة، بينما تمتد الخطوات إلى جهة مجهولة، ويبدو أن الشخصية تخرج أو تدخل من زاوية “مشطوبة” من الضوء والظل.
هذه التكوينات البصرية تدفعنا إلى عدد من القراءات الرمزية:
— الضوء والظل: يمثلان الثنائيات التي تحضر بقوة في الديوان: الحضور/الغياب، النسيان/التذكر، الماضي/الحاضر.
الشاعر يسير على الخط الفاصل بينهما، تماما كما يسير الشخص في الغلاف على تقاطع الضوء والظل.
— الوحدة والعزلة: الشخصية وحيدة، مما يعكس اغتراب الذات وتيهها، وهو نفس التيه الذي عبرت عنه قصيدة “دهشة التراب” وعموم نصوص الديوان.
— الخطوات والاتجاه الغامض: يتناغم العنوان “مسلف من النسيان خطواتي” مع الصورة؛ فالخطى تمضي، لكنها تسير إما نحو ضوء مهدد أو ظل كثيف. وكأن الخطى تقطع الزمن والذاكرة في اتجاه غير واضح. وهذا يشبه كثيرا ما تقوم به اللغة في الديوان: رحلة بلا خارطة واضحة.
— غياب الوجه والتفاصيل: هو تعبير عن الهوية المرتبكة أو الضائعة، أو ربما الرغبة في تحويل الشخصية إلى رمز لكل إنسان يقطع مسافات النسيان/الذاكرة/الحلم.
الأبيض والأسود: خيار جمالي مقصود يعطي بعدا كلاسيكيا لكنه أيضا يخدم جو الديوان الذي يتحدث عن فقدان، استعادة، استبطان داخلي، وتجربة شعورية.
غلاف “مسلف من النسيان خطواتي” ليس مجرد واجهة جمالية، بل هو جزء من النص الموازي الذي يعمق القراءة ويؤطرها. إنه صورة صامتة لكن ناطقة بمضامين الديوان: الخطى التي لا تنتمي تماما إلى الزمن، الشخصية المنعزلة، الضوء المهدد، والظل الذي يقتات على النسيان
بهذا التوظيف الذكي للصورة والعنوان والخط، يكرس احميدة بلبالي مشروعه الشعري كفعل بصري ولفظي يتجاوز الزجل والقصيدة المحكية إلى تجربة تنحت في الذاكرة والهوية والنص.
★الزجل والشعر:
حدود التماس وتقاطعات التجربة بين العامي والفصيح في ديوان “مسلف من النسيان خطواتي”
يعد الزجل فنا شعبيا مغربيا ضاربا في جذور الذاكرة الثقافية والاجتماعية، تميز بقدرته على التقاط نبض الحياة اليومية وتمثل وجدان الجماعة بلغتها ومرجعياتها. فهو فن تعبيري يستقي قوته من العامية المغربية، لا باعتبارها لغة متدنية، بل بوصفها حاملا حقيقيا لتجربة إنسانية غنية بالرموز والإيحاءات. ورغم جذوره الشعبية، فإن الزجل لم يتقوقع في قوالب جامدة، بل عرف تحولات عميقة مع مرور الزمن، خاصة مع تجارب معاصرة أخرجته من نطاق التداول الشعبي البسيط إلى آفاق شعرية تتقاطع مع أسئلة الحداثة.
في هذا الإطار، تبرز تجربة احميدة بلبالي كصوت زجلي متفرد، منح هذا الفن بعدا إنسانيا وفنيا جديدا، حيث جاءت لغته مشحونة بالتوتر الشعري، وصوره موغلة في الإيحاءات، مع المحافظة على اللسان الدارج نسبيا كوسيط تعبيري.
في ديوانه “مسلف من النسيان خطواتي”، يعلن بلبالي منذ الغلاف أنه يكتب “شعرا”، وليس فقط زجلا، مما يفتح الباب واسعا أمام إشكالية مفهومية تتعلق بحدود التمايز والتقاطع بين الشعر والزجل، ومشروعية استعمال مصطلح “الشعر” على ما يكتب بالعامية.
من الناحية النظرية، الشعر يفهم على أنه بنية لغوية وجمالية تتسم بالكثافة، والتخييل، والانزياح الدلالي، بغض النظر عن اللغة المستعملة (فصحى أو دارجة أو حتى لغة أجنبية). أما الزجل، فهو فن شعري يكتب بالعامية، ويخضع تقليديا، لمعايير موسيقية وإيقاعية خاصة، كما يرتبط غالبا بجمهور شعبي عريض.
غير أن هذا التمييز، على وضوحه، قد يصبح مضببا في حالات معينة، خصوصا مع التجارب الحداثية التي تسعى إلى تكسير الحدود الشكلية واللغوية. من هنا، فإن ما كتبه احميدة بلبالي لا ينضوي ضمن الزجل التقليدي، ولا ينتمي كليا إلى الشعر الفصيح، بل يمثل تجربة شعرية (هجينة)، تتحرك بين العامي والفصيح، وتستثمر إمكانيات الدارجة لإنتاج دلالات شعرية رفيعة، تقربها من مفهوم “الشعر” في عمقه.
ما يميز ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” هو هذه النزعة التجريبية التي تدفع بالزجل إلى تخوم الشعرية الحديثة. فبالرغم من أن اللغة المستعملة هي الدارجة المغربية، إلا أن البنية العامة للقصائد تنحو نحو قصيدة النثر، والتركيز على الصورة الشعرية، والبعد التأملي، والاشتغال على اللغة ككثافة رمزية لا كوسيط مباشر للتواصل.
لغة الديوان وإن بدت (دارجة) تقترب كثيرا من الفصحى، سواء من حيث التراكيب أو من حيث التوظيف الرمزي، وهذا ما يجعل القارئ يقف أمام نصوص تحتاج إلى تأويل وتفكيك، على عكس الزجل التقليدي الذي يبنى على التلقائية والسلاسة. من هنا، يحق لنا القول إن ما يقدمه بلبالي هو شعر بالدارجة وليس مجرد زجل، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في الحدود الفاصلة بينهما.
إن الانفتاح على الحداثة لا يجب أن يعني القطع مع روح الزجل الشعبي، أو حصره في النخبة الثقافية. فواحدة من سمات الزجل الأساسية هي قدرته على التعبير بلغة الجماعة، ومخاطبة وجدانها، والتداول الشفهي لنصوصه. لذا، فإن تحويل الزجل إلى ممارسة نخبوية مغلقة، بلغة شعرية مركبة
تتطلب أدوات تأويلية معقدة، قد يفقده بعضا من روحه الأصلية.
ومع ذلك، لا يمكن رفض التحديث، فالتجديد في الأشكال والتجريب مطلب فني مشروع، شريطة أن يراعى البعد التداولي والجمالي معا.
إن الحداثة في الزجل ينبغي ألا تقوم على نفي الجمهور، بل على الارتقاء به فنيا ومعرفيا، وإشراكه في تجربة تأملية جديدة دون أن يشعر بالاغتراب اللغوي أو الرمزي.
تجربة احميدة بلبالي، كما تتجلى في “مسلف من النسيان خطواتي”، تفتح أفقا جديدا لفهم الزجل، لا كفن شعبي جامد، بل كحقل إبداعي متجدد يمكنه أن يلامس الشعر، ويعيد صياغة لغة الحياة اليومية شعريا. غير أن هذا المسار يتطلب وعيا نقديا متوازنا، يفرق بين الزجل كشكل تعبيري، والشعر كجوهر فني، ويقبل بالتهجين كأفق، لا كخلط عشوائي.
فالزجل، وإن كان شعبيا في أصله، لا يمنع أن يكون حداثيا في صيغته، بشرط أن لا يتحول إلى خطاب معزول عن الناس الذين أنتجوه وأحبوه. إن توازن الحداثة والتواصل، في الزجل، هو ما يضمن له الاستمرار والتألق.
★الخصائص الفنية للشعر والزجل عند بلبالي
1. اللغة والأسلوب
يستخدم العامية المغربية، لكن بلغة شاعرية متوترة، نابضة، تتجاوز الزجل التقليدي إلى أفق القصيدة الحديثة، دون أن تفقد نكهتها الشعبية. لغته مشحونة بالصور والمجازات والتأملات الوجودية.
“البداية عدم
النهاية عدم
وبينهم فاصلة ل حياة
جوج شهوات
مدخل ل الوجود
وشهقة
مخرج ثاني
ل عدم جديد”
2. البنية الفنية
يعتمد على قصيدة النثر، يشتغل على التوازي والتكرار، ويفضل البناء المفتوح الذي يمنح النص أبعادا تأملية وفلسفية.
(تصورــ الظلام ــ باب شروقك ــ باب غروبك).
3. المواضيع الجوهرية
الذات والهوية
الزمن والنسيان
الفقد والتيه
الواقع الاجتماعي والسياسي
الحنين والتأمل الوجودي
“القطار
كهف فيه نتخلواو
أو جناح ل التحليق
والسؤال:
كيف نبنيو القدره
نكونوا هنا
ايلا شي نهار
كنا لهيه؟ ”
4. الرمزية والانفتاح الثقافي
يستحضر في نصوصه رموز كونية مثل (سيزيف ونرسيس)، مما يدل على انفتاحه على الأسطورة والثقافة الإنسانية، مع بقاء النص لصيقا بالتجربة الفردية والمحلية.
5. البلبالي
لا يتعامل مع الزجل كشكل تقليدي، بل يعيد صياغته ليتماهى مع أسئلة الشعر المعاصر، ويمنحه وظيفة وجودية توازي الشعر الفصيح.
“كل ما توحشت الما
ك نكتب: بحر
ونتسنا الموج
يفيق.
على شطيح نوارس
على عطش بحارة
تجي سفينتي تتمايل
سكرانه ب الشوق”.
★ قصيدة “دهشة التراب” – نموذج من الديوان
(الصفحة 27) تمثل لب الديوان وأفقه التأملي.
“دهشة التراب” نص شعري مشبع بالتأمل الوجودي والاغتراب الداخلي.
يفتتح الشاعر قصيدته بلقطة مشهدية صغيرة: كأس موضوعة على حافة الخواء، جدار يرتدي مرآة، وظهور الذات الشاعرة خلف المرايا، مثقلة بالزمن والخسارات.
يتماهى الشاعر مع المرايا، يسافر في أعماق الصور المنعكسة، حيث الماضي والحاضر والمستقبل تتداخل، والزمن يبدو مائعا بلا قنطرة تجمعه. يتنقل بين لحظات حزن ويقين ويأس وأمل هش، وتتحول المرايا إلى شواهد سفر في الذات والذاكرة.
“من سكاتي
عمرت كاس
اتكيت ف نصه الخاوي
الشوفة
حطيتها على حيط
وجه الحيط
كان لابس مراية
سافرت بي ورايا.”
الصورة الشعرية:
حميدة البلبالي في هذه القصيدة يرسم صورا شعرية مدهشة عبر تشبيهات مركبة وانزياحات لغوية غنية
” رسم ظل في ظل
رقصهم ب جوج
على ضحكة زوربا”
يلخص عبثية الوجود وفرحه الممزوج بالمرارة
“ضد في الصباح
لبس احلامنا
لون ب الربيع خريفها
ضد ف اللي فات.”
كذلك حين يقول:
“ركب حماق ل احماقنا
فصل جنوننا
فخ ل الليل”
يخلق شاعرنا نوعا من التراكيب المتداخلة الدالة على عمق الجنون الوجودي الذي يحاصر الإنسان.
البنية الإيقاعية:
رغم أن النص أقرب إلى قصيدة النثر من حيث الشكل، إلا أن الإيقاع الداخلي حاضر بقوة عبر التكرار واللعب على الجمل القصيرة والمتقطعة، مما يخلق نسقا موسيقيا متناغما مع التدفق الشعوري للنص.
ثيمات كبرى في القصيدة:
المرايا والزمن: المرآة هنا ليست أداة انعكاس سطحي، بل رمز عميق للسفر عبر الأزمنة والأحاسيس.
“المراية
سفر للماضي
تقلب شوية
ل جوج طرقان”
“والمراية عالم”
التاريخ الشخصي والجمعي: هناك مزج بين سيرة فردية وأثر إنساني أوسع (الإشارة إلى الديناصورات، الحوت، الفوسفاط…) مما يمنح النص بعدا كونيا.
اللغة والأسلوب:
اعتمد البلبالي على لغة شفافة، طافحة بالإيحاءات، تتكئ أحيانا على الأمثال والموروث الشعبي ولكنها تتجاوزها لتخلق خطابا شعريا معاصرا. نلاحظ أيضا استعماله لكلمات مألوفة مغربية
“جاي”، “الخاطر”، “النوستالجيا” مما يمنح النص طعمه المحلي دون أن يسجنه.
ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” هو في جوهره محاولة لترميم الذاكرة، والسير بين ركام الأحلام والخيبات بلغة شاعرة وأسلوب متفرد.
قصيدة “دهشة التراب”، بما تحمله من دهشة وحيرة ومرآيا الزمن المتكسرة، تصلح أن تكون عنوانا خفيا للديوان كله، الذي يقبض على لحظات الفقد، ويحاول أن يسلف من النسيان شيئا من خطواته نحو المستقبل.
“مسلف من النسيان خطواتي”
احميدة بلبالي مسار شعري طويل بدأ منذ سنة 2004 مع إصدار “لسان الجمر”، وتواصل عبر محطات عديدة أبرزها: “الرحيل في شون الخاطر” (2009)، “شمس الماء” (2011)، “برية في كم الريح” (2016)، “تيفلت تبني أسوارها من أقلام” (2018)، “لا زربة على صباح” (2020)، و”رقص الغواية الأخير” (2023)، وصولا إلى هذا العمل الشعري الفريد.
يحمل ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” عنوانا مشبعا بالدلالة:
“مسلف” تحيل إلى ما هو مستعار أو مستدان،”من النسيان” تعكس ذاكرة تتلاشى أو محاولات للتمسك بما ضاع.
يوحي العنوان بأن الديوان محاولة لاسترجاع ما كاد ينسى، أو للتصالح مع الذاكرة والفقد، وذلك ضمن نصوص موزعة على ثماني قصائد طويلة، تمتد على 94 صفحة، ما يعكس نزوع الشاعر إلى القصيدة الممتدة، حيث يمنح الفكرة والنفس الشعري مجالا رحبا للنمو والانتشار، بعيدا عن الضيق والاختزال.
يغلب على الغلاف طابع التقشف البصري والرمزية العميقة. نرى صورة بالأسود والأبيض، تظهر شخصا يسير وحده في فضاء واسع تهيمن عليه الظلال الحادة والضوء القاسي. المساحة المضيئة تتقاطع مع منطقة مظلمة، بينما تمتد الخطوات إلى جهة مجهولة، ويبدو أن الشخصية تخرج أو تدخل من زاوية “مشطوبة” من الضوء والظل.
هذه التكوينات البصرية تدفعنا إلى عدد من القراءات الرمزية:
— الضوء والظل: يمثلان الثنائيات التي تحضر بقوة في الديوان: الحضور/الغياب، النسيان/التذكر، الماضي/الحاضر.
الشاعر يسير على الخط الفاصل بينهما، تماما كما يسير الشخص في الغلاف على تقاطع الضوء والظل.
— الوحدة والعزلة: الشخصية وحيدة، مما يعكس اغتراب الذات وتيهها، وهو نفس التيه الذي عبرت عنه قصيدة “دهشة التراب” وعموم نصوص الديوان.
— الخطوات والاتجاه الغامض: يتناغم العنوان “مسلف من النسيان خطواتي” مع الصورة؛ فالخطى تمضي، لكنها تسير إما نحو ضوء مهدد أو ظل كثيف. وكأن الخطى تقطع الزمن والذاكرة في اتجاه غير واضح. وهذا يشبه كثيرا ما تقوم به اللغة في الديوان: رحلة بلا خارطة واضحة.
— غياب الوجه والتفاصيل: هو تعبير عن الهوية المرتبكة أو الضائعة، أو ربما الرغبة في تحويل الشخصية إلى رمز لكل إنسان يقطع مسافات النسيان/الذاكرة/الحلم.
الأبيض والأسود: خيار جمالي مقصود يعطي بعدا كلاسيكيا لكنه أيضا يخدم جو الديوان الذي يتحدث عن فقدان، استعادة، استبطان داخلي، وتجربة شعورية.
غلاف “مسلف من النسيان خطواتي” ليس مجرد واجهة جمالية، بل هو جزء من النص الموازي الذي يعمق القراءة ويؤطرها. إنه صورة صامتة لكن ناطقة بمضامين الديوان: الخطى التي لا تنتمي تماما إلى الزمن، الشخصية المنعزلة، الضوء المهدد، والظل الذي يقتات على النسيان
بهذا التوظيف الذكي للصورة والعنوان والخط، يكرس احميدة بلبالي مشروعه الشعري كفعل بصري ولفظي يتجاوز الزجل والقصيدة المحكية إلى تجربة تنحت في الذاكرة والهوية والنص.
★الزجل والشعر:
حدود التماس وتقاطعات التجربة بين العامي والفصيح في ديوان “مسلف من النسيان خطواتي”
يعد الزجل فنا شعبيا مغربيا ضاربا في جذور الذاكرة الثقافية والاجتماعية، تميز بقدرته على التقاط نبض الحياة اليومية وتمثل وجدان الجماعة بلغتها ومرجعياتها. فهو فن تعبيري يستقي قوته من العامية المغربية، لا باعتبارها لغة متدنية، بل بوصفها حاملا حقيقيا لتجربة إنسانية غنية بالرموز والإيحاءات. ورغم جذوره الشعبية، فإن الزجل لم يتقوقع في قوالب جامدة، بل عرف تحولات عميقة مع مرور الزمن، خاصة مع تجارب معاصرة أخرجته من نطاق التداول الشعبي البسيط إلى آفاق شعرية تتقاطع مع أسئلة الحداثة.
في هذا الإطار، تبرز تجربة احميدة بلبالي كصوت زجلي متفرد، منح هذا الفن بعدا إنسانيا وفنيا جديدا، حيث جاءت لغته مشحونة بالتوتر الشعري، وصوره موغلة في الإيحاءات، مع المحافظة على اللسان الدارج نسبيا كوسيط تعبيري.
في ديوانه “مسلف من النسيان خطواتي”، يعلن بلبالي منذ الغلاف أنه يكتب “شعرا”، وليس فقط زجلا، مما يفتح الباب واسعا أمام إشكالية مفهومية تتعلق بحدود التمايز والتقاطع بين الشعر والزجل، ومشروعية استعمال مصطلح “الشعر” على ما يكتب بالعامية.
من الناحية النظرية، الشعر يفهم على أنه بنية لغوية وجمالية تتسم بالكثافة، والتخييل، والانزياح الدلالي، بغض النظر عن اللغة المستعملة (فصحى أو دارجة أو حتى لغة أجنبية). أما الزجل، فهو فن شعري يكتب بالعامية، ويخضع تقليديا، لمعايير موسيقية وإيقاعية خاصة، كما يرتبط غالبا بجمهور شعبي عريض.
غير أن هذا التمييز، على وضوحه، قد يصبح مضببا في حالات معينة، خصوصا مع التجارب الحداثية التي تسعى إلى تكسير الحدود الشكلية واللغوية. من هنا، فإن ما كتبه احميدة بلبالي لا ينضوي ضمن الزجل التقليدي، ولا ينتمي كليا إلى الشعر الفصيح، بل يمثل تجربة شعرية (هجينة)، تتحرك بين العامي والفصيح، وتستثمر إمكانيات الدارجة لإنتاج دلالات شعرية رفيعة، تقربها من مفهوم “الشعر” في عمقه.
ما يميز ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” هو هذه النزعة التجريبية التي تدفع بالزجل إلى تخوم الشعرية الحديثة. فبالرغم من أن اللغة المستعملة هي الدارجة المغربية، إلا أن البنية العامة للقصائد تنحو نحو قصيدة النثر، والتركيز على الصورة الشعرية، والبعد التأملي، والاشتغال على اللغة ككثافة رمزية لا كوسيط مباشر للتواصل.
لغة الديوان وإن بدت (دارجة) تقترب كثيرا من الفصحى، سواء من حيث التراكيب أو من حيث التوظيف الرمزي، وهذا ما يجعل القارئ يقف أمام نصوص تحتاج إلى تأويل وتفكيك، على عكس الزجل التقليدي الذي يبنى على التلقائية والسلاسة. من هنا، يحق لنا القول إن ما يقدمه بلبالي هو شعر بالدارجة وليس مجرد زجل، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في الحدود الفاصلة بينهما.
إن الانفتاح على الحداثة لا يجب أن يعني القطع مع روح الزجل الشعبي، أو حصره في النخبة الثقافية. فواحدة من سمات الزجل الأساسية هي قدرته على التعبير بلغة الجماعة، ومخاطبة وجدانها، والتداول الشفهي لنصوصه. لذا، فإن تحويل الزجل إلى ممارسة نخبوية مغلقة، بلغة شعرية مركبة
تتطلب أدوات تأويلية معقدة، قد يفقده بعضا من روحه الأصلية.
ومع ذلك، لا يمكن رفض التحديث، فالتجديد في الأشكال والتجريب مطلب فني مشروع، شريطة أن يراعى البعد التداولي والجمالي معا.
إن الحداثة في الزجل ينبغي ألا تقوم على نفي الجمهور، بل على الارتقاء به فنيا ومعرفيا، وإشراكه في تجربة تأملية جديدة دون أن يشعر بالاغتراب اللغوي أو الرمزي.
تجربة احميدة بلبالي، كما تتجلى في “مسلف من النسيان خطواتي”، تفتح أفقا جديدا لفهم الزجل، لا كفن شعبي جامد، بل كحقل إبداعي متجدد يمكنه أن يلامس الشعر، ويعيد صياغة لغة الحياة اليومية شعريا. غير أن هذا المسار يتطلب وعيا نقديا متوازنا، يفرق بين الزجل كشكل تعبيري، والشعر كجوهر فني، ويقبل بالتهجين كأفق، لا كخلط عشوائي.
فالزجل، وإن كان شعبيا في أصله، لا يمنع أن يكون حداثيا في صيغته، بشرط أن لا يتحول إلى خطاب معزول عن الناس الذين أنتجوه وأحبوه. إن توازن الحداثة والتواصل، في الزجل، هو ما يضمن له الاستمرار والتألق.
★الخصائص الفنية للشعر والزجل عند بلبالي
1. اللغة والأسلوب
يستخدم العامية المغربية، لكن بلغة شاعرية متوترة، نابضة، تتجاوز الزجل التقليدي إلى أفق القصيدة الحديثة، دون أن تفقد نكهتها الشعبية. لغته مشحونة بالصور والمجازات والتأملات الوجودية.
“البداية عدم
النهاية عدم
وبينهم فاصلة ل حياة
جوج شهوات
مدخل ل الوجود
وشهقة
مخرج ثاني
ل عدم جديد”
2. البنية الفنية
يعتمد على قصيدة النثر، يشتغل على التوازي والتكرار، ويفضل البناء المفتوح الذي يمنح النص أبعادا تأملية وفلسفية.
(تصورــ الظلام ــ باب شروقك ــ باب غروبك).
3. المواضيع الجوهرية
الذات والهوية
الزمن والنسيان
الفقد والتيه
الواقع الاجتماعي والسياسي
الحنين والتأمل الوجودي
“القطار
كهف فيه نتخلواو
أو جناح ل التحليق
والسؤال:
كيف نبنيو القدره
نكونوا هنا
ايلا شي نهار
كنا لهيه؟ ”
4. الرمزية والانفتاح الثقافي
يستحضر في نصوصه رموز كونية مثل (سيزيف ونرسيس)، مما يدل على انفتاحه على الأسطورة والثقافة الإنسانية، مع بقاء النص لصيقا بالتجربة الفردية والمحلية.
5. البلبالي
لا يتعامل مع الزجل كشكل تقليدي، بل يعيد صياغته ليتماهى مع أسئلة الشعر المعاصر، ويمنحه وظيفة وجودية توازي الشعر الفصيح.
“كل ما توحشت الما
ك نكتب: بحر
ونتسنا الموج
يفيق.
على شطيح نوارس
على عطش بحارة
تجي سفينتي تتمايل
سكرانه ب الشوق”.
★ قصيدة “دهشة التراب” – نموذج من الديوان
(الصفحة 27) تمثل لب الديوان وأفقه التأملي.
“دهشة التراب” نص شعري مشبع بالتأمل الوجودي والاغتراب الداخلي.
يفتتح الشاعر قصيدته بلقطة مشهدية صغيرة: كأس موضوعة على حافة الخواء، جدار يرتدي مرآة، وظهور الذات الشاعرة خلف المرايا، مثقلة بالزمن والخسارات.
يتماهى الشاعر مع المرايا، يسافر في أعماق الصور المنعكسة، حيث الماضي والحاضر والمستقبل تتداخل، والزمن يبدو مائعا بلا قنطرة تجمعه. يتنقل بين لحظات حزن ويقين ويأس وأمل هش، وتتحول المرايا إلى شواهد سفر في الذات والذاكرة.
“من سكاتي
عمرت كاس
اتكيت ف نصه الخاوي
الشوفة
حطيتها على حيط
وجه الحيط
كان لابس مراية
سافرت بي ورايا.”
الصورة الشعرية:
حميدة البلبالي في هذه القصيدة يرسم صورا شعرية مدهشة عبر تشبيهات مركبة وانزياحات لغوية غنية
” رسم ظل في ظل
رقصهم ب جوج
على ضحكة زوربا”
يلخص عبثية الوجود وفرحه الممزوج بالمرارة
“ضد في الصباح
لبس احلامنا
لون ب الربيع خريفها
ضد ف اللي فات.”
كذلك حين يقول:
“ركب حماق ل احماقنا
فصل جنوننا
فخ ل الليل”
يخلق شاعرنا نوعا من التراكيب المتداخلة الدالة على عمق الجنون الوجودي الذي يحاصر الإنسان.
البنية الإيقاعية:
رغم أن النص أقرب إلى قصيدة النثر من حيث الشكل، إلا أن الإيقاع الداخلي حاضر بقوة عبر التكرار واللعب على الجمل القصيرة والمتقطعة، مما يخلق نسقا موسيقيا متناغما مع التدفق الشعوري للنص.
ثيمات كبرى في القصيدة:
المرايا والزمن: المرآة هنا ليست أداة انعكاس سطحي، بل رمز عميق للسفر عبر الأزمنة والأحاسيس.
“المراية
سفر للماضي
تقلب شوية
ل جوج طرقان”
“والمراية عالم”
التاريخ الشخصي والجمعي: هناك مزج بين سيرة فردية وأثر إنساني أوسع (الإشارة إلى الديناصورات، الحوت، الفوسفاط…) مما يمنح النص بعدا كونيا.
اللغة والأسلوب:
اعتمد البلبالي على لغة شفافة، طافحة بالإيحاءات، تتكئ أحيانا على الأمثال والموروث الشعبي ولكنها تتجاوزها لتخلق خطابا شعريا معاصرا. نلاحظ أيضا استعماله لكلمات مألوفة مغربية
“جاي”، “الخاطر”، “النوستالجيا” مما يمنح النص طعمه المحلي دون أن يسجنه.
ديوان “مسلف من النسيان خطواتي” هو في جوهره محاولة لترميم الذاكرة، والسير بين ركام الأحلام والخيبات بلغة شاعرة وأسلوب متفرد.
قصيدة “دهشة التراب”، بما تحمله من دهشة وحيرة ومرآيا الزمن المتكسرة، تصلح أن تكون عنوانا خفيا للديوان كله، الذي يقبض على لحظات الفقد، ويحاول أن يسلف من النسيان شيئا من خطواته نحو المستقبل.